الدولة: عدد الرسائل: 25691تاريخ التسجيل: 08/12/2007المزاج: الأوسمة .:
موضوع: رد: كنوز..شادية الأربعاء 8 سبتمبر 2010 - 1:08
شادية... قمر لا يغيب (9) عماد حمدي أنقذها فوقعت في حبّه
لم تكن شادية قد أكملت تعليمها، غير أن عملها السينمائي والإذاعي كمطربة، ساعدها في تكوين ملكة أدبية وفنية تتذوق من خلالها أدوارها وألحانها، لا سيما أنها بدأت تتلمذ على يد كبار المخرجين ومشاهير الشعراء والملحنين، فضلاً عن «فلتر» خاص لم يكن ليترك دوراً أو أغنية لشادية من دون أن تمرّ من خلاله ويبدي رأيه، وهو والدها المهندس شاكر.
من المؤكد أن ثمة عوامل ساعدت شادية في الانطلاق نحو النجومية إلى أن أصبحت إحدى أبرز نجمات ذلك الوقت، بل أكثرهن تنوعاً سواء في الغناء أو في التمثيل الذي امتاز نشاطها فيه بتنوع كبير بين الكوميديا والأفلام الخفيفة والتراجيدية والاجتماعية وحتى الميلودراما، وهذا ما ظهر في الأفلام الثلاثة التي ختمت بها العام 1949، عندما رشّحها السيناريست يوسف جوهر للمرة الثالثة لتشارك في بطولة فيلمه «نادية» مع المخرج فطين عبد الوهاب، فوقفت للمرة الأولى أمام إحدى رائدات السينما عزيزة أمير، منتجة الفيلم وبطلته، معهما الفنان محمود ذو الفقار والوجه الجديد شكري سرحان.
نجحت شادية بشكل غير عادي في تلك التوليفة الميلودرامية، ولفتت المخرج الكبير عز الدين ذو الفقار الذي تعاون مع الكاتب يوسف جوهر والفنان محمد فوزي، في تجربة من إنتاجه بعنوان «صاحبة الملاليم»، فازدادت من خلاله مساحة حضور شادية كممثلة ومطربة أمام محمد فوزي، الذي امتلك مفاتيح صوتها مثلما امتلك أدواتها كممثلة.
وقبل نهاية 1949 عادت من جديد إلى مكتشفها حلمي رفلة وقدمت معه الكوميديا الاستعراضية «ليلة العيد» كتابة أنور وجدي، مع إسماعيل ياسين ومحمود شكوكو، وصلت إلى مرتبة النجوم في السينما.
الدونجوان ونجمة المستقبل
أكثر ما أحزن شادية آنذاك فشل زواج شقيقتها عفاف الثاني، غير أن هذا الطلاق لم يؤثر على العلاقة بينها وبين كمال الشناوي، بل على العكس استمرت العلاقة الإنسانية والفنية بينهما، وما أن انتهى المخرج حلمي رفلة من تصوير فيلم «البطل» (بداية 1950) سيناريو وحوار أبو السعود الإبياري، شريك النجم إسماعيل ياسين الفني، وشارك في بطولته كمال الشناوي أمام شادية، حتى التقطها المخرج حسن الإمام ليجمع بين شادية وكمال الشناوي في فيلم «ساعة لقلبك» عن قصة للمخرج هنري بركات، حوار أبو السعود الإبياري، فكان أول لقاء ضمهما معاً كثنائي رومنسي على الشاشة، على رغم مشاركة الفنانة منى ابنة منتجة الفيلم آسيا، إلا أن شادية كانت البطلة الأولى وسبق اسمها الجميع.
أثناء التصوير تعددت لقاءات شادية وكمال الشناوي، سواء في البلاتوه أو خارجه، أو في «بيت الفن» مساء عندما لم يكن هناك تصوير، وكانت أحاديثهما تنحصر في مناقشات حول شؤون السينما وشجونها وحول دورها في الفيلم، بل غالبية هذه اللقاءات سواء في الأستوديو أو حتى في «بيت الفن»، كانت بحضور أحد اثنين، إما المهندس شاكر والد شادية، أو شقيقها طاهر شاكر، الذي أصبح ملازماً لها في كل مكان، ومع ذلك لم يسلما من الإشاعات، وانتشرت الأقاويل التي تؤكد وجود علاقة حب جديدة بين «دونجوان» السينما وبين نجمة المستقبل، غير أنهما كانا آخر من يعلم بها، على رغم التلميحات والهمسات والغمز في الوسط الفني والصحافي لدى رؤيتهما معاً.
فتاة أحلام الشباب
لم يكن كمال الشناوي في هذه المرحلة أو غيرها، يفكّر بشادية كحبيبة أو زوجة، لأنه كان يراها النصف الناجح المكمّل له على الشاشة، فقد كان لها حضور قوي ومؤثر على الشاشة وأصبحت، عبر الأفلام التي قدمتها، فتاة أحلام الشباب، وكان كمال من الذكاء بحيث يستغلّ مشاركته لهذه الموهبة لتكتمل نجوميته. هذا ما كان يدور في ذهنه من ناحية شادية.
عزز هذ الأمر اللقاء بين كمال الشناوي والراقصة هاجر حمدي في «بيت الفن» بعد فراق استمرّ عاماً ونصف العام فأعاد وصل ما انقطع، وكأنه لم يمرّ يوم على حبهما القديم قبل زواجه من عفاف شاكر، وتعددت اللقاءات، وبعد أيام فاتح هاجر حمدي برغبته في الزواج منها:
• إيه رأيك يا هاجر... تتجوزيني؟
- ياااه... أخيراً قلتها بعد سنة ونص.
• معلش معلش... أنت عارفه الظروف اللي حصلت والجواز والطلاق.
- ماهو ده اللي أنا بستغرب له... أنا كنت حاسة إني أنا اللي...
• مش مهم... اللي حصل حصل... بس لو موافقة نتجوز فوراً.
- طبعاً مفيش كلام... موافقة.
• بس أنا ليّ شرط صغير.
- شرط... شرط إيه؟!
• تعتزلي الرقص نهائي...
نظرت إليه هاجر بدهشة ورجعت برأسها إلى الخلف وصمتت لحظات، وهو ينظر إليها في ترقب، حتى ابتسمت وقالت:
- موافقة... أعتزل الرقص... بس التمثيل لا!
• ممثلة على عيني وراسي... لكن رقص لا.
كان خبر زواج كمال الشناوي مفاجأة للجميع إلا شادية، لأنها كانت تعلم بأمر حبه لهاجر بعدما فاتحها بذلك أثناء عملهما معاً في الفيلم، والأهم أن الخبر أخرس الألسنة والإشاعات التي أكدت قرب زواج كمال من شادية وليس من هاجر.
نار الإشاعات
على رغم الحراسة العائلية التي كانت تحيط بشادية سواء داخل البلاتوهات أو حتى في اجتماعاتها أو مقابلاتها الفنية، أو عندما تخرج للتنزه، إلا إنها اكتوت بنار إشاعات الوسط الفني التي استمرّت تطاولها وكمال حتى بعد زواجه من هاجر، مؤكدة أن ثمة قصة حب بينهما، وكلما التقت شادية وكمال في عمل فني جديد، زادت الإشاعات وتوقعت قرب انفصاله عن زوجته هاجر وزواجه من نصفه الفني شادية، خصوصاً بعد نجاح فيلميهما «ساعة لقلبك» و{في الهوا سوا» (1951)، للمخرج يوسف معلوف، شارك في البطولة إسماعيل ياسين الذي أصبح الشريك الثالث لهما في تلك المرحلة، مع أن شادية، قبل هذا الفيلم وبين إبريل (نيسان) 1950 وإبريل 1951، قدمت ستة أفلام كان نصيب كمال الشناوي منها فيلماً واحداً هو «ظلموني الناس»، الذي شاركت فيه للمرة الأولى مع النجمة الكبيرة فاتن حمامة وأخرجه حسن الإمام، بينما كان نصيب عماد حمدي فيلمين: «مشغول بغيري» و»سماعة التلفون»، مع ذلك لم تتحدث الإشاعات عن علاقة بين شادية وعماد، إنما عن شادية وكمال الشناوي، ربما لأن الجمهور اقتنع بصدق مشاعر الثنائي على الشاشة.
نموذج للفتيات
منذ بداية الخمسينيات استطاعت شادية وضع اسمها في المقدمة سواء بين المطربات أم الممثلات، فمنحها الجمهور كل الحب، وباتت نموذجاً لكل شابة مصرية، تقلد البنات تسريحة شعرها وحركاتها وطريقة كلامها بل وملابسها، لكن شادية لم تكن ذلك فحسب، كل شيء عندها كان محسوباً بدقة، في الفن خصوصاً، أما حياتها الشخصية فكانت صفحات متعاقبة من الحبّ والألم.
مع أنها كانت تمثل أدوار الحب والغرام على الشاشة، إلا أنها كانت تعيش بكيانها كله لعملها وأسرتها، ولا تعرف شيئاً في الدنيا سوى البيت والأستوديو، تتنقل بينهما في حراسة والديها أو شقيقها الأكبر طاهر ولم ينشغل قلبها بأمر خارج نجاحها أو سعادة أسرتها.
فمنذ اللقاء الأول الذي تم بين شادية وعماد حمدي في فيلم «أزهار وأشواك» (1946)، مرت ستة أعوام كاملة سارت فيها شادية بموهبتها في طريق النجاح، من دون أن تستند على أحد سوى صوتها وموهبتها في التمثيل، إلى أن عاودت اللقاء به خلال العام 1951 في ثلاثة أفلام: {مشغول بغيري}، «سماعة التلفون»، «أشكي لمين»، وكان حمدي آنذاك فتى الشاشة الأول،
ثورة يوليو
حققت شادية رواجاً فنياً وتجارياً لافتاً منذ مطلع الخمسينيات، ما أثار تساؤلات حول صعودها بسرعة وبهذه القوة، لعل الإجابة جاءت مع ثورة 23 يوليو 1952 التي أحدثت تغييرات جذرية في المجتمع المصري، كان أبرزها تطلع أبناء الطبقة الكادحة والمتوسطة إلى حياة أفضل، بعدما أتيحت لهم فرصة التعليم والمشاركة في الحياة العامة، وكانت أدوار شادية آنذاك قادرة على إشباع رغبات بنات جيلها من هذه الطبقة المتطلعات إلى حياة أفضل، كذلك كانت شادية ـ على مشارف العشرين من عمرها ـ بجمالها وصوتها الرقيق وخفة روحها نموذجاً لفتاة أحلام شباب الخمسينيات بأكمله، ما يفسر لماذا كان المنتجون والمخرجون يصرّون على تقديمها في أدوار الفتاة الشقية الدلوعة التي تستحوذ على اهتمام الجميع، أو البسيطة المنكسرة التي ظلمتها الأيام وجار عليها أقرب الأقربين، وإن فرض عليها ذلك أداء نمطياً لا يختلف من دور إلى آخر، غير أنها استطاعت التفاعل مع الأحداث. بعد أقل من خمسة أشهر على قيام الثورة، وفي ديسمبر 1952 قدمت مع الفنان حسين صدقي فيلم «يسقط الاستعمار»، تعبيراً عن مساندة الثورة ورفض الاستعمار.
بين 1952 و1953 عاودت تقديم نوعية الأدوار التي اشتهرت بها، وشاركت في عشرة أفلام تدور كلها في فلك الفتاة الشقية الدلوعة الرومنسية، المغلوبة على أمرها، حتى كان اللقاء الحاسم قبيل نهاية 1953 مع الفنان عماد حمدي في فيلم «أقوى من الحب»، للمخرج يوسف معلوف، الذي غيّر كثيراً في شادية الفنانة والإنسانة.
شرارة الحب
ثمة عوامل جمعت بين شادية وعماد حمدي، ورشحتهما لارتباط قوي أهمها: التوافق في شخصية كل منهما، التي تميزت بغربتها عن الوسط السينمائي، إذ كانت أخلاق حمدي كأخلاق الفرسان، يندر وجودها بين الممثلين ونجوم السينما: هادئ، وديع، يتميز بالرزانة والوقار، جاد لا يعرف التهريج، لا يحب الصخب ويبتعد عنه، إذا كان في مكان لا يشعر الحاضرون بوجوده وينسحب بسرعة، يتمتع بالرجولة والشهامة.
كذلك، كانت شادية تعيش حياتها بين أسرتها، مستقرة هادئة، لا ترى منها إلا صفات الفتاة المهذبة، تحافظ على سمعتها في الوسط الفني ولا تسير إلا ومعها حارس من أسرتها.
بدأت شادية العمل مع عماد حمدي في فيلم «اشكي لمين »، وكان يتضمن مشهداً يفترض أن تجلس فيه شادية على حافة ترعة وتغني أغنية «كسفتيني يا سنارة» بينما تصطاد السمك، وأثناء اندماجها في الغناء والتصوير، انزلقت قدمها في الحقيقة ـ وليس ضمن مشاهد الفيلم ـ وسقطت في الترعة، فأسرع حمدي وقفز في الترعة بملابسه، وأخرجها إلى الشاطئ، ووضع الجاكيت التي كان يرتديها على جسمها المرتعش من شدة البرد، وأسرع إلى أحد المقاهي القريبة وأحضر لها كوب «يانسون» ساخناً.
تركت هذه اللمحة الإنسانية أثراً في نفس شادية، ولفتها هذا الاندفاع من حمدي، وشعرت به يتسلل إلى قلبها وعقلها، وفي مساء اليوم نفسه اتصل بها هاتفياً ليطمئن عليها:
• مساء الخير... مدموازيل شادية؟
- أيوه أنا شادية... أهلاً وسهلاً.
• أنا عماد حمدي.
- طبعا عارفه... إنت صوتك ماركة مسجلة يا أستاذ.
• أحنا مش قولنا خلاص هنبطل حكاية أستاذ دي...
- ماهو إنت كمان لسه بتقول مدموازيل.
• أبداً... أنا بس كنت عامل حسابي أن حد تاني هو اللي هيرد.
- خلاص... نبقى خالصين.
• أنا كنت عاوز أطمئن عليك... عاملة إيه دلوقت؟
- الحمد لله... أحسن كتير... البركة في الجاكيت واليانسون.. لولاهما كان زماني دلوقت ميتة.
• ألف بعد الشر عنك... أنا عايزك ترتاحي على الآخر لحد ما تبقي تمام...
- أيوه بس التصوير هيتعطل كده.
• يا ستي يتعطل علشان خاطرك... عموماً عايزك تطمني... أنا اتفقت مع الأستاذ يوسف معلوف أني هصور في الفترة دي كل المشاهد الخاصة بيا لوحدي اللي إنت مش فيها... مع أنها هتبقى مشاهد وحشة قوي من غيرك.
ضحكت شادية ثم صمتت لحظة وقالت:
- الكلام ده مجاملة... ولا؟...
• ولا.
بعد المكالمة أحست شادية بشعور غريب نحو حمدي، وبأنه يبادلها الشعور نفسه.
قطار الرحمة والحب
لدى قيام الثورة كان الضابط وجيه أباظة يشغل منصب مدير الشؤون المعنوية في القوات المسلحة، وكانت له أفكار ورؤى في ترسيخ كل ما من شأنه جمع المواطنين والالتفاف حول الحدث الذي غيّر موازين التاريخ والجغرافيا في المنطقة، ألا وهو ثورة 23 يوليو سنة 1952، ما جعله يقترح ما يطلق عليه «قطار الرحمة»، يخرج من القاهرة حاملاً نجوم السينما والغناء ليطوف أرجاء مصر شمالا وجنوباً وشرقاً وغرباً، للتعريف بالثورة وأهدافها، حتى يلتف الشعب حولها ويساندها.
انطلق القطار وضم ممثلين ومطربين وكتاباً ومخرجين، فالتقت شادية بحمدي في القطار المتجه من القاهرة إلى الصعيد، وأمضيا معاً سبعة عشر يوماً ذهاباً وإياباً بين القاهرة وأسوان، وكانت فرصة سانحة، لا سيما مع جو الصفاء الذي ساد الرحلة، ليفاتح كل منهما الآخر بحقيقة شعوره نحوه، حتى إذا انتهت رحلة القطار، كان الحب قد أصبح عقداً رسمياً بينهما.
انتهت الرحلة واحتفالات الثورة وحفلات التحرير، ولم يعد ثمة سبب للقائهما معاً مجدداً، في ظل الحراسة التي تتحرك وسطها شادية في كل مكان، بالإضافة إلى أن الفيلم الجديد “آثار على الرمال” الذي سيصوره حمدي لا تشاركه فيه شادية، بل فاتن حمامة ويستلزم فترة تصوير طويلة في مدينة الإسكندرية، فاضطر للسفر إلى الإسكندرية لتصوير المشاهد الخارجية. وأمضى فيها 23 يوماً، مرت عليه طويلة ثقيلة، فعمد إلى كتابة رسائل يومية إلى شادية ليطمئن عليها ويعرف أخبارها ويحكي لها جديد أخباره.
للمرة الأولى في حياتها كتبت شادية رسالة احتوت كل ما يعتمر في قلبها من مشاعر حبّ نحو حمدي الذي انتظر رسالتها بلهفة، وراح ـ مثل التلامذة ـ يخفي الرسالة في مكان أمين بعيداً عن نظر زوجته الممثلة فتحية شريف، التي بدأ يترامى إلى سمعها أن زوجها يعيش قصة حب جديدة، فحارت بين الشك واليقين، خصوصاً بعدما نشرت مجلة “الفن” خبراً تكهنت فيه بقرب زواج شادية من حمدي، فما كان من هذا الأخير إلا أن سارع إلى تكذيب الخبر فور عودته إلى القاهرة، بل ورصد مبلغ ألف جنيه سيدفعه للمجلة إذا تحقق ذلك الخبر، في محاولة منه لصرف نظر زوجته عن التفكير في الأمر.
غير أن الهمسات كانت تتردد بقوة في الوسط الفني الذي كانت فتحية شريف جزءاً منه، حول علاقة الحب بين شادية وحمدي، حتى وقع خلاف بين الزوجين ترك على إثره حمدي بيت الزوجية.
زواج شادية وعماد حمدي
في تلك الأثناء سافرت شادية إلى الإسكندرية للاستجمام والراحة من عناء العمل وهرباً من الإشاعات أيضاً، وفضلت أن تقيم في أحد الفنادق ولم تنزل في شقة شقيقتها الكبرى سعاد شاكر التي كانت تمضي إجازة الصيف مع زوجها هناك، وكانت على علم بعلاقة الحبّ بين شقيقتها وبين الفنان عماد حمدي، مع أنها عارضتها لسبب وحيد هو أن الأخير متزوج وله ولد من زوجته فتحية شريف يدعى نادر وكان في عامه الثالث.
لم يعد حمدي يستطيع الابتعاد عن شادية أو يقاوم حبها المتدفق في قلبه، وما إن عرف أنها سافرت إلى الإسكندرية حتى لحق بها فوراً، وكان زوج سعاد، أحد أشد المعجبين بفن حمدي وبشخصه أيضاً، وعندما علم بوجوده في الإسكندرية استدعاه وشادية إلى شقته وأحضر المأذون وأتم زواجهما وأمضيا شهر العسل في الإسكندرية على شاطئ جليم الذي كان شاهداً على حب أسعد زوجين في العالم.
الدولة: عدد الرسائل: 25691تاريخ التسجيل: 08/12/2007المزاج: الأوسمة .:
موضوع: رد: كنوز..شادية الجمعة 10 سبتمبر 2010 - 5:37
شادية... قمر لا يغيب (10) يوم من عمري
منذ مطلع الخمسينيات أكمل منير مراد ما بدأه محمد فوزي من امتلاك مفاتيح صوت شادية، ليجعله أحد الأصوات المميزة على الخريطة الغنائية، لدرجة أنه ما إن تستمع إلى المقدمة الموسيقية وهي تتراقص حتى تعرف فوراً أن المقبل عليك هو صوت شادية، ومثلما قدّم لها فوزي أغنيات كثيرة منذ تعاونهما الأول في فيلم «العقل في إجازة»، قدم لها مراد أغنيات استطاعت عبرها إثبات أنها تتقن هذا النوع من الغناء مثل: «واحد اتنين»، «يا *** من عيني النوم»، «يا دبلة الخطوبة»، «مكسوفة»، «إن راح منك يا عين»، وغيرها من الأغاني، التي أصبحت من علامات سينما تلك المرحلة، غير أن تفكير شادية كان يسبق دائماً العصر الذي تعيشه، ويرتسم أمامها سؤال واحد: ماذا ستقدِّم غداً؟
هذا السؤال طرحته على نفسها فور عودتها من شهر العسل مع زوجها الفنان عماد حمدي، فقد عاش الزوجان أسعد أيام حياتهما وشعرت شادية بأنها تريد أن تبدأ من جديد:
• تعرف يا عماد أنا حاسة إني اتولدت من جديد... لكن خايفه.
- خايفه!! من إيه؟
• خايفه إن السعادة تخلص بسرعة.
- عمرها ما هتخلص طول ما إحنا مع بعض.
• حاسة إني عايزه أعمل حاجات كتير وشغل كتير.
- إحساس جميل... بس أنا من رأيي إن سمحت لي يعني ...
• سمحت لك... برضه ده كلام... إنت تقول اللي إنت عايزه.
- قصدي يعني إنك وصلت لمرحلة من النجومية لازم تقفي عندها شويه... وتفكري في اللي جاي بشكل مختلف.
• هو ده فعلا اللي بفكر فيه وناويه عليه.
- وأنا واثق بذكائك وخياراتك.
أرادت شادية أن تكون تلك المرحلة نقطة فاصلة في حياتها الفنية كما كانت في حياتها الخاصة، غير أن ارتباطها بعقود وأفلام فرض عليها الشروع في تصويرها، فكان عليها الوفاء بالتزاماتها، من ثم التفكير في ما يمكن أن تقدمه في المرحلة المقبلة.
ففي العام الذي تزوجت فيه عماد حمدي، كانت شادية قد تعاقدت على أكثر من عشرة أفلام، بدأتها مثل «مغامرات إسماعيل ياسين» (1954) مع المخرج هنري بركات، ثم «أنا الحب» مع المخرج نيازي مصطفى أمام محسن سرحان ويحيى شاهين، «بنات حواء» مع الفنان محمد فوزي والمخرج محمود ذو الفقار، أدت فيه دور فتاة شقية دلوعة تبحث عن الحب، وغيرهم
قصة حب ملتهبة
فكر المخرج حسن الصيفي أن ينقل قصة الحب الملتهبة بين الزوجين من الواقع إلى شاشة السينما، فجمع بينهما في فيلم «الظلم حرام»، وعلى الرغم من أن عماد حمدي كان فتى الشاشة الأول يتقدم اسمه بطلات عصره، باستثناء فاتن حمامة التي سبقت نجوميتها نجوميته لكن في افلام شادية ايضا اصبح اسمه يكتب بعدها بعد ان قفزت للقمة بسرعة
في تلك الفترة أيضاً أحيا المخرج محمد عبد الجواد الثنائي الشهير شادية وكمال الشناوي من جديد في فيلم «ألحقوني بالمأذون»، ثم في «الستات ما يعرفوش يكدبوا» وقد منح فيه فرصة البطولة المطلقة للممثل الشاب شكري سرحان، بمشاركة إسماعيل ياسين.
بثم جمع المخرج إبراهيم عمارة الزوجين من جديد في فيلم «ليلة من عمري»، لم تتردد شادية لحظة في قبوله فتفرّغت له تماماً ليس لأنه يجمعها مع الزوج والحبيب، إنما لأنها أخيرا وجدت ضالتها:
• أنا سعيدة... سعيدة جداً يا عماد.
- صدقيني أنا أسعد... مش بس لأنك زوجتي وحبيبتي... لا... لأنك فعلا ممثلة عظيمة وموهبة نادرة.
• أخيرا لقيت الفيلم اللى هيخرجني من الشرنقة اللي حطوني فيها المخرجون من ساعة ما بدأت... دور جديد وشكل جديد، وكمان فيه تمثيل بجد، مش بس بنت خفيفة بتدوّر على الحب ومكسورة ومغلوبة على أمرها... لا بنت قوية وبتتمسك بحقها في الحب والحياة، بتتحدى الظروف علشان تعيش.
- طبعا يا ست... مين قدك الفيلم كله لحسابك... أنا يا دوب دور صغير قد كده... شوية في أول الفيلم وشوية في آخره... لكن إنت من الجلدة للجلدة...
• ده تواضع ولا إيه من فتى الشاشة الأول؟
- لا أبداً... صدقيني أنا فرحان أكتر منك... الدور صعب ومحتاج تمثيل... بس أنا واثق إنك هتعمليه بجداره... وهيكون علامة في تاريخ السينما، قبل ما يكون في تاريخ شادية.
• لو سمحت... شادية وعماد حمدي.
وحيدة على الساحة
مثلما جمعت في أفلامها بين نجوم السينما والغناء وكبار المخرجين على مختلف مدارسهم واتجاهاتهم، استطاعت شادية بذكاء فطري أن تجمع بين كبار المؤلفين والملحنين الذين كتبوا لها أغنياتها، مثل فتحي قورة، مأمون الشناوي، مرسي جميل عزيز، محمد علي أحمد، حسين السيد، على اختلاف اتجاهاتهم في كتابة الشعر الغنائي، وربما تكون هذه إحدى أهم مميزات شادية أنها حققت نجومية جماعية.
ولشدة نجاح شادية كمطربة في تقديم الأغنية السينمائية، شعر الجمهور عقب احتجاب ليلى مراد في النصف الأول من خمسينيات القرن العشرين، أنها الوحيدة القادرة على ملء الفراغ الذي تركته ليلى مراد بابتعادها المبكر وهي في القمة وقادرة على العطاء سنوات طويلة.
بابتعاد ليلى مراد، فقدت الأغنية السينمائية ثلاثة من أهم المطربات هن: رجاء عبده، نور الهدى، ليلى مراد. فقد ابتعدت رجاء عبده أولا ثم غادرت نور الهدى مصر نهائياً عائدة إلى وطنها لبنان، هكذا اقتصرت الأفلام الغنائية على شادية وصباح التي بدأت تلمع في مطلع الخمسينيات، غير أن رصيد شادية كان يفوق رصيد صباح بأضعاف، لأنها حققت رقماً قياسياً لم تحققه مطربة أخرى، فضلا عن تميزها في ما يطلق عليه «الدويتو الغنائي»، حيث نجحت في الغناء مع أي مطرب كانت الضرورة السينمائية تفرضه.
غنت مع المطرب محمد الكحلاوي في فيلم «الصبر الجميل » (1952)، ونجحت بشكل لافت، مع العلم أن صوت الكحلاوي كان أقرب إلى الغناء الشعبي ووظفه في ما بعد في الأغاني الدينية، كذلك شاركت المغني عزيز عثمان، صاحب الصوت الأجش الخفيف الظل، دويتو في فيلم «ساعة لقلبك» (1952)، ما جعله محبوباً ومقبولا لدى الجمهور، فضلا عن مشاركتها إسماعيل ياسين وشكوكو الغناء في أفلام عدة، كذلك المطرب جلال حرب.
لم تكن شادية تخشى على نفسها من هذه المشاركات، لأنها كانت تدخلها بثقة بنفسها ورغبة في التنوع وإثراء الشاشة قبل أن تثري تاريخها.
نضج فني
كان فيلم «ليلة من عمري» (1954- مطلع 1955)، مقدمة لمرحلة مختلفة في حياة شادية الممثلة استطاعت بعدها اختيار الأدوار، فقدمت في تلك الفترة مجموعة أفلام درامية واجتماعية مختلفة عكست نضجها كممثلة، وأعطت مؤشراً قوياً على الذكاء الفطري الذي تتمتع به.
كذلك استغل المنتجون والمخرجون الزواج السعيد بينها وبين عماد حمدي، لتقديم أفلام مميزة في الشكل والمضمون، ليس من جانب شادية فحسب إنما من جانب عماد حمدي، الذي تخطى الخامسة والأربعين من عمره، ولم يعد يهمه لقب «فتى الشاشة الأول» بقدر ما يهمه «استعراض عضلاته» كممثل من العيار الثقيل، بلغ مرحلة من النضج أهلته إلى إتقان التمثيل بمجرد «نظرة عين»، وظهر ذلك واضحاً في دوره في «شاطئ الذكريات» الذي تقاسم بطولته مع زوجته شادية وشكري سرحان، إخراج عز الدين ذو الفقار.
أدت شادية دور فتاة يتزوجها الأخ الأكبر (عماد حمدي) إنقاذاً لسمعتها بعدما غرر بها شقيقه الأصغر وفرّ، وتثمر جريمته عن طفل يصبح كل حياتها، وعندما يعود الأخ الأصغر ويطالب بحقه في الطفل، تتمنى لو أن هذا الأخير من الأخ الأكبر.
• تعرف لما كنت بقولك في الفيلم «كان نفسي الطفل ده يكون ابنك إنت» كنت بقولها من قلبي بجد بعيد عن التمثيل.
- علشان كده كان إحساسك صادق جداً... وظهر ده للجمهور اللي ما بطلش تصفيق لك.
• الجمهور كان بيصفق للممثلة... لكن اللي ميعرفوهوش الجمهور إحساسي من جوه... ورغبتي فعلا أن يكون لي ابن منك.
- يا ستي ما تستعجليش... بكره ياما هتشبعي أولاد... وبعدين هو إحنا مش متفقين؟!
كانت شادية تتمنى أن يحدث ذلك في الواقع بينهما كزوجين سعيدين لا ينقصهما سوى أن يملأ حياتهما طفل طالما تمنته، فقد كان كيانها مفعماً بحلم الأمومة، نظراً إلى حبها الشديد للأطفال، غير أنها، عندما تزوجت من عماد، كان ثمة اتفاق بينهما على تأخير الإنجاب أعواماً من دون أن تفهم سبب إصرار زوجها على ذلك، إلا أن رغبتها الجارفة في تحقيق هذا الحلم دفعتها إلى مخالفة الاتفاق، وحملت بالفعل، على رغم نصائح الأطباء لها بخطورة الحمل على صحتها، لكن الله لم يحقق لها رغبتها وأسقط الجنين رغماً عنها نتيجة ضعف صحتها.
مع عبد الحليم حافظ
ومثلما مدّت شادية يدها لعبدالحليم حافظ في بداية عمله في السينما في فيلم لحن الوفاء ، ظهر على الساحة مطرب جديد اسمه كمال حسني، قريب إلى حدّ كبير من عبد الحليم حافظ، في الملامح والصوت، فأحدث ظهوره ضجة، لدرجة أن البعض توقّع أن يحلّ مكان عبد الحليم حافظ على عرش الغناء الجديد.
ولأن شادية تميزت برقة المشاعر وبروح إيجابية في التعامل مع الفنانين الجدد، لبّت طلب المنتجة ماري كويني (شاركت شادية في أفلام عدة من إنتاجها)، وظهرت في فيلم «ربيع الحب» مساندة للمطرب كمال حسني. نجح الفيلم وأقبل عليه الجمهور بسبب وجود شادية التي غنت مع كمال حسني دويتو «لو سلمتك قلبي واديتك مفتاحه».
بداية النهاية
في تلك المرحلة اتسعت علاقات شادية وتنوعت، فبدأت الغيرة تتآكل قلب عماد حمدي بسبب فارق السن بينهما، وسرعان ما تحولت إلى قضبان تخنق شادية وحبها له، بخاصة بعد ظهورها في أفلام مع نجم الرومنسية عبد الحليم حافظ، والشاب الجديد كمال حسني، وقبلهما فريد الأطرش.
كانت شادية تصوّر فيلم «ودعت حبك» في مدينة السويس أمام الفنان فريد الأطرش، تؤدي فيه دور ممرضة في معسكر للجيش، بينما يؤدي فريد الأطرش دور أحد الضباط المصابين في الحرب ويقصد المعسكر للعلاج، وكان من الطبيعي أن ينزل فريق عمل الفيلم في أحد الفنادق إلى حين الانتهاء من التصوير، فهاتفها عماد حمدي وأبلغها بأنه سيوافيها في السويس وطلب منها أن تنتظره في محطة القطار. قصدت شادية المحطة وانتظرت طويلا ولم يصل القطار، عندها عادت إلى الفندق وانتظرته فيه بخاصة أن عماد يعرف طريقه، لكنه كان يريد أن تنتظره في المحطة كنوع من خضوع الزوجة لزوجها.
وصل القطار متأخرا، وعندما نزل عماد ولم يجد شادية، استشاط غضباً، فتوجه إلى الفندق وكانت عيناه تتقدان شرراً، دخل إلى الكافتيريا حيث تجمع فريق العمل كالعادة بعد نهاية يوم تصوير شاق، وكانت شادية تجلس بجوار فريد الأطرش يضحكان على قفشات ونكات السيد بدير وعبد السلام النابلسي، ويتابعهم المخرج يوسف شاهين، نظر إليه الجميع وهموا أن يرحبوا به، لم يلتفت إلى أي منهم وتوجه مباشرة إلى حيث تجلس شادية مع فريد، همت واقفة:
• حمد لله على السلامة... اتأخرت قوي كده ليه.
- أنا مش قلت لك تستنيني على المحطة؟
• حبيبي استنيتك كتير القطر اتأخر قوي.
- ولو... أنا كلامي لازم يتنفذ بالحرف.
ورفع عماد يده في الهواء لينزل بها على وجه شادية، فما أن لمحت شادية هذا التصرف حتى بادرته:
• لو إيدك اتمدت عليا تطلقني.
يبدو أنها لم تكن المرة الأولى التي تمتد فيها يد عماد حمدي على شادية، وإلا لما كانت أطلقت هذا التهديد، مع ذلك لم يعبأ عماد بتهديدها، وهوت يده على وجهها بصفعة قوية أمام فريق العمل ونزلاء الفندق... عندها أسرعت إلى غرفتها في الفندق وساد صمت بين الحضور مصحوب بنظرات دهشة وعلامات تعجب!
كان هذا الموقف فاصلا في حياة شادية وفي تاريخ العلاقة الزوجية، وأصرّت أمام هذا التصرف على تنفيذ تهديدها والتمسك بحقّها، لتنتهي أجمل قصة حب عرفها الوسط الفني في الخمسينيات بالطلاق الذي تمّ فجأة وبسرعة تماماً كما تمّ الزواج، فانتهى عام 1956 وانتهت معه أشهر قصة حبّ وأسعد زوجين.
واجهت شادية بعد ذلك سيلا من الإشاعات ربطت بينها وبين النجوم سواء في الوسط السينمائي أو الغنائي أو الصحافي... فبعدما ماتت إشاعة زواجها من كمال الشناوي بزواجها من عماد حمدي، انطلقت إشاعة أخرى بعد طلاقها منه حول قرب زواجها من الموسيقار فريد الأطرش، لا سيما بعد اشتراكها معه في فيلم «ودعت حبك» (1957) إخراج يوسف شاهين الذي شهد نهاية العلاقة بينها وبين عماد حمدي.
هكذا أصبح الألم عنواناً عريضاً من عناوين حياة شادية الإنسانة، فقد أسهم في تكوين شخصيتها، وأضفى عليها مسحة من الحزن توارت خلف مرورها الخفيف أمام كاميرات السينما، وجو البهجة الذي كانت تنشره بأغنياتها المرحة.
ألم الفقد... ألم الفراق... ألم الحرمان من أعز حلم لها وهو «الأمومة»، مع ذلك كانت تطوي نفسها على آلامها راضية بما قسم الله لها وتمضي في مسيرتها تسعد الناس وتفيض حباً وحنانا ًعلى المحيطين بها كشجرة غزيرة الثمر.[]
الدولة: عدد الرسائل: 25691تاريخ التسجيل: 08/12/2007المزاج: الأوسمة .:
موضوع: رد: كنوز..شادية الجمعة 10 سبتمبر 2010 - 17:58
شادية... قمر لا يغيب (11) زواج وطلاق وإشاعات
عقب طلاق شادية وعماد حمدي انتشرت أقاويل حول علاقتها بفريد الأطرش وقرب زواجهما، لا سيما بعد الخلافات التي شهدتها تلك الفترة بين الأطرش وسامية جمال وظهور شادية بعد الطلاق في حفلات وسهرات هذا الأخير، وعمّق هذه الأقاويل فيلمهما الثاني معاً «أنت حبيبي» (1957)، الذي ظهر فيه الأطرش مختلفاً عن أفلامه السابقة، الأمر نفسه بالنسبة إلى شادية، فتوطدت علاقة صداقة بينهما ونمت مشاعر بريئة صادقة، غير أن فريد كان يسمع، كلما قاربت قصة حب يعيشها من نهايتها السعيدة، هاتفاً يتردد في داخله: «الزواج يقضي على الحب».
بينما كانت شادية تنتظر أن تسمع كلمة «زواج» من فريد، فاجأها بالسفر إلى باريس لإجراء فحوصات طبية للاطمئنان على صحته، ومن باريس جاءها الهاتف الذي تنتظره:
• وحشتيني ياشوشو
- وإنت كمان يافريد وحشتني قوي... هتيجي إمتى؟
• كلها كام يوم... هاخد المركب من مارسيليا لإسكندرية...
- توصل بالسلامة.
• عاوزك تستنيني في إسكندرية... بس لوحدك من غير حدّ ما يعرف... أول ما هارجع هنتجوز في إسكندرية ونقضي شهر العسل في بيروت.
- إيه بتقول إيه؟ الصوت بعيد.
• بقولك أول ما أرجع هنتجوز في إسكندرية.
تأخر فريد في عودته، وعاد إلى القاهرة بدلا من الإسكندرية... وبدا كعادته متردداً، غير أن الصحافة حسمت موقفه في الزواج من شادية، بعدما انتشرت أخبار تؤكد فشل العلاقة بينهما وإحجام شادية عن التفكير في الزواج أو الحب~ وتفرغت لعملها، كأنه كان ينتظر شيئاً يحسم به موقفه، فابتعد من دون كلام... وأبت كرامة شادية أن تسأله لماذا لم يفِ بوعده.
فجأة حدث ما لم تتوقعه شادية أو تنتظره، ففي إحدى السهرات التي كانت تقضيها مع أهل الفن، التقت مهندساً إذاعياً في الإذاعة المصرية برفقة خالتيه ميمي وزوز شكيب:
• اسمي عزيز فتحي... مهندس في الإذاعة المصرية.
- أهلا وسهلا... وأنا...
مقاطعا لها برقة:
• إنت!! إنت إيه... أنا ممكن ما أستغربش لو القمر نزل وعرفني بنفسه... لكن النجمة الكبيرة شادية محتاجة إنها تعرف نفسها؟!
- إنت باين عليك مجامل قوي.
• صدقيني محدش يقدر يجاملك... لأنه مهما قال ووصفك هيكون مقصر في حقك.
كان المهندس عزيز فتحي يصغر شادية بعامين تقريباً، والده المهندس المعماري محمد فتحي، وبعد التعارف، عملت ميمي شكيب على التقريب بينهما، ونمت علاقة بينهما لم تتعدَّ عند شادية حدود الإعجاب فيما وقع فتحي في الحب من النظرة الأولى، بعد فترة تعارف قصيرة جداً قررا الزواج.
للمرة الثانية يتمّ الزواج في طقوس توحي بأنه مفاجئ أيضاً، للمرة الثانية يتم الزواج في شقة سعاد الشقيقة الكبرى لكن هذه المرة في القاهرة على كورنيش نيل العجوزة وبحضور اقتصر على الأشقاء: طاهر ومحمد وسعاد وعفاف ووالديها، بعد عقد القران قرر العروسان السفر إلى الإسكندرية لمفاجأة باقي أفراد الأسرتين الذين لم يحضروا عقد القران، إلا أنهما يفاجآن بوفاة الفنان سراج منير، زوج الفنانة ميمي شكيب خالة العريس، فقررا كتمان خبر الزواج، وعلى رغم السرية فوجئ العروسان بنشر الخبر في الصحف، في اليوم التالي، ما أحرج شادية أمام ميمي شكيب التي أدت الدور الأكبر في إتمام هذا الزواج.
خيانة
تزوجت شادية للمرة الثانية في 20 يناير 1958 بشكل سريع ومفاجئ حتى على شادية نفسها، لم تعرف كيف تم الزواج بهذه السرعة وهذه الطريقة التي لم تمنحها وقتاً كافياً للتفكير، أو حتى دراسة العريس بشكل كافٍ والتعرف إلى شخصيته عن قرب، فلم يكن بينهما علاقة حبّ تطورت إلى زواج، بل مجرد إعجاب متبادل استطاع المهندس عزيز أن يطوره بسرعة شديدة إلى زواج وليس إلى حبّ، ولأن شادية كانت تعاني آثار تجربة الزواج الأولى التي فشلت، لم يكن لديها مشاعر راسخة يمكن أن تحكم من خلالها على الأمور بشكل صحيح، مع ذلك ارتضت بالأمر الواقع، حتى اكتشفت الخديعة التي وقعت ضحية لها، فلم يكد يمرّ شهر على الزواج حتى اكتشفت أنها الزوجة الثانية للمهندس عزيز فتحي، ولم يكن زواجه الأول مشكلة في حد ذاتها، باعتبار أنه لم يكن الزوج الأول لها، غير أنها اكتشفت أنها الزوجة الثانية في ظل وجود الزوجة الأولى في حياته وعلى ذمته!
قلبت شادية الدنيا رأسا على عقب، واعتبرت أنه خدعها حين أوهمها بأنه طلق زوجته الأولى قبل أن يرتبط بها، من هنا بدأت المشاكل بين شادية وزوجها عزيز فتحي، ليس لوجود زوجة أولى في حياته فحسب، فقد ارتضت شادية الأمر الواقع، لكن لسبب آخر أهم وأخطر، وهو ضيق زوجها الشديد من شهرتها ونجوميتها وإقبال المعجبين عليها في كل مكان يذهبان إليه، لم يكن أحد يعرفه أو يلتفت إليه.
لاحظت شادية ذلك، وبذكاء الفنانة والإنسانة حاولت أن تلفت الأنظار إليه وسط الجمهور العادي وليس الوسط الفني فحسب، فقد حرصت على المحافظة على هذا الزواج وإبعاده عن حافة الانهيار، خشية فشل التجربة الثانية بسرعة ولم يكد يمضي على زواجهما سوى بضعة اشهر، لدرجة أنها حاولت فتح المجال لزوجها المهندس الشاب للعمل في السينما بعدما عرض عليه بعض المخرجين ذلك، وأقنعته على أساس أن يعوّض الفارق بين دخله من عمله ودخلها الكبير من فنها، حتى لا تكون ثمة حساسية بينهما، وأجري له اختباران أمام الكاميرا غير أنه فشل فيهما، ما أدى إلى ردة فعل سيئة عنده، وأصبح يتدخل في عملها ويتبعها في الأستوديوهات التي تصور فيها ويقيّد من حريتها، ليس من خلال رأي يتذوق الفن إنما من خلال سلطته كزوج!
استطاعت شادية أن تمرر المشاكل بينهما حتى لا يصطدم زواجهما على صخرة الطلاق وتجد نفسها مطلقة للمرة الثانية، غير أنها لم تعد تستطيع التحمل، بخاصة بعدما زادت غيرته وتدخلاته بداع ومن دون داع، بل وصل الأمر إلى أكثر من ذلك، فقد امتدت يد عزيز على شادية أكثر من مرة، وأمام تكرار ذلك لم تجد شادية حلا سوى طلب الطلاق الذي ماطل فيه، فأقامت دعوى قضائية استمرت في المحاكم فترة ليست طويلة، ولم تنته إلا بعد اتفاق ودّي بين والد الزوج المهندس محمد فتحي ووالد شادية المهندس كمال شاكر وبعض المقربين من الطرفين، دفعت شادية بموجبه ألف جنيه مصري مقابل الطلاق، وتم الطلاق في ديسمبر من العام 1958، قبل أن يحتفلا بعيد زواجهما الأول في يناير من العام الجديد.
ممثلة.. من دون غناء
بعد طلاقها، تفرغت شادية لممارسة حياتها بشكل طبيعي، فلم تترك هذه التجربة آثارا سيئة بقدر ما أضافت إليها خبرات جديدة ومهمة كإنسانة، حيث توطدت علاقتها بأسرتها من جديد، فاقترب منها والدها بشكل أكبر وأصبح شقيقها طاهر في حكم مدير أعمالها لا يفارقها لحظة أثناء التصوير أو بعيداً عنه ويلازمها في الحفلات والسهرات، بحيث لم تكن تقدم على خطوة من دون مشورته والأخذ برأيه.
قررت شادية أن يكون وجودها على الساحة الفنية مختلفاً، فقد حققت خلال هذه السنوات نقلة ظاهرة من أفلام الدلع والخفة إلى الأفلام التي ظهرت في معظمها ممثلة فحسب، وارتأت ألا تغني فيها إلا إذا كانت ثمة ضرورة ملحة لذلك، فكانت تلك المرحلة بحق «مرحلة شادية الممثلة».
ترددت شادية قبل اتخاذ هذا القرار لكنها في النهاية أعلنته وبررت ذلك بأن الغناء في الأفلام أصبح مواقف مفتعلة تقطع سياق الدراما، وأن نضجها الفني اكتمل وتجاوزت السن التي كانت تغني فيها الأغاني الخفيفة وأغاني الرحلات والشقاوة، وقد ناقشت هذا الأمر مع شقيقها طاهر، الذي يمثل الكثير في حياتها، كإنسانة وفنانة:
• يعني إيه عايزه تبقي ممثلة بس... مش فاهم؟
- يعني عايزه أثبت لنفسي قبل الجمهور والنقاد... إن أفلامي بتنجح لأني ممثلة كويسة... مش لأني شادية المطربة.
• وهو التمثيل جديد عليك... القصة دي انتهت من زمان.. شادية مش هتبدأ النهارده... إنت دلوقتي لك اسم وتاريخ وأعمال كتيرة مشرفة... كممثلة قبل ما تكوني مطربة.
- ماهو علشان كده... علشان التاريخ والأعمال دي... شادية النهارده لازم تبقى مختلفة عن إمبارح.
• عموما ده اختيارك... ومفيش مانع تجربي.
يبدو أن ذلك المبرر لم يكن مقنعاً لطاهر ولم يعجب الجمهور ولا النقاد، وانطلقت الإشاعات تؤكد أن شادية فقدت صوتها ولم تعد قادرة على الغناء لذلك لن تغني في أفلامها أو ربما فقدت أهم مزايا صوتها، ولشدة حبّ الناس لها قبلوا هذه الإشاعة وتعاطفوا معها، فيما اعتبرت هي هذا القرار اختباراً حقيقياً لقدراتها كممثلة أو فنانة تستطيع أن تجذب الناس بتمثيلها من دون غناء.
عوضت شادية عدم الغناء في الأفلام بإحياء المزيد من الحفلات والأغاني في الإذاعة بعدما ابتعدت عنهما في الفترة السابقة، في محاولة منها لتثبيت ذاتها ونجوميتها في كل مجال بعيداً عن الآخر، ليظل رصيدها في القمة.
عماد حمدي مجدداً
في تلك الفترة كانت شادية تظهر بمفردها في المجتمعات التي ترتادها، بخاصة المجتمع الصحافي الذي أدخلها إليه الصحافي مصطفى أمين، وقد بدأ يؤدي دوراً بارزاً من وراء الستار في توجيه شادية نحو اختيار ما يناسب هذه المرحلة والابتعاد عن أفلام الدلع والأفلام الخفيفة والتركيز على تقديم الأفلام الدرامية والاجتماعية وحتى الميلودرامية. فبعدما قدمت أفلاما مثل: «قلوب العذارى»، «ارحم حبي»، «عش الغرام»، وهي من النوعية التي دأبت شادية على تقديمها في المرحلة السابقة، ظهر عماد حمدي وشادية معاً من جديد، ما شجع المخرج محمود ذو الفقار على أن يسند إليهما بطولة فيلم يجمعهما إضافة إلى الفنان كمال الشناوي ليكون الثلاثة معاً وجها لوجه من جديد، غير أن شادية لم تكن تعبأ بذلك، كل ما فكرت فيه أن فيلم «المرأة المجهولة» سيكون علامة فارقة في تاريخها، ظهرت فيه بدور الأم لأول مرة على الشاشة، ليس أماً لطفل طالما تمنته، لكن أماً لممثل ونجم مثل شكري سرحان الذي سبق أن ظهرت معه في دور حبيبته، وهو ما لم يقتنع به المقربون منها، بمن فيهم شقيقها طاهر:
• إزاي تبقي طالعة في فيلم «الستات ميعرفوش يكدبوا» مرات شكري سرحان، وتيجي النهارده تعملي أمه... الجمهور مش هيقتنع... دي مخاطرة كبيرة يا شادية.
- هي مخاطرة بس محسوبة... وبعدين هند رستم كانت موافقة على الدور وهتعمله... لولا إن حسن الإمام اختلف مع المنتج ومشي، فمشيت هند رستم كمان مع حسن... ولا إنت شايف إن هند ممثلة تقدر على الدور وأنا لا؟!
• مش قصدي يا حبيبتي إنت ممثلة عظيمة... لكن أنا خايف من تأثير الدور ده على جمهورك، وأنه يتعود منك الأدوار دي بعد كده ومتعرفيش ترجعي منها تاني
- يا طاهر الجمهور أذكي من كده بكتير... وأنا واثقة أن الجمهور هيصفق لي كتير في الدور ده بس ادعو لي ربنا يوفقني فيه.
كما توقعت شادية، جاء أداؤها في هذا الفيلم قوياً بل مرعباً لنجمات عصرها من هذه الموهبة الجبارة والجرأة غير العادية التي تتمتع بها، فعرفت شادية طريقها إلى الجوائز بعد هذا التاريخ 1959، ما دفعها إلى التأني في اختيار أدوارها.
مع بداية حقبة الستينيات اختارها المخرج صلاح أبو سيف لتشارك النجم الصاعد بقوة عمر الشريف ومعهما الفارس النبيل أحمد مظهر لبطولة فيلم «لوعة الحب»، أدت فيه دور الفتاة الناضجة التي تبحث عن الحبّ الحقيقي وليس الفتاة الخاضعة لجبروت الرجل وتحكمه.
زوج ثالث
بعد زواجين وحبّ فاشل لم يكلل بالزواج، شعرت شادية بأنها تريد أن تتفرغ لفنها وأسرتها فحسب، أن تعيش في هدوء بعيداً عن التوتر والزواج والغيرة والعناد، مع ذلك لم ترحمها الإشاعات، ففي تلك الفترة توطدت علاقتها بالوسط الصحافي بقوة وترددت على سهرات تجمع كبار الصحافيين والأدباء والمثقفين والفنانين، لذا كان طبيعياً أن تمتد جسور التعارف بينها وبين نجوم هذه السهرات الفكرية التي دخلت عالمها من خلال الكاتب مصطفى أمين.
غير أن ذلك التداخل كان له ثمنه أيضاً، إذ فوجئ الكاتب الصحافي أحمد رجب بشائعات تطلق عليه لقب «الزوج الثالث لشادية»، وأن ثمة إعجاباً متبادلا بينهما، كالعادة تنفي شادية:
• شرف ليّ إني أرتبط بصحافي لامع زي الأستاذ أحمد رجب... لكن ده محصلش... كل الحكاية أنه صديق مقرب وبعتز بصداقته زيه زي كل القريبين منيّ اللي بتجمعني بيهم صداقة بريئة وجميلة.
- يعني مش ممكن يحصل في المستقبل؟
• المستقبل بيد الله... ومحدش يعرف إيه اللي ممكن يحصل بكره.
كانت ردود شادية من الذكاء بحيث تنفي أي علاقات غير حقيقية، وفي الوقت نفسه لا تجرح الآخرين، أو تحديدا ممن يتم ترشيحهم للزواج منها من الأصدقاء سواء الفنانين أو الصحافيين، وهو ما جعل أحمد رجب يكتب هذه القصة بشكل ساخر في مجلة «الجيل» التي تصدرها دار «أخبار اليوم»، في شكل خيالي تحت عنوان «أنا جوز شادية»:
«فجأة كدت أصبح جوز شادية وفجأة أيضا كدت أتحول إلى «طبق فتة» لزملائي الصحافيين وخصوصا زميلي المهذب المتربي المؤدب ابن الناس «جليل البنداري» الشهير باسم «جليل الأدب»!!
فإذا شاهدني زملائي أراقص شادية في أيام الخطوبة والغرام الحامي، وضعوا اسمي «ملفوفاً» في باب «أخبار الناس» قائلين مطربة سينمائية معروفة كانت ترقص مع صحافي شاب في «بلفدير هيلتون» طوال الليل واليد باليد والخد على الخد والزواج في الغد، فإذا تزوجتها نقلوا اسمي من باب أخبار الناس إلى الصفحة الأولى مع صورتي طبعاً، فإذا قضينا شهر العسل نقلوا اسمي بعد تسعة أشهر من الصفحة الأولى إلى باب «مواليد الأمس» مسبوقا باسم النبي حارسه أنبته الله نباتاً حسناً، فإذا أثارت شادية غيرتي وضربتها قلمين نقلوا اسمي من «مواليد الأمس» إلى حوادث أمس، فإذا أصرت شادية على الطلاق وطلبت أنا ألف جنيه لأطلقها نقلوا اسمي إلى صفحة الجرائم، وهكذا ظل اسمي يتجول ويتنزه في طول الجريدة وعرضها لأنني جوز شادية، كدت هذا الأسبوع أن أصبح ذلك الجوز والحكاية في منتهى البساطة يمكن أن تحدث لك فجأة كما حدثت لي».
هذا المقال الطريف الساخر الذي كتبه أحمد رجب نفى فيه زواجه من شادية ولخص فيه ما تعرضت له في زواجها الثاني تحديداً، مع ذلك شعرت شادية بأنها أمام دنيا جديدة، أخذ بيدها فيها الكاتب الصحافي مصطفى أمين وجعلها جزءاً منها، وعرفت فيها المعنى الحقيقي للحياة.