منتدى شادية دلوعة الشاشة العربية
عزيزي الزائر أنت غير مسجل ويسعدنا انضمامك الى أسرتنا الجميلة المتحابة


والمترابطة وإذا رغبت فأهلاّ وسهلاّ بك ، قم بالتسجيل لنتشرف بوجودك معنا
[/center]



 
الرئيسيةالبوابة*المنشوراتس .و .جالتسجيلدخول
المواضيع الأخيرة
» اروع ما غنت فايزه احمد
اليوم في 19:52 من طرف سميرمحمود

»  فضل صيام عاشوراء
أمس في 21:45 من طرف عبدالمعطي

» رأس السنه الهجرية
أمس في 21:42 من طرف عبدالمعطي

» ادخل السجن ياشاطر
الأحد 24 سبتمبر 2017 - 21:08 من طرف أرض الجنتين

» سجل حضورك بالصلاة علي النبي صلى الله عليه وسلم
الأحد 24 سبتمبر 2017 - 21:03 من طرف أرض الجنتين

» دعاء اليوم
السبت 23 سبتمبر 2017 - 13:46 من طرف عبدالمعطي

» عام هجرى سعيد
الجمعة 22 سبتمبر 2017 - 20:46 من طرف عبدالمعطي

» تصميمات أرض الجنتين للحبيبه شاديه
الخميس 21 سبتمبر 2017 - 8:00 من طرف جوني مخلوف

»  تصميمات وهمسة قلم نور الحياة شاكر
الخميس 21 سبتمبر 2017 - 7:57 من طرف جوني مخلوف

» صباح و مساء مليء بالمشاعر الجميلة‏
الخميس 21 سبتمبر 2017 - 7:55 من طرف جوني مخلوف

» عرض افلام شادية على الفضائيات
الجمعة 8 سبتمبر 2017 - 21:57 من طرف نور الحياة شاكر

» قصة وعبرة
الخميس 7 سبتمبر 2017 - 23:11 من طرف نور الحياة شاكر

» اغاني وعجباااااااني
الخميس 7 سبتمبر 2017 - 22:26 من طرف نور الحياة شاكر

» ناهد شاكر ابنة شقيق شادية تكشف عن حالة شادية الصحية
الخميس 7 سبتمبر 2017 - 22:24 من طرف نور الحياة شاكر

» تهنئة عيد الاضحى من الفنانة القديرة شادية لكل عشاقها بالمنتدى
الإثنين 4 سبتمبر 2017 - 15:50 من طرف أرض الجنتين

» اجمل التهاني القلبيه بعيد الاضحى المبارك
الإثنين 4 سبتمبر 2017 - 15:47 من طرف أرض الجنتين

» وطنيات عربية
الأحد 3 سبتمبر 2017 - 23:55 من طرف نور الحياة شاكر

» اسعد الله مساءكم
الأربعاء 30 أغسطس 2017 - 20:51 من طرف عبدالمعطي

» جمال شادية
الإثنين 28 أغسطس 2017 - 23:44 من طرف نور الحياة شاكر

» الحبيبة شادية بالف خير
الإثنين 28 أغسطس 2017 - 20:27 من طرف جوني مخلوف

» سجل حضورك بكلمة حب لشادية
الإثنين 28 أغسطس 2017 - 20:23 من طرف جوني مخلوف

» كل يوم حديث شريف
الخميس 24 أغسطس 2017 - 23:50 من طرف نور الحياة شاكر

» كلنا لشادية عاشقين
الخميس 24 أغسطس 2017 - 23:25 من طرف نور الحياة شاكر

» كيفية الحج
الجمعة 18 أغسطس 2017 - 21:33 من طرف عبدالمعطي

» حكمة اليوم وكل يوم
الإثنين 14 أغسطس 2017 - 0:06 من طرف نور الحياة شاكر

» كنوز..شادية
الأحد 13 أغسطس 2017 - 23:33 من طرف نور الحياة شاكر

» الراجل ده ابويا - أسرار في حياة الفنانة شادية - الحلقة الثانية عشر 7 يونيو - الحلقة كاملة
الجمعة 11 أغسطس 2017 - 12:47 من طرف أرض الجنتين

» لقاء نادر وحصري لدلوعة الشاشة العربية الفنانة شادية
الجمعة 11 أغسطس 2017 - 12:44 من طرف أرض الجنتين

» سهير البابلي لـ"سيد علي": "ليه بتقول شادية مش معروفة.. أوروبا وأمريكا عارفينها"
الجمعة 11 أغسطس 2017 - 12:42 من طرف أرض الجنتين

» حوار حول دلوعة السينما المصرية شادية مع الكاتب الصحفي أسامة الشاذلي
الجمعة 11 أغسطس 2017 - 12:41 من طرف أرض الجنتين

مغارة كنوز صور القيثارة
هنــــا
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 45 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 45 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 720 بتاريخ الجمعة 10 يوليو 2015 - 17:24
اذاعة المنتدى
إذاعة شادية صوت مصر
T.V.SHADIA
هنــــا
احصائية المنتدى
اشهر مائة فى الغناء العربى
هنــــا
من لا يحب شادية صاحبة المعاني النبيلة
هنــــا
ديوان نجمة القمتين شادية
هنــــا
شادية نغم في القلب
هنــــا
صور من تاريخ شادية
هنــــا
مركز لتحميل الصور
شاطر | 
 

 لماذا نجحت أم كلثوم؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
انطوانيت
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 57169
تاريخ التسجيل : 11/11/2009
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الخميس 26 أغسطس 2010 - 17:37

شكرا لك نور الغالة موضوع مميز عن كوكب الشرق
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: انطوانيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50471
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الخميس 26 أغسطس 2010 - 23:42

اسعدني مروركم ياغالييييييييييييييين
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50471
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   السبت 28 أغسطس 2010 - 1:36

أم كلثوم... السيرة والأغاني - السيرة الشخصية

لقاء زكريا أحمد والشيخ أبو العلا محمد ورياض السنباطي
سمعها أبو العلا محمد فترقرقت الدموع من عينيه وطلب من والدها الانتقال إلى القاهرة
ج- الاتصالات الأولى بدنيا الاحتراف: زكريا أحمد - رياض السنباطي - أبو العلا محمد
مع أننا ما زلنا في مرحلة النشأة الريفية لأم كلثوم، قبل انتقالها النهائي إلى القاهرة (1923)، فإن وقائع حياة أم كلثوم، تؤكد أن حلاوة صوتها وبراعة أدائها، قد بدءا ينسجان لها خيوط العلاقة الأولى بالقاهرة، ودنيا القاهرة، وهي ما زالت مطربة ريفية مبتدئة، لم تخطر القاهرة في خيالها أو خيال والدها بعد. حتى يمكن القول أن «القاهرة الفنية» ذهبت للقاء أم كلثوم في طماي الزهايرة، قبل أن تأتي أم كلثوم إليها للقائها .
ومع تفاوت أهمية تلك اللقاءات الأولى مع الملحنين الثلاثة الذين سيلعبون – فيما بعد – أهم الأدوار في حياة أم كلثوم بعد استقرارها في القاهرة، فإننا سنعمد إلى رواية تفاصيل تلك اللقاءات، وفقا لتسلسلها الزمني، برغم التفاوت بين قيمة لقاء أم كلثوم الأول بكل من أبي العلا محمد وزكريا أحمد، وهما فنانان كان الأول منهما في قمة مجده، وكان الثاني يرتقي الدرجات الأولى في سلم المجد الفني، وبين لقائها برياض السنباطي، الذي كان عند ذلك اللقاء الأول، ما يزال طفلا صغيرا نابها، متأخرا عن أم كلثوم في رحلة التكوين الأول، خاصة وأنه ولد في العام 1906، أي أنه أصغر من زكريا أحمد (مواليد 1892) بأربعة عشر عاما، وأصغر من أبي العلا محمد بما يقارب الثلاثين عاما.
من الثابت، حسب وقائع حياة أم كلثوم في مرحلتها الريفية، أن لقاءها الأول مع مشاهير التلحين والغناء، وفقا للتسلسل التاريخي، كان مع زكريا أحمد، الذي تكرر لقاؤه بها مرارا في قريتها قبل انتقالها إلى القاهرة، علما بأن لقاءهما الفني (كملحن ومطربة) لم يكن في موازاة زمنية مع لقاءاتهما الشخصية، ذلك أن زكريا أحمد (كما سنرى في فصل لاحق)، هو، في التسلسل الزمني، خامس ملحن التقت به أم كلثوم، بعد أبو العلا محمد وأحمد صبري النجريدي ومحمد القصبجي وداود حسني. فأول لحنين قدمهما زكريا أحمد لها ظهرا في العام 1931 (اللي حبك يا هناه، وجمالك ربنا يزيده)، بينما ظهر اللحن الكلثومي الأول لرابع ملحنيها (حسب التسلسل الزمني) داود حسني، في العام 1930، وهو لحن أغنية شرف حبيب القلب.
إذن، كان زكريا أحمد في القائمة الزمنية لملحني أم كلثوم، خامس ملحن التقى صوتها بألحانه، ولكنه كان أول ملحن كبير التقى بأم كلثوم في منزلها الريفي، أي أنه كان أول ملحن محترف أتاحت له الظروف الاستماع لأول مرة، إلى ذلك الصوت الذي سيتربع على قمة الغناء النسائي العربي، طيلة القرن العشرين.
الزيارة الأولى للشيخ زكريا أحمد لبيت أم كلثوم الريفي، كانت عابرة، فقد عادت “الطفلة” من الكتّاب ذات يوم إلى منزلها، ولما اقتربت من الباب، سمعت صوتا جميلا يتلو توشيحا دينيا جميلا مطلعه:
مولاي، كتبت رحمة الناس عليك فضلا وكرم
ولم يكن الصوت واللحن إلا لزكريا أحمد، الذي كان قد لحن هذا التوشيح الديني للشيخ علي محمود، عندما كان زكريا عضوا في بطانته. ويبدو أن إعجاب أم كلثوم الشديد بهذا التوشيح. وهي في تلك السن المبكرة، قد جعله مادة ثابتة في كل حفلات الإنشاد الديني التي ظلت تؤديها، حتى في بدايات مرحلتها القاهرية، قبل انتقالها إلى الغناء العاطفي. وقد كان إصرار أم كلثوم على تكرار هذا التوشيح في كل حفلاتها، مناسبة للحلقة الأولى في سلسلة المداعبات التي كانت تتلقاها من أفراد جمهور المستمعين، وهي ظاهرة سنتعرض لها بمزيد من التفصيل في الفصل التالي من الكتاب، عند تناول انطلاقتها الفنية الكبرى في القاهرة. غير أن هذه الحادثة الأولى تستحق التسجيل.
فقد أراد أحد مستمعيها المدمنين أن يعبر ساخرا عن ملاحظته التكرار المستمر لذلك التوشيح، فما كادت تغني بيته الأول “مولاي، كتبت رحمة الناس عليك”، حتى بادرها ذلك المستمع الساخر بقوله: “كتبت علينا الغلب، يا ستي”. وبما أن تلك كانت المداعبة الساخرة الأولى التي تتلقاها من الجمهور، وهي لمّا تزل طرية العود، قليلة التجارب، فقد انخرطت في بكاء مرير. وهذا موقف مناقض تماما لتصرفها في مراحل نضجها الفني والشخصي، عندما أصبحت هي سيدة الموقف ، في تبادل المداعبات الساخرة مع أفراد الجمهور. ولكن ذلك حديث آخر، نتركه لصفحات مقبلة.
ذلك كان اللقاء الأول بين الشيخ زكريا أحمد، وأم كلثوم المغنية المبتدئة، في بيت والدها بطماي الزهايرة. ويبدو أنه كان لقاء محدودا، لم يتمخض سوى عن انبهار المغنية المبتدئة، بالمنشد الديني الفحل، والملحن الموهوب الصاعد.
أما اللقاء الثاني، فقد كان في السنبلاوين، عندما قرر التاجر علي أبو العينين إحياء ليالي شهر رمضان كاملة، فاستدعى الشيخ زكريا أحمد لتلاوة الذكر الحكيم طيلة ليالي الشهر المبارك، ولكنه اشترط عليه أن يغني أيضا بعد تلاوة القرآن الكريم، على أن يكون أجره مضاعفا، أجر من الله وأجر من صاحب الدعوة.
وافق الشيخ زكريا وبدأ بأحياء ليالي رمضان في السنبلاوين. وما أن مرت أيام قليلة، حتى أسروا للشيخ زكريا بأنهم يعدون له مفاجأة سارة، بإسماعه صوت مطربة ناشئة صغيرة السن، ولكن صوتها “لم يسمع أحد أجمل منه”.
دخلت أم كلثوم يلفها الخجل والحياء، ويسيطر عليها التلعثم، غير أن الشيخ زكريا أجلسها بجواره، وراح يسري عنها، حتى انفكت عقدتها، وانطلق لسانها وصوتها. ويقول زكريا أحمد يصف ذلك اللقاء الفني الأول الذي استمع فيه لصوت أم كلثوم: “ومنذ ليلتها، وأنا أصم، لا أسمع إلا صوتها، أبكم، لا أتحدث إلا باسمها. فقد أصبحت مفتونا بها، وأقول مفتونا، لأنني أحببتها حب الفنان للحن خالد، تمنى العثور عليه دهرا طويلا” .
ويبدو أن تلك الليلة الأولى كانت فاتحة الخير في توطيد أواصر العلاقة الفنية العظيمة بين زكريا أحمد وأم كلثوم (رغم تأخر ظهور ثمارها العملية من العام 1920، حتى العام 1931، كما سنرى بعد ذلك). يقول زكريا أحمد، أنه لم يفارقها طيلة شهر رمضان من تلك السنة، فقد واظبت على الحضور يوميا، مع والدها وشقيقها، للاستماع إليه في سراي أبو العينين، كما أن الشيخ إبراهيم دعاه إلى مائدة إفطار في بيته، يذكر الشيخ زكريا أنه أكل خلالها أوزة كاملة، ولعب” الكوتشينة” (ورق اللعب). وأن الشيخ خالد، شقيق أم كلثوم لم يعجب بصوت الشيخ زكريا والتواشيح التي كان يؤديها، بل اقتصر إعجابه على كون الشيخ زكريا “الفقيه” الوحيد في مصر الذي يمتلك عشرة أحذية.
أما الأوزة التي تناولها الشيخ زكريا على مائدة أم كلثوم في قريتها، فقد كان يستعيد ذكرها ساخرا عندما كان في أوج خصامه معها بين منتصف الأربعينيات ومنتصف الخمسينيات، فيقول: “أم كلثوم لها عندي أوزة، وأنا لي عندها أربعون ألف جنيه”.

ويبدو أن أم كلثوم قد استوعبت منذ ذلك اللقاء المبكر، قيمة علاقتها بذلك الملحن العظيم، فبادرت هي إلى التواصل معه، بعد عودته إلى القاهرة، بمواظبتها على التراسل معه عبر خطابات مستمرة، كانت لا تنتظر ردا عليها، بل تكتفي بتضمينها ما يخطر ببالها من ملاحظات ساذجة في ذلك الحين.

أما رد زكريا أحمد، فقد جاء متأخرا، ولكنه كان ردا عمليا، يختلف عن ملاحظات أم كلثوم الساذجة، فتضمّن دعوة أم كلثوم، لإحياء “فرح” (زفاف) أحد أصدقائه التجار، فقبلت الدعوة بما يشبه الامتثال (على حد قول أم كلثوم)، فلم تكن قد أصبحت تلك المطربة ذات الشأن، وإن كان أجرها قد ارتفع حتى وصل في تلك الحفلة إلى عشرة جنيهات. ولكن ما كان أهم بكثير من ارتفاع الأجر في تلك الحفلة، أنه كان بين المستمعين، صديقا الشيخ زكريا الشيخين علي محمود وأحمد ندا، وهما من أعظم المشايخ شأنا في ذلك الزمن، وخاصة الشيخ علي محمود الذي كان له أعظم الأثر على عباقرة الفن يومها ومنهم زكريا أحمد وعبد الوهاب. فلما استمعا إلى صوت أم كلثوم وأدائها، وافقا تماما على افتتان الشيخ زكريا بذلك الصوت، وانضما إلى شلة المعجبين.

زكريا أحمد والسنباطي

وسيكون لزكريا أحمد بعد ذلك شأن عظيم مع صوت أم كلثوم، ولكن بعد إحدى عشرة سنة من تلك اللقاءات الأولى.

ولكن لا شك بأن دور زكريا أحمد الفعال في حياة أم كلثوم، قد بدأ في ذلك العام (1920) وهو، من قبل التلحين، ودور مزدوج، لأنه بدأ يلعب دور الداعية والمبشر بذلك الصوت النسائي العظيم القادم من الريف، وكان هذا التبشير يتم بين أساطين السماع والموسيقى والغناء من عظماء المشايخ والملحنين والمطربين في القاهرة.أما الدور الثاني الذي لعبه الشيخ زكريا أحمد في حياة أم كلثوم في تلك المرحلة المبكرة، فكان قيامه بزرع فكرة انتقال أم كلثوم إلى القاهرةِ، في ذهن والدها الشيخ إبراهيم، وتشجيعه على ذلك، ومساعدته على الخروج من تزمته ومن مخاوفه.

أما اللقاء الثاني لأم كلثوم، مع الشخصيات التي ستلعب فيما بعد دورا أساسيا في حياتها الفني، فقد كان ذا طابع إنساني محض، لأن الطرف الثاني في اللقاء (رياض السنباطي)، كان ما يزال عند ذاك فتى في مقتبل العمر، يرافق والده (شأنه شأن أم كلثوم في طفولتها) في حفلات مماثلة لتلك التي كان يحييها الشيخ إبراهيم البلتاجي مع ابنته أم كلثوم.

وبما أن المنصورة كانت مركز إقامة رياض السنباطي في تلك الأيام (التي انتقل إليها من قريته فراسكور)، وبما أن المنصورة كانت، في الوقت نفسه، أقرب المدن الكبيرة إلى طماي الزهايرة والسنبلاوين، فقد كان منطقيا لفرق الإنشاد والفرق الفنية التي تجوب قرى ومدن تلك المنطقة، أن يلتقي أفرادها في إحدى محطات القطارات، وهم ذاهبون إلى حفلة أو عائدون من حفلة.

وتستحق بداية رياض السنباطي الريفية، المشابهة إلى حد ما بداية أم كلثوم، وقفة عابرة هنا، لأن القواسم المشتركة بين عناصر نشأة هذين الفنانين الاستثنائيين في فنون الموسيقى والغناء، تفسر لنا جذور تلك العلاقة المميزة التي جمعت بينهما في ذروة نضجهما الفني، حتى جعلت منهما ثنائيا مميزا، مع أن أم كلثوم قد تعاملت مع أحد عشر أو اثني عشر ملحنا في مسيرتها الفنية، ومع أن بعض هؤلاء قد لعبوا في حياتها الفنية أدوارا حاسمة، ووضع ثلاثة منهم على الأقل (أبو العلا محمد، ومحمد القصبجي، وزكريا أحمد) بصمات واضحة على ملامح شخصيتها الفنية التاريخية، غير أن أيا منهم لم يشكل مع أم كلثوم، ذلك الثنائي المتميز بتكامل فني بارز غطى عقودا ثلاثة امتدت من أوائل الأربعينيات حتى أواخر الستينيات في القرن العشرين (كما سنكتشف معا في الصفحات التالية من هذا الكتاب)، عنينا به ثنائي أم كلثوم – رياض السنباطي.

مع أن فارسكور كانت قرية المولد لرياض السنباطي، ووالده محمد، فقد حمل اسم العائلة اسم قرية أخرى مجاورة هي قرية سنباط. ويبدو أن من بين أسباب هذه المفارقة سببا فنيا، هو ما يهمنا هنا. فقرية سنباط، أو كفر سنباط، كانت تتشكل (خلافا لسائر القرى والكفور) من قسمين، قسم لسكانها العاديين، وقسم لسكانها من الغجر، الذين كانت نساؤهم تحمل اسم «الغوازي» (مفردها غازيّة). والغوازي فصيلة مما يمكن أن نصنفه «فنانات شعبيات» على طريقة نساء ورجال الغجر في عدد من الدول الأوروبية، يتعاطين فنونا يمتزج فيها الغناء بالرقص بالترفيه. وبما أن حياة الغجر تقوم أساسا على التنقل وعدم الاستقرار، فلا شك بأن ما يقدمونه من فنون، يكون في الغالب محصلة ما يجمعونه من المناطق الشعبية التي يتنقلون فيها، إما للعيش، أو لتقديم فنونهم التي يكتسبون منها رزقهم.

ولكن يبدو أن التجمع الغجري في كفر سنباط قد اكتسب سمعة خاصة في كونه «مركزا» (إذا صح التعبير) للون مميز من الألوان الغنائية الشعبية ذات النكهة المميزة.

يضاف إلى ذلك، ما اكتسبته المنطقة من سمعة فنية، كثمرة لمولد شديد الخصوبة يقام في قرية «ميت دمسيس» القريبة جدا من سنباط، وهو مولد «أبو جورج» الذي يقام في كنيسة القرية التي يقال أن ذراع ريتشارد قلب الأسد مدفونة فيها، من أيام الحروب الصليبية. ويتم الاحتفال بمولد «أبو جورج» في الخامس عشر من شهر سبتمبر / أيلول من كل عام.

ويبدو أن نشاط الغوازي «الفني» المميز في كفر سنباط، ومولد «أبو جورج» المتميز أيضا فيما يقدمه من فنون الرقص والغناء والاحتفالات الشعبية في قرية «ميت دمسيس» المجاورة، قد جعل من تلك المنطقة أحد أشهر «مراكز» الفنون الشعبية في أرياف مصر في الوجه البحري، كما يبدو أن كل ذلك كان من أسباب انتساب رياض السنباطي اسما إلى تلك المنطقة، مع أنه لم يولد فيها، بل في جوارها.

أما اللقاء الأول بين الطفل رياض السنباطي، والطفلة الأكبر منه بسنوات ست تقريبا، أم كلثوم، فمعروف ومؤكد، وكانت آخر إشارة له ذات قيمة توثيقية، إشارة رياض السنباطي إليه في إحدى المقابلتين التلفزيونيتين التاريخيتين اللتين خص بهما تلفزيون الكويت في العام 1980 أو 1981، أي قبيل وفاته بأشهر، وربما كان هذان التسجيلان الوحيدين لرياض السنباطي في مقابلة تلفزيونية، فقد كان بخيلا في أحاديثه الصحافية، وأشد بخلا في الأحاديث الإذاعية، ومغاليا في بخله في الأحاديث التلفزيونية.

المهم، أنه يذكر في إحدى مقابلتيه في التلفزة الكويتية قصة لقائه الأول مع أم كلثوم، الذي تم في الساعة الخامسة من فجر أحد الأيام، فيما كان عائدا مع والده من إحدى الحفلات، فالتقيا في محطة قطار الدلتا، في قرية «قرين»، بالشيخ إبراهيم البلتاجي، وابتنه أم كلثوم، العائدين أيضا من حفلة مماثلة. فكان ذلك أول لقاء شخصي إنساني بينهما، ما كان يمكن له أن يعطي أي ثمرة فنية مباشرة، لصغر سن الفنانين في ذلك الحين، وهي ثمرة سيتأخر قطافها حتى العام 1936 (لحن على بلد المحبوب وديني)، الذي ظهر قبل ذلك بعام في فيلم أم كلثوم الأول «وداد»، ولكن بصوت المطرب عبده السروجي، ثم سجلته أم كلثوم بعد ذلك على اسطوانة، كأول لقاء بين صوتها وألحان السنباطي.

غير أن اللقاء الأهم في قيمته الفنية في تلك المرحلة التأسيسية من حياة أم كلثوم) بين لقاءاتها الأولى بالمشاهير من أهل الفن (السابقين واللاحقين)، كان بلا شك لقاءها بالشيخ أبو العلا محمد. وكالعادة، كانت محطة قطار السنبلاوين، الموقع الأول للقاء، في إحدى رحلات الشيخ إبراهيم البلتاجي الفنية مع ابنته. ويبدو أن أم كلثوم صعقت عند ما سمعت والدها يصرخ مناديا الشيخ أبو العلا باسمه، فقد كانت لشدة انبهارها بصوته وهي تواظب على الاستماع إلى اسطواناته في بيت عمدة «طماي الزهيرة»، تظنه من الفنانين الراحلين. ويبدو أن تعلق أم كلثوم به في لقاء محطة القطار، كان قويا لدرجة أقنعت الشيخ أبو العلا بقبول دعوتها، لتغيير وجهة تحركه في ذلك اليوم، والذهاب إلى منزل الشيخ البلتاجي، وفور وصول موكب تلك الزيارة «التاريخية» إلى المنزل، صاحت أم كلثوم بوالدتها أن تذبح كل الدجاج الموجود في حديقة المنزل، لأن «أحسن واحد في الدنيا يزورنا اليوم»، على حد تعبير أم كلثوم.

وبعدما أطال الشيخ أبو العلا في الغناء، تلبية لإلحاح الطفلة، طلب إليها أن ترد له الجميل، وتسمعه صوتها، فانطلقت – بذكاء عفوي- وبعد التغلب على نوبة الخجل والتردد، تغني له قصيدته المعروفة

أفديه إن حفظ الهوى أو ضيعا

فلم يكتف الشيخ أبو العلا بمسح الدموع التي ترقرقت في عينيه، بل انضم إلى مجموعة المبشرين الأوائل بذلك الصوت الواعد، واستدار إلى والدها يلح عليه بضرورة انتقال أم كلثوم إلى القاهرة. ولكن الشيخ إبراهيم بقي متمسكا بوجهة نظره المعارضة تماما لتلك الفكرة، تواضعا ورهبة. غير أن أم كلثوم تجرأت في معارضة والدها، وتأييد رأي الشيخ أبو العلا محمد، أليس “أحسن واحد في الدنيا”؟.

وبقيت أم كلثوم ملحاحة في التمسك بهذا الرأي، حتى كان لها ما أرادت، ولكن بعد مخاض طويل، “ورحلات” فنية أولى إلى القاهرة وجوارها، قبل الاستقرار النهائي التاريخي في العام 1923.
جسر العبــور بين طمـــأي والقـاهـرة
بديهي أن انتقال أم كلثوم من مطربة موالد وتواشيح دينية في طماي الزهايرة وجوارها، إلى القاهرة، عاصمة الفن في مصر والعالم العربي كله، لم يتم بخطوة واحدة، بل عبر مرحلة انتقالية كانت أشبه بجسر عبور طبيعي من مرحلة التكوين الفني الأول إلى مرحلة المجد الفني الكامل. وقد تمثل هذا الجسر بسلسلة من الحفلات المميزة في المدن الصغيرة، خارج القاهرة وفي ضواحيها، وتأسس على الإعجاب الذي حظيت به أم كلثوم في أوساط أساطين النغم والإنشاد الديني، كالشيخ أبو العلا محمد، والشيخ زكريا أحمد وصديقيه الشيخين علي محمود وأحمد ندا، الذين كانوا قد بدأوا في القاهرة، وأوساطها الاجتماعية والفنية العليا يبشرون بالصوت النسائي الاستثنائي القادم من أعماق الريف.

سلسلة الحفلات الكبرى، قبل الاستقرار في القاهرة، بدأت بحفلة في المحلة الكبرى، حيث أحيت أم كلثوم حفلة زفاف نجل نعمان باشا الأعصر، عمدة المحلة الكبرى. ولم تكن الحفلة نجاحا فنيا مدويا فقط، بل تطور أجر أم كلثوم (والفرقة) ليصل إلى عشرين جنيها، وكوفية من الحرير، هدية لأم كلثوم.

أعقبها سلسلة حفلات في دمياط. فقد كان محافظ دمياط في ذلك الزمن، رسمي بك، مولعا بالفن والغناء. وكانت دمياط تفتقد بيوت التسلية والملاهي. فكان المحافظ، كلما سئم من جو العزلة والفراغ، يستدعي المطربة الجديدة الصاعدة أم كلثوم وفرقتها.

أما أهم تلك الحفلات التمهيدية، وأقربها إلى القاهرة (في المكان والزمان)، فكانت في ضاحية القاهرة الجنوبية، حلوان.

كان لعز الدين بك ضيعة قريبة من طماي، وكان قد سمع بصعود نجم المغنية الجديدة. ولكنه فكر بدل أن يحي ليلة المعراج في ضيعته، أن يستدعي المغنية الجديدة الذائعة الصيت إلى قصره بحلوان.

وقد تحولت تلك السهرة، فيما بعد، إلى واحدة من أهم المحطات الانتقالية في تلك المرحلة الحاسمة من الحياة الفنية لأم كلثوم، حتى أنها استغرقت في مسلسل أم كلثوم الشهير حلقة كاملة.

وخلاصة الموقف كما ظلت أم كلثوم تردد تفاصيله في ذكرياتها، أن صاحب الدعوة، الذي كان قد سمع بصيتها ولكنه لم يشاهدها أو يستمع إليها مباشرة، أصيب بصدمة عند رؤيتها، وبدا ذلك جليا على قسمات وجهه،قبل أن يقول «إيه لعب العيال ده، هي دي البنت اللي حتغني».

وخاف عز الدين بيك من فشل الحفلة فاتخذ قرارا فوريا، وأمر بإنزال أم كلثوم والفرقة إلى الطابق السفلي، واستدعى فورا المغني الشهير في ذلك الوقت الشيخ إسماعيل سكر، لإنقاذ السهرة من الفشل. ولكن عز الدين بك، خطرت له بعد أن هدأ روعه، وتأكد من النجاح الفني لسهرته، أن يستدعي أم كلثوم للغناء أمام الحاضرين، على سبيل الاطلاع والتجربة. وما أن وقفت أم كلثوم على «الكنبة»، حتى انطلق صوتها كالشلال الهادر، وتحول الشيخ إسماعيل سكر من مطرب الحفلة الأول، إلى «سمّيع» أول لأم كلثوم، يقود الطلب بالإعادة والاستزادة.

وتؤكد أم كلثوم أنها لم تكن في ذلك السن تشعر بأي مسؤولية، كما وهي في عز مجدها الفني، لذلك فقد غنت بلا خوف أو وجل، فأضيف اسم الشيخ إسماعيل سكر، إلى قائمة أرباب الغناء والتواشيح الدينية في القاهرة، المعجبين بصوت المطربة الريفية الصاعدة.

أما الحفلة التالية، فقد تجاوزت بها أم كلثوم ضواحي القاهرة، إلى داخل العاصمة. وتروي أم كلثوم لنعمات أحمد فؤاد مشاعرها لدى دخول القاهرة للمرة الأولى في حياتها، لإحياء عرس في حي «كوم الشيخ سلامة»:

«كنا نعيش في قريتنا طماي الزهايرة، مركز السنبلاوين، وهي قرية متواضعة، أعلى بيت فيها لا يزيد على طابقين، وأكبر مظهر للثراء فيها عربة حنطور يركبها العمدة، ويجرها حصان واحد. ولا أذكر أنه مرت بها سيارة، فلم يكن في القرية كلها إلا طريق واحد (شارع واحد)، يتسع لمرور عربة العمدة، وبضع طرق أخرى ضيقة، تتسع لمرور حمير الخفراء وشيخهم. كنت أغني في القرى المجاورة، وكانت كلها قرى صغيرة، وكنت أحسب أن مركز السنبلاوين هو أكبر مدينة في الدنيا. وكنت أسمع الحديث عن المركز، كما تسمع أنت الآن الحديث عن لندن وباريس ونيويورك.

وذات يوم، أقبل والدي يقول لنا أننا سنسافر إلى القاهرة. القاهرة أم الدنيا (..) وراح الفلاحون والفلاحات يحدثوننا عن عظمة القاهرة:

أتعرفون بيت العمدة، إن في القاهرة ألوف البيوت أكبر وأضخم وأعظم من بيت العمدة ! وهناك عربات حنطور يجرها حصانان، لا حصان واحد. وأحيانا تجد شيئا اسمه «الترام»، يجري في الشوارع، فتدفع نصف قرش، وتغمض عينيك ثم تفتحهما، فتجد نفسك في مركز السنبلاوين أو المنصورة أو في أجا. وهناك بيوت عالية جدا من ثلاثة أدوار أو أربعة أدوار، ثم هناك بساط سليمان، لا بل حجرة تقف فيها، وتضغط على زر، فترتفع بك الحجرة إلى السماء السابعة في دقيقة واحدة، يقصدون الاسانسير (المصعد)».

يمكن اعتبار هذا المقطع من الذكريات المتناثرة لأم كلثوم (من المؤكد أنها لم تعكف أبدا على تدوين دقيق لمذكراتها الشخصية) نموذجيا في المقارنة بين العالم الذي ولدت وتكونت شخصيتها فيه، حتى تجاوزت العشرين من عمرها بسنوات قد تصل إلى الثلاث (عالم الريف)، والعالم الذي انتقلت إليه نهائيا في العام 1923 (عالم القاهرة)، وصنعت فيه كل مجدها الفني وصعودها الاجتماعي، حتى وفاتها. إنها رحلة مدهشة ومثيرة استغرقت نصف قرن ونيف (52 عاما بين 1923 و 1975)، بدأتها أم كلثوم وهي في موقف الانبهار المطلق بالقاهرة وأهلها وفنونها، وأمضتها وأنهتها وهي في موقف إبهار القاهرة وأهلها، بل أهل مصر والعالم العربي بأسره، بشخصيتها وبما قدمته من فن.

ولكن ذلك لم يكن فقط ثمرة حظ سعيد (وإن كان للحظ دور لا ينكر في حياة كل فنان، كما في حياة كل إنسان). فقد رأينا، في الصفحات السابقة، كيف أن النشأة الريفية زودت أم كلثوم، وموهبتها الفنية المولودة معها كهبة الهيه خصها بها الله دون سواها، بأكثر من عنصر من عناصر القوة، كانت الأسلحة التي دخلت بها عالم القاهرة الساحر والجديد والكبير بلا حدود (بالنسبة لها في تلك الأيام):

عنصر قوة الشخصية وقوة الشكيمة والعزيمة. وقد تكوّن هذا العنصر، كما رأينا، عبر تحديات عديدة مركبة، منها أولا تحدي الصعوبات التي يفرضها المجتمع الريفي (كما مجتمع المدن في ذلك الحين وأكثر) على فتاة تولد في بيئة شديدة المحافظة، شديدة التركيز على أفراد العائلة من الذكور، وشديدة الضغط (إلى درجة الإلغاء في كثير من الأحيان) على الإناث من أفراد الأسرة، خاصة إذا أظهرن قوة في الشخصية، وامتلاكا واضحا لمواهب مميزة، فما بالك إذا كانت هذه المواهب في مجال الغناء، الذي كانت شرائح اجتماعية في المدينة (فما بالك في الريف) تعتبره ضربا من العيب والحرام إذا مارسه الرجل، فيكف بالمرأة أو الفتاة إذا فعلت ذلك ؟.

وقد رأينا في التفاصيل، أن الفضل الأول في مقاومة هذا التحدي بالذات (ولادة الأنثى في بيئة محافظة في الريف) يعود إلى والدة أم كلثوم فاطمة المليجي، التي بدأت تتدخل عند كل منعطف حاسم لمصلحة ابنتها، منذ أن كانت في اليوم الأربعين من عمرها، وأصيبت بمرض العينين، حتى الوصول إلى «معركة» رغبة الفتاة في دخول المدرسة. وفي المنعطفين، كانت الأم تقاوم حجة قلة الإمكانات المادية، يبيع ما تملكه من مصاغ.

أما الدور الثاني في مقاومة هذا التحدي (وقد تحول فيما بعد ليصبح دورا أول) فقد لعبته موهبة أم كلثوم نفسها. فلولا أن هذه الموهبة قد تدفقت كالشلاّل الهادر وشع بريقها ساطعا في بيتها الريفي الأول، في مقابل الخمول وانعدام الموهبة لدى شقيقها الاكبر (الذكر) الشيخ خالد، لما انصاع الشيخ إبراهيم البلتاجي لتحويل الموقع الأول المرموق في بيته كما في فرقته، من ابنه «الذكر، البكر، الوحيد» خالد، إلى ابنته الصغرى أم كلثوم، التي لم تكتف منذ ذلك اليوم بانتزاع ذلك الموقع المميز الذي ما كانت التقاليد تتيحه لها في المدينة (فكيف بالريف)، بل تحولت إلى محور لحياة والدها وفنه وعمله، منذ ذلك اليوم في طماي الزهايرة، حتى وفاته في القاهرة، وهو يعيش في ظلال ابتنه، مجرد والد لمطربة مصر والعرب الأولى.

أما التحدي الثاني الذي تصلبت شخصية أم كل في نشأتها الريفية الأولى، من خلال مواجهته، فقد كان تحدي شظف العيش المدقع، وصعوبة الظهور الفني، ثم صعوبة الانتشار، بكل ما يفرضه ذلك وسط إمكانات مادية محدودة إلى درجة الإملاق، ووسائل تنقل بدائية، وغياب كامل (في تلك الأيام، وتلك المنطقة) لأي وسيلة إعلامية كالصحافة أو الإذاعة أو الاسطوانة.

عنصر التكون الفني الراسخ (برغم عدم وجود أي معهد موسيقي في تلك الأيام، ليس في أرياف السنبلاوين أو المنصورة، بل حتى في القاهرة نفسها)، عبر علاقة راسخة بجذور الإنشاد الديني، على يد والدها الشيخ إبراهيم أولا، ثم المشايخ الذين تابعت الطريق معهم، في الريف أولا، ثم في القاهرة بعد ذلك، كالشيخ زكريا أحمد، والشيخ أبو العلا محمد.

وهكذا، كانت مرحلة النشأة الريفية لأم كلثوم كما رأينا، مرحلة التكون الصلب للشخصية الإنسانية، ولبدايات الشخصية الفنية. وإذا كان للحظ من دور بعد كل ذلك الجهد المضني في تصليب عود الشخصيتين (الإنسانية والفنية) فقد تجسد هذا الدور في تلك المصادفات السعيدة، التي لفتت النظر في وقت مبكر مناسب، إلى تلك الموهبة الاستثنائية، التي كان من الممكن لظروف أخرى معاكسة، أن تبقيها مدفونة في أعماق الريف المصري، وكان لفت النظر هذا (لحسن الحظ) يشمل اثنين من أساطين النغم والإنشاد الديني في القاهرة: الشيخ زكريا أحمد والشيخ أبو العلا محمد، فلعبا في القاهرة (أم فنون الموسيقى والغناء في المنطقة العربية) دور المبشر بقدوم صوت استثنائي، قبل أن يلعبا، فيما بعد، دور صقل وتهذيب تلك الجوهرة النادرة،
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
sirine
المشرف العام
المشرف العام
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 42620
تاريخ التسجيل : 01/12/2008
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   السبت 28 أغسطس 2010 - 1:48

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: sirine
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50471
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   السبت 28 أغسطس 2010 - 2:06

sirine كتب:
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

شكرا لمرورك ياغالية
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سفير الكلام
عضو ذهبي
عضو ذهبي
avatar

الدولة :
العمر : 32
ذكر
الفأر
عدد الرسائل : 1486
تاريخ التسجيل : 24/04/2009
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   السبت 28 أغسطس 2010 - 2:22

موضوع عظيم ومميز من انسانة عظيمة ومميزة
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: سفير الكلام
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com
انطوانيت
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 57169
تاريخ التسجيل : 11/11/2009
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   السبت 28 أغسطس 2010 - 16:57

دائماً مواضيعك مميزة يا كنزنا
شكرا لك نور
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: انطوانيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50471
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الأحد 29 أغسطس 2010 - 1:26

سفير الكلام كتب:
موضوع عظيم ومميز من انسانة عظيمة ومميزة

نورت صفحتي بمرورك الجميل
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50471
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الأحد 29 أغسطس 2010 - 1:27

انطوانيت كتب:
دائماً مواضيعك مميزة يا كنزنا
شكرا لك نور

دائما مرورك يسعدني ياغالية
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50471
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الأربعاء 1 سبتمبر 2010 - 1:32

م كلثوم... السيرة والأغاني - السيرة الشخصية
القصبجي قاد مرحلة التجديد الموسيقي وجسّدها في رق الحبيب
جدد زكريا أحمد شكل الطقطوقة من اللحن الواحد إلى عدة ألحان فأبدعت أم كلثوم في اللي حبك يا هناه وجمالك ربنا يزيده


ما في بداية المرحلة القاهرية، التي بدت في سنتيها الأوليين استمرارا للمرحلة الريفية، فلا شك بأن الشيخ إبراهيم البلتاجي قد احتفظ بموقعه في مركز صاحب القرار الرئيسي في تحديد الاتجاه الفني لأم كلثوم، غير أن شخصيات أخرى قد برزت في حياة أم كلثوم، وراحت تشارك الشيخ إبراهيم، بنسبة أو أخرى في القرارات المتعلقة بتحديد تطور اتجاهها الفني، في مقدمة هؤلاء الشيخ مصطفى عبد الرازق (على الصعيد الاجتماعي)، والشاعر أحمد رامي (على الصعيد الشعري والثقافي العام)، والشيخ أبو العلا محمد (على الصعيد الموسيقي).

بعد ذلك بوقت قصير، انضم محمد القصبجي إلى هذه المجموعة كقائد للفرقة الموسيقية المرافقة لأم كلثوم، ثم كملحن مجدد، وجد في صوت أم كلثوم الاستثنائي فرصة عمره لإطلاق مكنوناته الموسيقية من عقالها، في ثورة تجديد عارمة سنطلع عليها بالتحليل التفصيلي في القسم الثاني من الكتاب .

ثم انضم كل من الملحنين الكبيرين داود حسني وزكريا أحمد إلى قافلة هذه الشخصيات صاحبة القرار في تحديد الاتجاه الفني لأم كلثوم، ليس فقط في مجال إبداء الرأي والنصح والإرشاد، ولكن أيضا في مجال ما يقدمونه لصوت أم كلثوم من إبداع تلحيني، كما سنرى فيما بعد.

ملحنوها الأوائل

نقول ذلك ونؤكد عليه بالتفصيل، لأننا سنلاحظ في مراحل أكثر تقدما من حياة أم كلثوم، أن تمرسها الفني وارتقاءها الاجتماعي سينضجان شخصيتها الإنسانية والفنية، إلى درجة دخولها في البداية لمشاركة أصحاب القرار في تحديد اتجاهاتها الفنية، ثم تحولها في مرحلة متقدمة إلى صاحبة الموقع الرئيسي (وأحيانا المنفرد) في اتخاذ القرارات التي تحدد ما تقدمه من شعر غنائي ومن ألحان. وهذه الظاهرة ستكون المسؤولة عن كل تفاصيل علاقاتها الفنية والإنسانية بكل من تعاونت معهم من ملحنين، بلغ عددهم طيلة حياتها الفنية أحد عشر ملحنا (إضافة إلى فريد غصن، الذي قدم لها لحنا واحدا، لم يعثر له أحد على تسجيل بصوت أم كلثوم حتى كتابة هذه السطور).

فإذا عدنا إلى رواية سيرتها الشخصية وعلاقاتها بملحنيها الثلاثة الأوائل (بعد أبو العلا محمد) على ضوء الظاهرة الأنفة الذكر، فإننا سنلاحظ أن داود حسني قد تعاون مع أم كلثوم في السنوات السبع الأخيرة من حياته (توفي في العام 1937)، فقدم لها ما يقارب الإثـني عشر لحنا، ثمانية منها على شكل الدور، وثلاثة على شكل الطقطوقة، ولحن واحد على شكل الموال المنفصل، الذي أبتدعه وطوره بشكله الجديد كشكل فني مستقل عن الوصلة الغنائية، الموسيقار والمطرب محمد عبد الوهاب.

وداود حسني هو أستاذ عدد من الفانين الذين تبوأوا مواقع متقدمة في الغناء العربي الكلاسيكي المعاصر مثل ليلى مراد ومحمد عبد المطلب وأسمهان (وهو صاحب تحويل اسمها الأصلي أمال الأطرش إلى اسمها الفني أسمهان). وهو قبل ذلك، تلميذ مباشر لعملاقي القرن التاسع عشر عبده الحامولي ومحمد عثمان، حتى أن هذا الأخير كان يجاهر بأن داود حسني هو خليفته، تقديرا لمواهبه البارزة.

إن تحليل الأعمال القليلة التي وضعها داود حسني لأم كلثوم في بداية حياتها الفنية، بينما كان هو يختم سنوات عمره وسنوات نضجه الفني،يوضح أن هذه الألحان كانت بطبيعة الحال أقرب إلى مدرسة القرن التاسع عشر، وهي بذلك كانت قريبة من المزاج الفني الذي تربت عليه أم كلثوم في مدرسة الإنشاد الديني ومع أستاذها الأول أبو العلا محمد، وإن كانت قد بدأت تقترب فيها من بدايات الكلاسيكية الجديدة في الغناء العربي، التي طبعت داود حسني بشىء من طابعها في سنواته الأخيرة، خاصة في دور “روحي وروحك في امتزاج”.

أما مع زكريا أحمد، فقد تقدمت أم كلثوم خطوات واسعة داخل الكلاسيكية العربية المعاصرة، حيث بدأ هذا الملحن المبدع، التخلص المتدرج من أجواء الألحان الخفيفة التي كان يضعها بغزارة للأصوات السابقة لعهد أم كلثوم، ويدخل، مع هذا الصوت الجديد الاستثنائي في رحاب الفن الجاد، عبر خطين فنيين متوازيين بين تطوير شكل الطقطوقة عبر الانتقال من اللحن الواحد للأغصان المختلفة، إلى تخصيص كل غصن بلحن مختلف، في طقطوقتين تاريخيتين: “إللي حبك يا هناه” و”جمالك ربنا يزيده”، وبين مجموعة الأدوار الرائعة التي وازنت بين المضمون التراثي الدسم للقرن التاسع عشر، والتطوير في الشكل الخارجي المتجدد والمتغير بين دور وآخر، في سلسلة تاريخية من الأدوار على رأسها “إمتى الهوى يجي سوا” و”عادت ليالي الهنا” و”ابتسام الزهر” و”يلي تشكي من الهوى” وسواها.

المزاج الموسيقي

أما مع محمد القصبجي فقد دخلت أم كلثوم في تجربة فنية شديدة التعقيد والخصوبة والتفرد، بما يميزها عن تجاربها الفنية مع سائر الملحنين الذين تعاملت معهم، بما في ذلك زكريا أحمد الذي زودها في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات بدرر فنية باذخة الثراء، في مرحلتي الغناء على اسطوانات مسجلة، والغناء في الحفلات الحية، كانت شديدة القرب من مزاجها الشخصي كما سنلمس في الصفحات التالية، وبما في ذلك حتى علاقتها بملحنها الأثير فيما بعد، رياض السنباطي، والأقرب إلى مزاجها الفني والأطول تعاملا معها، والأشد ارتباطا فنيا بها.

أما ملامح تفرد العلاقة بينها وبين القصبجي، فتعود إلى أسباب فنية وشخصية. فالقصبجي، كان مع محمد عبد الوهاب، في عصر ما بعد سيد درويش، أكثر المندفعين جرأة وراء هواتف التجديد في الموسيقى العربية، انطلاقا من جذروها التراثية الراسخة، وتأثرا خلاقا ومبدعا بالآفاق الواسعة للتأليف الموسيقي والخيال الموسيقي التي تنطلق فيها الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية الرفيعة، سواء في مناهجها التأليفية المعقدة، أو في الأداء الباذخ الثراء للأوركسترا السمفونية الأوروبية، سواء في أقسامها الموزعة بين وتريات منوعة، وآلات نفخ خشبي ونحاسي، أو في مجموعها كفرقة موسيقية مدهشة في تنوع ألوانها وتعابيرها الفنية.

لقد كان لقاء هذا المزاج الموسيقي المتجدد الثائر، مع مزاج أم كلثوم الغنائي المحافظ، فرصة فنية سعيدة جدا في تاريخ الغناء العربي الحديث، كما في حياة أم كلثوم.

وإن كانت الثمرة الأولى لهذا اللقاء هي مجموعة من الأعمال العظيمة في حياة أم كلثوم في مرحلة الاسطوانات المسجلة، فيما بين 1928و1944، والتي لم يشتهر منها في إطار الحفلات المسرحية الحية الذائعة الصيت غير مونولوج “رق الحبيب” (وهي أعمال سنتعرض لها بالتحليل المفصل في القسم الثاني من الكتاب)، فان الثمرة الثانية لهذا اللقاء (التي تهمنا بشكل خاص في هذا القسم الأول من الكتاب) هي إضافة البعد الثاني لشخصية أم كلثوم الفنية والإنسانية، إلى البعد الأول الذي زودتها به حياتها في الريف وفي سنواتها القاهرية الأولى. فأنا ممن يعتقدون بثقة كاملة أنه لولا الآفاق المتجددة التي قاد محمد القصبجي صوت أم كلثوم وأحاسيسها الفنية إليها عبر فن المونولوج، الذي طغى على كل أعماله لأم كلثوم، بما فيها تلك الملحنة على شكل القصيدة أو الطقطوقة، لما تمت عملية التهذيب والتشذيب والتلميع والصقل التاريخية لأوتار حنجرتها وأسلوبها في الأداء وإحساسها بأبعاد النغمات الموسيقية التي تغنيها، وهي العملية التاريخية الكبرى التي قام بها محمد القصبجي في حياة أم كلثوم.

وهكذا، يجدر بنا أن نتنبه إلى أن التي استوت على قمة عالية من المجد الفني مع نهاية عقد العشرينيات وبداية عقد الثلاثينيات، لم تكن تلك الفتاة الريفية التي نقلت مقر سكنها من طماي الزهايرة إلى القاهرة، مع بعض اللمسات الشكلية لتغيير مظهرها الخارجي (الملابس وما إلى ذلك)، بل كانت تركيبة إنسانية جديدة تجمع بين العناصر الشخصية والفنية التأسيسية التي جاءت بها أم كلثوم من الريف، والعناصر الشخصية والفنية الجديدة التي اكتسبتها بسرعة وذكاء وتفتح في قاهرة ما بعد ثورة 1919. حتى أن بإمكاننا القول أنه لولا نجاح أم كلثوم في وضع مواهبها الفنية في خضم نقطة التقاطع الحضاري الشديد الخصوبة تلك، لما تمكنت حتما من التربع في تلك المكانة التي كانت ذراها العالية قد بدأت تلوح في الأفق منذ بداياتها الأولى مع محمد القصبجي.

وكما أسلفنا في الفصل السابق، لم يكن الأمر تعبيرا عن مجرد انتصار صوت جديد على مجموعة أصوات قديمة، بل كان صدفة تاريخية سعيدة وضعت حنجرة استثنائية وشخصية استثنائية كأم كلثوم، في موقع دور تاريخي كان يبحث عن بطل يؤديه بين الأصوات النسائية (تماما كما هيأت الظروف محمد عبد الوهاب ليلعب الدور الموازي بين أصوات الرجال)، وهو الدور المعبر عن غروب عصر كامل بكل ما يحمل من ميراث ومن قيم ومن أساليب في التعبير في مختلف مجالات الحياة والفن، وشروق عصر كامل بكل ما يحمل من ميراث ومن مكونات الماضي، ومن أساليب تعبير جديدة ترنو للانطلاق إلى آفاق جديدة.

تطور الحنجرة

إن ذلك وحده كفيل بتفسير وفهم ذلك التشعب المدهش (للمجتمع المصري والعربي، كما لأم كلثوم نفسها) الذي وجدت أم كلثوم نفسها في خضمه، بعد اكتمال ملامح انطلاقتها الفنية، تأسيسا على إتقان الإنشاد الديني، واستطرادا مع إتقان فن القصيدة التقليدية مع أبي العلا محمد، ثم إتقان فنون الطقطوقة المتطورة والدور المتطور مع داود حسني وزكريا أحمد، وتتويج ذلك بتحول حنجرة أم كلثوم، منذ نهاية العشرينيات، إلى ناطق رسمي متفوق باسم ثورة التجديد التي أطلقتها عبقرية محمد القصبجي الموسيقية الاستثنائية منذ نهاية العشرينيات، وهي الثورة التي اكتملت عناصرها لمحمد عبد الوهاب بتكامل موهبته الموسيقية والغنائية، وما كان لها أن تكتمل لمحمد القصبجي لولا ذلك التزاوج التاريخي السعيد بين مواهبه الموسيقية الاستثنائية والمواهب الصوتية الاستثنائية لأم كلثوم.

عند هذه المحطة التاريخية الهامة من حياتها، لم تجد أم كلثوم نفسها فقط على قمة الغناء النسائي الجاد في مصر، بل وجدت نفسها تتغلغل، انطلاقا من هذه القمة وبالتوازي معها، إلى نسيج الحياة العامة في مصر، ثم في بقية البلاد العربية بعد ذلك.

إن ظواهر تغلغل شخصية أم كلثوم، الإنسانية والفنية، في نسيج الحياة العامة في مصر (في عهد ما بعد ثورة 1919، ثم في عهد الملك فاروق، ثم في عهد ثورة 23 يوليو 1952) قصة حضارية وثقافية متكاملة تستحق أبحاثا مستقلة، شاملة ومعمقة ومكتملة التفاصيل بعيدا عن التعميمات السطحية والساذجة، وعن الأحكام المثالية التي تناولت تفاصيل هذه القصة، في حياة صاحبتها أو بعد رحيلها. ولكننا نكتفي في هذه السيرة الشاملة لحياتها الشخصية والفنية، بملامح نموذجية أساسية ومعبرة عن تلك القصة.

فأم كلثوم، على سبيل المثال، لم تكن بمنأى عن المخاض الفكري والثقافي الذي كان يصطخب في مصر منذ عهد محمد علي، والذي اتسعت دوائره في عهد الخديوي إسماعيل، والذي اتخذ كل أبعاده العملية بعد انهيار الأمبراطورية العثمانية، وانطلاق مصر وبقية الدول العربية معها، في البحث عن ملامح هويتها في العالم المعاصر، عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى، عنيت به مخاض تحديد صيغة للعلاقة بالغرب في مسيرة رسم ملامح شخصيتنا المعاصرة: هل نقاطع الغرب سياسيا وحضاريا لإبراز ملامح شخصيتنا العربية، أم هل نلتحق بالغرب التحاقا كاملا إذا أردنا دخول العصر الحديث، أم هل نقتبس من الغرب ثمار ثورته العلمية العقلانية، ونبقي ثقافتنا ووجداننا وأحاسيسنا بمنأى عن هذه المقتبسات، إلا في المواقع التي يمكن فيها التوفيق بين الأمرين ؟

هذه الاتجاهات لم تبق – في مصر بالذات – أسيرة الحوارات النظرية، بل وجد كل تيار من هذه التيارات تعبيرا عن نفسه في المجتمع المصري بالذات، في النصف الأول من القرن العشرين، بل إن هناك من الأدباء والمثقفين والفنانين من كان يتنقل من تيار لأخر، ومن كان يقف في مواقف ملتبسة حائرة بين تيار وآخر.

ومع أن أم كلثوم قد تبلورت شخصيتها فيما بعد، لتصبح رمزا واضحا ل “العقيدة الموسيقية الشرقية الخالصة” على حد تعبير الموسيقار كمال الطويل، فليس صحيحا أن هذا الموقف المتبلور قد اتخذ منذ البداية حتى النهاية في حياة أم كلثوم طابع الجمود والثبات والصفاء الكامل. بل إن أم كلثوم، بصفتها كائنا فنيا شديد التعقيد والحيوية، تعرضت – مثل غيرها – لمؤثرات ذلك المخاض الفكري والحضاري الهائل الذي اجتاح كل نواحي الحياة في مصر، في النصف الأول من القرن العشرين بشكل خاص، وهي خاضت مع محمد القصبجي بالذات، تجربة فنية غنية جدا فيما بين 1928 و1944، في تلوين الخيارات الموسيقية، والأداء الغنائي، بمؤثرات واضحة من الغناء الأوبرالي الإيطالي، بنجاح تام في عملية الهضم الكامل لتلك المؤثرات وإعادة إنتاجها من ضمن السياق التاريخي العام لشخصية الموسيقى العربية والغناء العربي، وبفشل ذريع في هذا السياق عندما تتجاوز حركة المؤثرات الغربية حدود الإنصهار الكامل والمنطقي في السياق التاريخي الطبيعي للموسيقى والغناء العربيين، كما حدث مع الحان فيلم “عايدة”. وهو ما ستعاود بحثه بمزيد من التفصيل في القسم الثاني من الكتاب.

وقد تعرضت أم كلثوم بين هذين الحدين: حد النجاح في التعامل مع المؤثرات الغربية في معظم الحالات، وحد الفشل في ذلك في بعضها، إلى مواقف من المرواحة بين هذين الحدين. فكان أن عقد بعض أصحاب التوجهات الواضحة في وسط هذه المخاض الحضاري المعقد، آمالهم على أن يكون صوت أم كلثوم الاستثنائي العظمة، ناطقا بلسان أكثر من تجربة غنائية- موسيقية. حتى يروى أن طه حسين الذي كان بين المندفعين إلى الاستفادة الموسعة بأساليب الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية، في تطوير الموسيقي والغناء العربيين، حاول إقناع أم كلثوم بأن تؤدي بصوتها لحن “الأفيه ماريا” (AVE MARIA) الشهير للموسيقار النمسوي شوبرت غير أن هذه المحاولة لم تبصر النور، وإن كانت لم تبق بغير معنى وبغير أثر في حياة أم كلثوم الفنية، كما سنرى فيما بعد.

ومع أن أم كلثوم لم تكن خريجة معهد موسيقي، ولا عرف عنها أي نشاط تنظيري في الموسيقى أو الغناء، فقد رشحتها مواهبها الفنية الرفيعة منذ وقت مبكر نسبيا (العام 1932)، في المساهمة العملية في أعظم مؤتمر علمي للموسيقى العربية، انعقد في القاهرة بمشاركة أهم علماء، من منظرين وفنانين أوروبيين وعرب. وكانت مساهمة أم كلثوم (كما زميلها محمد عبد الوهاب) في المؤتمر نموذجا حيا على التداخل بين صعيد النشاط النظري في الموسيقى والغناء، وصعيد النشاط الإبداعي.

ذلك أن من الأمور التي بحثتها إحدى لجان ذلك المؤتمر التاريخي العظيم، إمكانية إقامة سلم معدل للموسيقى العربية على أساس ثلاثة أرباع الصوت (المعروف بين الهواة باسم ربع الصوت) في موازاة وعلى غرار السلم الغربي المعدل على أساس نصف الصوت، وذلك في المجالين النظري والعملي. وطرح على المؤتمر في هذا المجال أكثر من آلة بيانو معدلة على أساس ثلاثة أرباع الصوت، منها آلة بيانو قام بتطويرها الموسيقي اللبناني وديع صبرة. ولما احتدم النقاش النظري بشأن جواز أو عدم جواز تعديل المقامات العربية (وخاصة مقام السيكاه)، ارتأت اللجنة المختصة داخل إطار المؤتمر، اللجوء إلى حسم النقاش النظري بالتجربة العملية، فاستدعت أشهر مطربين في ذلك العصر (أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب) لإجراء تجربة عملية بالغناء على مقام السيكاه المعدل وفقا لبيانو وديع صبره. وقد بدأت التجربة العملية أولا بأن قام عازف القانون الشهير مصطفى بك رضا (الذي كان أيضا مدير ومؤسس معهد الموسيقى الشرقي) بضبط آلة القانون على مقام السيكا المعدل وفقا لبيانو وديع صبره، وبعد ذلك استدعى كل من أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، كل على حدة، لمحاولة الغناء على مقام السيكاه بمرافقة القانون المعدل، ولكن التجربة فشلت تماما كما تؤكد وثائق المؤتمر، ومجلة “الصباح” المصرية الفنية التي كانت تصدر في تلك الأيام. وأفتى كل من عبد الوهاب وأم كلثوم بعدم وجود إمكانية عملية للغناء على مقام السيكاه، بإحساسه الطبيعي، بمصاحبة آلة معدّلة، مع أنهما بذلا جهدا في محاولة ذلك “بجميع السبل، ولو بصفة مؤقتة، ولحالة استثنائية. وأخيراٌ طلب إلى الذين حضروا المناقشات في هذه الجلسة أن يقف كل من يوافق منهم على إدماج “سيكاه” البيانو مع الآلات الوترية، فلم يقف أحد مطلقا”.

مؤتمر الموسيقى

وهكذا لعبت أم كلثوم (ومحمد عبد الوهاب) في هذا الموقف المشهود دوراٌ تاريخيا في تحديد مسألة نظرية بالغة الأهمية في مسيرة الموسيقى العربية، انطلاقا من موقعها الفني الإبداعي، وذلك قبل انقضاء عشر سنوات على انتقالها إلى القاهرة واستقرارها فيها. وسنشهد فيما يلى من صفحات هذا الكتاب، أن إبداع أم كلثوم، ومجموعة ملحنيها الأساسيين، سيكون له أكثر من دور في تحديد معالم ومسار تطور الموسيقى العربية في القرن العشرين، حتى على الصعيد النظري، الذي لم تكن أم كلثوم من نجومه.

ومادمنا في سياق الحديث عن المؤتمر الأول للموسيقى العربية الذي انعقد في السنة التاسعة من عمر أم كلثوم الفني في القاهرة، تجدر بنا الإشارة إلى واقعتين من أحداث ذلك المؤتمر، تؤكدان (إضافة إلى الواقعة الأولى)، المكانة الفنية والاجتماعية الرفيعة التي كانت قد بلغتها أم كلثوم، منذ تلك السنوات المبكرة.

فقد كانت أم كلثوم من نجوم الحفلة الختامية للمؤتمر، التي أقيمت في دار الأوبرا (القديمة)، شارك فيها كبار الفنانين والعازفين، وغنت فيها قصيدتها الشهيرة “أفديه إن حفظ الهوى” . كما أن بين وقائع المؤتمر، سهرة خاصة لأم كلثوم بصالة الحفلات بمعهد الموسيقى الشرقي، ننقل وصفا حرفيا لها عن مجلة الصباح القاهرية(:

“أحيت المطربة الفنانة الآنسة أم كلثوم إحدى حفلات مؤتمر الموسيقى، بصالة الحفلات بمعهد الموسيقى الشرقي مساء الأحد الماضي، فما جاءت الساعة التاسعة حتى كان المدعوون “فوق بعض”، حتى أن السيد قدّور بن غبريط، الوزير المراكشي المعروف وأحد أعضاء مؤتمر الموسيقى لم يجد مكانا، ف “أخذ على خاطره” وانصرف(..) ومعروف للقراء مما ننشره من أخبار مؤتمر الموسيقى أن بعض الأشخاص الذين كلفوا تنظيم المؤتمر (..) لم يوافقوا على ضم الأستاذ محمد القصبجي لإحدى لجان المؤتمر. وأرادت أم كلثوم بذكائها أو بدهائها أن تعلن لمندوبي الدنيا كلها الموجودين في الحفلة، وهم أعضاء المؤتمر، خطأ أصحاب الشأن في عدم ضم أعضاء تختها إلى لجان المؤتمر. فما كادت ترفع عنها الستارة على المسرح، حتى سمحت للقصبجي- بعد قطعة الافتتاح طبعا- باللعب على العود، فانتهز القصبجي الفرصة وبرهن على فنه، بأن جعل كل الحاضرين يصفقون له إعجابا واستحسانا. وكان هذا التصفيق هو الحكم بين القصبجي وبين منظمي المؤتمر الذين لم يشركوه معهم في اللجان الفنية. وكذلك أعطت أم كلثوم لأمين أفندي حلمي عازف الكمان فرصة برهن فيها على نبوغه.

ثم جاء دور أم كلثوم، فلاحظت (..) أن هذه الحفلة عالمية دولية، ويشترك في سماعها فرنسة وألمانية وإيطالية ومراكش والجزائر والعراق وسورية ولبنان وتونس والخ.. فاختارت للحفلة صفوة أغانيها التي تجمع الألحان والأوزان والأنغام كافه،وهي:

دور إيمتى الهوى يجي سوا

مونولوج يا غائبا عن عيوني

قصيدة أفديه إن حفظ الهوى

طقطوقة اللي حبك يا هناه

وقد غنت أم كلثوم هذه المجموعة بإجادة أطارت النوم من عيون مندوبي مراكش والجزائر وجعلتهم «يصحصحون»، وأعجبت المندوبين الأجانب فجعلتهم طول الوقت يصفقون.

ولم تهمل أم كلثوم لفت أنظار الحاضرين من مندوبين وغير مندوبين، إلى أنها هي الأخرى «موسيقارة»، كان يجب دعوتها للاشتراك في اللجان الفنية، فقد أمسكت بالعود وأخذت تداعبه بأناملها مداعبات فنية دقيقة، أرسلت بها إلى أسماعنا أنغاما سخية رقيقة، عرفنا منها أنها أصبحت «راسية» على جميع نواحي الفن، فهنيئا لها نبوغها».

ثم اتبعت مجلة الصباح هذا الخبر الفني الهام بخبر فني – اجتماعي عن المؤتمر وأم كلثوم، قالت فيه “شرب أعضاء مؤتمر الموسيقى من السوريين والعراقيين الشاي بعد ظهر الاثنين في دار حضرة الآنسة أم كلثوم تلبية لدعوتها. ولقوا من حفاوتها بهم ما ألهج “ألسنتهم بالشكر لها”.

هذه المرحلة التأسيسية يمكن تلخيص معالمها الأساسية في تكوين شخصية أم كلثوم، على الصعيدين الإنساني والفني، بأنها شهدت نضجا واضحا في اكتساب شخصية أم كلثوم الريفية الأولى التي قدمت بها إلى القاهرة، مقومات الحياة المدنية، في أكثر المدن والعواصم العربية غنى واصطخاباٌ بكل التفاعلات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وبكل التيارات المطروحة في مرحلة ما بين الحربين العالميتين، وذلك من خلال معادلة دقيقة يتفاعل فيها الموروث الريفي لأم كلثوم، النابع من أعماق شخصيتها ووضعها الأسري (حتى وفاة والدها في العام 1931)، مع المؤثرات المدنية التي أحاطت بها في علاقاتها الاجتماعية الجديدة، التي كانت تشكل مروحة واسعة من شخصية رزينة منفتحة (كشخصية الشيخ مصطفى عبد الرازق وطه حسين، على سبيل المثال لا الحصر)، وشخصية فنية اجتماعية منفتحة، على اتصال متوازن بالثقافة العربية التقليدية والثقافات الأوروبية والشرقية، هي شخصية الشاعر أحمد رامي الذي كان له (كما تؤكد أم كلثوم) فضل إخراجها من الجمود والتجهم اللذين يفرضهما نمط الحياة الريفية المحافظ.

ويبدو أن هذه التحولات قد وجدت هوى وتربة صالحة، في أعماق شخصية أم كلثوم فبدأت تحيط نفسها، منذ بداية عهد الانتشار الفني بشلة من السميعة الدائمين، الذين يرافقونها في كل حفلاتها داخل مصر، وجلهم من المشهورين بخفة الظل المصرية الشهيرة، وإشاعة روح النكتة والمرح والطرب في أوساط الجمهور المتزايد عددا في حفلات أم كلثوم. وكانت الصحافة قد بدأت تنتبه إلى ظاهرة شلة السميعة هذه، فأطلقت عليها عبارة “بلاط أم كلثوم”. ومن أشهر الشخصيات العامة في تلك الشلة، منذ العشرينيات، مناع بك والمعلم ديشة الجزار (اللحام) الذي اشتهر بخفة الظل وبتعقيباته المرحة الموجهة تارة إلى أم كلثوم، وطورا إلى الجمهور. وسنرى أن هذه الشلة قد حركت كوامن خفة الظل الدفينة في شخصية أم كلثوم فاشتهرت فيما بعد، بين مطربي ومطربات القرن العشرين، بأن من الملامح الرئيسية لشخصيتها، خفة الظل والسخرية اللاذعة ورواية النكات وابتكارها عندما يدعوها الظرف إلى ذلك.

ومن ملامح تطور حياتها الشخصية في تلك المرحلة المبكرة، أنها بدأت تتلقى دعوات للسفر والغناء خارج مصر، في البلاد العربية وفي بعض البلاد الأوروبية. وقد أخذت أم كلثوم هذه الدعوات بجدية كاملة تؤكد مدى حرصها المبكر على تأمين كل متطلبات النجاح والإتقان للعمل الفني الذي نذرت له كل حياتها، ولا يقتصر ذلك على المتطلبات الفنية وحدها، بل يشمل كل نواحي صورتها الشخصية والاجتماعية وصورتها الإعلامية.

فقد أجلت تلبية أي دعوة للسفر إلى خارج الدول العربية، قبل أن تتقن لغة أجنبية واحدة على الأقل، ويبدو أنها اختارت الفرنسية، ربما لأن منافسها عبد الوهاب كان قد تعلم هذه اللغة على يد أبيه الروحي أحمد شوقي، أو لأن أستاذها الثقافي أحمد رامي كان يتقن هذه اللغة، أو لأنها اللغة الأجنبية الأكثر رواجا في الأوساط الأرستقراطية المصرية في القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين، أو للأسباب الثلاثة مجتمعة.

هذا على صعيد تطور الملامح المكونة للشخصية الإنسانية لأم كلثوم، أما على الصعيد الفني، فمن المؤكد أنه برغم النضج الذي بدا واضحا على شخصيتها الفنية سنة بعد سنة منذ أواخر العشرينيات، فإنها ظلت حتى النصف الأول من عقد الأربعينيات في موقع “التلميذة” بالنسبة لكبار الملحنين الذين تعاونوا في تكوين الملامح الرئيسية لما تقدمه من فن، ولتطور أسلوب أدائها الصوتي، من أبي العلا محمد إلى داود حسني إلى محمد القصبجي وزكريا أحمد. وتفسر علاقة التلميذة بأساتذتها هذه فارق الخبرة الفنية، إضافة إلى فارق القدرة الإبداعية الموجودة أساسا بين إبداع الملحن وإبداع المغني، وهو فارق ترجح فيه غالبا كفة الملحن، إلا عندما يكون المغني ذا موهبة عالية وملحنه متواضع الموهبة. ومن الواضح أن ملحنا واحدا بين كوكبة ملحني أم كلثوم الأوائل لم يجلس في مقعد “الأستاذية” لأم كلثوم، حتى عندما كانت صغيرة السن، محدودة الشهرة الفنية، وهو الدكتور أحمد صبري النجريدي. ويعود ذلك لأكثر من سبب، على رأسها أنه بالرغم من نجاح النجريدي في تزويد حنجرة أم كلثوم الناشئة بمجموعة من القصائد والطقاطيق الناجحة بمعايير ذلك العصر، بل التي تحمل طابعا تجديديا، فإن قامة النجريدي اللحنية ما كانت لترتفع (كما ثبت عمليا فيما بعد) إلى قامة بقية أفراد كوكبة الملحنين الأوائل لأم كلثوم، بدليل أن التاريخ لم يحفظ للنجريدي سوى تلك الألحان القليلة التي شدت بها أم كلثوم في العشرينيات، مع أن النجريدي بقي موجودا في الساحة الفنية حتى عقد الأربعينيات. أما الأسباب الأخرى فتعود غالبا، إلى عدم أتساع فارق السن بين النجريدي وأم كلثوم، وربما إلى أنه تفرد بين كل أفراد تلك الكوكبة من ملحنيها الأوائل، بالخلط بين العلاقة الفنية والعلاقة الشخصية، الأمر الذي سّرع، على ما يبدو، في تقصير عمر التعاون الفني بينهما، كما أسلفنا أعلاه.

عقـد الثلاثينيات: السينما والإذاعة

سياقات أخرى، في صخب المخاض الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي كان يحرك المجتمع المصري بقوة هائلة في ذلك الزمن، اقتحمتها أم كلثوم، من أهمها وأكثرها تأثيرا في حياتها وحياة مصر، عالم السينما الجديد الذي كان ثمرة زواج مثمر بين التطور الاقتصادي والتطور التكنولوجي لذلك الفن الوليد، ثم عالم الإذاعة اللاسلكية، كل ذلك في عقد الثلاثينيات.

ويمكن اعتبار عقد الثلاثينيات هذا واحدا من أنضر وأخصب عقود تطور الحياة الثقافية في مصر في القرن العشرين، الأمر الذي تجاوزت آثاره القطر المصري إلى سائر الأقطار العربية.

ففي هذا العقد، على سبيل المثال لا الحصر، انتقل فن السينما (الذي كان وليدا في أميركا وأوروبا، لا في مصر وحدها) من عصر السينما الصامتة إلى عصر السينما الناطقة بقوة واندفاع سبقت فيه مصر عددا من الدول الهامة في القارتين الأوروبية والأميركية.

وفي هذا العقد، انطلق طلعت حرب بزخم كامل في ثورته الصناعية والاقتصادية التي أسست لدخول مصر رحاب العصر الحديث من أوسع أبوابه في هذه المجالات.

وفي هذا العقد عرفت مصر أول إذاعة رسمية في تاريخ الوطن العربي بأسره (في منتصف العام 1934).

وفي هذا العقد انعقد في القاهرة، في العام 1932، أول مؤتمر علمي للموسيقى العربية، ساهم فيه نخبة علماء الموسيقى في العالم، كما في البلاد العربية، وفي هذا العقد أنشأ أحمد حسن الزيات مجلة «الرسالة»، التي تحولت إلى أشهر مجلة ثقافية عربية في القرن العشرين، وأبعدها أثرا داخل مصر وخارجها في سائر أرجاء الوطن العربي،.

وفي هذا العقد تأسس في القاهرة مجمع اللغة العربية، كما تأسست لجنة الترجمة والنشر التي جمعت كبار المثقفين المصريين، وكانت مسؤولة عن إطلاق حركة ترجمة خلاصة الآداب الأجنبية إلى لغة عربية رفيعة.


إلياس سحاب
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
sirine
المشرف العام
المشرف العام
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 42620
تاريخ التسجيل : 01/12/2008
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الأربعاء 1 سبتمبر 2010 - 2:19

تسلم الايادي يا غالية على كل جديد بهذا الموضوع الجميل
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: sirine
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
انطوانيت
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 57169
تاريخ التسجيل : 11/11/2009
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الأربعاء 1 سبتمبر 2010 - 11:01

تسلم ايدك نور الغالية لكل جديد بموضوع كوكب الشرق ام طلثوم.
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: انطوانيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50471
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الخميس 2 سبتمبر 2010 - 1:32

اسعدني مروركم ياغالييييييييييييييييين
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50471
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الجمعة 3 سبتمبر 2010 - 1:01

أم كلثوم... السيرة والأغاني - السيرة الفنية

لقصبجي فجّر الطاقات الكامنة في حنجرتها وبدأت العلاقة التاريخية في إن حالي في هواها عجب وإن كنت أسامح وتوجت بـ رق الحبيب
زكريا أحمد والقصبجي كانا يعملان في منافسة عبقري آخر هو محمد عبدالوهاب فزادهما التنافس إبداعاً


محمـــد القصبجـي

إن من يستعيد مسيرة العلاقة الفنية التي جمعت بين أم كلثوم ومحمد القصبجي في فترتها المثمرة (أي في العقدين الأولين لتلك العلاقة) ويراجع الثمار الفنية الشديدة الغنى والتميز التي أنتجتها هذه العلاقة في مدى زمني قصير نسبيا، لا يتجاوز الستة عشر عاما (1925 –1941)، يهيء له أن هذا اللقاء التاريخي، كان أشبه بالشلال الذي ظل يتدفق بغزارة وتميز ملفتين للنظر، حتى تلك اللحظة الدرامية التي توقف بها الشلال عن التدفق توقفا كاملا، حاولنا تفسير أسبابه المحتملة في صفحات سابقة من هذا الكتاب.

وبما أن مثل هذا التدفق الفني الغزير لا يمكن أن ينطلق من فراغ، فان مقارنة سريعة بين مرحلة التكوين لدى الفنانين الكبيرين (القصبجي وأم كلثوم)، تضع بين أيدينا دفعة واحدة، وبوضوح كامل، الأسباب الكامنة وراء التدفق الفني لذلك الشلال الفني المدهش، منذ اللحظة الأولى للقائهما. لقد حفلت مرحلة التكوين للفنانين الكبيرين، بحالة من الاحتشاد الفني المكثف والمعمق، لدى كل منهما، فكانت أم كلثوم، حتى انتقالها من الريف إلى القاهرة، تغرف من ينابيع الإنشاد الديني الذي يختصر ويكتنز خلاصة الفلسفة الجمالية للغناء العربي والمقامات العربية والإيقاعات العربية، وتستكمل ذلك في القاهرة، بالاتصال بينابيع النهضة الموسيقية الأولى، على يدي أستاذها الأول أبو العلا محمد. أما القصبجي، فكان طيلة العقود الثلاثة التي سبقت لقاءه بأم كلثوم، يغرف من ينابيع نهضة القرن التاسع عشر ويتمرس على يدي والده بعلوم التدوين الموسيقي الغربي، ويواصل الاطلاع على روائع الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية، ويطور تقنياته العالية في تملك آلة العود، حتى أصبح أحد أكبر أساتذتها، ويرافق ويعايش، إضافة إلى كل ذلك، الثورة التجديدية التي أطلقها سيد درويش، الذي ولد مع محمد القصبجي في ستة واحدة (1892) ولكنه سبقه كثيرا في تفجير مكنونات عبقريته الموسيقية. إن أشد ما يلفت النظر في مسيرة محمد القصبجي، أنه عندما رحل سيد درويش في العام 1923، بعد أن فتح كل الأبواب على مصاريعها أمام تطور الموسيقى العربية نحو كلاسيكية جديدة تحمل كل بذور تجديد الكلاسيكية التقليدية للموسيقى العربية، كان محمد القصبجي ما يزال في مرحلة الاختزان والتكوين، بدليل أن تاريخ القصبجي الفني لم يسجل له حتى 1925، أي إبداع فني يمكن أن يسجل في رصيده التاريخي.

قد تكون أسباب عديدة وقفت وراء تأخر عبقرية القصبجي عن التدفق الإبداعي، غير أن السبب الأهم والأبرز (الذي يمكن استنتاجه بناء على المقارنة بين مستوى ونوعية الفن السائد في تلك الأيام، ومستوى ونوعية الفن الذي عبر عنه القصبجي من خلال حنجرة أم كلثوم بعد ذلك)، هو أن نوعية الفن الذي كان القصبجي يختزنه في مرحلة التكوين، ومستوى الآفاق التي يرنو إليها ويفكر في الإبداع باتجاهها، هذه النوعية وهذا المستوى كانا لا يمتان بصلة إلى الفن الرائج في تلك الأيام، بأصوات مثل عبد اللطيف البنا بين الرجال، ومنيرة المهدية بين النساء.

صحيح أن القصبجي كان قد بدأ يشتغل بالتلحين والعزف من داخل إطار ذلك الفن السائد، ولكن هزال القيمة الفنية لما أنتجه في تلك المرحلة (بدليل سقوط كل ذلك الإنتاج من تاريخه الفني) مقارنة بعظمة إنتاجه من خلال صوت أم كلثوم، تؤكد أن القصبجي إنما كان يلحن بمهنية احترافية سطحية، ويؤجل تفجير ما يختزن في أعماقه من فن كبير، إلى حين العثور على الصوت والأداء الذي يمكن لهما أن يتوليا ترجمة المعدن الفني النفيس الذي تختزنه أعماقه.

وحتى نتمكن من الغوص في أعماق تفاصيل الشخصية الموسيقية الجديدة التي أطلقها القصبجي بصوت أم كلثوم، ولا نبقي كلامنا عن هذه الشخصية في زاوية العموميات والتوصيف المبهم بين رفعة المستوى وعمق التعبير، فان من الأهمية بمكان أن نبدأ بمحاولة توصيف دقيق ومحدد لملامح تلك الشخصية المميزة للإبداع الفني الذي جاء ثمرة التعاون بين العبقرية الموسيقية لمحمد القصبجي، والعبقرية الغنائية لأم كلثوم.

لقد لخص الناقد الكبير كمال النجمي خلاصة الشخصية التلحينية لمحمد القصبجي خير تلخيص عندما قال في سلسلة مقالاته التي نشرها في مجلة “فن “ اللبنانية (ولم تجمع في كتاب حتى كتابة هذه السطور)، عندما قال أن القصبجي هو في الأساس ملحن مونولوج.

ولست أجد في كل ما قرأت، وبعد سماع مطول ومكرر لكل إنتاج محمد القصبجي، بصوت أم كلثوم (وهو نتاجه الأساسي) أو بأصوات أخرى (مثل أسمهان وليلى مراد على وجه الخصوص)، لست أجد مدخلا سليما إلى اكتشاف ملامح الشخصية الموسيقية لمحمد القصبجي أفضل من هذا المدخل.

ينسب إلى القصبجي عادة أنه مبتكر شكل المونولوج في الموسيقى العربية، من خلال مونولوج “إن كنت أسامح وأنسى الأسية”، في العام 1928، وسرعان ما ألحقه عبد الوهاب بعد ذلك بأشهر قليلة، بمونولوج “أهون عليك”، ثم انطلق الاثنان يبدعان في هذا الشكل، قبل أن ينضم إليهما بعد ذلك بسنوات العبقري الثالث رياض السنباطي.

والحقيقة التاريخية أن شكل المونولوج باعتباره شكلا موسيقيا يعتمد على السرد الموسيقي الموحد من مطلع الأغنية حتى ختامها، من غير تقطيعه إلى مقاطع، كما في الأشكال الأخرى مثل الموشح والطقطوقة والدور، هذا الشكل كان قد ظهر قبل إن كنت أسامح، في نماذج لسيد درويش وعبد الوهاب، ولكن على شيء من الاستحياء وعدم اكتمال الملامح التاريخية لذلك الشكل.

أما فيما يتعلق بالقصبجي، فمن الواضح أن نضج شكل المونولوج في عمق فلسفته الموسيقية، وسيطرته على خياله الموسيقي من بداية تعامله مع أم كلثوم إلى نهاية ذلك التعامل، إنما كان ثمرة طبيعية للمؤثرات التي رسخت في المخيلة الموسيقية للقصبجي (كما لعبد الوهاب) من طيلة الاستماع إلى النماذج الرفيعة للغناء الاوبرالي الاوروبي (موزار النمساوي وفيردي الايطالي وسواهما).

وإذا كان عبد الوهاب قد بدأ يجرب هذا الشكل الجديد في السرد الموسيقي بصوته وأدائه العبقريين، فان محمد القصبجي ما كان يمكن له أن ينطلق في إخراج تلك المؤثرات الأوروبية في أعمال موسيقية عربية من خلال الأصوات التي كان قد بدأ بالتلحين لها قبل التقائه بأم كلثوم، مثل منيرة المهدية وفتحية أحمد وسواهما، خاصة وأنه كان بين ملحني عصره الوحيد ربما، الذي لا يملك من مقومات الغناء، لا جمال الصوت (مثل عبد الوهاب والسنباطي) ولا حتى حسن الأداء (مثل زكريا أحمد).

إن حالي في هواها

ومع أن تبلور ملامح المونولوج في الغناء العربي لم يكتمل إلا في لحن القصبجي لأم كلثوم “أن كنت أسامح”، في العام 1928، فالحقيقة أن هذه الملامح كانت قد بدأت بالظهور، على يدي القصبجي (وسواه) قبل ذلك بسنوات وفيما يخص القصبجي وأم كلثوم، فما علينا سوى الاستماع إلى لحن قد يكون الأول الذي وضعه القصبجي لأم كلثوم (إن حالي في هواها عجب، 1925) حتى نكتشف أن هذه الأغنية التي قد تصنف عند التحليل الأولي والسطحي لها أنها قصيدة، هي أقرب بكثير إلى مونولوجات القصبجي (كما تبلورت فيما بعد)، وأنها لا تمت بأي صلة للقصيدة التقليدية التي كان يرسي دعائمها ويرسخها في السنة نفسها، ومن خلال صوت أم كلثوم نفسه، الشيخ أبو العلا محمد.

فعندما كان محمد القصبجي بعد ذلك (وإلى نهاية مسيرته الفنية) يلحن على شكل الطقطوقة (ليه تلاوعيني، انت فاكراني، ما دام تحب بتنكر ليه) أو على شكل القصيدة (أيها الفلك، انظري هذي دموع الفرح)، فان القيود الشكلية للطقطوقة والقصيدة، لم تكن تقف حاجزا أمام خياله الفني من الانطلاق وراء فلسفة السرد الموسيقي، التي سيطرت على خياله الموسيقي طيلة حياته، وطلت عشقه الكبير في التأليف الموسيقي والتلحين، بغض النظر عن القوالب والأشكال الموسيقية التي يتناولها.

هذا كله، كان في النصف الأول من عقد العشرينيات ما زال يعتمل في الأعماق الفنية لمحمد القصبجي، دون أن يجد متنفسا عمليا له عبر صوت بشري قادر على تنفيذ كل هذه التطلعات الفنية الجديدة والجريئة.

لا شك بأن المدخل الأول إلى تلك العلاقة التاريخية بين أم كلثوم والقصبجي كان مؤسسا على ضرورات عملية، أهمها حاجة أم كلثوم إلى فرقة موسيقية محترفة، على مستوى فني راق إلى الحد الأقصى وفقا لمواصفات ذلك الزمن. ولم يكن غريبا أن تضم تلك الفرقة عازف القانون الكبير المخضرم محمد العقاد، القادم من أعماق تجربة القرن التاسع عشر (كان عازف القانون في تخت عبده الحامولي)، وعازف العود محمد القصبجي، الذي سيكون أحد أجرأ مجددي الموسيقي العربية في القرن العشرين، فذلك كان المنعطف الانتقالي الكبير بين مرحلة القرن التاسع عشر ومرحلة القرن العشرين.

وعندما حانت لحظة التعامل المباشر لأم كلثوم مع محمد القصبجي الملحن المبدع (وليس فقط محمد القصبجي العازف المبدع)، لا شك بأن الخط اللحني الذي أطلقه القصبجي بحنجرة أم كلثوم ابتداء بالقصيدة المونولوج “إن حالي في هواها عجب” مرورا بالمونولوج الشهير “إن كنت أسامح” وصولا إلى المونولوج التاريخي (بكل ما في الكلمة من معان) “رق الحبيب”، إنما كان صاحب القرار فيه، والمخطط والمنفذ، هو محمد القصبجي، وذلك لأسباب عديدة:

إن سن أم كلثوم، وتجربتها المحدودة، عند بداية التعاون، لم يكونا في وضع يسمح لها بأن تشارك في مثل هذه القرارات الخطيرة فنانا يكبرها بعشر سنوات من السن والتجارب الفنية.

من المؤكد أن من يقارن بين النشأة الفنية لأم كلثوم، سواء في حضن الإنشاد الديني، أو في حضن مدرسة الشيخ أبو العلا محمد، وبين الخط الفني التجديدي الذي أطلقه محمد القصبجي وتوغل فيه إلى آفاق بعيدة، يدرك تماما عجز أم كلثوم في ذلك الوقت عن مجاراة القصبجي في تصوراته للمستقبل، حتى لو طلب إليها القصبجي مشاركته في قرار اختيار الألحان المناسبة لها. إن من المنطقي الجزم بأن ألحان داود حسني لأم كلثوم (1930 – 1932)، وألحان زكريا أحمد لها ابتداء من العام 1931، كانت هي الخيار الطبيعي والمنطقي لأم كلثوم، لو كانت صاحبة القرار الأساسي في اختيار الألحان وفي تحديد الخط اللحني الذي يناسبها (كما أصبحت فيما بعد).

يمكننا إذن إذا أردنا اكتشاف المراحل العملية لتكون ذلك الثنائي الفني الكبير، أن نسير في الاستقراء المنطقي المادي لما بين أيدينا الآن من ثمرات ذلك التعاون، أن نستنتج أن عناصر الثورة التجديدية كانت في منتصف العقد الثالث من القرن العشرين (1925) قد نضجت في أعماق محمد القصبجي، وأنه عندما بدأ يستمع إلى صوت أم كلثوم، في جلسات خاصة، أو في الحفلات الحية، أو في استوديوهات التسجيل، قد بدأ يكتشف ضالته المنشودة التي كان يبحث عنها، لتفجير مكنوناته الموسيقية الكامنة حتى ذلك الوقت.

صحيح أن صوت أم كلثوم لم يكن قد اكتمل في تلك الأيام، لا في خامته الصوتية، ولا في تجربته الآدائية، ولكن صوتها كان قد بدأ يكشف منذ تلك الأيام المبكرة، عن كنزين (على الأقل) من الكنوز المخبأة في تلك الحنجرة الاستثنائية:

المساحة الصوتية غير العادية، بين الجوابات العليا، والقرارات المنخفضة (استمع إلى البيت الأول من القصيدة المونولوج “إن حالي في هواها عجب”، 1925).

إن الرصانة والجدية في أداء أم كلثوم، إضافة إلى بداية امتلاك تقنية التملك بالصوت والتحكم به، كانت من الثمار التي بدأت تنضج، من طول ممارستها للإنشاد الديني، ولقصائد أبي العلا محمد، وكلها مشبعة بالرصانة والجدية البعيدة تماما (بل المناقضة) للغناء النسائي الترفيهي الذي كان سائدا في تلك الأيام.

لقد كان هذان الكنزان كافيين (من البداية) لتحريك كل الكوامن الإبداعية لمحمد القصبجي، وإخراج مشاريعه الفنية من مخابئها، بعد العثور على الصوت القادر على تنفيذها وإطلاقها. غير أن شروطا أخرى كانت مطلوبة لاكتمال ولادة ونجاح مغامرة المونولوج الغنائي إضافة إلى المخيلة الموسيقية الفذة لمحمد القصبجي، فقد كانت تلك المخيلة تحتاج إلى الشاعر الذي يستطيع أن يبدع شعرا غنائيا موازيا للأجواء الرومانسية أو الدرامية التي يتطلبها فن المونولوج، تمثلا بمقاطع “الآريا” في الأوبرا الأوروبية، الذي اقتبس منه. وقد وجد القصبجي في شاعرية احمد رامي ضالته المنشودة في هذا المجال. أما بالنسبة للصوت، فمع أن اتساع مساحات صوت أم كلثوم، ونمو خبرتها في التدريب الاحترافي على استخدام الصوت، كانا يلبيان شرطين أساسيين في الصوت المطلوب لأداء المونولوج، فقد كان هناك شرط ثالث لا بد من وجوده لاكتمال الشروط الغنائية المطلوبة، وهو أن يكون الصوت مدربا على أداء المساحات اللحنية الواسعة كما في فن الأوبرا الأوروبي، ليس باتجاه تطويع النطق العربي لمخارج الحروف الأوروبية (وهذا تشويه فظيع فشل كل من حاوله فشلا ذرعيا)، ولكن في الاحتفاظ بمخارج الحروف العربية وفقا لقواعدها التقليدية، مع تطويع للصوت على القفزات والانتقالات الواسعة في المساحات الصوتية، على غير عادة الغناء العربي التقليدي، ذي المساحات المتقاربة، على طريقة فن المنمنمات في الفنون التشكيلية العربية التقليدية.

تجديدات القصبجي

إننا عندما نستمع إلى أداء أم كلثوم في مونولوجات محمد القصبجي، نكتشف حتمية أن يكون صوتها قد تلقى تدريبات مطولة على هذا الأسلوب الجديد في الغناء، المقتبس من الغناء الأوروبي، مع تطويعه للطبيعة المقامية العربية، ولقواعد مخارج الحروف العربية، ذات الموسيقى العربية الخالصة، التي لا يمكن التلاعب بها. ومما يجب التأكد منه عند اكتمال الدراسات المفصلة عن تلك الجوانب الخفية في حياة أم كلثوم الفنية، معرفة ما إذا كانت قد قامت بهذه التدريبات وحدها، أم مع أستاذها محمد القصبجي، وان كان الاحتمال الثاني هو المرجح، لأنه كان على صلة معمقة بفنون الموسيقى الأوروبية ( من سمفونية واوبرالية). لم تكن ميسرة لأم كلثوم.

طبعا لم تكن كل الحان محمد القصبجي لأم كلثوم، خاصة في عقد العشرينيات، تحفا فنية متساوية في نضجها وجمالها وقوة مادتها اللحنية، ولكنها كانت كلها (من أشدها جمالا، إلى أقلها جمالا) تحمل بذور تلك المغامرة التجديدية الكبرى.

ومع أن ملحنين شديدي المحافظة لم يتأخرا عن الظهور في حياة أم كلوم (داود حسني وزكريا أحمد)، فقد كان لأم كلثوم، وقد بدأت ملامح شخصيتها المستقلة تتكون بوضوح (خاصة بعد رحيل والدها في العام 1931) فضل مزدوج في تعاملها مع محمد القصبجي:

فضل الاندفاع بلا أي تردد، في اقتحام التجربة التجديدية الجريئة لمحمد القصبجي بكل جوارحها وعواطفها وأحاسيسها (وليس فقط بمواهبها الصوتية النادرة)، مع أن من يستمع اليوم إلى البداية الكبرى في تلك التجربة (إن كنت أسامح) وإلى مراحلها المتطورة بوتيرة سريعة فيما بعد، يدرك كمية الشجاعة التي احتاجتها أم كلثوم في ذلك الوقت، للخروج من المياه الدافئة لشواطئ الأمان التي كانت تشعر بها في حضن الإنشاد الديني، والغناء الدنيوي النابع من جذور ذلك الإنشاد الديني (مثل قصائد أبو العلا محمد في البداية، والحان داود حسني وزكريا احمد فيما بعد)، إلى أعماق المحيطات الباردة التي كانت الحان القصبجي الجريئة تشدها إليها.

إن الزخم الفني الذي سندخل إلى تفاصيله في الفصل اللاحق، والذي أطلقه الشيخ زكريا أحمد بمجموعة بالغة الروعة والجمال ومتانة البنيان الفني، في الطقاطيق والأدوار، الضاربة جذورها في أعماق الكلاسيكية العربية التقليدية، لم يهز إيمان أم كلثوم وتمسكها بتجربة القصبجي التجديدية، ومواصلة اندفاعها معه بلا تردد. فتحول عقد الثلاثينيات إلى مسرح حي للتكامل المدهش بين تجربتي محمد القصبجي وزكريا أحمد، على ما فيهما من اختلاف وتمايز، من خلال صوت واحد، كانت خامته تزداد نضجا وحلاوة وتهذيبا، وكانت خبرة الأداء التي تديره تزداد غنى واقتدارا.

لقد انعكس هذا التزاوج الفني في التجارب الموسيقية لكل من القصبجي وزكريا أحمد، انعكاسا إيجابيا لا حدود لآفاقه، على كلا الملحنين ( خاصة إذا تذكرنا أنهما كانا يعملان في منافسة عبقري آخر في التلحين والغناء هو محمد عبد الوهاب). وباستطاعتنا أن نلمس ذلك لمس اليد، إذا أعدنا اليوم الاستماع إلى النضج والاكتمال اللذين بدأت تدخلهما تجربة القصبجي في أعمال مثل : طالت ليالي البعاد (مونولوج ) يا فايتني وأنا روحي معاك (طقطوقة) تبيعيني ليه (طقطوقة)، محتار يا ناس، ياعشرة الماضي الجميل، جنة نعيمي، انت فاكراني، ليه تلاوعيني، فين العيون، انظري، أيها الفلك، يللي رعبت العهود، ليه يا زمان، يا بهجة العيد، يللي ودادي صفالك. ثم روائع القصبجي في فيلم نشيد الأمل ( يا مجد، منيت شبابي، يللي صنعت الجميل)، وصولا إلى مونولوج “رق الحبيب”، وطقطوقة “ما دام تحب بتنكر ليه”.

إن النضج التصاعدي لملامح الجمال الفني، والخبرة التقنية الاحترافية المتألقة، لهذه الأعمال التي أبدعها القصبجي لحنجرة أم كلثوم، تشكل كنزا موسيقيا حقيقيا، يمكن أن يكون موضع فخر واعتزاز وغنى حضاري، لأكثر الأمم تقدما ورقيا في الموسيقى، ما يستحق إنشاء دراسات نظرية مطولة بشأنها، ترصد عشرات الظواهر الفنية الناضجة التي أثمرتها، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر:

تلك الثنائية المقامية المتكررة بتعمد واضح بين مقامي العجم والصبا (على غرار ثنائية عبد الوهاب التاريخية الجميلة بين مقامي النهاوند والبياتي)، لاغناء التعبير الفني من جهة، ولإحداث الصدمة الجمالية المدهشة في انتقالات مقامية عميقة ومدروسة، من أهم مزاياها (إضافة إلى المتعة الفنية الراقية الرفيعة)، أنها تشبه الدراسات الموسيقية النظرية للتزاوج العملي والجميل والمقنع بين الجذور المقامية التاريخية للموسيقى العربية، وبين أي مؤثرات طبيعية وافدة من الاستماع إلى النتاج الحضاري الهائل للموسيقى الكلاسيكية الاوروبية، من غير مساس بالروح المقامية للموسيقى العربية، بل في عملية إغناء حقيقية وخلاقة لهذه الروح، كما كان يحصل دائما في تفاعل المؤثرات الحضارية بين شعوب ضفتي البحر الأبيض المتوسط، الشمالية والجنوبية على مر التاريخ، منذ الفراعنة والإغريق، إلى يومنا هذا.

تجربة التوزيع الهارموني البسيط والعميق، الذي استخدم في فيلم نشيد الأمل ، على الحان القصبجي (كما على الحان السنباطي). وخاصة عندما تناول التوزيع مقاما عربيا تقليديا هو مقام الراست (في مطلع مونولوج “منيت شبابي”)، فحافظ مقام الراست على طبيعة جذوره التاريخية، واكتسب آفاقا تعبيرية جديدة فائقة الروعة والجمال والعمق التعبيري.

يمكن القول أن سفينة هذا التعاون المدهش حقا بين محمد القصبجي المجدد الجريء (حتى المغامرة) وأم كلثوم الناشئة في أحضان الكلاسيكية العربية التقليدية، ظلت تسير بسلام وسط صخور المغامرات الجريئة، حتى فيلم عايدة، الذي قرر فيه القصبجي (وأغرى معه السنباطي بالمغامرة) اقتحام تجربة تلحين مقطعين اوبراليين على الطريقة الغربية، كانت القشة التي قصمت ظهر البعير في تلك المغامرة الجميلة، مما وضع لها نهاية مفاجئة، ومأساوية (كما أسلفنا وفصلنا في القسم الأول من الكتاب).

فإذا تجاوزنا النتائج الإنسانية لذلك التحول المفاجئ، إلى حدود النتائج الفنية، فان من الضروري التأكيد على أنه مع كل ما أنجزته التجارب الفنية التي خاضتها أم كلثوم، بعد قطيعتها مع القصبجي، ابتداء من اكتمال التجربة السنباطية، إلى آفاق التنوع الذي دخلته أم كلثوم بعد ذلك مع بقية من لحنوا لها بعد مرحلة التفرد السنباطي، فان دخول أم كلثوم عصر الحفلات المسرحية الحية، قد أحدث تحولا جذريا في نمط الألحان التي تؤديها، ابتداء من قطيعتها مع القصبجي، وحتى آخر حفلاتها الحية، الأمر الذي كانت له (مع كل إيجابياته) سلبية كبرى، هي أنه حجب عن آذان العرب المعاصرين، عظمة التجارب السابقة لأم كلثوم(خاصة في عقد الثلاثينيات)، عندما كان الغناء على اسطوانات مسجلة، ينتج أنماطا تلحينية في غاية العظمة والروعة، انحسرت كلها عن ساحة التفاعل الحي مع آذان المستمعين العرب، وراء سيطرة أنماط الغناء الكلثومي المسرحي الحي (على عظمته التي فصلناها في صفحات سابقة)، وبسبب سياسة البرمجة الخاطئة في أجهزة الأعلام العربي كلها (السمعي منها، وخاصة البصري)، التي تركض وراء الموجة الفنية الرائجة، بدل أن تبرمج خططها وفقا لمعايير فنية ناضجة وثابتة ومسؤولة وشاملة.

إن جهودا حقيقية مطلوبة الآن، وبكل جدية وزخم، ليس فقط لإطلاق الدراسات النظرية الشاملة لكل ذلك النتاج الفني الفاحش الثراء، بل أيضا لإخراج نماذجه الحية من مخازن ورفوف الإذاعات والتلفزيونات العربية، ووضعه في متناول الأذن العربية المعاصرة، في علاقة سمعية يومية حية (إضافة إلى جهود فرق الموسيقى العربية على المسارح)، في عملية لا تقتصر على إنعاش الذاكرة الموسيقية والغنائية العربية فقط، بل تعمد إلى فتح الطرق واسعة فسيحة أمام حاضر ومستقبل الموسيقى والغناء العربيين.

أما الدراسات النظرية التفصيلية، فمطلوبة لأكثر من غرض أهمها، إعادة استكمال الملامح الكاملة للشخصية الفنية لأم كلثوم (وكل واحد من ملحنيها الأساسيين)، لأن فن أم كلثوم لم يعد يعني بالنسبة للهواة، كما لكثير من المحترفين حتى، سوى ذلك الفن الذي ابتدأ مع يا ظالمني وعودت عيني وإنت عمري وألف ليلة وليلة، علما بأن أم كلثوم قد سجلت على اسطوانات قصيرة كنوزا من النماذج الفنية التي ليس لها نظير (في مرحلة غنائها الحي على المسرح) في عمقها وفي مادتها اللحنية وفي قوة بنيانها الفني، وفي تطلعها إلى آفاق بعيدة المدى، تعتبر كنزا لا ينضب من التجارب والإنجازات لكل من يحلم باستعادة مسيرة الموسيقى العربية الكلاسيكية الجادة.
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
sirine
المشرف العام
المشرف العام
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 42620
تاريخ التسجيل : 01/12/2008
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الجمعة 3 سبتمبر 2010 - 3:03

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: sirine
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
انطوانيت
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 57169
تاريخ التسجيل : 11/11/2009
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الجمعة 3 سبتمبر 2010 - 10:21

شكرا نور الغالية لمجهودك لتكملة موضوع كوكب الشرق ام كلثوم.
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: انطوانيت


عدل سابقا من قبل انطوانيت في السبت 4 سبتمبر 2010 - 13:52 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50471
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الجمعة 3 سبتمبر 2010 - 23:44

شكرا لمروركم ياغاليييييييييييييييييييين
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50471
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 7 سبتمبر 2010 - 2:13

أم كلثوم... السيرة والأغاني - السيرة الشخصية

بديهي أن الأثر الذي كان يحدثه تكرار إذاعة التسجيل الحي لقصيدة سلوا قلبي (بالذروة الانفعالية الجماهيرية فيها) لم يكن ليخفى على السلطات البريطانية في مصر، فقرر المدير البريطاني الأعلى للإذاعة المصرية إلغاء بثها من إذاعة القاهرة. وكان من الصعوبة بمكان، في الظروف السياسية السائدة يومها، أن يعترض سعيد لطفي المدير المصري لإذاعة القاهرة على هذا القرار البريطاني الأعلى. غير أن أم كلثوم لم تتراجع أمام هذا التحدي، بل أوحت إلى سعيد لطفي (المتعاطف معها طبعا برغم القيود الوظيفية التي تكبله) أن ينبه المدير الإنجليزي الأعلى لإذاعة القاهرة، أن “سلوا قلبي” هي في الأساس قصيدة دينية في مدح الرسول، وأن قرارا بريطانيا بمنع إذاعتها، سيثير حساسية دينية لدى الجماهير لا قبل للسلطات البريطانية بضبطها ومواجهتها. وقد كان لهذه الفكرة فعل السحر عندما عرضها المدير المصري للإذاعة المصرية على رئيسه البريطاني، فألغى قرار المنع، وبقيت “سلوا قلبي” تفعل فعلها سنوات طويلة بعد ذلك، تحت سمع وبصر السلطات البريطانية المحتلة.

تؤكد وقائع حياة أم كلثوم الشخصية والفنية حتى رحيلها، تلك التركيبة الفنية لمشاعرها الشخصية ولتكوينها النفسي، مما كان ينعكس أثره مباشرة على خياراتها الفنية، وعلى سلوكها العام، وعلى علاقتها بجماهيرها المتزايدة يوما بعد يوم، والمنتشرة فيما بين المحيط والخليج.

وإذا كان لنا أن نختار ذروة نموذجية تعبر عن كل عناصر هذه الملامح المركبة في الشخصية الفنية والإنسانية والاجتماعية لأم كلثوم، فإننا نتوقف بشكل خاص عند منعطفين هامين، في الحياة العربية العامة، لنراقب سلوك أم كلثوم الفني إزاءهما، تعبيرا عن مشاعرها الشخصية وعن تركيبتها النفسية والثقافية والوجدانية .

المنعطف الأول كان الأيام التي امتدت ما بين قرار جمال عبد الناصر بإغلاق مضائق العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية في شهر مايو/أيار، والحرب العربية- الإسرائيلية في الخامس من يونيه/حزيران. فمع مطلع حزيران، كان موعد آخر حفلات الموسم الغنائي لأم كلثوم 1966/1967، فجاء خيارها لوصلاتها الثلاث في حفلة الخميس الأول من يونية، وكان أول أيام ذلك الشهر، وقبل حرب حزيران بخمسة أيام فقط، على الشكل التالي:

أغنية جيش العروبة يا بطل الله معك (راجعين بقوة السلاح)، وهي من الأغنيات الوطنية القليلة التي كتبها صلاح جاهين لأم كلثوم ( غنت له قبلها “والله زمان يا سلاحي” من الحان كمال الطويل، و”ثوار” من الحان رياض السنباطي ).

-قصيدة “سلوا قلبي”، التي كانت تغنيها للمرة السابعة عشر، وبعد انقطاع طويل.

– قصيدة “حديث الروح” التي كانت تغنيها للمرة الثانية (كانت المرة الأولى يوم 4 مايو /أيار سنة 1967).

لقد جاءت التركيبة الفنية لتلك الحفلة الغنائية التاريخية في حياة أم كلثوم والأمة العربية، مطابقة بنسبة مائة بالمائة لمزاج أم كلثوم الفني، وتركيبتها الإنسانية، وخياراتها الثقافية والسياسية والإنسانية. فالأغنية الأولى وطنية سياسية مباشرة، والثانية قصيدة كلاسيكية (في شعرها ولحنها) تجمع ما بين الغزل الرفيع، والعاطفة الدينية الصوفية التي يتداخل فيها الإيمان بشؤون الحياة، والعاطفة الوطنية المشبوبة. أما الأغنية الثالثة فكانت ترجمة عربية لقصيدة شاعر باكستان الأكبر إقبال، وهي صوفية خالصة في شعرها ولحنها.

وما أن تكشفت حرب حزيران عن هزيمة عربية كبرى، حتى انطلق صوت أم كلثوم في قصيدة غنائية جميلة (كتبها صالح جودت ولحنها رياض السنباطي) تناشد الرئيس جمال عبد الناصر العودة عن قرار التنحي.

وقبل أن ينتهي شهر الهزيمة (يوم 25 يونيه/ حزيران) أتبعتها بأحد أجمل الأناشيد الوطنية العربية، “سقط النقاب عن الوجوه الغادرة” (كتبه عبد الفتاح مصطفى ولحنه بليغ حمدي).

إحباط الهزيمة

ولم تكتف أم كلثوم بهذا النشاط الفني المحموم، بدل الاستسلام لإحباط الهزيمة، بل انطلقت في اليوم الثالث والعشرين من الشهر الثاني للهزيمة، يوليو/تموز 1967، تعيد تقديم ثلاث من أجمل أغنياتها وأكثرها جماهيرية (انت عمري، وهو صحيح، والأطلال) في الحلقة الأولى من سلسلة حفلاتها في مصر والوطن العربي وباريس، لصالح المجهود الحربي، ردا على الهزيمة.

كان ذلك المنعطف الأول الذي أردنا الاستشهاد به، أما المنعطف الثاني فكان عندما تعرض المسجد الأقصى في القدس، لعملية حريق مفتعل تحت الاحتلال الإسرائيلي.

فدونت أم كلثوم المشاعر العربية إزاء هذا الحادث بكل ما له من معان دينية وتاريخية وسياسية، في عمل فني رائع (الثلاثية المقدسة) عن قصيدة لصالح جودت، أبدع في تصويرها موسيقيا رياض السنباطي، وضمنت أم كلثوم أداءها الغنائي لهذه القصيدة، كل مخزونها من المشاعر الدينية والوطنية والثقافية، مع أن ذلك تم قبل سنتين من توقفها النهائي عن الغناء.

ومع أن هذه الشواهد مختارة من رصيد كبير لأم كلثوم في هذه المجالات الدينية والوطنية، فأنها كافية لتفسير تلك المكانة التي كانت لها بين الجماهير العربية، وذلك الأثر الذي كان نشاطها الفني يحدثه في حياة تلك الجماهير (جماعات وأفردا)، وهو ما عبر عنه محمد عبد الوهاب بأن الجمهور لم يكن يتعامل معها كمطربة متميزة لا نظير لها فقط، بل كزعيمة. وهذا تعبير يختصر كثيرا من تفاصيل تلك العلاقة التي ما كان يمكن لأي مطربة أخرى أن تقيمها مع جمهور المستمعين، حتى لو وصلت في فنها الغنائي إلى مراتب عليا، لأن علاقة أم كلثوم بجمهورها، بل بالجماهير العربية على اتساع الوطن العربي، لم تتوقف عند حدود الإبداع الغنائي (وإن انطلقت منه طبعا) بل تخطته لتشمل سائر فنون ذلك الإبداع، في الشعر والموسيقى، والدور بل الأدوار التي كانت تؤديها أم كلثوم، والقيم الجماعية والفردية التي كانت تعبر عنها أم كلثوم من خلال إبداعها الفني، في كل مرحلة من مراحل حياتها الشخصية والفنية.

والحقيقة هي أن هذه المكانة الاستثنائية لأم كلثوم بين الجماهير، كانت محط اهتمام كل السلطات السياسية المعنية بهذه المنطقة من العالم في القرن العشرين، دون أن يقتصر ذلك على الحكومات الوطنية في مصر (بين العهدين الملكي والجمهوري) وسائر الدول العربية، بل شمل أيضا السلطات الأجنبية التي كانت تمارس في بلادنا العربية نفوذا مباشرا فيما بين انهيار الإمبراطورية، وحصول الدول العربية على استقلالها السياسي.

فبالإضافة إلى حكاية خوف السلطات البريطانية في مصر من الأثر الحماسي الذي كانت تحدثه قصيدة سلوا قلبي في الجماهير، في مرحلة سياسية حساسة، فان أنظمة الدعاية السياسية – الحربية للقوى المتصارعة في الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، قوى المحور من جهة والحلفاء من جهة ثانية، كانت تدرك تماما أنها حتى تؤمن لإذاعاتها الدعائية جمهورا واسعا من المستمعين، كان لا بد لها من الاعتماد على إذاعة أغنيات أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، خاصة عندما وصل الصراع العسكري إلى المواجهة الحاسمة في العلمين (على حدود مصر الغربية) بين الجيشين البريطاني والألماني. وتعرف القاهرة يومها أنه عندما لاحظت أجهزة الدعاية والاستخبارات البريطانية أن مندوبين لقوات المحور يقومون بجمع اسطوانات عبد الوهاب وأم كلثوم من الأسواق لاستخدامها في دعم جماهيرية إذاعاتهم الدعائية، قام مندوبو قوات الحلفاء بعملية مماثلة.

ومن طريف ما حدث سنة 1949، أنه عندما أراد الإنجليز والأميركان والفرنسيون أن يفصلوا أقاليم ليبيا الثلاثة بعضها عن بعض ليتقاسموها بينهم (المحرر: بعد انهيار الاحتلال الإيطالي لليبيا بنتيجة هزيمة موسوليني في الحرب العالمية الثانية) عملت إنجلترا على أن تعجل باستقلال برقة، حتى تلتهمها وتطمئن على نصيبها من الغنيمة. وكانت وسيلتها إلى هذا أن تحايلت بصوت أم كلثوم لتشد انتباه الناس وتجمع آذانهم، فأخذت الإذاعة ترسل أغاني أم كلثوم متتابعة، حتى إذا اندمج الناس في الاستماع، أعلنت المحطة استقلال برقة. وهنا طلعت “أخبار اليوم” بمانشيت عريض يقول : أم كلثوم تعلن استقلال برقة” .

ومع أن أم كلثوم لم تصل في سلم الارتقاء الاجتماعي إلى حد حمل جواز سفر دبلوماسي من قبل الدولة المصرية إلا في عهد جمال عبد الناصر، عندما بدأت جولاتها الفنية العربية والأوروبية المخصصة للمجهود الحربي، فإنها كانت قد بدأت تعامل في رحلاتها الخارجية، عربية كانت أم أوروبية أم أميركية، معاملة الدبلوماسيين أو الوزراء أو الزعماء، من قبل أن تحمل جواز السفر الدبلوماسي.

رحلة العلاج إلى أميركا

فقد حدث أن ذاع نبأ إصابة أم كلثوم بمرض الغدة الدرقية. وبلغت الشائعات بشأن هذا المرض حد الاعتقاد بأن من الممكن أن يستفحل المرض بأم كلثوم فيمنعها من الغناء. ولنا أن نتخيل وقع مثل هذا النبأ على جماهير مستمعيها المصريين والعرب، في تلك المرحلة التي كانت قد وصلت فيها إلى ذروة تعاونها مع القصبجي وزكريا أحمد والسنباطي.

غير أن مرض أم كلثوم ذلك لم يثر فقط اهتمام الجماهير (وهو أمر طبيعي وبديهي)، بل أثار اهتمام الدولة المصرية، وحتى اهتمام بعض الدول الأوروبية إضافة إلى الولايات المتحدة، وذلك طبعا من باب العلاقات الدولية لمصر.

والحقيقة هي أن أم كلثوم ذهبت في رحلتي علاج إلى الولايات المتحدة الأميركية، الأولى في العام 1949، والثانية في العام 1953، التي اضطرت خلالها إلى إنهاء موسمها الغنائي مبكرا في شهر مارس /آذار، وحدث في أثناء هذه الرحلة أن توفي شقيقها خالد في شهر يوليو/تموز.

وفي كتاب الدكتورة نعمات أحمد فؤاد رواية عن الاهتمام الدولي والمحلي الذي أثاره مرض أم كلثوم ورحلتها العلاجية محليا ودوليا، والحرارة الاستثنائية التي استقبلت بها عند عودتها معافاة سالمة:

“عرضت أميركا على مصر أن تعالج أم كلثوم بمستشفى البحرية الأميركية. وهذا المستشفى لا يعالج به (من غير رجال البحرية الأميركية) إلا عظماء العالم من الشخصيات ذات الحيثيات الخاصة، وبأمر من رئيس الولايات المتحدة. بل إن البحرية الأميركية أوفدت إلى القاهرة الأدميرال براوف، كبير أطباء البحرية ليدعو أم كلثوم إلى العلاج في مستشفى البحرية.

قبلت مصر الدعوة، وقبلتها أم كلثوم..كان سفير مصر يسأل المستشفى عن تطور العلاج صباح مساء (..) وكان مئات المصريين الذين يعيشون في أميركا لا يكاد المستشفى يخلو من أفرادهم، وكذلك العرب الذين يقيمون في أميركا أو يزورنها. وتلقت المستشفى آلاف البرقيات والرسائل وعشرات المكالمات التلفونية التي تسأل كل يوم عن أم كلثوم عبر البحار (..) وفي طريق عودتها مرت بأوروبا، فأعلن راديو باريس النبأ (..) وفي إنجلترا أقام النادي المصري في لندن حفلة تكريم لها .

(المحرر: ويبدو أن القسم العربي في الإذاعة البريطانية .بي.بي. سي. قد انتهز فرصة مرور أم كلثوم بلندن، فدعاها إلى إذاعة رسالة بصوتها إلى مصر وأهل مصر، وقد أتيح لي أن أستمع إلى تسجيل لهذه الرسالة الصوتية، التي تعيد إذاعة لندن بثها في بعض المناسبات، فإذا بنبرة أم كلثوم، على تواضعها في الكلام وفي الإلقاء، مفعمة بروح إحساسها بقيمتها لدى شعبها وأمتها، كأنها أحد المسؤولين الرسميين).

نتابع الآن التفاصيل الواردة في كتاب الدكتورة نعمات أحمد فؤاد:

“وباتت مصر تترقب وصول باخرتها. فلما لاحت من بعيد، استقل الكثيرون الزوارق لتحيتها في عرض البحر، ووصفت إحدى الصحف الكبرى استقبالها، فقالت:

وقد استقبلت في الإسكندرية استقبالا شعبيا رائعا، فخرجت اللنشات البخارية والزوارق إلى عرض البحر، انتظارا لوصول الباخرة. وكان من أجملها لنش بخاري كبير امتلأ بالفنانين والفنانات من الإسكندرية والقاهرة، وقد أخذوا يغنون أغنية وضعوها خصيصا مطلعها (حمد الله عالسلامة).

ولما وصلت الباخرة أطل ركابها، وفي مقدمتهم أم كلثوم، على هذا المشهد الجميل، وراحوا يحيون هذه المظاهرة الموسيقية البحرية الرائعة. وعندما رست “أسبيريا” على الميناء، احتشدت جموع غفيرة تحي أم كلثوم وتهتف لها، واشتد الزحام حتى اضطر بوليس الجمارك إلى التدخل عدة مرات لإنقاذها. وبينما كانت العاصمة الثانية تستقبل وتهلل، كانت العاصمة الأولى تتأهب لمهرجان تقيمه من أجل أم كلثوم”.

ويبدو أن المهرجان كان خطابيا غنائيا، شارك فيه عباس محمود العقاد وعلي الجندي وتوفيق دياب، وكان بين من غنوا فيه فتحية أحمد. ومن البديهي أن يذكرنا الوصف التفصيلي لاستقبال الزوارق البحرية المليئة بالفنانين وجموع المعجبين لباخرة أم كلثوم في الاسكندرية في العام 1949، بالمشهد المشابه الذي استقبلت به جماهير بيروت باخرة أم كلثوم قبل ذلك بما يقارب العشرين عاما (في العام 1931). ويلاحظ في كلا المشهدين أن الاستقبالات الشعبية التي كانت تقابل بها أم كلثوم في بعض رحلاتها الفنية والشخصية، كانت تفوق في فخامتها وحرارتها واحتشاد الناس فيها، أي استقبال رسمي.

بهذا الموقع الاجتماعي الذي لم يعرفه فنان قبلها، في علاقاتها بهرم الطبقات الاجتماعية والسياسية والثقافية في مصر، وباتساع قاعدتها الجماهيرية التي كانت تعاملها كأحد أبطال الأمة، وليس فقط كأحد كبار فنانيها، اختتمت أم كلثوم مرحلة صعودها الاجتماعي والفني في عهد مصر الملكية، وكانت آخر روائعها في المجال الوطني، في تلك المرحلة، رائعة حافظ إبراهيم ورياض السنباطي “مصر تتحدث عن نفسها” التي أنشدتها للمرة الأولى في حفلة عامة، يوم الخميس في ديسمبر /كانون الأول 1950، أما في المجال الديني والعاطفي، فكان من بين ما أنشدت في آخر مواسمها الغنائية في عهد مصر الملكية، ولد الهدى وإلى عرفات الله، ورباعيات الخيام وجددت حبك ليه والآهات والأمل وأنا في انتظارك ورباعيات الخيام وغلبت اصالح وسهران لوحدي ورق الحبيب.

مرحلة الانطلاق الكبير:

عقدا الخمسينيات والستينيات

من أسهل الأمور التي يمكن الوقوع فيها عند أي قراءة سطحية لوقائع حياة أم كلثوم، على الصعيدين الفني والإنساني، القول بأن هذه الفتاة الريفية التي قضت الشطر الأول من عمرها في حياة بسيطة في الظل (أو ما يشبه الظل) في قريتها طماي الزهايرة وما يجاورها، قد حققت في القاهرة، خلال ما يقارب الثلاثين عاما (بين 1923و1952)، سلسلة من الإنجازات التي تفوق كل تصور، سواء في حياتها الفنية التي وصلت بها إلى عرش الغناء العربي الكلاسيكي دون أن ينازعها فيه أحد من عشرات الأصوات النسائية الممتازة، وفي حياتها الاجتماعية التي رفعتها إلى أعلى المواقع، في مختلف البيئات الاجتماعية التي كانت القاهرة تزخر بها في النصف الأول من القرن العشرين، والتي تكونت عبر مخاض اجتماعي وسياسي وحضاري طويل وعميق على مدى قرن ونصف من الزمن، انطلاقا من أوسع الطبقات الشعبية في العاصمة، صعودا إلى الطبقة المتوسطة، فالطبقة الاجتماعية العليا بكل طيوفها الاجتماعية المتنوعة بين المحافظة والتقليدية الصارمة، وألتغرب الكامل، والوسطية المتوازنة بين الشخصية الوطنية الأصلية، والمؤثرات العميقة للاحتكاك بالغرب، وقد توج كل ذلك بعلاقة مميزة مع قمة الهرم الاجتماعي والسياسي في ذلك الوقت: الأسرة المالكة.

إن نجاحا بهذا المستوى، على هذه الجبهة العريضة من المواقع الاجتماعية والفنية، في عاصمة بوزن القاهرة، كان حريا به أن يعصف بتوازن أم كلثوم في سلوكها الاجتماعي، وأن يجعلها تستمرئ حالة الانتماء إلى مواقع الصدارة في حياتها الفنية والاجتماعية التي لا تكف الأضواء عن التسلط عليها، فتصبح أسيرة هذه الحالة، حتى لو دفعت ثمنا لذلك تماسكها النفسي وتصالحها مع نفسها.

لذلك، قلت أن من أسهل الأمور-عند تأريخ حياة أم كلثوم- الوقوع في فخ القراءة السطحية لوقائع هذه الحياة، والقول بأن أم كلثوم التي استمرأت العيش ثلاثة عقود كاملة في وسط أسطع أضواء الشهرة الفنية والارتقاء الاجتماعي في عاصمة باذخة الثراء بظواهرها الاجتماعية والثقافية الشديدة التنوع والغنى، فانتقلت بسرعة هائلة (وربما بانتهازية) من علاقة حميمة مميزة بالسلطة في العهد الملكي، إلى علاقة حميمة مميزة، بالمستوى نفسه، بالسلطة السياسية الجديدة في العهد الجمهوري الجديد، بدليل أنها غنت لعبد الناصر كما غنت للملك فاروق.

هنالك طبعا أكثر من وسيلة ومعيار لتحليل هذه المسألة في محاولة استكشاف المحرك الأساسي، أو المحركات الأساسية التي كانت تحدد مواقف أم كلثوم في حياتها العامة وفي خيارتها الفنية، غير أني سأعتمد هنا ما أعتبره المعيار الأقوى والأصدق والأشد موضوعية، وهو معيار استنطاق النتاج الفني لأم كلثوم، فهذا النتاج هو في النهاية اللسان الفصيح الذي كانت تعير به أم كلثوم (مثلها مثل أي فنان في حجمها) عن مشاعرها ودوافعها الحقيقية، ما ظهر منها وما استتر، ما عبرت عنه بصراحة كاملة (عندما تتيح لها الظروف) وما كانت تلمح له تلميحا (عندما كانت الظروف لا تسمح بالصراحة).

هذا إضافة إلى أن النتاج الفني لأي فنان، هو ما سيبقى منه، بعد أن يغربل التاريخ كل ما يتعلق بهذا الفنان.

لقد استعرضنا في صفحات سابقة مجمل النتاج الذي صدر عن أم كلثوم في مديح فاروق والأسرة المالكة، فإذا به يتضمن عشر أغنيات. فلنحاول أن نستقرأ، على ضوء النتاج العام لأم كلثوم، حتى العام 1952، ما تمثله هذه الأغنيات من قيمة بالنسبة لمجمل رصيدها الفني في تلك المرحلة، ونراقب كيف كانت أم كلثوم تتعامل مع «أغنياتها الملكية»، في إطار أدائها الفني العام:

غياب الأغاني الملكية

يلاحظ كل من يراجع سجل حفلات أم كلثوم الشهرية، التي كانت قناة الاتصال الأقوى والأصدق بين وجدان أم كلثوم وجمهورها الفني، كانت خلوا من أغنياتها الملكية، بمعنى أن تلك الأغاني كانت محصورة في التسجيلات الإذاعية، والحفلات الخاصة في القصور الملكية.

إن مراجعة عناوين هذه الأغنيات الملكية، تشير إلى أنها كانت تكتب وتلحن في إطار مناسبات متعلقة بالحياة الخاصة لأفراد الأسرة الملكية (كالزواج والولادة) وليس في إطار مناسبات وطنية عامة.

يلاحظ أن كتابة هذه الأغنيات ظلت محصورة في السنوات العشر الأولى لولاية فاروق (1936-1946)، وهي السنوات التي كان فيها الملك يتمتع، في خضم الصراعات الداخلية للسياسة المصرية، بنسبة ما من الشعبية، وأن هذا النوع من الأغنيات الملكية توقف تماما في نتاج أم كلثوم (كما في نتاج عبد الوهاب على أي حال) في السنوات السبع الأخيرة للملكية في مصر، وهي أسوأ سنوات حكم الملك فاروق، مع اشتداد فساد الحاشية الملكية، وفساد قطاع واسع من الطبقة الحاكمة، وتزايد التململ الشعبي من النفوذ الإنجليزي، وتفاقم أخطار السياسة البريطانية. الصهيونية في فلسطين.

يلاحظ أن أيا من هذه الأغنيات الملكية الكلثومية لم يعش في وجدان الجمهور، بحيث لم تعرف أي من هذه الأغنيات أي مدى من الشهرة الشعبية (لا عند ظهورها ولا بعد ذلك)، مما يتيح لنا الاستنتاج بافتقادها إلى القيمة الفنية. وإن كان تكوين رأي نهائي في هذا الصدد ينتظر احتمال وجود تسجيلات لهذه الأغنيات، قد يكشف عنها النقاب ذات يوم. ولكن يحق لنا هنا أن نقارن بين الغياب الكامل لتلك الأغنيات الملكية من ذاكرة الشعب المصري، وبقية الشعوب العربية، في مقابل الشهرة الكاملة التي ظلت أغنية عبد الوهاب الملكية الشهيرة “الفن” تتمتع بها في ذاكرة الناس، حتى وهي ممنوعة من الإذاعات العربية منذ قيام ثورة 1952، ونحاول تفسير ذلك.

يلاحظ من يراجع سجل حفلات أم كلثوم الشهرية (وهو أصدق سجلاتها وأفصحها بيانا عن مكنوناتها كفنانة)، أنها في الفترة التي توقفت فيها عن إنشاد أغنيات ملكية جديدة، فيما بين 1945و1952، أصبحت حفلاتها الشهرية تتضمن، بمعدل كل حفلة تقريبا، وحتى قيام الثورة، إحدى قصائدها الدينية الشهيرة، مثل ولد الهدى وإلى عرفات الله ونهج البردة، وكأنها كانت تستقوي بهذه القصائد وتحتمي بها من أي غضب أو إزعاج محتمل، من هذه الجهة أو تلك.

وهي عادة ظلت أم كلثوم محتفظة بها حتى أواخر العام 1953 (أي بعد مرور عام ونصف على قيام ثورة يوليو فقط)، فقد كان أخر عهدها بتكرار القصائد الدينية في حفلاتها الشهرية في ديسمبر/كانون الأول 1952 (عندما غنت نهج البردة للمرة الثانية في حفلة حية بالقاهرة) ويناير/كانون الثاني 1954 (عندما غنت قصيدة إلى عرفات الله للمرة الرابعة في حفلة حية بالقاهرة).

ومن الملاحظ في حفلاتها الشهرية بعد الثورة، الدور الذي كانت تلعبه القصائد الدينية (في العهد الملكي) في تلوين المذاق الفني للحفلات الشهري بلون آخر غير اللون العاطفي أو الوصفي أو الوجداني العام.

ولكن لنعد بعلاقة أم كلثوم بالعهد الجديد في مصر إلى بدايتها، ليس لاستكشاف “المواقف السياسية” لأم كلثوم، بل لما هو أهم من ذلك بكثير، بالنسبة لفنانة في حجم أم كلثوم وتأثيرها، وهو استكشاف أثر التحولات الاجتماعية والثقافية العميقة التي كانت لثورة يوليو على الحياة الاجتماعية والثقافية العامة في مصر بالذات، على نمط علاقة أم كلثوم بالأوضاع العامة في بلدها على مستوى السلطة والشعب، ونمط تطور أساليب ومواضيع التعبير الفني في نتاجها الذي عرف في عقدي الخمسينيات والستينيات، مزيدا من التوسع والتحول والتطور، وصولا إلى مرحلة الغروب والرحيل، عندما تلازمت شيخوخة أم كلثوم في الحياة وفي الفن، مع مرحلة التراجع في مد العهد الجديد في مصر، بعد هزيمة 1967 ورحيل عبد الناصر في العام 1970.

ولنبدأ الحكاية من بدايتها.

لقد كان لانطلاقة أم كلثوم في المرحلة الجديدة بدايتان هامتان، تحملان أهم الخصائص الجديدة التي طرأت على حياة أم كلثوم الشخصية والفنية، في ربع القرن الأخير من حياتها.

البداية الأولى كانت مع الظهور السريع لأول أغنية وطنية أنشدتها أم كلثوم في الأسابيع الأولى لثورة 23 يوليو، وكانت هذه البداية تحمل أكثر من إشارة ذات مغزى، ظهرت “صوت الوطن” (مصر التي في خاطري وفي فمي)، شعر أحمد رامي ولحن رياض السنباطي:

السرعة القياسية التي ظهرت فيها الأغنية. فبينما قامت الثورة يوم 23 يوليو/ تموز 1952، وهو أول الأشهر الثلاثة التي كانت أم كلثوم تتوقف فيها عن الغناء (يوليو، سبتمبر، أكتوبر/تموز، آب، تشرين الأول)، فقد عمدت أم كلثوم إلى تقديم بداية موسمها الغنائي من نوفمبر، كعادتها منذ موسم 1947-1948، فقدمته إلى أكتوبر (وكانت ليلة الخميس الأول من الشهر تقع في اليوم الثاني منه)، وكانت وصلتها الأولى في افتتاح الموسم، أعظم أغنياتها الوطنية (حتى ذلك الوقت) “مصر تتحدث عن نفسها”، ثم أتبعتها بأغنيتها الوطنية الجديدة (التي كانت تقدم للمرة الأولى في حفلة عامة) “صوت الوطن”، وعادت في الوصلة الثالثة والأخيرة إلى أجوائها المعتادة برائعة السنباطي “سهران لوحدي”.

معنى ذلك عمليا أن الأغنية الوطنية الجديدة التي قدمت في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول، لا بد أن تكون قد أعدت، شعرا ولحنا وتسجيلا إذاعيا، في شهر سبتمبر/أيلول، أي بعد قيام الثورة بأسابيع، وربما بأيام.

2- إن تاريخ الغناء الوطني عند أم كلثوم لا يتضمن قبل “صوت الوطن” إلا على لحنين مميزين هما نشيد الجامعة “يا شباب النيل” (من فيلم نشيد الأمل)، ثم تحفة السنباطي “مصر تتحدث عن نفسها”. فصوت الوطن لم تكن فقط أول أغنياتها الوطنية في الأيام الأولى لثورة يوليو، بل بقيت حتى بعد أن زاد رصيد أم كلثوم من الأغنيات الوطنية بكثافة قياسية في آخر مراحلها الفنية، كمّا ونوعا، واحدة من أنضج وأعمق الأغنيات التي قدمتها طيلة عمرها الفني، سواء في ذلك الأغنيات العاطفية أو الدينية أو الوطنية. الأمر الذي يسمح لنا أن نبقي تماما عن مثل هذا النتاج الفني الرفيع شبهة مسايرة أو مداهنة رجال العهد الجديد، فمثل هذه الحوافز لا يمكن أن تنتج شعرا في مستوى وصدق “من منكم يحبها مثلي أنا” أو لحنا في فخامة الهيكل الهندسي للحن “صوت الوطن”، وعمق وجزالة جمله، مقطعا بعد مقطع، ولا في مدخله اللحني العظيم الذي ظل واحدا من أروع المداخل اللحنية في رصيد رياض السنباطي، بل في رصيد الموسيقى العربية الكلاسيكية في القرن العشرين.

أما البداية الثانية التي تستحق التوقف عندها في علاقة أم كلثوم بالعهد الجديد في مصر، وبكل ما حمله من تحولات اجتماعية وثقافية وسياسية كبرى، فتتلخص في القصة الشهيرة عن منع أغنياتها في الإذاعة المصرية في الأيام الأولى للثورة.

من المدهش أن هذه القصة ما زالت مطروحة بصيغ مختلفة، مع أن نصف قرن قد مر عليها، ومع أن حسم وقائعها من محفوظات الصحافة اليومية وسجلات الإذاعة المصرية أمر في غاية السهولة. والأغرب من ذلك أنه برغم كون الرواية الأكثر رواجا عن هذا الموضوع تؤكد أن المنع كان لأيام قليلة، وأنه تم بتصرف من ضابط صغير، وأن تدخلا حاسما من جمال عبد الناصر قد أنهى الأمر في مكالمة هاتفية، فان مقالة في مجلة “الهلال” في عدد نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2001، قد أعادت فتح هذا الملف، وتوسعت في طرح احتمالاته إلى درجة الإشارة إلى صراع بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر على صوتي أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، علما بأن المقال لا يقدم أي دليل حاسم على أي من الاحتمالات التي بسهب في شرحها وتفريعها.

سنعتمد هنا على مرجع أساسي لحسم الموضوع والكشف عن حقيقته الموضوعية، وهو حديث مسجل للصحافي مصطفى أمين في سياق فيلم وثائقي عن أم كلثوم أنتج للتلفزيون الفرنسي، وهو حديث يستحق الثقة التامة لأنه أولا صادر عن الشخص صاحب العلاقة المباشرة بالموضوع (مع أم كلثوم وعبد الناصر)، ولأن مصطفى أمين قد تحول منذ خروجه من السجن بعد رحيل عبد الناصر، إلى أحد أشد منتقديه، فلو كان في الرواية أي خروج على الموضوعية، فالمنطقي أن يكون ذلك ضد عبد الناصر لا معه.


إلياس سحاب


الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50471
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 7 سبتمبر 2010 - 2:17

سأل عبدالناصر عن سبب منع أغانيها فقالوا هذه من العهد الملكي البائد فقال حتى الشمس والنيل والأهرام من العهد البائد



ؤكد رواية مصطفى أمين في الفيلم الوثائقي المشار إليه أن المسألة كانت-على أهميتها- أقرب إلى ما ينطبق عليه تعبير “زوبعة في فنجان”، فقد اتصلت به أم كلثوم يومها، بصفته أحد أوثق أصدقائها الصحافيين علاقة بضباط مجلس قيادة الثورة، لتبلغه أن قرارا صدر في الإذاعة المصرية يمنع أغانيها، وتطلب إليه التدخل لمعالجة الأمر. ويؤكد مصطفى أمين أنه فور تلقي مكالمة أم كلثوم انطلق بسيارته إلى مكتب جمال عبد الناصر في مجلس قيادة الثورة، وبادره بالقول:

“أغنيات أم كلثوم أصبحت ممنوعة في إذاعة القاهرة”.

فنظر إليه عبد الناصر باسما وقال (حرفيا كما في الرواية المسجلة لمصطفى أمين): “هل بدأتم من الآن التشنيع على الثورة”.

فلما أكد له مصطفى أمين أن ليس في الأمر تشنيعا أو مزاحا، وأن أم كلثوم هي التي أبلغته النبأ، رفع سماعة الهاتف وطلب الضابط الصغير الرتبة المنتدب من مجلس قيادة الثورة لتولي مسؤولية الإذاعة المصرية (لم يرد ذكر اسمه في رواية مصطفى أمين)، فلما استوضحه عبد الناصر الأمر، وأكد له الضابط الصغير أن أغنيات أم كلثوم ممنوعة فعلا، سأله عبد الناصر عن السبب مستغربا، فلما فسر الضابط الأمر بأن أم كلثوم من مطربات العهد الملكي البائد، ولا بد لذلك من منع أغانيها، عاجله عبد الناصر قائلا ما معناه أن الشمس ونهر النيل والأهرام كانت كلها موجودة في العهد الملكي البائد، فهل يجب إلغاؤها. وألحق تعليقه الساخر والعميق هذا بأمر فوري بإلغاء قرار المنع .

إن في هذه الرواية، وعلى لسان مصطفى أمين بالذات، ما يضع القصة في حجمها الطبيعي، وبتفاصيلها الدقيقة، ولا يترك أي مجال لإعمال الخيال وراء أي تفاصيل أخرى، كما ورد في المقال الذي أشرنا إليه، مثل أن يكون عبد الناصر هو صاحب قرار المنع، أو أن يكون المنع قد امتد عاما كاملا أو أكثر. وذلك لأسباب منطقية عديدة، أهمها أنه لم يكن من المنطقي أن يتجاهل عبد الناصر القرار أو يتراجع عنه بهذه السهولة والسرعة لو كان هو صاحبه، لمجرد أن صحافيا قد راجعه في الأمر. كما أنه لا يمكن لعبد الناصر أن يكون غير مطلع على الأمر، لو أن المنع قد تجاوز الأيام المعدودات، أو حتى اليوم الواحد، فمنع أغنيات أم كلثوم في إذاعة القاهرة، لا يمكن أن يمر كحدث عادي لا يلاحظه أصغر مواطن، فكيف بالرجل الأول في مجلس قيادة الثورة؟ ولو كان قرار المنع قد صدر عن عبد الناصر، أو أن المنع استمر سنة أو أكثر، لتحول الموضوع على لسان مصطفى أمين وقلمه إلى مادة دسمة للتشنيع على عبد الناصر ونقده.

على أي حال، فأن بالإمكان ذكر عوامل منطقية كثيرة، لتفسير ذلك الموقع الخاص الذي تبوأته أم كلثوم في علاقة مميزة بقائد تلك المرحلة من حياة مصر، حتى رحيله، وبالدرجة العالية من الاندماج الذي انخرطت فيه أم كلثوم، (بعيدا عن العلاقات الشخصية، والمناسبات الشخصية كما في العهد الملكي)، بالتحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية الكبرى فيما بين 1952و1970، في حياة مصر والأمة العربية. ولعل ما ضاعف من قيمة هذه العلاقة، وانعكاسها المباشر والعميق على حياة أم كلثوم الشخصية، وسيرتها الفنية في ربع القرن الأخير من حياتها، ذلك التزامن السعيد بين التحولات الهامة التي طرأت على الحياة العامة في مصر في تلك المرحلة، فزودتها بحيوية استثنائية في كل المجالات (بغض النظر عن الحساب العام للنجاح والإخفاق في تلك المرحلة) من جهة، والنضج الفني الذي وصلت إليه أم كلثوم في عقدي الخمسينيات والستينيات، سواء في خامتها الصوتية وأسلوبها في الأداء، أوفي العلاقة مع فريق العمل المحيط بها، من جهة ثانية.

في العوامل الشخصية، لا بد من الملاحظة أنه مثلما ثبت أن رياض السنباطي (وزكريا أحمد) كانا أقرب في أعمالهما الفنية إلى التكوين العام للذائقة الفنية لأم كلثوم من محمد القصبجي وألحانه، فأننا نلاحظ على خط مواز، أن التركيبة الاجتماعية لحكام مصر في العهد الجمهوري، كانت بلا شك أقرب كثيرا إلى التركيبة الشخصية الإنسانية لأم كلثوم، من التركيبة الاجتماعية لحكام العهد الملكي. مما يفسر كثيرا من الفروقات (حتى من قبل البحث في العوامل السياسية للعلاقة) في علاقة أم كلثوم بالسلطة بين العهدين الملكي والجمهوري.فلا شك بأن علاقتها بالعصر الملكي والأسرة الحاكمة كانت مبنية على عدم الندية في التراتبية الاجتماعية، حتى في عز اندماج أم كلثوم بالحياة المدنية في القاهرة، لذلك فان هذه العلاقة ( على وثوقها) لم تتجاوز حدود الرسميات إلا في حالة خال الملك شريف باشا صبري. ومثل هذا الاستنتاج يمكن قراءته بوضوح في الأعمال الفنية التي أفرزتها هذه العلاقة، وفي تعمّد أم كلثوم (كما أسلفنا) حجب هذه الأعمال عن حفلاتها الغنائية الحية.

في مقابل ذلك، لم يكن تقارب الخلفيات الاجتماعية بين أم كلثوم من جهة، وقيادة النظام الجمهوري في مصر، هو العامل الوحيد لإقامة علاقة متبادلة أكثر حميمية وندية وحرارة، بل أضيف إلى ذلك أنه بينما دخلت أم كلثوم إلى علاقتها بالطبقة الملكية الحاكمة تدرجا من أسفل السلم الاجتماعي إلى أعلاه، فإنها دخلت إلى العلاقة، مع رأس السلطة في النظام الجمهوري، وهي على رأس الهرم الفني والاجتماعي، بدليل أن جمال عبد الناصر، كان قبل نجاح ثورة 23 يوليو وتسلمه السلطة، واحدا من أفراد الشعب العاديين الذين يكونون الجمهور العريض لعشاق فن أم كلثوم، ومتتبعي حفلاتها الإذاعية الشهرية واسطواناتها.

فإذا أضفنا إلى ذلك، الطبيعة الاجتماعية للنظام الجديد، التي تميزت، أكثر ما تميزت، بانحياز كامل إلى الطبقات الوسطى والدنيا من المجتمع المصري، اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا، فإننا نضع أيدينا عندئذ على كل مفاصل الدور الذي لعبته أم كلثوم في ربع القرن الأخير من حياتها، والذي يتجاوز بكثير، كما لاحظنا وكما سنلاحظ في الصفحات التالية من الكتاب، ذلك الدور السطحي الذي ركزت عليه وضخمته الصحافة الغربية، والذي اختصرته بحصر قيمة أم كلثوم، بكونها جهاز دعاية في نظام عبد الناصر.

فإذا انتقلنا إلى العوامل الفنية التي ميزت حياة أم كلثوم وفنها، في ربع القرن الأخير من حياتها، فإن بإمكاننا رصدها وتصنيفها كما يلي:

نضج الخامة الصوتية، وتجارب الأداء

يمكن اعتبار عقد الخمسينيات بالذات في حياة أم كلثوم، العقد الذهبي في مسيرتها الفنية، وقد شاءت الظروف أن يكون هذا العقد الذهبي ممهورا في حياة أم كلثوم بتوقيع رياض السنباطي، وبارتفاع قدراتها الصوتية إلى الذروة.

تعوّد بعض نقاد الموسيقى والغناء العرب في القرن العشرين، جريا على معايير مدرسة القرن التاسع عشر، أن يحسبوا النسبة الأعلى في تقييم أي صوت، باتساع مساحاته الصوتية في القرار وفي الجواب، وذلك لأسباب عديدة أهمها سببان، فني وعملي. أما السبب الفني فيعود إلى أن الفلسفة الجمالية في الغناء العربي في القرن التاسع عشر كانت تعتمد على هذا المفهوم، فكان المغنون يتبارون في الوصول إلى جواب مقام السيكا، الذي يعتبر بمثابة سقف قياسي في الطبقات العليا في الغناء العربي. أما السبب العملي فيعود إلى أن الغناء، حتى الربع الأول، وربما الثلث الأول من القرن العشرين، كان يتم بعلاقة مباشرة بين حنجرة المغني وآذان مئات، وأحيانا آلاف المستمعين، من غير ميكرفون ومكبر للصوت. وهي آلات لم تكن قد ظهرت بعد في ذلك الوقت، وتأخر وصولها إلينا بعد اختراعها في أميركا وأوروبا. وحتى بعد ما وصلت هذه الاختراعات التكنولوجية الحديثة إلينا، مرت سنوات قبل أن يتقبلها الذوق العام (ذوق المطربين والمطربات وذوق المستمعين) فينخرطوا انخراطا كليا في استخدامها.

لم يؤد دخول الميكروفون ومكبرات الصوت واسطة بين المغني والجمهور، إلى تطور سريع لمفاهيم ومعايير تقييم جمال الصوت، فظل عامل اتساع المساحات الصوتية (هبوطا وصعودا) هو المعيار الأساسي (وأحيانا الأوحد) لتقييم الصوت، وظل تعبير «صوت ميكروفوني» عندما يطلق على مطرب أو مطربة، يدخل في باب الذم وليس في باب المديح، لأنه يشير بوضوح إلى أن هذا الصوت هو من الضعف وضيق المساحات الصوتية، إلى درجة أنه لا يستطيع الوصول إلى آذان المستمعين إلا عبر الميكروفون الذي ينقله بدوره إلى مكبرات الصوت، لتعطيه حجما مصطنعا، ليس من طبيعته الأصلية.

التكنولوجيا وصوتها

إن طغيان أدوات التكنولوجيا السمعية والبصرية الحديثة على عالم الغناء بالذات في الربع الأخير من القرن العشرين، قد ارتفع إلى مبالغات وصلت حدود التشويه أو التزوير في بعض الحالات، إلى درجة الترويج لأصوات لم يكن لها في الأصل (بعيدا عن التكنولوجيا) أي ميزة من مزايا الصوت الجميل.

وهنا نجد أنفسنا أمام طرفي نقيض من المؤكد أن المعادلة الصحيحة لقياس جمال الصوت ومزاياه الأدائية تقع في موقع وسط بينهما. فكما أنه لا يجوز إصدار حكم نهائي على الصوت بمعيار وحيد فقط (كما كان متبعا في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين) هو قياس اتساع مساحته، لأن مساحة الصوت هي عامل هام في قياس أهمية الصوت، ولكنها ليست العامل الوحيد، كذلك فأن إعطاء جواز الجودة الفنية لأصوات ضعيفة وسقيمة وبلا إحساس، بحيث لا تملك من مقومات النجاح إلا استعارة «مقومات» التكنولوجيا الحديثة، أمر غير مقبول لأنه يلغي كل جماليات الإبداع الغنائي، ويحول الفن إلى مجرد نشاط تكنولوجي بارع.

هذا النقاش بشأن معايير الحكم على الأصوات الغنائية، ليس هامشيا أو جانبيا في مجال تقييمنا لتطور مراحل صوت أم كلثوم، ولكنه في صميم الموضوع، وصولا إلى المعادلة المتوازنة التي تقول أن جمال الأداء الغنائي لأي مطرب أو مطربة، لا بد من أن يقاس بتكامل عوامل عديدة، منها:

جمال الخامة الصوتية

اتساع المساحات الصوتية

الإحساس العالي الذي يسمح بالإفادة من المساحة الصوتية المتاحة لتقديم الحد الأعلى من التعبير الفني.

درجة السيطرة على الصوت وحسن إدارته في طريقة استخدام النفس والتحكم بحجم الصوت صعودا وهبوطا، والتحكم بمخارج الألفاظ.

الرقي في الأداء وعدم الوقوع في فخ الابتذال، الذي تغري به عادة بعض المقاطع اللحنية ذات الإيقاع القوي.

السيطرة بميزان سحري من الذوق الرفيع، على الطبقات العليا من الصوت، لتجنب الحدة، وعلى الطبقات السفلى لتجنب النشاز السهل وعدم الوضوح في الأداء الغنائي.

فإذا اتفقنا على هذه المعايير المقترحة، كحزمة من العوامل تحكم من خلالها مجتمعة على مراحل تطور صوت ما، ولا نكتفي بمعيار واحد منها معزول عما سواه، فان بالإمكان الاتفاق على أن المرحلة التي وصل فيها صوت أم كلثوم إلى أعلى درجة من التوازن الدقيق بين كل هذه العوامل مجتمعة، هي مرحلة الخمسينيات، بشكل خاص.

التفرد والتــألــق السنباطـــي

إذا كانت القطيعة الكبرى بين أم كلثوم ومحمد القصبجي، مثلها مثل أي شأن من شؤون الحياة العامة لا تخلو من إيجابيات، برغم أنها شكلت مأساة إنسانية وفنية كبرى في حياة عبقري من وزن محمد القصبجي، فلعل إيجابيتها الوحيدة (بعد أن تكاملت مع مقاطعة أم كلثوم لزكريا أحمد 1947-1960) أنها هيأت كل الظروف لتكوّن الثنائي الموسيقي- الغنائي الفذ بين أم كلثوم ورياض السنباطي.

وإذا كان ضعف مقاومة محمد القصبجي لأم كلثوم، أدى إلى القطيعة الأولى بقرار من أم كلثوم، وقوة اعتداد زكريا أحمد بنفسه، أدت إلى القطيعة الثانية، لإصراره على أن يتقاضى أجرا أعلى من بقية زملائه الملحنين، لأنه يعتبر فنه في مرتبة أعلى من فنهم، فلا بد من محاذرة الوقوع في فخ الاستنتاج بأن نجاح الثنائي الفني بين أم كلثوم ورياض السنباطي، وغزارة وأهمية إنتاج هذا الثنائي، وطول عمره، كانت نتيجة سيطرة أم كلثوم على رياض السنباطي وغياب المواجهات الفنية بينهما.

لقد ظهر رياض السنباطي في حياة أم كلثوم في توقيت، يبدو لنا ونحن نلقي اليوم نظرة بانورامية شاملة على كل مراحل الفن الكلثومي، توقيتا مثاليا.

فعند اكتمال قطيعة أم كلثوم مع القصبجي، بقطيعتها مع زكريا أحمد، كان رياض السنباطي الملحن قد بدأ يتخلص من تأثره بعبد الوهاب ومحمد القصبجي، وكانت ألحانه حتى في مرحلة التأثر (مونولوج النوم يداعب عيون حبيبي) تعلن عن ملحن عظيم الموهبة راسخ القدم في السيطرة على الأشكال الفنية التي يتعاطى التلحين في إطارها، مشبعا بروح التراث العربي الموسيقي- الغنائي بشقيه الديني والدنيوي. كل هذا إلى جانب صفات شخصية تهيؤه (منذ البدايات الأولى) لتبوأ موقع متقدم في مجاله، مثل الرصانة، والتفاني الكامل في العمل الفني إلى درجة الترهب والابتعاد عن كل مغريات الحياة الاجتماعية والعلاقات العامة، والاعتداد الشديد بالنفس.

هذا من جهة السنباطي، أما من جهة أم كلثوم، فكانت في تلك المرحلة قد نضجت شخصيا وفنيا إلى درجة تخرجها بطبيعة الحال من موقع «التلميذة» التي تجتهد في أداء الأنماط الفنية التي يختارها ويحددها أساتذتها (محمد القصبجي وزكريا أحمد). صحيح أن الحان زكريا أحمد كانت أقرب إلى الجماليات الفنية التي نشأت عليها أم كلثوم وتشبعت بها من مرحلة التكوين في حضن الإنشاد الديني، غير أن أم كلثوم كانت (على ما ثبت فيما بعد) تصبو إلى آفاق أرحب من تلك التي تؤمنها لها الكلاسيكية المحافظة لزكريا أحمد (على عظمتها).

لقد جاء رياض السنباطي، في تلك اللحظة التاريخية المناسبة، بالمعادلة المتوازنة المطلوبة بين جموح التجديد عند القصبجي، والتزمت التقليدي في كلاسيكية زكريا أحمد.

ومع أن السنباطي كان شريكا في «الحادثة» الفنية التي تمثلت بالمقطعين الاوبراليين في فيلم «عايدة»، فإن أم كلثوم كانت تدرك بسليقتها الفنية الحساسة واللماحة، إلى أن المقطع الاوبرالي الذي لحنه السنباطي كان تعبيرا عن تأثره الشديد بالقصبجي، أكثر مما هو تعبير عن شخصيته الفنية، التي كانت في ذلك الوقت (1941) ما تزال في مرحلة التكون والتبلور.

ولعل أم كلثوم قد وجدت في ثلاثة من ألحان السنباطي المبكرة لها، اكتمال العناصر التي تبحث عنها للانطلاق إلى آفاق جديدة:

لحن نشيد الجامعة، في مجال الغناء الوطني.

ولحن سلوا كؤوس الطلا، في مجال القصيدة الغنائية، سواء كان موضوعها دينيا أو وطنيا أو عاطفيا. ولحن هلت ليالي القمر، الذي أحدث دويا هائلا في حفلات أم كلثوم الشهرية، في توقيت كانت فيه أم كلثوم قد توقفت (أو كادت) عن الاعتماد في حفلاتها الشهرية على الأغنيات القصيرة المعدة أصلا للتسجيل على اسطوانات الدقائق الست، بحثا عن أعمال جديدة موضوعة خصيصا (شعرا ولحنا) لحفلاتها الشهرية الحية على المسرح.

صحيح أن رياض السنباطي قد أنشأ(خارج مملكة أم كلثوم) خطا لحنيا آخر، كان يخص به حنجرته وحناجر بعض من لحن لهم مثل نجاة الصغيرة ووردة وشهرزاد وعبد الحليم حافظ وهدى سلطان، مستقلا إلى حد غير قليل عن النمط الذي كان يخص به أم كلثوم، غير أن ذلك لا يسمح أبدا باعتبار ألحان السنباطي الكلثومية خيارا كلثوميا بحتا. فقد كان في تلك الألحان الكثير من روح رياض السنباطي. أما ما يميزها عن ألحان السنباطي غير الكلثومية، فهو أنه كان في تلك الألحان (غير الكلثومية) يطلق العنان لمزاجه الشخصي وجنونه الفني (إذا صح التعبير) بلا قيود، ويستثير فيها كوامن التجديد لديه بحرية كاملة، بينما كانت سجيته الفنية (في ألحانه الكلثومية) تحلق في فضاء تحده الصيغة التوافقية التي تكرست بينه وبين أم كلثوم، عبر عمل مشترك طويل المدى، كان بلا شك حصيلة لذوقهما المشترك، ولردود فعل جمهور الحفلات الحية، الذي تحول في حياة أم كلثوم إلى «بارومتر» فني يؤثر عليها، وعلى كل من لحن لها، حتى لو جاء من خارج إطار «البلاط الكلثومي»، مثل محمد عبد الوهاب.

هناك وجهات نظر أكثر تطرفا في تفسير هذه الظاهرة، تقارن بين الخطين المتوازيين في شخصية رياض السنباطي الفنية، فتستنتج من المقارنة ما تعتبره تنازلا سنباطيا لأم كلثوم، أو مسايرة لها (في عبارة ألطف)، حتى يعتقد بعض النقاد والمحللين، أنه على عظمة ما أنجز السنباطي من خلال حنجرة أم كلثوم، فقد تم ذلك على حساب حريته اللحنية المطلقة، التي أثبت السنباطي في ألحان غناها بصوته مثل «فجر» «وأشواق» و»ذات يوم يا حبيبي» و «على عودي» وبقية ألحان فيلم حبيب قلبي، و»لحن الوفاء» (لعبد الحليم حافظ)، أنه كان يعد بألوان أكثر تطورا لو كان أكثر إنتاجه خارج الإطار الكلثومي. ولعل أكثر النظريات تطرفا في هذا المجال وردت على لسان كمال الطويل، الذي نقل عنه قوله «أن أم كلثوم كانت أجمل عقبة في طريق تطور الموسيقى العربية».

ومهما كان من أمر هذا الاختلاف في وجهات النظر، فلا شك بأن أعمالا عظيمة، وأنماطا عظيمة قد ازدهرت في حديقة التفاهم الكلثومي-السنباطي. خاصة أن هذه الحديقة ظلت حكرا على فن رياض السنباطي، يختال فيها منفردا حتى بداية عقد الستينيات. تاركين التحليل الفني لهذا النتاج للقسم الثاني من الكتاب.

غــــزارة الإنتـــاج فــي المــواضيع الوطنيـة

إذا كانت مرحلة الأربعينيات قد ميزت الفن الكلثومي بمجموعة القصائد الدينية الشامخة (وكلها من عيون شعر أحمد شوقي وعيون الحان رياض السنباطي مثل نهج البردة وسلوا قلبي وسواها)، التي تحولت إلى ركن ثابت في حفلاتها الشهرية، فان مرحلة الخمسينيات والستينيات قد أفرزت لونا آخر، لا شك أنه أطلق العنان لخيال رياض السنباطي الفني في آفاق جديدة، كان من الصعب ارتيادها سابقا، وهو سلسلة الأغنيات الوطنية، التي تراوحت بين الشعر الفصيح والشعر العامي، والتي كان رياض السنباطي قد أسس لها قبل قيام الثورة برائعته النموذجية في هذا المجال «مصر تتحدث عن نفسها «.

وقد رأينا أن هذه الأغنيات غير قابلة للمقارنة بأغنيات المناسبات الملكية في المرحلة السابقة، فتلك كانت تدخل في باب علاقة أم كلثوم برأس السلطة السياسية في بلدها، أما سلسلة أغنياتها الوطنية في عقدي الخمسينيات والستينيات، فان أي تحليل موضوعي لأشعارها (الفصحى والعامية) ولمناسباتها، ولمستواها الفني الرفيع، يؤكد أنها مكتوبة وملحنة ومغناة للوطن وليس لمن يتولون السلطة السياسية فيه. ومن الأدلة الإضافية على ذلك، إضافة إلى ما أسلفنا، أنها كل هذه الأغنيات كانت تظهر في مناسبات وطنية عامة، وتفاعلا مع أحداث وطنية عامة، بما في ذلك بعض هذه الأغنيات (وهي ليست كثيرة) التي يرد فيها ذكر اسم جمال عبد الناصر مباشرة، فهذا الذكر يأتي دائما (عندما يأتي) في سياق عام، وليس في سياق شخصي، باستثناء أغنية واحدة، أنشدتها أم كلثوم بمناسبة نجاة عبد الناصر من محاولة الاغتيال في الإسكندرية (يا جمال يا مثال الوطنية)، التي أعادت غناءها بتبديل في الكلمات بمناسبة انتخاب عبد الناصر لرئاسة الجمهورية.

وقد ضاعف من أثر هذه الأغنيات في رصيد أم كلثوم الفني العام، أنها بالإضافة إلى مستواها الفني الرفيع، ظلت منذ العام 1952 حتى العام 1970، تترجم أحاسيس مصرية بل عربية عامة كانت تغمر المنطقة العربية من محيطها إلى خليجها، فيصل تفاعل جماهير المستمعين إلى ذروته عندما يستمع إلى أعمال فنية رفيعة المستوى، وتعبر عن أحاسيس جامعة تتجاوز المشاعر الوطنية الضيقة داخل كل بلد عربي، إلى مساحة قومية عامة مشتركة.

وبانتظار التحليل التفصيلي المؤجل إلى القسم الثاني من الكتاب، يجدر بنا في هذا السياق التذكير بنشيد «والله زمان يا سلاحي» (الذي كتبه صلاح جاهين ولحنه كمال الطويل إبان معركة السويس 1956)، والذي تحول (حتى توقيع السادات اتفاقية كامب دافيد مع إسرائيل) إلى نشيد مصر الوطني (ونشيد الجمهورية العربية المتحدة طيلة أيام الوحدة بين مصر وسورية). وهذا شرف عظيم قل أن يناله أي فنان وهو على قيد الحياة، وفي عز نجاحه الفني. لقد تحولت أغنيات أم كلثوم الوطنية إلى مسرح جديد يفجر القريحة الفنية لكل من تعاملت معه من ملحنين، إلى آخر مدى، ويسحبها إلى آفاق جديدة يصعب أن يطرقوها خارج إطار هذه الأغنيات الوطنية. يكفي أن نستعرض على سبيل المثال من أعمال رياض السنباطي: ثوار، طوف وشوف، صوت الوطن، يا حبنا الكبير، ومن ألحان عبد الوهاب:على باب مصر، وأصبح عندي الآن بندقية، ومن أعمال محمد الموجي: محلاك يا مصري، ومن أعمال كمال الطويل: والله زمان يا سلاحي، ومن أعمال بليغ حمدي: سقط النقاب.


الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50471
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 7 سبتمبر 2010 - 2:21

فلحّن لها الموجي والطويل وغنّت لصلاح جاهين والله زمان يا سلاحي

تــوسيــع دائــرة الملحنيـن والشعــراء

مع أن خروج أم كلثوم من الدائرة السنباطية في أغنياتها العاطفية قد تأخر حتى آخر شهر في عام 1960، بآخر ألحان زكريا أحمد (هو صحيح) وأول ألحان بليغ حمدي لها (حب إيه)، فان تفكير أم كلثوم بدأ يتحرك قبل ذلك بسنوات، للاستعانة بملحنين جدد، من جيل الشباب.

على أي حال، فان محاولات توسيع دائرة ملحني أم كلثوم لم تتوقف، حتى في عقد الأربعينيات، بمبادرات تأتي مرة منها، ومرة من الطامعين بدخول «البلاط الكلثومي». من هذه المحاولات القديمة، قيام القصبجي في مطلع الأربعينيات بترشيح صديقه الملحن وعازف العود الكبير اللبناني الأصل فريد غصن للدخول عضوا في فريق ملحني أم كلثوم. واستجابت أم كلثوم، ولحن لها فريد غصن أغنية «وقفت أودع حبيبي»، التي غنتها أم كلثوم في الرابع من سبتمبر/ أيلول من عام 1941، وقد أخر القصبجي ظهور رائعته «رق الحبيب» إلى حفلة الثامن عشر من سبتمبر/أيلول من عام نفسه، إتاحة في المجال أمام لحن زميله وصديقه فريد غصن، غير أن اللحن لم يلق أي نجاح يذكر، واختفى تسجيله بصوت أم كلثوم، وربما يكون قد أعدم، لأن أي أثر له لم يظهر منذ الحفلة الأولى، لا في أرشيف إذاعة القاهرة، ولا في أرشيفات هواة التسجيل.

بعد ذلك نجد أسماء فريد الأطرش وأحمد صدقي ومحمود الشريف، بين الملحنين المرشحين للتلحين لأم كلثوم، وحتى اسم محمد فوزي تردد مع أسماء هؤلاء المرشحين، غير أن ظروفا معينة كانت تتدخل لتبقي أصحاب هذه الأسماء خارج الدائرة الكلثومية.

وما أن استقرت المسيرة الكلثومية على قاعدة الثنائي أم كلثوم- السنباطي، حتى بدأت أم كلثوم منذ منتصف عقد الخمسينيات، وربما لشعور زائد بالراحة، وبالاستقرار المريح والمتفرد على عرش الغناء الكلاسيكي في الحفلات الحية، تتجه بتفكيرها إلى الملحنين الشباب الذي بدأ نجمهم يلمع مع الصوت الجديد عبد الحليم حافظ. غير أن هذا الاتجاه بقى في تلك المرحلة محصورا في الغناء الوطني والغناء الديني. فكان لقاؤها الأول مع محمد الموجي في نشيد الجلاء في عام 1954، الذي كتبه شاعرها المخضرم أحمد رامي.

عصر الشباب والتجديد

غير أن الأحداث السياسية الدرامانيكية التي رافقت مشروع بناء السد العالي وتأميم قناة السويس في عام 1956، حركت على ما يبدو مكامن الجرأة في التجديد والتجدد لدى أم كلثوم، فلم تتجه فقط إلى ألحان الموهوبين الناشئين في ذلك الوقت محمد الموجي وكمال الطويل، بل غامرت بالخروج من مملكة أحمد رامي الكلاسيكية الرصينة المجربة، إلى صاحب موهبة شاعرية شابة أحدث ثورة كاملة في جماليات الشعر عامي، والأغنية الوطنية، صلاح جاهين، فلحن لها كمال الطويل من أشعاره نشيد «والله زمان يا سلاحي»، كما لحن لها الموجي من أشعار جاهين أيضا أنشودة «محلاك يا مصري»، التي أنشدتها لمرشدي قناة السويس المصريين المتطوعين لملء فراغ المرشدين الأجانب المستقيلين لإفشال عملية تأميم القناة.

وعلى موجة هذه التجارب الناجحة جدا، فنيا وجماهيريا، زادت جرأة أم كلثوم في مغامرتها التجديدية، فكلفت الموجي والطويل الناشئين، بمشاركة الكبير المخضرم رياض السنباطي بتلحين أغنيات البرنامج الإذاعي الصوفي «رابعة العدوية»، الذي كان يفترض أنه من اختصاص رياض السنباطي وحده، رائد اللون الصوفي في الموسيقى العربية المعاصرة. ومرة أخرى، نجحت التجربة، بل أن التحدي قد استفز موهبة الطويل والموجي، فوضعا ألحانا تجاوزت في انتشارها (ولا نقول في قيمتها) ألحان السنباطي في رابعة العدوية، ربما لطزاجة ألحانها.

غير أن بليغ حمدي، ظل صاحب الحظ الأكبر بين الملحنين الشباب مع أم كلثوم، لأن كمال الطويل، صاحب التجارب الوطنية والدينية الناجحة معها منذ عام 1956، لم ينل حظ الدخول في فريق ملحني المونولوجات العاطفية المسرحية الطويلة لأم كلثوم. وحتى الموجي، تأخر ظهور لحنه العاطفي الأول لأم كلثوم (للصبر حدود) حتى مطلع عام 1964. وهو الموعد الذي ظهر فيه أيضا أول تعاون لأم كلثوم مع عبد الوهاب. أما بليغ حمدي، فقد فتحت له أم كلثوم أبوابها على مصاريعها، منذ عام 1960، في مغامرة حقيقية، لأن رصيده الفني حتى مع عبد الحليم حافظ، لم يكن في ذلك الوقت قد قطع شوطا كبيرا. وهنالك آراء عديدة في تفسير هذه الحظوة المبكرة التي نالها بليغ حمدي لدى أم كلثوم، أشهرها الرأي القائل بأن محمد فوزي هو الذي رشح بليغ حمدي بقوة وإلحاح لأم كلثوم. غير أن من الواضح، أن أم كلثوم كانت منذ منتصف عقد الخمسينيات قد وصلت إلى ذروة سنوات طويلة من الأمجاد الفنية والاجتماعية، ودان لها كل هدف بعيد، وسعى إليها كل منصب في نقابة الموسيقيين أو سواها، وأصبح كبار الملحنين ومشاهيرهم يعلنون صراحة عن رغبتهم في أن يتوجوا نجاحهم الفني بتقديم لحن لأم كلثوم.

لذلك، وبعد أن أوصلتها قصائد السنباطي الشامخة ومونولوجاته العاطفية المطولة إلى ذروة عالية من الإشباع، في الإتقان الفني والشهرة والجماهرية الواسعة، في حالة من الاستقرار التي ربما أدت (على جمالها وقيمتها) إلى شيء من الشعور بالملل أو الركود، حرك لدى أم كلثوم رغبة جامحة في التلوين والتغيير من جهة، وثقة عالية بالنفس-من جهة ثانية- جعلها تشعر أن بوسعها الآن أن تشير إلى أي ملحن في مصر، مهما علا شأنه، فيهرع إليها حاملا عوده وألحانه، فكيف إذا كان هذا الملحن موهبة شابة، ما زال صاحبها يشق بداية طريقه إلى الشهرة والمجد؟

وقد روى كمال الطويل التفاصيل الإنسانية وراء علاقته الفنية بأم كلثوم، فإذا بها نموذجية في شكلها ومضمونها . خلاصتها أنه عندما بدأت ألحان كمال الطويل تلقى قبولا واسعا من جماهير المستمعين بأصوات عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة، بعثت تطلب إليه القدوم إلى منزلها. ويقول كمال الطويل أنه شعر بالرهبة، بل أعتبر الأمر مجرد كلام عابر لا يمكن أن يفضي إلى علاقة فنية حقيقية مع أم كلثوم. فلما كررت أم كلثوم الدعوة، أحس بمزيد من الرهبة، ولكن بمزيد من الجدية التي لم يعد بإمكانه تجاهلها، فذهب إلى المقابلة، وفي نيته الاكتفاء بمجرد التعارف الشخصي. فلما سارعت أم كلثوم بالإفصاح عن رغبتها في أن تغني من ألحانه، سارع هو في إبداء رفضه بحجة أنه لا يستطيع. فلما استوضحته السبب، قال لها ببساطة لأنه لا يدري كيف يلحن لصوت عملاق بعظمة صوتها وأهميته وسعة تجاربه. أدركت أم كلثوم الرهبة النفسية التي تقف وراء هذا الموقف، فطلبت إليه أن ينسى موضوع اللحن، ويتردد إلى منزلها لأنها تود التعرف إليه عن قرب.

هيبة الطويل وحماس بليغ

ولم يخف على كمال الطويل طبعا، أن أم كلثوم بعظمتها الفنية، وسعة تجاربها الإنسانية، أرادت أولا أن ترفع حاجز الرهبة فيما بينها وبين كمال الطويل. وما أن أدركت تحقق هذا الهدف، حتى أعادت طلب اللحن، فأعاد هو التعبير عن حيرته: ولكن، كيف ألحن لك، لا أدري؟ وببساطة شديدة أجابته أم كلثوم: إنس أم كلثوم، وتخيل أنك تلحن لنجاة الصغيرة.

ومن المرجح أن أجواء مشابهة قد أحاطت بلقاء أم كلثوم ببليغ حمدي، ربما مع اختلاف في مشاعر الرهبة، لأن بليغ حمدي كان أصغر سنا، وبالتالي أشد اندفاعا، بدليل أن كمال الطويل بدأ التعاون مع أم كلثوم بنشيد وطني، ولم يتجاوز ذلك إلا للحن ديني في «رابعة العدوية»، أما بليغ حمدي فقد اندفع رأسا إلى لحن طويل لأم كلثوم، من الفصيلة التي كان رياض السنباطي وزكريا أحمد قد أنجزا فيها روائع شامخة.

على أي حال، لم يتوقف بليغ عند التجربة الأولى، ليس لشجاعته فقط، بل حتما لإعجاب أم كلثوم بالحماس الذي استقبل به جمهورها العريق ألحان هذا الملحن الشاب، فدخل منذ لحنه الأول في فريق ملحنيها الموسميين، أي الذين يزودونها بالألحان، بمعدل لحن جديد في كل موسم (أو ما يقارب ذلك). ومع أن أم كلثوم غنت في هذه المرحلة من ألحان الموجي وسيد مكاوي، فان تعاونها معهما بقي محدودا (لحنان عاطفيان للأول، ولحن عاطفي واحد للثاني)، ولم يزامل بليغ حمدي في الانتساب إلى فريق الملحنين الدائمين لأم كلثوم في تلك الحقبة، سوى ملحن من العيار الثقيل هو محمد عبد الوهاب.

ولم تقف مميزات هذه المرحلة في حياة أم كلثوم عند توسيع دائرة تلحينها، بل اندفعت إلى توسيع دائرة شعرائها، بكثافة وجرأة لم يسبق لهما مثيل في مراحلها الفنية السابقة، دليلا على اكتمال ثقتها بنفسها. ومن هؤلاء الشعراء الذين فتحت لهم أبوابها أحمد شفيق كامل، وصلاح جاهين، وعبد الفتاح مصطفى، وعبد الوهاب محمد، ومرسي جميل عزيز، ومأمون الشناوي (الذي كانت قد ردته خائبا في مرحلة سابقة) وعبد المنعم السباعي. وكان شاعرها المكرس، أحمد رامي، قد وصل على أي حال إلى سن الشيخوخة الفنية، فلم تعد القصائد القليلة التي زودها بها في تلك المرحلة (وآخرها يا مسهرني التي لحنها سيد مكاوي) من وزن وعمق روائعه القديمة مثل رق الحبيب ودليلي احتار وسواها.

غير أن استكمال تفاصيل هذه المرحلة الجديدة في حياة أم كلثوم، والتي يمكن وصفها بأنها أمدتها في شيخوختها الفنية بما يمكن أن نطلق عليه «إكسير الشباب» لا تعطي صورة هذه المرحلة مضمونها الحقيقي، من غير وقفة خاصة عند تعاونها مع محمد عبد الوهاب. وإذا كنا سنترك للقسم الثاني والأخير من الكتاب تفاصيل التحليل الفني لهذا التعاون، فلا بد هنا من وقفة عند العوامل الأخرى الهامة التي أحاطت بهذه العلاقة ونتجت عنها، مما كان له، بلا جدال، أثر هام في استمرار إحاطة حياة أم كلثوم في العقد الأخير من حياتها، بالبريق الذي طالما ظل محيطا بها في سنوات الحيوية والخصب الأولى والوسطى.

يتفرد لقاء محمد عبد الوهاب مع أم كلثوم عن سائر لقاءاتها بملحنيها الآخرين، كبيرهم وصغيرهم، أن هذا اللقاء كان منذ البداية يتجاوز رغبة كليهما، بتحوله إلى رغبة جماهيرية عامة من جهة، وإلى فكرة ورغبة لدى القيادات المصرية على مختلف مستوياتها وأصعدتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية منذ ثلاثينيات وحتى ستينيات القرن العشرين.

على الصعيد الجماهيري عام، ومع أن جزءا من هذا المشهد كانت تبدو فيه كتلة «حزبية» تتعصب لأم كلثوم، وكتلة «حزبية» أخرى تتعصب لعبد الوهاب، غير أنه كان يوجد دائما، خارج هاتين الكتلتين المتعصبتين، شريحة واسعة من المستمعين العرب (ولعلها كانت تمثل الأغلبية) تقدّر المواهب الفنية الاستثنائية لكلا النجمين الأكثر تألقا في سماء الغناء العربي في القرن العشرين، وترغب في أن يغتني الفن الغنائي والموسيقي العربي بعمل مشترك فيما بينهما. ولعل البذرة الأولى لمثل هذه الأفكار نبتت في تلك السهرة الشهيرة في منزل والد المهندس الفنان أبو بكر خيرت، الذي كان من علية القوم، ومن كبار هواة الموسيقى والغناء، فقام عبد الوهاب وأم كلثوم في تلك السهرة بتلبية رغبة الحاضرين، بإنشاد الثنائية الغنائية الجميلة لسيد درويش: «على قد الليل ما يطول».

نعرف بعد ذلك أن فكرة لقاء أم كلثوم وعبد الوهاب في عمل فني مشترك، حمل لواءها عمليا طلعت باشا حرب، أب الاقتصاد المصري الحديث في النصف الأول من القرن العشرين، ومنشئ «بنك مصر» و»ستوديو مصر»، كما أسلفنا في صفحات سابقة.

ومع أن محاولات طلعت حرب لم تثمر عمليا، فان ذلك يجب أن لا يحجب عنا، أنه ظل متابعا لهذا المشروع بإصرار غريب، وكرر محاولاته لتحقيقه مرات عديدة، ارتبطت إحداها بفكرة أن تكون مسرحية «مجنون ليلى» لأحمد شوقي هي موضوع ذلك اللقاء الفني المنشود. ومما يرجح جدية هذا الموضوع، أن عبد الوهاب قام بالفعل بتلحين مقطع مطول من هذه المسرحية، وأنشده مع أسمهان، المنافسة الجدية الوحيدة لأم كلثوم، كما أسلفنا، في فيلم يوم سعيد (1939).

ومن ناقلة القول أن نستعيد هنا القول بأن الغيرة الفنية وحسابات المنافسة الفنية، هي السبب المرجح منطقيا لفشل كل محاولات الجمع بين أم كلثوم وعبد الوهاب، خاصة تلك المحاولات الجادة والمتكررة التي قام بها طلعت حرب.

وكأنه كتب للقاء هذين العملاقين، أن لا يتم إلا بمبادرة قيادية عليا، بدليل أن اللقاء لم يتم عمليا إلا عندما جاء بطلب من جمال عبد الناصر، وهو طلب ظل عبد الناصر يكرره ويلح فيه (كما فعل طلعت حرب)، حتى انتقل من حيز التمني إلى حيز التطبيق.

غير أن الموضوعية تقتضي منا التأكيد هنا بأن رغبة عبد الناصر وإلحاحه لم تكن العنصر الوحيد في إخراج هذا المشروع إلى حيز التنفيذ. فقد جاءت ظروف أخرى تساعد باتجاه تحقيق المشروع، وتزيل من طريقه العقبات القديمة التي ظلت تمنع تحقيقه لسنوات طويلة سابقة.

ويمكن تلخيص هذه الظروف في سببين رئيسيين:

أن عقد الستينيات كان قد شهد التكريس الكبير لكل من أم كلثوم وعبد الوهاب، على عرش الموسيقى والغناء العربيين في القرن العشرين، وانتقل اختلاف الأسلوب الفني بينهما إلى مجرد اختلاف الأمزجة، وخرج من دائرة المنافسة الحادة، التي كانت في سنواتها الأولى تعني، بالنسبة لأم كلثوم بالذات، احتمالات النجاح الكبير، أو الفشل الكبير. واحتمال أن تؤدي حوافز التنافس إلى سوء نية لدى هذا الطرف أو ذاك.

أن عبد الوهاب كان قد توقف عن الغناء رسميا مع نهاية عقد الخمسينيات، وكان آخر ما سجله من أغنيات مع الأوركسترا (باستثناء الأناشيد الوطنية، وباستثناء بعض الأغنيات بمصاحبة العود المنفرد التي ظهرت فيما بعد) أغنية “هان الود” (وهي بالصدفة البحتة من كلمات أحمد رامي شاعر أم كلثوم المفضل، ورفيق شباب عبد الوهاب). ولقد انصرف بعد هان الود إلى التفرغ الكامل للتلحين، وبدأ يوزع إبداعه اللحني على الأصوات المتميزة في تلك الحقبة، مثل عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة وفايزة أحمد ووردة وفيروز.

في ظروف فنية متبدلة إلى هذا الحد، كان طبيعيا أن يصحو داخل عبد الوهاب حنينه إلى التلحين لصوت بعظمة وقيمة وجماهيرية صوت أم كلثوم. ومع أن هذا الصوت كان في عقد الستينيات قد بدأ رحلة الافتقاد المتدرج للمعانه وبريقه وحلاوته التاريخية، فأنه ظل (خاصة في النصف الأول من عقد الستينيات) يمتلك نسبة لا بأس بها من تلك المقومات، مع ارتفاع في نسبة الخبرة في براعة الأداء.

ومع أن اقتحام عبد الوهاب أسوار الحنجرة الكلثومية ظل طويلا يتعرض لانتقاد مستمعيها المحافظين الموزعين بشكل رئيسي بين مدرسة زكريا أحمد اللحنية، والمدرسة السنباطية التي طبعت أم كلثوم بطابعها الخاص، فان الموضوعية تقتضي الإشارة إلى أن الحان عبد الوهاب (التي سنفرد لها صفحات طويلة من التحليل الفني في الصفحات التالية) قد وسعت جماهيرية أم كلثوم (على اتساعها السابق)، لتكتمل دائرتها، فلا يبقى عربي واحد لا يحب الاستماع إلى أم كلثوم، خاصة فئة غير قليلة من المستمعين، كانت ما تزال خارج تلك الدائرة لاعتبارات عديدة تفضي كلها إلى عدم الاقتناع بنمط الغناء الكلثومي المطول في الحفلات الشهرية.

غير أن من أبرز المفارقات التي يكشفها التحليل الموضوعي لظاهرة التعاون الوهابي- الكلثومي، هو أن محمد عبد الوهاب، الذي أوجد شعبية كبرى لنمط العزف والغناء المضبوط بشكل محدد ووقت محدد في تسجيل داخل الاستوديو، قد أدخل إلى حفلات أم كلثوم الحية الأرقام القياسية في طول الوقوف على المسرح. ذلك أن مراجعة سجلات إذاعة القاهرة عن تاريخ حفلات أم كلثوم الحية، تؤكد أن هذه الحفلات لم تصل إلى الساعتين، وتتجاوز الساعتين في كثير من الحفلات، إلا مع ألحان عبد الوهاب، خاصة انت عمري وأمل حياتي وفكروني.

لا بل أن اقتحام عبد الوهاب ميدان التلحين لأم كلثوم، وتحول هذا التعاون إلى نشاط سنوي مشترك بينهما، قد أحدث أثرا إيجابيا لدى بليغ حمدي، الذي ستكتشف، بالتحليل التفصيلي، أن أهم ألحانه لأم كلثوم، إنما جاءت بعد «إنت عمري»، وهي بالتحديد سيرة الحب، وبعيد عنك، وألف ليلة وفات الميعاد. ولكن تفاصيل كل ذلك متروكة للقسم الثاني من الكتاب.

تــوسع دائــرة البــث الإذاعـي والتلفـزيـوني

لا شك بأن من بين العوامل التي ساعدت في توسيع دائرة الانطلاق الكبير لأم كلثوم، في ربع القرن الأخير من حياتها الفنية، إضافة إلى كل العوامل السابق ذكرها، أن إذاعة القاهرة (إضافة إلى صوت العرب وسواها من الإذاعات المصرية) قد اكتسبت في عهد عبد الناصر، انتشارا واسعا وعميقا لم يسبق له مثيل، جاء يضاف إلى مرحلة الريادة الأولى لإذاعة القاهرة في الثلاثينيات والأربعينيات، ليس فقط في مجال قوة الإرسال، بل النضج الكبير في الفنون الإذاعية المصرية، انعكاسا لازدهار الثقافة والفنون في مصر بكثافة ومستوى كان لهما أثر كبير في الحياة العربية عموما. ذلك أن قوة الدعوة القومية الصادرة عن القاهرة وزخمها في عهد عبد الناصر في عقدي الخمسينيات والستينيات، جاءت تزود إذاعة القاهرة (وبقية الإذاعات المصرية الوليدة) عمقا سياسيا وثقافيا كانت له آثار شاملة وعميقة في كل أرجاء الوطن العربي، بمناطقه المدنية وحتى الريفية.

وإذا أدركنا أن صوت أم كلثوم وفن أم كلثوم اللذين وصلا إلى ذروة النضج في تلك الحقبة، كانا النجم الأول لما تذيعه القاهرة من فنون الغناء والموسيقى، إضافة إلى تفرد إذاعة القاهرة بإذاعة حفلة الخميس الأول من كل شهر، ومع انتشار أجهزة راديو الترانزستور التي أوصلت صوت الإذاعة المصرية إلى أعماق أقصى المناطق الريفية العربية في المشرق كما في المغرب، وفي المدن والأرياف كما في الصحراء، فان بإمكاننا تقدير قوة وضخامة واتساع جهاز الإرسال الذي أصبح في خدمة فن أم كلثوم وصوت أم كلثوم، عندما بلغ هذا الفن وهذا الصوت ذروته السامقة .

ومع أن جمال عبد الناصر قد كرم أم كلثوم في 18 ديسمبر/كانون الأول 1965 بقلادة الجمهورية (كما كرم بها عبد الوهاب في اليوم نفسه)، فان تكريما آخر، ذا قيمة ثقافية أرفع، لم يحسم أمره بالنسبة لأم كلثوم، على ما كان لها من تقدير رسمي وشعبي وثقافي كاسح، إلا بعد جدل عميق بشأن علاقة أم كلثوم بالإبداع: هل هي مبدعة خلاقة، أم أنها مجرد صوت جميل يردد إبداع الملحنين والشعراء؟

لقد بدأ الجدل في هذا الموضوع في عام 1959، ولم يحسم إلا في عام 1967، عندما منحتها الدولة من خلال المجلس الأعلى لرعاية الفنون «جائزة الدولة التقديرية للفنون»، حسما لهذا الجدل، واعترافا بها كمبدعة. ولكن تفاصيل هذا الجدل وضجيج المختلفين فيه، متروكة للقسم الثاني من الكتاب. علما بأن هذه المرحلة قد شهدت حصول أم كلثوم على أوسمة عديدة من عدة دول عربية غير مصر منها لبنان وتونس والمغرب والسودان والكويت والعراق.

أما جائزة التكريم الشعبي، فقد عبرت عنها جماهير المستمعين بأشكال متعددة لا حصر لها، لعل أعمقها وأكثرها دلالة، إنشاء مقهى شعبي في حي التوفيقية القاهري في مطلع الستينيات، مخصص للاستماع إلى أم كلثوم، اسمه مقهى «أم كلثوم». وله نظام دقيق يلتزم به رواده، كأنهم في مسرح ذي تقاليد وأعراف. يبدأ هذا المقهى نهاره بإذاعة تلاوة من القرآن الكريم، ثم يتبع ذلك بإذاعة تسجيلات الحفلات الحية لأم كلثوم حتى منتصف الليل.

وقد قدر لي أن أزور هذا المقهى في نهاية الستينيات، وأخضع لنظامه الدقيق الصارم. فرواد الطابق الأرضي، مسموح لهم لعب «الطاولة» (النرد)، وتناول المشروبات، والكلام كما يحلو لهم، في أثناء الاستماع إلى أم كلثوم. أما رواد الطابق الأول، فيسمح لهم بالكلام، ولكن من غير لعب «الطاولة»، وذلك لإتاحة مجال أوسع لمن يريد الاستماع.

أما قاصد المقهى بغرض الاستماع الجاد والإصغاء التام، فما عليه سوى ارتياد الطابق الثاني (كما فعلت)، الذي لم يكن الكلام مسموحا فيه، إلا همسا مع النادل، لطلب المشروب، ثم يعود الصمت سيد المكان، فلا يتردد فيه إلا صوت أم كلثوم وفرقتها الموسيقية.
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
sirine
المشرف العام
المشرف العام
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 42620
تاريخ التسجيل : 01/12/2008
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 7 سبتمبر 2010 - 3:23

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: sirine
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50471
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 7 سبتمبر 2010 - 3:43

يسعدني دائما مرورك شكرا لكي
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
انطوانيت
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 57169
تاريخ التسجيل : 11/11/2009
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 7 سبتمبر 2010 - 13:56

شكرا لك ولمجهودك نور الغالية.
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: انطوانيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50471
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الأربعاء 8 سبتمبر 2010 - 1:34

شكرا لمروركم ياغالييييييييييييييين
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50471
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الجمعة 10 سبتمبر 2010 - 17:14

فن الارتجال الذي تميزت به كان الأرقى وكانت الذروة العليا بين كل الفنانين العرب

عرض وتحليل وتقييم الرصيد الفني الذي تركته أم كلثوم، وتحديد موقع هذا الرصيد وحجمه على الخارطة العامة للثقافة العربية عموما، ولنهضة الموسيقى والغناء العربيين المعاصرين على امتداد القرن العشرين، إن القيام بهذه المهمات مجتمعة، على أكمل وجه ممكن، لا يمكن أن يستقيم من غير مجموعة من الملاحظات التمهيدية التي لا بد منها

هنالك سؤال مركزي لا بد من طرحه وصياغة الرد الحاسم عليه، قبل أي خطوة في طريق تحليل وتقييم رصيد أم كلثوم الفني:

هل كانت أم كلثوم شريكة لملحنيها في إبداعهم، أم كانت مجرد مؤدية ممتازة لذلك الإبداع؟

ليس هذا السؤال جديدا، فقد تم طرحه في حياة أم كلثوم، ودار بشأنه نقاش طويل، قيلت فيه وجهات نظر متعددة ومتناقضة. ولم يكن الأمر مجرد نقاش نظري يدور حول فن أم كلثوم، بل أن محرك النقاش كان الفكرة الملحاحة بأن أم كلثوم، منذ الأربعينيات، قد أعطت فنا أوصلها إلى مرتبة رفيعة لا يختلف اثنان بشأنها، وأن ذلك يؤهلها لتكريم الدولة. غير أن انتقال الفكرة من الحيز النظري إلى الحيز العملي، رفع النقاش إلى ذروته، وقسم المتحاورين إلى فريقين:

واحد ينفي عن أم كلثوم صفة الإبداع الفني، وبحصرها في خانة الأداء الممتاز، الذي مهما تميز، فانه لا يرتفع إلى مصاف الإبداع، ولا يجيز لصاحبه الحصول على الجوائز المخصصة للمبدعين وحدهم .

وواحد يرى أن عظمة أداء أم كلثوم وتميزه، وحملها لواء أسلوب الارتجال الغنائي في حفلاتها الحية، يجعلها شريكة ملحنيها في إبداعهم، ويضعها إلى جانبهم في خانة المبدعين. ومن الواضح أن هذا الرأي هو الذي انتصر عمليا (إلى جانب كونه مطابقا للرأي السائد لدى غالية المستمعين العرب) لأنه الرأي الذي اعتمدته لجنة جوائز الدولة، عندما قررت منح أم كلثوم جائزة الإبداع (2) وقد ظل هذا الحوار مفتوحا بين 1959 (عندما رفض المجلس الأعلى للفنون والآداب منحها الجائزة) و1967، عندما منحت الجائزة.

غير أن ناقدا كبيرا في وزن كمال النجمي، قد اندفع في محاورة الذين ينفون عن أم كلثوم صفة الإبداع الذي انتج كل ما قدمته من فن، في سيرتها الطويلة، حتى أنه صاغ عبارة نقدية كان يكررها في عدد من مقالاته، بأن أم كلثوم “مسؤولة عن ثلاثة أرباع التطور الذي أنجز في القرن العشرين في الموسيقى العربية والغناء العربي”.

وإذا كان هذا الرأي ينصف أم كلثوم في وجه من ينفون عنها صفة الإبداع، فانه يظلم ملحني أم كلثوم (خاصة الأربعة الرئيسيين: أبو العلا محمد، ومحمد القصبجي، وزكريا أحمد، ورياض السنباطي) كما سنرى لاحقا.

الاستقراء الأول للملاحظة الأولى، يدعونا إلى لفت النظر، إلى أن تحليل فن أم كلثوم، سيقودنا حتما، بل يمر حتما، بتحليل الأساليب التلحينية للملحنين الاثني عشر الذين غنت لهم، ومدى التعديل الذي أدخلوه (أو لم يدخلوه) إلى أساليبهم التلحينية عندما تعاملوا مع أم كلثوم.

وهذا ما يقودنا، منذ البداية، إلى تقسيم ملحني أم كلثوم إلى فريقين متمايزين:

الفريق الأول، أطلقنا عليه اصطلاحا عبارة “ملحنو أم كلثوم الأساسيون”، ليس فقط لأن معظم إنتاج أم كلثوم هو من تلحينهم وإبداعهم، بل أيضا لأن معظم هؤلاء الملحنين (خاصة محمد القصبجي وزكريا أحمد) لم ينتجوا خارج حنجرة أم كلثوم إلا أعمالا قليلة، بحيث أننا إذا الغينا من تراثهم الفني ما لحنوه لأم كلثوم، فان رصيدهم الباقي يقصر كثيرا عن حجمهم الفني التاريخي.

وحتى رياض السنباطي، الذي أنجز أعمالا بالغة القيمة والتميز خارج الإطار الكثومي (على عكس الرأي السائد عن رياض السنباطي)، فان القسم الأهم من قيمته الفنية مرتبط ارتباطا مباشرا، كما سنرى، بما أبدعه لحنجرة أم كلثوم.

* الفريق الثاني، هو “فريق الملحنين غير الأساسيين لأم كلثوم”، وذلك ليس لقلة عدد ألحانهم لها، بالنسبة لرصيدها العام، وليس لقلة الأهمية الفنية لهذه الألحان، بل لسبب ثالث هو أن هؤلاء الملحنين قد اكتسبوا حجمهم التاريخي في الموسيقى العربية المعاصرة، خارج إطار “مملكة أم كلثوم”. صحيح أن تعاملهم مع أم كلثوم قد أضاف قيمة إلى فيمتهم العامة، ولكن هذه التعامل لم يصل إلى حد اعتباره السبب الأساسي في دخولهم تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة . وإن كان تحديد هجم القيمة الإضافية لتعاونهم مع أم كلثوم، يختلف بين ملحن وآخر، فما أضافه هذا التعاون إلى حجم بليغ حمدي وسيد مكاوي، أكبر بكثير مما أضافه إلى حجم محمد عبد الوهاب. وسنلمس بمزيد من الدقة والتفصيل هذه المسألة مع كل ملحن على حدة، في الصفحات التالية.

إن حصة أم كلثوم في الإبداع لا يجوز أن تبقى متروكة للتجاذب المفتوح بين متطرف في إنكار مشاركتها في إبداع ما قدمت من فن، ومتطرف يحصر فيها كل أو معظم هذا الإبداع. ذلك أن عناصر ما أضافته أم كلثوم من إبداع حقيقي، إلى الإبداع الكبير الذي أنجزه ملحنوها، هي عناصر محسوسة وملموسة يمكن تحديدها ووصفها بدرجة عالية من الدقة العلمية، وهي محصورة على العموم بثلاثة:

القدرة الصوتية الاستثنائية (والمتعددة العناصر) المتمثلة في حنجرة أم كلثوم. وسنرى كيف أن هذه القدرة وهذا التعدد الاستثنائي في مواهب الأداء الغنائي في صوت أم كلثوم، لعب دورا أساسيا في تحريك إبداع بعض ملحنيها، إلى درجة يمكننا معها الاستنتاج عمليا (كما سنرى بالتفصيل فيما بعد) أن موهبة الملحنين الثلاثة الأساسيين لأم كلثوم (القصبجي وزكريا والسنباطي) ما كان يمكن أن تتحرك بالحيوية التي تحركت بها، وأن تصل إلى الأفاق الواسعة التي وصلت إليها، بغير وجود حنجرة أم كلثوم بما لها من قدرات ومواهب استثنائية.

لقد حدث تاريخيا أنه منذ أن استقرت أم كلثوم على نظام الغناء الحي المطول في حفلة الخميس الأول من كل شهر، واتفقت مع إذاعة القاهرة على بث حي مباشر لهذه الحفلات طيلة ما يقارب الأربعين عاما، فقد توقف محمد عبد الوهاب، بعد سنوات قليلة من إنشاء هذا النظام الكلثومي، عن أسلوب الغناء الحي المباشر المطول على المسرح (كان انقطاع عبد الوهاب في العام 1939)، مما جعل أم كلثوم المندوبة الكبرى لفن الارتجال الغنائي العربي في القرن العشرين.

صحيح أن فن الارتجال لم ينحصر فقط في حنجرة أم كلثوم في القرن العشرين، فقد أنجبت مصر بين المطربين الرجال أصواتا اتقنت هذا الفن وقدمت منه نماذج ممتازة، مثل محمد عبد المطلب وكارم محمود، كما أنجبت سورية أصوات محمد خيري وصباح فخري، وأنجب لبنان صوت وديع الصافي، غير أن فن الارتجال الغنائي الذي قدمته أم كلثوم مثّل (لأسباب عديدة سنتناولها بالتفصيل في صفحات لاحقة) الذروة الأعلى والأرقى في هذا المجال.

حتى أنه يمكن القول أن أم كلثوم قد كرست نفسها، مع كل من يتعاون معها من شعراء وملحنين وعازفين، منذ أواخر الثلاثينيات بشكل خاص، لفن الارتجال الغنائي، القادم إلينا أصلا من تراث القرن التاسع عشر الغنائي، ومن أعماق تراث الإنشاد الديني والتجويد القرآني، ولكن في صيغته الحديثة التي كرست لها أم كلثوم كل قدراتها الصوتية وكل جهدها، كما كرست لها جهود كل الملحنين الذين تعاونوا معها، الرئيسيين منهم وغير الرئيسيين، حتى صحت تماما العبارة التي تقول أن كل من لحن لأم كلثوم قد تكلثم، علما بأن تطبيق هذه العبارة عمليا ظل أمرا نسبيا، يتراوح بين ملحن وأخر، بل يتراوح بين مرحلة وأخرى لدى الملحن الواحد.

من المؤكد أن الأسلوب الكلثومي الذي ولد ثمرة مخاض طويل ومعقد بين أم كلثوم وملحنيها، وأنها كانت ولادة عسيرة لأنها مرة بصعوبات جمة، بل بحالات من الدراما الإنسانية (كما رأينا في حالة القصبجي، وحتى في حالة زكريا أحمد، ولم يكن الأمر مع السنباطي سلسا وسهلا في كل المراحل كما سنرى)، غير أن هذه الصيغة الكلثومية التي ولدت بعد ذلك المخاض العسير، ما كانت لتكتمل (خاصة في حالة الذروة التي تمثلت بحفلاتها الشهرية الحية)، إلا باكتمال عقد فرقتها الموسيقية، التي كان الفضل في إرساء مزاجها العام وتكوين ملامحه يعود لخمسة عازفين أساسيين هم محمد القصبجي (عود) ومحمد عبده صالح (قانون) وأحمد الحفناوي (كمان) وإبراهيم العفيفي (رق) وأخيرا عباس فؤاد (كونترباص). ومع أن فرقة أم كلثوم عرفت عددا من العازفين المهرة على الناي والتشيلو والكمان، فأن الخمسة المذكورين أعلاه كانوا الصناع الأساسيين لأسلوب العزف في فرقة أم كلثوم الذي كان يجمع بين الدقة والإنضباط الحديث، ومزاج السلطنة وإطلاق العنان لإحساس العازف وحرارته الشخصية، بل وخياله الخاص أحيانا، في الإطار المحدد للحن. وهذا الاطار المحدد المثبت بالنوتة الموسيقية، كان هو الفارق الأساسي بين الفلسفة الارتجالية الحديثة كما قدمتها أم كلثوم غناء وعزفا في القرن العشرين، وبين الفلسفة الارتجالية للقرن التاسع عشر، التي كانت تنفلت من الإطار الأساسي والثابت للحن إلى درجة تغييره تغييرا كاملا.

إن استعراض وتحليل فن أم كلثوم، بكل مراحله وتشعباته، لا يكتمل إلا بالمرور عبر كل هذه العناصر الأساسية المكونة، وهو ما سنفعله في هذا القسم الثاني من الكتاب، استنادا إلى جميع ما أنتجته أم كلثوم من أعمال ابتداء من العام 1925 وانتهاء بالعام 1973، سواء على اسطوانات أو في تسجيلات إذاعية أو حفلات حية، ربما باستثناء الأعمال القليلة ذات التسجيلات غير المتوفرة، مثل أغنياتها العشر الخاصة بالملك فاروق والأسرة الملكية، ولا يبدو على أي حال أنها كانت ذات قيمة أساسية في مجمل تراثها الفني، بدليل أن أحدا من النقاد أو المؤرخين لم يتطرق إلى تمتع هذه الأغنيات القديمة بأي قيمة خاصة مميزة. كذلك فان التحليل سيستند (إضافة إلى ما ذكرنا) إلى متابعة شخصية لحفلات أم كلثوم الحية المذاعة، ابتداء من مطلع الخمسينيات حتى آخر حفلاتها الحية، بصورة شبه متواصلة، تخللها حضور شخصي لأربع من تلك الحفلات (الأولى في مسرح قصر الأونيسكو ببيروت، والثانية والثالثة في مسرح بيسين عاليه، والرابعة في مسرح قلعة بعلبك)، وأخيرا إلى حوارات شخصية أجريتها مع أربعة ممن لحنوا لأم كلثوم، عن تجربتهم معها، وهم محمد عبد الوهاب ومحمد الموجي وكمال الطويل وسيد مكاوي، إضافة إلى حوارات مباشرة مع ثلاثة ممن كتبوا لها بعض أشعار أغانيها فيما بعد الخمسينيات، وهم صلاح جاهين وعبد الوهاب محمد، وجورج جرداق.

الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

لماذا نجحت أم كلثوم؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 7انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى شادية دلوعة الشاشة العربية :: ذكريات زمن الفن الجميل :: مطربى ومطربات وملحنى زمن الفن الجميل-
انتقل الى: