الدولة: عدد الرسائل: 28388تاريخ التسجيل: 08/12/2007المزاج:
موضوع: رد: كمال الشناوي.. مكانة متميزة الإثنين 20 فبراير 2012 - 23:26
* جدّي خطب لي إبنة أشهر جزّار في الحيّ! * في الحيّ الشعبي، أحببت فتاة هي شبيهة الممثلة نورا... * هربت من معهد الموسيقى بسبب أستاذ إيطالي!
جدّي، بعد فضيحة زكية، بائعة الفول السوداني، التي أساء بها وبي الظن، اعتبرني طائشاً، ماجناً، منحرفاً.. وكان العلاج الوحيد لحالتي، أو العقاب لمروقي هو أن.. يزوّجني!. وسمعت همساً يدور حول هذا الموضوع بين جدي كامل، وجدتي هانم، قبل أن يفاتحني جدي بالأمر: وقال لي بصراحة اعتاد أن يعاملني بها، بعد فعلتي «المشينة»: • أنت لازم تتجوز يا ولد.. وقلت بطاعة جندي، يتلقى أمراً من قائده: - حاضر يا جدي... بس لما نلاقي العروسة!. وقال بحزم: • العروسة موجودة... إذن هو لم يتخذ القرار فقط، بل بدأ في تنفيذه أيضاً.. واختار لي عروساً أبعد ما تكون عن فتاة أحلامي، اختار لي عروساً بدينة، بيضاء، وغنية، وكانت العروس: إبنة جزار، بل إبنة أشهر «كبابجي» في الحيّ!.
غرام فوق السطوح ولم تكن العروس غريبة عني، فقد كنت أعرفها جيداً، فأسرتها كانت تقيم في البيت الملاصق لنا، وسطح منزلنا، يكاد يكون امتداداً لسطح بيتهم، وكنت كثيراً ما أتبادل معها حديثاً خاطفاً، وهي تنشر الملابس فوق السطح، وتطيل الوقوف حتى تناديها أمها للنزول، ونشأت بيننا مع الأيام، علاقة تشبه القصة الغرامية، ولكنها علاقة من صنع الحرمان وحده، ولا تكفي لأن تصبح أساساً لزيجة موفقة، وكان جدي، كعادته، عملياً، ففاتح أباها في الأمر، واتفقا على كافة التفاصيل، بعد أن رحّب بي الأب الجزار.. عريساً!. وحين جاء جدي يزف اليّ بشرى قبول طلبي، قلت له: - أنا لا أفكر في الزواج قبل إتمام الدراسة. وصرخ في وجهي: • أتعصى أمري يا ولد؟!.. ولذت بالصمت، وانصرفت الى شقتي الصغيرة، ولم يغفر لي جدي أني «كسفته» وسط الرجال، وظل لفترة طويلة يقاطعني، ويكتفي بأن يعطيني في أول كل شهر نصف جنيه كمصروف، أضيفه الى المائة وخمسين قرشاً، التي يرسلها لي أبي، لأنفق من المبلغ طوال الشهر!
البحث عن مورد رزق وكان عليّ أن أجد مصدر رزق إضافي، فعملي في الإذاعة - رغم تواضعه - أصابني بنوع من الغرور، وجعلني أتصوّر نفسي - قبل الأوان - نجماً!. والنجم مفروض فيه أن يغيّر بذلاته في فترات متقاربة، قد تكون كل يومين، ومفروض فيه أيضاً أن يكون حذاؤه لامعاً، جديداً.. ولم يكن أمامي سوى أن أرسم بالأجر... رسمت لوحات عديدة، بالألوان لمناظر طبيعية، كنت أبيعها لصاحب معرض شهير في ميدان سليمان باشا، لا يزال موجوداً حتى اليوم، وكان مسيو: «شيشمشيديان»، وهذا اسمه، يشتري مني اللوحة بجنيه، فينقلها ليطبع منها بطاقات بريدية، ثم يضعها في المعرض، حتى يجيء من يشتريها بمبلغ هو أضعاف ما تقاضيته أنا!. واتجهت الى ميدان آخر، هو الرسم الإعلاني، وأذكر أن شركة قديمة للسجاير، هي شركة: «عبدالله بستاني» أعلنت عن مسابقة لإعلان عن السيجارة التي تحمل إسم صاحب الشركة، ففاز إعلاني بالجائزة الأولى، وقدرها: خمسة عشر جنيهاً. وقد صورت فيه سيجارة: بستاني، ملاكماً قوياً في حلبة ملاكمة، يصرع السجاير المنافسة بالضربة القاضية. وبهذا الدخل الإضافي أمكنني أن أصبح من أكثر شبان شارع خيرت، أناقة!. ومنه أيضاً استأجرت مرسماً خاصاً.
بعيداً عن غضب جدي! لم يكن معقولاً، بعدما حدث لزكية بائعة الفول، وبعد أن رفضت الهداية على يد إبنة الجزار، أن أدخل موديلاً الى البيت، لذا كان الحل الوحيد هو أن أنتقل بأوراقي، وأقلامي، وألواني، وموديلاتي بالطبع، الى مكان بعيد عن غضب، جدي، وبحثت لنفسي عن غرفة في بيت الفنانين المعروف بدرب اللبانة، ولكن الغرف كلها كانت مشغولة بزملاء سبقوني اليها، وقادتني قدماي الى حي: «القللي»، استهوتني فيه أصالة في الطابع، وعثرت بالفعل على غرفة فوق سطح إحدى العمارات، استأجرتها مقابل ثمانين قرشاً في الشهر، وحولتها في أيام معدودة، الى مرسم أو : أتيلييه، وجعلت أساس ديكورها: «الخيش» حتى لا أفسد طابع الشعبية للمكان! في المرسم الجديد كنت أرسم «ضحى».. أرسم الحبيبة الجديدة. وضحى، كانت زميلتي في الكلية، وقد ربطت بيننا منذ الأيام الأولى للعام الثاني، أي بعد أن انتهت قصتي مع زينب، صداقة حلوة، تطورت فيما بعد لتصبح حباً، وكانت «ضحى»، التي تشبه الى حد بعيد الزميلة الممثلة نورا، من حيث امتلاء القوام قليلاً، والنضرة، والحيوية، ومن هنا أتذكرها كلما رأيت نورا، كانت تقيم في ضاحية حدائق القبة، وكنت أمر عليها في موعد نتفق عليه، فنركب الأوتوبيس معاً، ولا أحادثها إلا متى بلغنا محطة النزول في «القللي». ونصعد معاً الى المرسم، وأقوم بنقل ملامحها الى الورق، أو رقعة القماش، فإذا ما انتهى العمل، خرجنا الى السطح، نرقب القاهرة، بكل جمالها البسيط: نرى الغسيل الملون على الحبال وكذلك العشاق، مثلنا، الذين يختلسون كلمات من سطح لسطح، الى آخر تلك الصور الحية. أبداً لم أفكر في أن أقبّلها.. ولو أنني فعلت لما عارضت.. فقد كانت تحبني كما أحبها.. ولكن كان هناك حاجز ما، كان يقف بيني وبينها. إنها كلمات أستاذي، يوم كشف قصتي مع الموديل الحسناء إبنة «الجمالية». - لو أنك أحببت كل من وقفن أمامك لترسمهن، لأصبحت بلا شك فناناً فاشلاً!. وأنا لم أكن أريد لنفسي الفشل، لذا أبقيت حبي لضحى بمنأى عن أي نظرة بهيمية!.. ثم خرجت ضحى من حياتي!.. انتهت قصتنا، ربما لأنها توقعت أن أعطي ما لم أعطِ.. أو أن آخذ ما لم أمدّ اليه يداً!..
حب جديد.. يائس! ظلال الحب القديم تتلاشى دائماً في وهج الحب الجديد... وأنا أحببت في: «القللي» مرة ثانية!. وبالرغم من أن «القللي» حي شعبي، إلا أن عائلات أوروبية كثيرة اختارته سكناً: عائلات إيطالية، ويونانية، وايضاً يهودية. من بين هذه الأسر، كانت هناك واحدة يونانية، تقيم في إحدى شقق العمارة نفسها التي استأجرت فيها مرسمي. بحكم الجيرة، نشأت بيني وبين «ايفون»، جارتي اليونانية صداقة، تطورت كالمعتاد الى حب، ولم تكن العائلة تعارض العلاقة، فكنت أصحبهم أحياناً في رحلات وسفريات. ولكن، يوم فاتحت «ايفون» في أمر الزواج، ورحبت، اعتقدت أن طريقي الى تحقيق حلمي قد بات سالكاً. وفاتحت الأب بدوره في الأمر، وهنا عارض الرجل بشدة. بسبب اختلاف الدين، ومنع ابنته من مغادرة البيت، مهما تكن الأسباب، وأكثر من هذا، سعى الرجل لدى صاحب المنزل وأقنعه بأن يطالبني بإخلاء المرسم. وتركت المرسم فعلاً.. تركته آسفاً، فقد شاهد حباً تمنت بطلته لو أنني تزوجتها. وشاهد حباً آخر تمنيت لو أنني تزوجت بطلته.. وتلك هي لعبة القدر أحياناً، تعرض علينا ما نرفضه.. وتعرض عنا بما نريد!