الدولة: عدد الرسائل: 25691تاريخ التسجيل: 08/12/2007المزاج: الأوسمة .:
موضوع: رد: كنوز..شادية الخميس 2 سبتمبر 2010 - 2:10
شادية... قمر لا يغيب (4) دلوعة السينما العربيّة لن تتنازل عن القمّة
لم يكن حواراً عابرا ذاك الذي دار بين شادية وشقيقتها، خلال رحلة الاطمئنان والاستجمام، حول الاعتزال والتفرغ للعبادة، فإذا كانت عفاف تفكّر في الموضوع بشكل جدي، ظناً منها أن أمام شادية وقتاً طويلاً لتنفّذ هذا القرار الذي يعدّ الأهم لأي فنان عبر تاريخه، خصوصاً إذا كان هذا الفنان نجماً، فما بالنا إذا كان أحد النجوم أصحاب التاريخ الطويل، مثل شادية... فلا بد من أن يكون هو الأخطر بل الأصعب عليها.
هكذا كان ظنّ شقيقتها، لذا لم تشأ أن تتحدث ثانيةً مع شادية في هذا الموضوع، كذلك لم تتحدث به مع غيرها، خشية أن يكون ما قالته شادية ردة فعل طبيعية لها بعد الجراحة ومحنة المرض والخوف من المجهول، وقد تراجع شادية نفسها في الأمر فور عودتها من أميركا إلى حياة الأضواء والنجومية مرة أخرى.
لكن يبدو أن شادية حددت بداية طريق جديد لها، طريق يختلف عن كل ما فات، طريق قد يكون مرت عليه بشكل عابر في مراحل مختلفة من حياتها لكنها لم تتوقف عنده... حتى شعرت أنه يجذبها... لكن حتى الآن لم تتبين معالمه بعد.
فيما كانت شادية تجري فحوصات للاطمئنان على صحتها، وتستجمّ بعض الوقت في أميركا لاستعادة طبيعتها التي تبدلت بفعل المرض، كانت أصداء فيلمها الأخير {لا تسألني من أنا} تتردد بقوة، ويسأل الجمهور بإصرار متى تعاود المسرحية عروضها التي توقفت بسبب سفر شادية.
وقبل هذا وذاك كان الجمهور يريد الاطمئنان على صحة محبوبته، بعدما نشرت الصحف أخباراً متضاربة حول صحتها ومرضها، البعض يقول إنها تعاني من مرض خبيث في الصدر وآخر أنها استأصلت صدرها بالكامل في جراحة ناجحة، وفئة ثالثة تؤكد أن شيئاً من هذا لم يحدث وشادية بخير، كل ما هنالك إرهاق بسبب عملها في المسرح الذي لم تعتد عليه، فيما تجزم فئة رابعة أن شادية في بيتها في القاهرة ولم تغادره، وتقول فئة خامسة إنها موجودة في أحد مستشفيات القاهرة وتعاني مرضاً خطيراً.
في خضم هذه الإشاعات والأقوال المتضاربة، كانت إحدى الممثلات تخطط للحدّ من الصعود الذي لا ينتهي لشادية... علها تأخذ فرصتها في الصعود من دون منافس، وذلك بعدما أغاظها النجاح الكبير الذي حققته شادية في العامين الأخيرين، من خلال فيلم سجل نجاحاً ساحقاً ومسرحية قدمت للمرة الأولى المسرح الغنائي الاستعراضي بشكله الحقيقي الذي غاب طويلا، بل وحصول شادية على أعلى أجر سواء في المسرح أو السينما، فاتصلت بأحد الصحافيين المقرّبين منها وطلبت مقابلته في ستديو الأهرام بحجة حضور تصوير المشاهد الأخيرة في فيلمها الجديد:
• صباح الفلّ يا فنانة... أخبارك إيه... أنا في انتظارك من بدري على معادنا.
• أهلا صباح الخير... أرجوك سيبني شوية مش هقدر أتكلم في أي حاجة دلوقت!
• أيوه ده أنا هنا من بدري زي ما طلبتي علشان آخد منك كلاماً عن الفيلم الجديد ولا نسيتي.
قالت وهي تخلع نظاراتها الشمسية التي تغطي نصف وجهها تقريباً:
• إيه ده... إنتي باين عليكي معيّطة أو مش نايمة كويس... فيه حاجة ولا إيه؟!
• وأنا جاية في الطريق سمعت خبر وحش قوي صدمني وخلاني مش قادرة أتماسك ويمكن إلغي التصوير النهاردة.
• يا ساتر يارب... خبر إيه ده؟
• الفنانة الكبيرة شادية.
• مالها؟ تعبت تاني؟ دول بيقولوا إنها بقت كويسة وكان عندها شوية إرهاق وانتهى... حتى أنا سمعت إنها بتحضّر لفيلم جديد.
• يا ريت... أنا سمعت إنها... إنها... تعيش أنت!!
يهبّ الصحافي منتفضاً كمن قرصه عقرب:
• بتقولي إيه... يا نهار إسود ماتت؟!!
تجذبه من ذراعه لتعيده إلى الجلوس:
• بس... بس... أسكت... لو إنت مش صديقي وتعز عليَّا أنا ما كنتش قولتلك السبق الصحافي ده... أنا مش عاوزة شوشرة هنا في البلاتوه... وكمان ده مش في مصلحتك إنت... لأن لو حدّ عرف هنا في الأستديو ممكن يبلغوا أي صحافي تاني ويسبقك بالخبر في جريدته.
• أيوه بس دي كانت صحتها حلوة قوي في المسرح... وكمان كانت بتجهز لفيلم جديد... ماتت إزاي؟!
• ماتت زي الناس... زي ما كل الناس هتموت... الله يرحمها.
• إنتي متأكدة ولا حدّ ابن حرام مطلّع الإشاعة دي؟
• الموت ما فهوش هزار... وبعدين إنت عارف إنها حبيبتي إنت مش شايف وشي عامل إزاي من ساعة ما سمعت الخبر...
• لا حول ولا قوة إلا بالله... كانت فنانة عظيمة... وأخلصت لفنها لحد آخر يوم في حياتها.
• الله يرحمها المهمّ أنا ما قولتلكش حاجة... تخرج من هنا على الجريدة من غير ما تقول لحدّ... علشان تلحق تكتب الخبر.
• طب إنتي متعرفيش هي فين دلوقتي... قصدي ماتت فين... في بيتها ولا في المستشفى.
• اللي نقل لي الخبر قال إنها بعد العملية اللي شالت فيها صدرها حالتها ساءت ودخلوها العناية المركزة في مستشفى المقاولين العرب في مدينة نصر... وماتت وهي في العناية المركزة.
سرت الإشاعة سريان النار في الهشيم، انتشر الخبر وتناقلته الصحف المصرية والعربية، ووكالات الأنباء:
} بعد صراع مع المرض وجراحة فاشلة رحلت دلوعة السينما المصرية}
في ذلك الوقت كانت شادية تنعم بأيام من الراحة والاستجمام مع والدتها وشقيقتيها سعاد وعفاف في مدينة لوس أنجلوس في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وعلى رغم آلاف الكيلومترات التي تبعد بين شادية والإشاعة، إلا أنها شعرت بأمر غير طبيعي عندما كانت تتجول في المحلات في أميركا للتسوق وتقابل الأسر العربية التي أذهلها أن شادية ما زالت على قيد الحياة.
تضارب الأخبار
أحدثت الإشاعة ردة فعل قوية، وكانت بمثابة الخبر اليقين، لا سيما أن الأجواء مهدت لها بسبب تضارب الأخبار حول مرضها الذي سبق هذه الإشاعة بفترة قصيرة، لكن عندما تصل الإشاعة إلى حدّ الإعلان الرسمي في أجهزة الإعلام الرسمية للدولة، فلا بد من التأكد تماماً قبل بث خبر وفاتها، وهو ما فعله صفوت الشريف وزير الإعلام المصري عندما فاتحه رئيس التلفزيون المصري حسين عنان لمعرفة رأيه حول بث الخبر:
• يا فندم فيه خبر مهم.. مش عارفة نبثه ولاَّ ننتظر.
• خبر إيه.
• وكالات الأنباء بثت أن الفنانة شادية توفيت.
• إمتى الكلام ده؟
• من حوالى ساعة.
• طيب كلمتوا حدّ من أسرتها أو أي حدّ قريب منها؟
• معالي الوزير إحنا بنعمل اتصالات لحد دلوقتي وكل اللي بنكلمه يقول إنه سمع الخبر مننا ومش مصدق!!
• يبقى مش لازم تستعجلوا وتبثوا خبر زي ده ممكن يعمل بلبلة في الشارع ويطلع في الآخر إشاعة... لازم نتأكد من أسرتها مش من أي حدّ تاني.
• يا فندم إحنا بنتصل ببيتها محدش بيردّ... وعرفنا أنها كانت سافرت لأميركا.
• أيوه أختها عفاف في أميركا... كلموها أكيد تعرف حاجة.
في نفس اليوم 19 سبتمبر (ايلول) 1986، أجرى التلفزيون المصري لقاء مباشراً مع شادية عبر الهاتف من لوس انجلوس، وأمر وزير الإعلام صفوت الشريف بإذاعته على القناتين الأولى والثانية لتلفزيون مصر، وتكررت إذاعة هذا اللقاء مرات في نشرتي التاسعة على القناة الأولى وأحداث 24 ساعة على القناة الثانية، فصدرت الصحف المصرية والعربية في اليوم التالي تتصدر صورة شادية صفحاتها الأولى، مع نشر أجزاء من كلامها الذي أدلت به إلى التلفزيون المصري، لطمأنة جمهورها في مصر والدول العربية بأنها بخير، مؤكدة أنها لم تغضب من هذه الإشاعة لأنها تؤمن بأن الأعمار بيد الله، وليس من كبير على الموت، وقد عبرت عن هذا الإحساس أمام الأشخاص الذين استنكروا هذه الإشاعة السخيفة:
• الله يسامح اللي طلع الإشاعة... بس أنا مش زعلانة... بالعكس دي خلتني أحس قد إيه الناس بتحبني... والحمد لله دي نعمة كبيرة... لكن في النهاية ما فيش حدّ كبير على الموت، كلنا هنموت ومش هيفضل إلا العمل الطيب، والحكاية ملهاش علاقة بالمرض أو الصحة، لأن المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين، وبعدين هو فيه أفضل من إنو الواحد يقابل ربنا.. ثم أنا هكون أفضل من مين؟! كل الأنبياء ماتوا والرسول محمد عليه الصلاة والسلام مات، الملوك والرؤساء ماتوا وبيموتوا ولن يبقى إلا وجه ربك الكريم... هو بس الفراق اللي بيكون صعب... المهم الواحد يعمل علشان اليوم ده!!
نجومية جديدة
بعد هذه الواقعة بأسبوع تقريباً عادت شادية إلى القاهرة، لتقطع بعودتها كل ما تردّد أثناء غيابها، غير أنها فوجئت عند خروجها من مطار القاهرة بما لم تتوقعه، فقد نشرت الصحف خبر وصولها إلى مصر في ذلك اليوم، لتجد شادية في استقبالها جماهير غفيرة، تجمعت في تظاهرة حبّ لم ترَ لها مثيلا في كل النجاحات التي حققتها في حياتها سواء على مستوى التمثيل أو الغناء.
وصلت شادية إلى القاهرة في الأسبوع الأخير من سبتمبر، ودخلت في اليوم التالي الأستديو لعمل بروفات على مجموعة من الأغاني كانت تستعد لغنائها، تحديداً أغنيتي {ياحبيبتي يا مصر} و{مصر اليوم في عيد} وأغاني أخرى سبق أن غنتها في مثل هذه المناسبات، فلم يكن ثمة متسع من الوقت لاحتفالات ذكرى نصر أكتوبر في العام 1986.
غنت شادية في احتفالات أكتوبر، كما لم تغنِّ من قبل، أدهشت الجميع، كأنها كانت تريد أن ترسل رسالة إلى الجماهير والنقاد والفنانين، بأنها ستظل شادية، متألقة وفي القمة.
بدا للجميع كأن شادية تبدأ رحلة جديدة من النجومية والتألق، عكس ما توقع البعض، وأدركوا أنها ربما دخلت مرحلة جديدة مختلفة ومتألقة، اختفى الأسى والشجن من وجهها، عادت مشرقة تماماً وبدت كمن عثر أخيرا على السعادة بعد افتقادها، وعقب الحفلة كتبت الصحافة كأنها تكتشفها من جديد... وأشادت المقالات بأدائها.
كتبت نعم الباز في الأخبار:
• وعادت شادية إلى حلاوتها الأولى، وشقاوتها الأولى، وطعامتها الأولى.
كذلك كتب الموسيقار مدحت عاصم مقالا يوضح فيه كيف ولماذا ظهرت شادية هكذا مؤكدا:
• شادية تكتب شهادة ميلاد نجومية جديدة.. فقد أصبحت {صوت مصر}.
كان الناقد صلاح درويش، قد هاجمها بقسوة في جريدة {الجمهورية} بعد فيلمها {وادي الذكريات} الذي قدمته في العام 1981 مع المخرج هنري بركات، غير أنه في هذا اليوم كتب كأنه يبدي ندمه على سوء ظنه بها مؤكدا أن:
• هذه هي شادية التي نعرفها... لن تتنازل عن القمة.
كتب الجميع عما شاهدوه، وشهدوا لشادية في تلك الليلة، ولم يستطع البعيد قبل القريب، العدو ـ على شاكلة صاحبتنا مطلقة الإشاعة ـ قبل الصديق، إخفاء دهشتهم مما رأوه من تألق ونجومية في هذه الليلة.
خد بإيدي
عاشت شادية نشوة نجاح جديد، إلا أنه لم ينسها ما تفكر فيه ولم يجعلها تتجاهل الإحساس الذي تعيشه، ولم يغرها بالعودة إلى المسرح، كما لم تفكر في السينما على رغم أن ثمة مشروع فيلم كانت اتفقت عليه مسبقاً مع الكاتبة سكينة فؤاد مقتبساً من روايتها {ترويض الرجل}.
كانت شادية معجبة بالرواية وبطلتها {نورا} التي وصفتها بأنها {شهرزاد الجديدة}، التي تأسر الرجل بعقلها وقلبها وتنجح في ترويضه أو تحويل الأشواك أو الأفكار التي تملأ قلبه وعقله ضد المرأة إلى أرض خصبة تصلح لإقامة حياة جديدة... هكذا كانت شادية تفكر... وهذا ما كانت تتمنى تقديمه في هذه المرحلة.
غير أن شادية أرجأت الحديث في أي أعمال أو تعاقدات جديدة، إلا تعاقد واحد فحسب، هو الغناء في {الليلة المحمدية الثانية} التي ستقيمها الإذاعة المصرية يوم الجمعة 14 نوفمبر (تشرين الثاني) بقيادة الإذاعي فهمي عمر، في ذكرى المولد النبوي الشريف.
كان استعداد شادية لهذه الحفلة مختلفاً عن أي استعداد سابق، كأنها ستغني للمرة الأولى في حياتها، حرصت على أن تقرأ أكثر من كلمات أغنية جديدة، حتى وجدت ما يجذبها في كلمات شعرت بأنها مختلفة عن كل ما سبق أن قرأته أو سمعته، كلمات كتبتها الشاعرة {علية الجعار} تقول:
جه حبيبي وخد بإيدي.
قلت له أمرك يا سيدي... أمرك ياسيدي
جه وعرفني طريقي وسكتي
وف هداه وف نوره مشيت خطوتي
وف حماه هلت بشاير فرحتي
والأمان فرد الجناح على دنيتي
قلت يا شموع الأمل حواليه قيدي
جه حبيبي وخد بإيدي.
قلت له أمرك يا سيدي...أمرك يا سيدي
لما جه سلمتله عقلي وقلبي
من حنانه ورحمته وعطفه علّيه
هو نعمة من السما
أرسلها ربي بالهدى
بالخير لكل الإنسانية
يوم ماجه حسيت بإن اليوم ده عيدي
جه حبيبي وخد بإيدي
قلت له أمرك يا سيدي.. أمرك يا سيدي
وآدي حالي وحال جميع المؤمنين
اللي آمنوا بالنبي الهادي الأمين
اللي جه رحمة لكل العالمين
يا نبينا يا ختام المرسلين
خد بإيدي...خد بإيدي...خد بإيدي
ما إن قرأت شادية كلمات الأغنية حتى سالت دموعها على خديها... وبادرت الشاعرة علية الجعار:
• عليه الصلاة والسلام... الله... مش ممكن!! حاسة إن دي الكلمات اللي عايزة أقولها دلوقتي... حاسة كإنك دخلتي جوايا وكتبتي كلمات كانت تايهة جوايا... وإنتي قدرتي تخرجيها...
• دي شهادة جميلة أعتز بيها.
• أنا مش بجاملك... ولا ده إحساس مطربة معجبة بكلمات أغنية... لا... الموضوع بعيد عن شادية المطربة... أنا حاسة إن الكلام ده عايزة أصرخ بيه بأعلى صوتي لحدّ الدنيا كلها ما تسمعه منيّ.
• جميل جدا ًإن إحساسك بالكلام يكون بالشكل ده.
• علية... إنتي مش فاهماني... طبعاً أكيد الكلام كأغنية جميل... بس أنا مش قصدي إن الموضوع مجرد أغنية... الموضوع أكبر من كده خالص بالنسبة ليّ.
قالت هذه الكلمات وراحت الدموع تسيل مجدداً على خديها:
• مالك يا أستاذة خير... في الأول كنت فاكرة إنك متأثرة بكلمات الأغنية... لكن واضح إن فيه حاجة تانية.
• لا أبداً... مفيش حاجة... إلا قوليلي إحنا ليه ما بنشتغلش مع بعض.
• أبداً ما كانش فيه مناسبة... ولما جت المناسبة أهوه اشتغلنا...
• لا... أنا عاوزة نشتغل مع بعض كتير... يا ريت لو عندك كلام تاني في السكة دى أشوفه.
• فيه طبعاً.. بس ربنا يسهل وتطلع الأغنية دي ونشوف غيرها.
• أكيد يا علية... لأن إحساسك عالي قوي في الأغاني الدينية... والكلام خارج من قلب عمران مش مجرد حبر على ورق أو كلمات حلوة... لا ده شيء مختلف خالص.
شيء ما غريب شعرت به شادية منذ قرأت هذه الكلمات، فكلما قرأتها على الورقة، أو غنتها مع الملحن الشاب عبد المنعم البارودي خلال البروفات سالت دموعها... في كل مرة... كأنها تقرأها أو تسمعها للمرة الأولى، لدرجة أنها كانت تثير دهشة كل من حولها.
استمرت شادية على هذه الحال حتى ليلة ذكرى المولد النبوي الشريف، التي صادفت يوم الجمعة 14 نوفمبر 1986، بدأت الاستعداد مبكراً صباح يوم الجمعة، أدت الصلاة، ودعت أن تصادفها في هذا اليوم ساعة الإجابة التي قال عنها سيد المرسلين:
{إن في يوم الجمعة ساعة إجابة... ادعوا الله أن تصادفوها}.
كان مقرراً أن ترتدي شادية فستان سهرة مفتوحاً وله نصف كمّ، أحضرته معها من أميركا لأول حفلة ستظهر فيها بعد عودتها، وهيأت نفسها لذلك، غير أنها في هذا اليوم بدلته بفستان أبيض محتشم حتى الرقبة، وكمّ طويل، ارتدته كأنها تستعدّ لرحلة ستقترب فيها من أمر عظيم، فشعر كل من رآها في ذلك اليوم بأنها أقرب إلى الحالة {الملائكية}... بالتأكيد لم يرَ أحد منا الملائكة... غير أن الناس اعتادوا أن يطلقوا هذا التشبيه على من يشعّ النور من وجوههم، على من تطلّ الشفافية منهم... هكذا بدت شادية في ليلة عرسها وهي تستعدّ لمناجاة الحبيب.
قبل الموعد وصلت شادية إلى مسرح الجمهورية وسط القاهرة، كانت رائحة البخور تنطلق في حجرتها ـ كما أوصت بذلك ـ فأضفت أجواء روحانية اقتربت بها مما تسعى إليه...
جلست شادية بمفردها، رفضت أن يدخل أحد حجرتها قبل أن تصعد إلى خشبة المسرح، حتى أقرب المقربين، ربما رفضت أن تتكلم بكلام البشر وأن تظل في هذه الحالة حتى تبدأ المناجاة، فراحت تقرأ آيات من الذكر الحكيم حتى سمعت طرقاً على باب غرفتها:
• المسرح جاهز يا أستاذة .
بدأت الحفلة، ونقلتها الإذاعة والتلفزيون على الهواء مباشرة. جلس الحضور في المسرح بانتباه شديد، وانتظر جمهور الراديو والتلفزيون أن تطلّ عليه شادية بصوتها وشكلها الجديد الذي مهدت له الصحف منذ بدأت البروفات والأغاني الجديدة التي ستغنيها الليلة. الجمهور ينتظر {الدلوعة} التي ستشدو أغاني دينية.
صعدت شادية إلى خشبة المسرح، قابلها تصفيق غير عادي، وفي لحظة خاطفة ألقت بنظرها على الحضور، شعرت بدفء يشع من أعينهم لم تعتده، شعرت بأنهم يحتضنونها بأعينهم، وغنت {خد بإيدي}، فأجادت كما لم تجد سابقاً، وطالبها الجمهور بأن تعيد مرة بعد مرة حتى وصلت إلى خمس مرات، ولا يكفّ التصفيق حتى تصل إلى مقطع الأغنية الذي يقول:
وادي حالي وحال جميع المؤمنين..
اللي آمنوا بالنبي الهادي الآمين..
اللي جه رحمة لكل العالمين..
خد بإيدي...خد بإيدي... خد بإيدي}.
خرجت الكلمات تشق صدرها، لم تكن مجرد كلمات أغنية تتغنى بها بل مناجاة صادقة تسعى إلى أن تصادفها ساعة إجابة في هذا اليوم الكريم.
يطلب منها الجمهور الإعادة فتتوهج وتنفرج أساريرها، تطلّ الدموع من عينيها، تبدو خاشعة مبتهلة، تغنّي بكل حواسها، تناجي الرسول (صلى الله عليه وسلم): {خد بإيدي يا نبينا يا محمد يا خِتّام المرسلين}.
تنعكس مناجاة شادية على جمهورها، تسيل الدموع من أعينهم، يشاركونها لحظة التجلي كأنهم يعينونها على الدعاء، يبتهلون إلى الله من أجلها.
يبدو أن شادية صادفت ساعة الإجابة في هذا اليوم، الجمعة 14 نوفمبر 1986 الموافق 11 ربيع الأول 1407، ليلة ذكرى مولد الرسول (صلى الله عليه وسلم).
توفيق من الله
لم تكفّ الأيدي عن التصفيق، وقف الجمهور وكلما انحنت شادية لتحيّته زاد التصفيق، لم تستطع أن تمسك دموعها، رأى الجمهور دموعها فزاد تصفيقه حتى رفعت يدها في إشارة للكف عن التصفيق، ففهم الجمهور أن ثمة شيئاً تريد أن تقوله، بالفعل كانت المرة الأولى التي تتحدث فيها شادية إلى جمهورها بشكل مباشر من دون غناء، شعرت بأنها تريد أن تشركه معها فرحتها وأن تزفّ إليه البشرى، فقد كانت تخشى التجربة. كيف للدلوعة، التي ملأت الشاشة والميكرفون شقاوة وحباً، أن تغني أغاني دينية ويستمتع بها الجمهور إلى هذا الحدّ، بل ويستعيدها ويطرب لسماع كل كلمة تؤديها؟ مؤكد أنه توفيق من الله، لذا كان لا بد من أن تزفّ إليه البشرى، وتمهد له خبر طريقها الجديد، أشارت إليه فتوقف عن التصفيق:
• كل سنة وإنتم طيبين... أشكركم... أشكركم من كل قلبي... ما تعرفوش قد إيه أنا سعيدة... سعيدة بيكم... سعيدة إن ربنا وفقني والحمد لله في تقديم أغنية من اللون ده... وتنجح معاكم النجاح ده... علشان كده أنا بوعدكم بإذن الله أننا هيكون لنا لقاءات تانية جاية مع النوع ده من الأغاني... ويارب يديم عليكم الصحة والسعادة... وكل سنة وإنتم طيبين.
أنهت شادية كلماتها لجمهورها ودوى التصفيق مجدداً، وأغلقت الستارة، غير أنه لم يدر بخلد الإثنين معاً ـ شادية والجمهور ـ أنها ربما كانت كلمات وداع... لا كلمات وعد بلقاء جديد!
أفضل مطربة
ربما طربت شادية لكلمات الإعجاب والإشادة والتقدير، التي كتبتها الصحافة المصرية والعربية منذ حفل {الليلة المحمدية}، كلمات ارتفعت بها إلى عنان السماء، لتتجاوز قمة الهرم ومن كان يجلس عليها في ذلك الوقت من مطربين ومطربات أو حتى ممثلين وممثلات، غير أن إعجابها بكل ما كتب لم يكن دافعاً قوياً لاستعجال الشاعرة علية الجعار لكتابة الأغنية التالية، فكلما أمسكت بسماعة الهاتف لتسأل عن أخبار الأغنية الجديدة، تركت السماعة من يدها وتراجعت، شيء ما كان يسكت هذا الصوت في داخلها.
في اليوم الأول من العام 1987، أعلنت الصحف المصرية فوز {خد بإيدي} بلقب أفضل أغنية للعام، وذلك في الاستفتاء الذي اعتادت إذاعة {الشرق الأوسط} من القاهرة أن تجريه سنوياً، غير أن هذا العام كان له طابع خاص ومميز، فلم يكن استفتاءً عادياً بين المستمعين للإذاعة، بل شمل نحو 700 شخصية عامة، بين سياسيين ومثقفين وفنانين ونجوم مجتمع وأساتذة جامعيين، أو من يقال عنهم الصفوة أو {كريمة المجتمع}...
أجمع كل هؤلاء على أن شادية هي الأفضل، وللمرة الأولى في استفتاء فني، يتم اختيار أغنية دينية لتكون هي الأجمل والأفضل بين ما قدم خلال العام المنقضي.
كذلك، أعلن عن فوز شادية بلقب أفضل مطربة لعام 1986 من خلال مسلسل {شيء من الحبّ} الذي قدمته في إذاعة الكويت، سيناريو بهجت قمر وإخراج وجدي الحكيم، وهو مأخوذ عن الفيلم العالمي {صوت الموسيقى}، ويتمحور حول إلهام التي تجد نفسها فجأة مسؤولة عن تربية خمسة أطفال والغناء لهم، وذلك نتيجة استفتاء أجرته إذاعة الكويت وقد فازت أغانيها في المسلسل أيضاً بأفضل أغان تربوية للأطفال. هكذا أضحت المطربة الأفضل، بشهادة الجمهور والنقاد والشخصيات العامة، عندما غنت أغاني عاطفية ورومنسية، وعندما غنت للطفل وعندما غنت أغاني دينية.
رحلة البداية
على رغم حالة الانتشاء التي يعيشها المقربون من شادية، ابن شقيقها وصديقها المقرب ومدير أعمالها خالد طاهر، الذي حلّ محل والده، وبقية الأخوة وأبناء أخوتها وقبلهم الأم، إلا أن قلب شادية وعقلها كانا مشغولين بأمر آخر، كان ردها الوحيد على كل ما يقال من كلمات ثناء أو مديح:
• الحمد لله... اللي حصل ده توفيق كبير من ربنا.
• فعلا... نجاح مش عادي.
• مكنتش متصورة أن الجمهور يتفاعل ويحب الأغاني الدينية بالشكل ده.
• بس إنت وعدتي الجمهور إنك هتقدمي النوع ده من الأغاني الفترة اللي جاية.
• إن شاء الله... وهو ده اللي ناويه أعمله.
• على كده هتغني في حفلة الربيع أغنية دينية برضه.
• إيه حفلة الربيع دي كمان؟
• حفلة الربيع شم النسيم... إحنا في مارس... يعني خلاص مفيش وقت.
• ياه... الأيام بتجري.
• فعلا... بقولك إيه أنا هشرب شاي تشربي معايا.
• لأ... أنا الحمد لله صايمة النهارده.
• صايمة... إيه ده إحنا فين ورمضان فين... لسه بدري... ده رمضان بعد شم النسيم بشهرين تقريباً.
• كل سنة وإنت طيب النهارده أول رجب.
كانت علية الجعار استعدت لأغنية دينية جديدة، وافقت عليها شادية وتحمست لها، وهو ما أدهش المقربين منها، باعتبار أن مناسبة شم النسيم تحتاج إلى أغنية عاطفية أو رومانسية، غير أن شادية اختارت الأغنية التي تناسب اتجاهها الجديد، كما وعدت جمهورها، وبدأت البروفات على اللحن الجديد بعدما اتفق خالد طاهر مع الإذاعة والتلفزيون على حفلة الربيع وعلى احتفال عيد تحرير سيناء بعد شم النسيم مباشرة.
كانت شادية هادئة أكثر من اللازم، على عكس عادتها في عملها حيث كانت تتفانى وتواصل الليل بالنهار وينتابها القلق إلى أن تخرج أي أغنية جديدة إلى النور. لأول مرة يغيب عنها القلق والاضطراب وتؤجل البروفة أكثر من مرة، وهو ما لم تفعله طيلة رحلتها الفنية، على رغم أن الكلمات كانت رائعة وتعبر عن معان دينية جميلة إلا أنها لم تتحمس لها كما تحمست للأغنية الأولى {خد بإيدي}.
ظلت كذلك حتى حدث ما لم يتوقعه الجميع، طلبت شادية المسؤولين في اتحاد الإذاعة والتلفزيون لتبلغهم اعتذارها الرسمي عن الغناء في الحفل!!
• مش ممكن يا أستاذة... إنت عارفه النهارده كام... ده فاضل أقل من 3 أسابيع على الحفلة.. إزاي بس دي هتبقى ورطة.
• طبعا أنا آسفة جداً وبعتذر لأني فعلا مش هقدر.
• طب يا فنانة لو المشكلة في الأجـ...
• أرجوك متكملش، إنت عارف إن الفلوس عمرها ما كانت مشكلة بالنسبة لي.
• طب إيه بس المشكلة يا أستاذة دي ورطة كبيرة وبعدين أقول إيه لسيادة الوزير؟ ده هو اللي مختار حضرتك بعد النجاح الكبير لك في الليلة المحمدية.
• ياسيدي متشلش هم، أنا ممكن أكلم سيادة الوزير الأستاذ صفوت الشريف وأعتذر له بنفسي وهو هيتفهم الموضوع.
• المشكلة مش في الاعتذار، المشكلة في الوقت... الوقت ضيق جدا.
• ولا مشكلة ولا حاجة، الساحة مليانة فنانين عظام وكلهم يتمنوا يغنوا في حفلة الربيع، لكن صدقني أنا عندي ظروف تمنعني من الحفل ده.
كانت شادية صادقة، ثمة دافع قوي حال دون الاستمرار في البروفات وحضور حفل الربيع، وقبل أن يسألها شاكر عن البديل الذي ستقدمه فاجأته وفاجأت الجميع بنيتها السفر إلى الأراضي المقدسة لأداء العمرة، كانت تريد أن تلحق بالأيام الأخيرة من شهر رجب لأداء العمرة.
على الرغم من دهشة الجميع من قرارها المفاجئ، إلا أن أحداً لم يعترض وباركوا رحلتها إلى الأراضي المقدسة.
ارتداء الحجاب
قبل السفر، وبينما كان أفراد الأسرة في انتظارها لاصطحابها إلى المطار، خرجت شادية من حجرتها وقد ارتدت الحجاب، ويكسو وجهها فرحة وبراءة الأطفال. ما أجملها بملابس الإحرام والحجاب، ظهرت كأنها ملكة متوّجة، يعلو الحجاب رأسها كأنه تاج يتلألأ.
سافرت شادية إلى الأراضي المقدسة لأداء العمرة... وما إن وقعت عيناها على بيت الله الحرام والكعبة المشرفة حتى شعرت بأنها انفصلت تماماً عن العالم، كأنها تقف بمفردها في هذا العالم، تنزل ضيفة على الله في بيته، فكان لا بد من أن تشعر بكرم المضيف، لم تعرف من أين تأتي كل هذه الدموع التي تسيل من عينيها، كأنها حرصت على أن يسيل منهما أكبر كمية من الدموع لتغتسل بها. نفضت عنها حمل السنين وراحت تناجي الله وتطلب الرحمة والمغفرة، تبكي وتدعو... ترجو وتبتهل.
كانت لحظات فاصلة في حياة شادية الإنسانة وفي بداية مشوارها الجديد في عالم الإيمان بعيداً عن بريق الشهرة الزائل وأضواء النجومية.
دعت وبكت ورجت، غير أنها لم تكن على يقين من أن الله استجاب، فكان لا بد من إشارة تطمئنها بأنها على الطريق الصحيح.
دعت الله أن يرسل إليها إشارة وما أسرع الإجابة، فقد رتب لها القدر لقاء بمحض الصدفة في أجواء نورانية. ما إن انتهت من مناسك العمرة، حتى اتجهت إلى الفندق الذي كانت تنزل فيه، وهو على بعد خطوات من الحرم المكي، دخلت غرفتها وارتاحت قليلا، غير أن الشوق غلبها، فاتجهت على الفور إلى الحرم، وقفت تنتظر وصول المصعد وعندما انفتح لم تصدق عينيها، كان في داخله فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي صودف وجوده في الأراضي المقدسة لأداء العمرة، وقت وجود شادية، وشاء القدر أن تلتقيه ليكتب أول سطر في حياتها الجديدة:
• عمي الشيخ الشعراوي.
• أهلا يا بنتي.
• أنا... أنا مش مصدقة نفسي... فضيلتك معايا هنا... قصدي أنا مع فضيلتك هنا في الحرم في العمرة.
• أهلا وسهلا... أهلا يا بنتي.
• يظهر إن حضرتك مش واخد بالك مني.
• إزيك يا شادية؟
• الله يسلمك ويبارك لنا فيك، أنا هنا بعمل عمرة، قصدي عملتها والحمد لله.
• عمرة مقبولة إن شاء الله.
• صحيح... يعني ممكن ربنا يقبل ويغفر لي.
• إن الله لا يغفر أن يشرك به... ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وربنا يحب التوابين وسمى نفسه تبارك وتعالى التواب، تواب على من يتوب.
• يا خسارة الأسانسير وصل... كنت أتمنى أنه يفضل مدة أطول... لأني كنت عاوزه أتكلم مع فضيلتك في حاجات كتير.
• كل شيء بأمر الله.
• ونعمى بالله... طب ممكن أشوف حضرتك تاني هنا؟
• أنا مسافر إن شاء الله بعد صلاة الفجر على مصر... مع صديقي أحمد أبو شقرة.
• بس أنا كنت محتاجة أتكلم مع حضرتك... في أمور تخصني كنت عاوزه آخد رأي فضيلتك فيها.
• نلتقي في مصر إن شاء الله.. السلام عليكم ورحمة الله.
• وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ردت شادية السلام بلسانها، بينما عقلها وقلبها كانا يسبحان في عالم آخر... فقد وصلت الإشارة التي تمنتها من الله بقي أن تحسن استقبالها.
كان هذا اللقاء العابر الومضة التي أضاءت عقل شادية وثبتت قلبها على قرار كانت تنوي اتخاذه، الواضح أنها اقتنعت تماماً ولم يعد يربطها شيء بالماضي، وهو ما أكدته لدى استقبالها عاملين من التلفزيون السعودي قصدوها بهدف إجراء لقاء تلفزيوني معها:
• ست شادية الفنانة الكبيرة بنرحب فيك على أرض المملكة.
• أهلا وسهلا.. أهلا أهلا.
• ست شادية نحن بدنا نجري لقاء مع حضرتك للتلفزيون السعودي لو بتسمحيلنا.
• أنا بشكر مبادرتكم النبيلة دي... لكن اسمحولي اعتذر مش هينفع.
• ليش ست شادية.. هذا شرف كبير لنا.
• الشرف ليا أنا... لكن صدقوني مش هقدر.. وقبل ما تتكلموا في أي حاجة تانية... المسألة ملهاش علاقة بأي حاجة غير الأجواء اللي أنا فيها هنا.
• نحن بنقدر موقفك... لكن صدقينا جمهور المملكة يسعده أن يرى الفنانة العظيمة شادية على شاشته.
• وأنا كمان يسعدني ويشرفني ده... لكن أنا هنا مش شادية أنا هنا فاطمة أحمد شاكر... المواطنة المصرية المسلمة المعتمرة... وطول ما أنا هنا مش هقدر أكون غير كده... أهلا وسهلا بيكم.
بهذه الجملة البسيطة لخصت شادية الحالة التي باتت عليها، قررت أن تعود إلى فاطمة، أن تطوي الصفحات السابقة التي تمتلئ بالتمثيل والغناء والشقاوة والدلع... أن تلتزم بما يحافظ على طريقها الجديد، أن يكون صوتها حكراً على الكلمات الدينية... حب الله، ورسوله (صلى الله عليه وسلم).
وقبل أن يحدث ما يدفعها إلى التراجع، اتصلت من المملكة السعودية بالشاعرة علية الجعار وطلبت منها أن تكتب لها كلمات أغنية جديدة تحث المسلمين على الاتحاد ونبذ الفرقة، على أن تكون جاهزة فور عودتها إلى مصر.
قلق وطمأنينة
عادت شادية إلى مصر، وعلى رغم حالة الراحة والطمأنينة التي كانت عليها في الأراضي المقدسة، انتابتها حالة من القلق {اللذيذ} قلق ترتاح له، قلق غير مدمر، تعرف أنه يقودها إلى طريق مختلف تملؤه الراحة والطمأنينة، ينقصها اليقين فحسب، وخطر ببالها أن تقطع الشك باليقين، أن تفي بوعدها مع نفسها بلقاء فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي كما طلبت منه أثناء العمرة، فقررت أن تذهب للقائه.
سألت عن بيته وعرفت أنه يسكن في حي الحسين، بجوار مقام الحسين بن علي (رضي الله عنهما). بعد صلاة الظهر، وضعت الإيشارب على رأسها في شكل أقرب إلى الحجاب، واستقلّت سيارتها، واتجهت على الفور إلى بيت الشيخ الشعراوي، فوجدت حارساً يقف في مدخل بيته، لم يصدق الرجل وابتسم لها، غير أنه اعتذر بأدب شديد لعدم وجود موعد لمقابلة الشيخ:
• أنا أسف يا فندم... بس حضرتك ست العارفين... فضيلته منظم مواعيد مقابلاته.. ولو حصل خلل في ميعاد ممكن يأثر على بقية المواعيد... وأنا يعني... ممكن أخد لحضرتك ميعاد من الشيخ عبد الرحيم هو اللي بينظم مواعيده.
• أنا عارفة.. بس أنا ليّ طلب صغير عندك..
• تحت أمرك اتفضلي.
• أستأذنك بس إنك تديله خبر... تقوله شادية عاوزه تقابلك خمس دقايق... ومش هاخد من وقته أكتر من كده.
• حاضر... لحظة واحدة.
انتظرت شادية دقائق لمعرفة رد فضيلة الشيخ، غير أن هذه الدقائق كانت علامة فارقة في تاريخ حياة شادية... الفنانة والإنسانة.
--------------- اكرر وقول لكم بان المقال فيه كثير من خيال كاتب هذه السطور ماهر زهدي
الدولة: عدد الرسائل: 25691تاريخ التسجيل: 08/12/2007المزاج: الأوسمة .:
موضوع: رد: كنوز..شادية السبت 4 سبتمبر 2010 - 1:14
شادية... قمر لا يغيب (6) أول درس موسيقى... تقليد زقزقة العصافير
شادية التي أسعدت الملايين بفنّها، لم تعد سعيدة بحياة الفن، باتت نفسها تهفو إلى الراحة، فقد حقّقت المجد والشهرة والثراء، لكنها كانت تبحث عن راحة القلب، عن الطمأنينة، عن لحظات تخلد فيها إلى نفسها تحاسبها قبل أن تتجه إلى الله، كانت تهفو الى أن تسير في الشارع بحرية، أن تتصرف مثلما يتصرف الناس العاديون في حياتهم، أن تكون المواطنة البسيطة العادية مثل بقية البشر.
دفع هذا كلّه شادية الى اختزال حياتها الفنية بكاملها بجملة بسيطة، لكنها تحمل كل ما تريد قوله:
• لم أجنِ طيلة حياتي سوى الشك والريبة... وآن الأوان لأن أبحث عن الحقيقة.
مجرّد دقائق كانت هي الفترة التي مرت بين طلبها لقاء الشيخ محمد متولي الشعراوي، وبين تلبيته، شعرت شادية بأن هذه الدقائق فاصلة في حياتها المقبلة، ماذا تحمل لها الأيام، ماذا يخبئ لها القدر، وكيف وصلت إلى هنا، إلى الشيخ الشعراوي.
رحلة طويلة بين البداية وصولاً إلى هذه المحطة... غير أن شادية أرادت، قبل أن تستقبل حياة جديدة كإنسانة وكفنانة، أن تستعرض أمام عينيها شريط الذكريات الطويل الذي مرّ بسرعة خاطفة، حتى وصل بها إلى هذا المكان الذي قد تحسم فيه شادية أموراً كثيرة في حياتها الجديدة...
طفولة كلاسيكية
كان اسم «فتوش» كنوع من التدليل الزائد لشادية، فهي كانت الطفلة الأخيرة بين خمسة أشقاء للمهندس الزراعي المصري أحمد كمال الدين شاكر، والسيدة خديجة ذي الأصول التركية، والتي تحمل بداخلها عادات وتقاليد شرقية مصرية مسلمة، في احترام الزوج وتربية الأولاد، ومعرفة العيب والحرام، وحب الخير وكراهية الشر، والحفاظ على الأصول والعادات والتقاليد.
وعلى بعد خطوات من قصر عابدين، شهد بيت «الحلمية الجديدة» مولد فاطمة أو «فتوش» التي بدأت في سنوات طفولتها الأولى تلفت إليها الأهل والأقارب، ببعض من ملكات خاصة تعبّر عن خفة الدم والمرح والشقاوة، وفوق ذلك كلّه ذهن حاضر ولباقة في الكلام لطفلة لم تتعدَّ الأربع سنوات من عمرها، ولأنها كانت «آخر العنقود»، فقد كانت محط اهتمام الصغير قبل الكبير، الأبوين، والخالات والعمات، بل وأخوتها، وتحديداً الأخ الأكبر طاهر الذي على رغم فارق السن الكبير بينهما، باعتباره هو الأكبر وهي الأصغر، إلا أنه كان الأقرب إليها، إذ كان يؤدي معها دور الأب الحنون والمتسامح والعطوف، ليس لأن الأب الأصلي لم يكن يتمتع بهذه الصفات، بل لأنه لا بد من أن يكون حازماً شديداً في تعامله، لضمان حسن التربية والانضباط والحفاظ على العادات والتقاليد.
نشأت «فتوش» في بيت يُطلق عليه «بيت العائلة»، إذ كان يلتقي فيه الكبير والصغير، القريب والبعيد، على رغم أنه كان كالعادة بيتاً مؤقتاً، كون الأسرة اعتادت على التنقّل مع الأب وفقاً للمكان الذي يباشر فيه عمله كمهندس زراعي في الخاصة الملكية. وكانت الأسرة تترقب اليوم الذي يخبرهم فيه رب الأسرة بالمكان الجديد الذي سينتقل إليه كل أفراد الأسرة، وهذا ما حدث في ذلك اليوم عندما عاد من عمله وعلى وجهه علامات الضيق، فهو لم يستمر طويلاً في الحلمية، كأن القدر كان قد اختار له محطة الحلمية لتكون مكان ميلاد «فتوش» فحسب.
وفي الموعد المحدّد قبيل الغداء، وصل الأب وجلس لتناول الغداء وسط العائلة، وقبل أن يضع لقمة في فمه قال:
- بعد الأكل تجهزوا نفسكم...
• خير إن شاء الله... معزومين بره النهارده ولا إيه؟
- لا... هتجهزوا الشنط علشان هنسافر بكره الشرقية.
• ليه هو فيه إيه... إيه اللي حصل؟
- مفيش حاجة حصلت... بس اتنقلت أنشاص.
• نقل تاني؟
- خديجة!! أنت نسيتي طبيعة شغلي ولا إيه؟
• أيوه بس مش دايماً حضرتك بتروح الأول تهيأ لنا المكان اللي هنعيش فيه وبعدها تبعت تاخدنا؟
- هننزل في الاستراحة هناك... لحد ما يجهزوا البيت اللي هنسكن فيه.
• هو إحنا لحقنا نقعد في الحلمية... حتى لسه فيه جيران معرفوناش.
- المصلحة فوق كل اعتبار...
وهنا تجرأت الصغيرة فتوش وقالت:
• هو أنا ممكن آخد عروستي معايا؟
ثم تجرأت عفاف وتكلمت بعدها:
• إزاي بس يابابا... هناك مفيش مسارح ولا أي؟
فقاطعها الوالد بحزم:
• بنت!! مش عاوز كلام، كملوا أكلكم..، وكل واحد يجهز حاجاته.
كانت كلمات الوالد حاسمة بحيث أغلق الباب على الجميع ورفض أن يفتح باباً للحوار حول هذا الموضوع.
فتوش بنت الريف
على رغم معارضة الجميع الذهاب إلى أنشاص، حتى ولو بينهم وبين أنفسهم من دون الإفصاح عن ذلك، إلا أنهم سرعان ما اندمجوا في الأجواء الجديدة، خصوصاً أنها كانت تشجّع على ذلك: العيش بين خضرة الريف والأجواء الصحية، والهواء النظيف والأماكن المفتوحة المتسعة والمساحات الخضراء بعيداً عن زحام المدينة وضجيجها، ويبدو أن الصغيرة فتوش قد اعتادت المكان بسرعة كبيرة، وكان أكثر ما يسعدها أن تستيقظ مع بزوغ أول ضوء على صوت العصافير ومرحها وهي تتنقل من غصن إلى غصن، فكانت تجري خلفها من شجرة الى أخرى محاولة تقليدها. كذلك، هوت إجادة الإنصات إلى الأصوات التي كانت تنبعث من «الفونوغراف» الذي تلتف حوله الأسرة بعد المغرب وهم يتناولون الشاي، فتسمع من خلاله السيدة أم كلثوم، وصالح عبد الحي، وزكريا أحمد، ومحمد عبد الوهاب، والمطربة الصاعدة ليلى مراد، وغيرهم من مطربي تلك الأيام، غير أنها لم تكن تجرؤ على المجاهرة بذلك أمام الأسرة خوفاً من أن تواجه الموقف الذي واجهته، أختها الأكبر عفاف التي كانت تسعى الى الغناء والتمثيل، بعدما لاحظت الأسرة صوتها الجميل، غير أن الأب على رغم حبّه للطرب والموسيقى، لم يكن ليسمح لها بأن تحترف الغناء مقابل أجر.
في عام 1936 كانت فتوش قد بلغت السن الذي يخوّلها الالتحاق بالروضة، تمهيداً لالتحاقها لاحقاً بالمدرسة، إذ كان الوالد مؤمناً بأهمية تعليم الجميع، ولا يكن لديه فرق بين ولد أو بنت في هذا الموضوع تحديداً، لذا كان لا بد من تأهيل فاطمة لدخول المدرسة بتعلّم القراءة والكتابة وحفظ ما تيسّر من القرآن الكريم، خصوصاً في ظل حرص الوالدين على مداومة كل أفراد الأسرة على الصلاة، فألحق الوالد فاطمة فوراً بروضة الأطفال.
اعتادت فتوش الذهاب إلى الروضة، غير أنها في الوقت نفسه كانت تداوم على المطالعة وحفظ القرآن الكريم، بل وبدأت تعتاد عادات وتقاليد ذلك المكان الذي كانت تطلق عليه «الجنة» من خلال تلك المواصفات التي سمعتها عن جنة الله من الشيخ «منصور» الذي كان يحفّظها القرآن:
• يعني إيه جنة يا سيدنا؟
- الجنة... المكان اللي كل المؤمنين هيعيشوا فيه في الدار الآخرة.
• يعني بيت حلو هنعيش فيه
- بيت!! الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت... ولا يخطر على قلب بشر.
• يعني إيه ياسيدنا... فيها إيه وشكلها إيه؟
- إنت يابنت إنت غلاباوية ليه... أنا هريّحك... إنت عارفه الجناين والبساتين اللي قدامك دي... أهي الجنة هتكون زي كده... وكمان هيكون فيها بيت جميل نعيش فيه وأكل وشرب وكل حاجة حلوة.
• الله... نفسي أروح الجنة وأعيش فيها على طول.
ومثلما رسخ في عقل فاطمة شكل الجنة لما تراه أمامها، امتلأ قلبها بصفاء الطبيعة وحبها، واكتسب صوتها نعومة خاصة من محاولة تقليد زقزقة العصافير، بل اكتسبت منها شقاوتها في التنقل من شجرة الى أخرى، لدرجة أنها في تلك السن المبكرة، اعتادت أن تتسلق أشجار حدائق أنشاص، محاولة تقليد حرية العصافير في التنقل والطيران، ولولا تدخّل القدر لسقطت صريعة من فوق إحداها قبل أن تنقذها الأسرة. بعد هذه الحادثة، كانت الأوامر قد صدرت بأن يعود الأب إلى القاهرة ثانيةً، وذلك وفقاً لمتطلّبات عمله.
الشبراوية
عادت العائلة الأب إلى القاهرة، لكن ليس إلى بيت الحلمية نفسه، إذ عثر الوالد بسهولة على مسكن جديد يقع بين أشهر أحياء القاهرة وأعرقها، وهو «شارع طوسون» الكائن بين حي روض الفرج من الجنوب، وحي شبرا من الشمال، وبجوار قصر وأراضي «طوسون باشا»، أحد أمراء الأسرة الحاكمة.
باستقرار الأسرة في ذلك الشارع، كانت فاطمة قد وصلت إلى سن القبول في المدرسة، فألحقها الأب فوراً بأقرب مدرسة للمسكن الجديد، ووقع الاختيار على «مدرسة شبرا للبنات».
لم يمضِ وقت طويل حتى أضحت فاطمة أحمد شاكر إحدى التلميذات المميزات في المدرسة، وأصبح لها عدد كبير من الزميلات، كلّهن يتنافسن في حب وصداقة هذه الصغيرة التي تتحدث بسرعة وخفة ظل، وتطل من عينيها شقاوة غير معتادة.
كانت عفاف، شقيقة فتوش، تمارس هوايتها في الغناء بصوتها الجميل، ولم يكن الوالد يمانع في ذلك، طالما لم يتعدّ حدود الأخلاق والآداب، وبعيداً عن الاحتراف، غير أنها استطاعت إقناع أحد المقربين إلى قلب والدها بأن يجعله يوافق على مضض أن تحترف ابنته عفاف الغناء والتمثيل، ولكن بشرط أن يلازمها ويرافقها في أوقات العمل، وإن لم يكن الأب فالأخ الأكبر طاهر.
وبالفعل التحقت عفاف وهي لم تكمل عامها الخامس عشر بفرقة رمسيس للفنان يوسف وهبي، ولم يكن يمر يوم من دون أن يثير هذا الأمر خلافاً كبيراً مع كل من في البيت، غير أن أكثرهم سعادة بما تفعله عفاف كانت الصغيرة فتوش، من دون أن تدري لماذا، إذ كانت تّطرب كثيراً لصوت عفاف وتلتقط منها كل كلمة تقولها، وترددها خلفها، غير أن ذلك كان يتم في الغرفة المغلقة بعيداً عن أعين الأب والأم، فيكفي ما تسبّبه عفاف من مشاكل بسبب الغناء.
المطربة الصغيرة
سرعان ما لفتت فاطمة أنظار زميلاتها في المدرسة، إذ كانت تدندن بين الحين والآخر جزء من إحدى أغنيات المطربة ليلى مراد، التي كانت تسمع عفاف تغني لها أحياناً بين الأهل والأقارب، أو في غرفتها، ما جعلهن يتحينّ الفرصة، ويطلبن منها الغناء، فتقدّمت فاطمة لتقف مكان «أبلة ليلى» في مقدّمة الفصل وفي مواجهة التلميذات، وقد تقمصت شخصية المطربة، كما تراها في شقيقتها عفاف وهي تسأل الأهل والأقارب عندما يطالبونها بالغناء:
• طيب تحبوا تسمعوا إيه؟
- قولي أي حاجة يا فطوم.
• اسمي فاطمة... أو فتوش.
- غني للمغنية ليلى مراد يا فتوش.
غنّت فاطمة أغنية «بتبصلي كده ليه» لليلى مراد، وهي تقف ثابتة لا تتحرك ولا تتمايل، ترفع يديها فحسب وتحرّكهما كعادة المطربين والمطربات.
في تلك اللحظة حضرت المدرّسة ليلى، وقبل أن تدخل الفصل سمعت صوتاً يرتفع بالغناء، وجميع التلميذات يجلسن في هدوء تام ينصتن باهتمام غير عادي. ثم فُتح الباب فجأة فقفزت فاطمة واندست بين صفوف التلميذات:
• مين اللي كان بيغني... أنا سمعت صوتها.
هتفت التلميذات في صوت واحد بنوع من الفخر والتباهي:
• فتوش يا أبلة... فتوش اللي كانت بتغني.
• فتوش!! تلميذة جديدة دي.
• لا يا أبلة... فاطمة أحمد شاكر اسمها فتوش.
• تعالي يا فاطمة... اخرجي هنا...
خرجت فاطمة من بين التلميذات وهي تكاد لا تظهر على الأرض، كأن الخوف قد حوّلها إلى قزم صغير.
• تعالي... إنت اسم الدلع بتاعك فتوش؟
هزت فاطمة رأسها من دون أن تنطق بكلمة واحدة.
• طب تقدري تقوللي يعني إيه فتوش؟
• فتوش هو فاطمة بس بالتركي.
• أنت تركية يا فاطمة.
• لا مصرية.
• طب تعرفي تقولي اللي كنت بتقوليه قبل ما أدخل الفصل؟
هزت فاطمة رأسها بالإيجاب فتركتها المدرسة مكانها وذهبت لتجلس بين صفوف التلميذات لتكون إحدى المستمعات. راحت فاطمة تعيد «بتبص لي كده ليه»، وما إن انتهت حتى صفّقت المدرّسة وأمسكت بيد فاطمة، ونظرت الى تلميذاتها قائلة:
• محدّش يتحرك من مكانه... أنا رايحة مع فاطمة مكتب الست الناظرة.
وهنا أسقط في يد فاطمة، تمنّت لو أنها لم تأتِ ذلك اليوم الى المدرسة، بل ولم تدخلها من الأساس، فهي الآن في طريقها إلى غرفة الرعب والخوف، تلك الغرفة التي تساق إليها التلميذات وكأنهن يسقن إلى غرفة الإعدام، ففي هذه الغرفة «عصى الطبلة»، العقاب الوحيد الذي لا تتمنى الفتيات الوصول إليه. فمؤكد أنه العقاب الذي ينتظر فاطمة في حجرة «الست الناظرة»، ما جعل قدميها تتسمران أمام الباب، فيما تحاول «أبلة ليلى» أن تدفعها لتدخل:
• أدخلي يا فاطمة... أدخلي متخافيش.
• مالها البنت دي عملت إيه؟
• دي اسمها فاطمة أحمد كمال الدين شاكر... وكنت عاوزه حضرتك تسمعي صوتها.
• صوتها؟! مش فاهمة.
نظرت «أبلة ليلى» إلى فاطمة التي كانت ترتعد خوفاً من الموقف وقالت:
• غني يا فاطمة... قولي اللي كنت بتقوليه في الفصل.
نظرت فاطمة بخوف واستعطاف إلى «الست الناظرة» لعلها ترحمها أو تعفو عنها، فابتسمت الناظرة وأومأت لها برأسها:
• غني يا فاطمة... سمّعيني صوتك.
مرت لحظات ثقيلة على قلب فاطمة ونفسها... وعلى رغم الإذن لها بالغناء بما يعني أنها لم تأتِ للعقاب، إلا أنها تمنت لو لم تقف هذا الموقف، الذي شعرت بأنه نوع آخر من الاختبارات التي تخضع لها في الفصل الدراسي... تلعثمت وارتبكت بين الخوف والخجل، ثم شدّت وانطلق صوتها لتنسى الموقف والحساب والعقاب، ولم تفق إلا على صوت تصفيق «أبلة ليلى» و{الست الناظرة»:
• برافو يا فاطمة... برافو.
• هايلة يا فتوش... صوتك رائع.
• من اليوم وطالع إنت اللي هتغني في كل حفلات المدرسة... إنت يا بنتي هيبقالك مستقبل كبير. ربنا يحميك ويحافظ عليك.
• إنت اكتشاف حقيقي يا فتوش.
• بس لازم تحافظي على نفسك وتكوني بنت شاطرة في الدراسة كمان.
هزت فاطمة رأسها بالإيجاب وهي تبتسم، وبدلاً من الضرب انهالت القبلات عليها. فكان هذا الامتحان أول شهادة لها بأنها مطربة ذات صوت بديع ورائع.
لكن بقي الأهم وهو أن تقتنع الأسرة بأن الصغيرة فتوش مغنية قادرة على الطرب، وهذا ما لا تعرف فاطمة كيف ستقوم به. فهي بحاجة إلى من يقوم بالدور الذي قامت به «أبلة ليلى» ولكن مع الأسرة.