شادية ****شادية
منذ عدة شهور، قررت اقتناء كل شرائط الفنانة شادية، وبالفعل، بحثت بإصرار عن المجموعة الكاملة حتى حصلت عليها، الطريف أن بعض الأصدقاء حين علموا بالأمر بدا عليهم الاندهاش وسألونى: لماذا شادية بالتحديد.. ولماذا الآن؟! ومصدر اندهاشهم هو أننى أيضاً من عشاق فن أم كلثوم وليلى مراد وعلى الحجار. فلماذا شادية تحديداً والإصرار على المجموعة الكاملة غير منقوصة؟!
الأطرف فى الواقع أن سؤالهم فاجأنى فلم أجد إجابة! كل ما كنت أعرفه، وقتها، هو أننى شعرت بحاجة لصوت شادية تحديداً دون غيرها! بل أكثر من ذلك، كان فى نيتى منذ البداية أن تكون شرائط شادية معى فى سيارتى لا فى البيت لتكون معى فى كل تنقلاتى، لماذا؟ من الواضح أننى لم أعرف، وقتها، السبب وفى الحقيقة لم أنشغل كثيرا بالبحث عنه.
والآن، بعد مرور وقت معقول اصطحبت فيه شادية معى فى تنقلاتى فى شوارع القاهرة، أعتقد أننى فهمت لماذا شادية بل ولماذا فى السيارة وليس فى البيت! ففى الطريق العام، كما فى المجال العام فى مصر، نحن فى حاجة للرقة والعذوبة الممزوجة بالتفاؤل فى مواجهة القبح والعنف والإحباط. فقد اكتشفت أننى أهرب إلى عذوبة صوت شادية كلما تملكنى الغضب من عشوائية ما يحدث فى شوارعنا وما تنطوى عليه من عنف لفظى ومادى بلا حدود.
وأدركت أننى كنت فى حاجة لشقاوة شادية ومرحها فى بحثى عن جرعة تفاؤل مطلوبة وسط ما تشهده مصر من أحداث تدعو للحزن أو اليأس أو الغضب من الطعام الملوث بمياه المجارى، مروراً بالعنف الطائفى ووصولاً إلى البلادة التى يعامل بها ضحايا السيول وغير ذلك الكثير. باختصار، اتضح أن صوت شادية بتركيبته الفريدة كان مناسباً فى حالتى وربما فى تلك المرحلة بالذات التى تمر بها بلادى. فعذوبته بلسم مضاد للقبح والعنف، وشقاوته مصدر لبعث التفاؤل وشحذ الهمة للتعامل مع الواقع.
تذكرت تلك التجربة الشخصية حين تم التنويه فى الإعلام عن أن أحد أيام الأسبوع الماضى وافق يوم ميلاد شادية. ورغم أننى لم أر الفنانة شادية فى حياتى ولا تربطنى بها أى علاقة، فإننى فى الحقيقة أعرفها جيداً. فهى كانت حاضرة بقوة فى حياة جيلى فى فترة الطفولة والدراسة.
فهى ليست فقط صاحبة الصوت الجميل الذى كان أعذب من غنى لمصر وشدا بكلمات رددناها جميعا منذ الصبا ومازلنا نرددها حتى اليوم، وإنما هى أيضاً الموهبة الفذة فى التمثيل التى أدت أدواراً صارت علامات مهمة فى تاريخ السينما المصرية. ورغم التنوع الشديد لتلك الأدوار فإنها كلها خرجت إلينا بالقدر نفسه من التميز والعمق.
لكننى أظن أيضاً أننى أعرف شادية الإنسانة، فهى حين قررت فى لحظة بعينها الانسحاب من الحياة العامة انسحبت بمنتهى العذوبة والعزيمة فى آن معاً، لم نسمع يوما أنها أعطت دروسا لأحد ولا هى تبرأت من فنها وتاريخها، كل ما فى الأمر أنها اختارت لنفسها طريقاً جديداً أصرت على أن يظل بينها وبين خالقها ولم تطلب إلا احترام خصوصيتها.
ويافنانتنا التى تفيض عذوبة وصدقاً، من حقك علينا فى يوم ميلادك أن نقول لك إننا نحترم خصوصيتك. ولكن دعينى أقول لك أيضاً إنك صديقتى – كما أنت صديقة ربما لملايين غيرى. أنت صديقة أصطحبها معى لأحتمى بعذوبتها من القبح المحيط وأشحذ بشقاوتها ورقتها همتى.. نحبك يا شادية ونتمنى لك موفور الصحة.
بقلم د. منار الشوربجى ١٧/ ٢/ ٢٠١٠