منتدى شادية دلوعة الشاشة العربية



عزيزي الزائر أنت غير مسجل ويسعدنا انضمامك الى أسرتنا الجميلة المتحابة


والمترابطة وإذا رغبت فأهلاّ وسهلاّ بك ، قم بالتسجيل لنتشرف بوجودك معنا



 
الرئيسيةالبوابة*س .و .جالتسجيلدخول
المواضيع الأخيرة
» عرض افلام شادية على الفضائيات
اليوم في 18:08 من طرف sirine

» تصاميم رائعة لحدائق المنـزل والمسابح
اليوم في 18:04 من طرف sirine

» شادية صوتي سيذهب لابو الفتوح
اليوم في 17:54 من طرف sirine

» اسئلة تخص القرآن الكريم يجب عليك معرفة اجوبتها -
اليوم في 17:49 من طرف sirine

» سجل حضورك بالصلاة علي النبي صلى الله عليه وسلم
اليوم في 17:47 من طرف sirine

» صباح و مساء مليء بالمشاعر الجميلة‏
اليوم في 17:12 من طرف هدى

» من يحب شادية اكثر ؟؟؟؟؟؟
اليوم في 17:11 من طرف هدى

» بدي اغنية احبك احبك و اضحي لحبك اعز الحبايب ....
اليوم في 17:09 من طرف هدى

» حروف وكلمات مضيئه
اليوم في 16:25 من طرف أرض الجنتين

» سجل حالتك النفسية كل يوم
اليوم في 16:24 من طرف أرض الجنتين

» مسابقة اكثر عضو يحفظ اغاني شاديه
اليوم في 16:19 من طرف ناصر حسن

» فلاشات للحبيبة شادية
اليوم في 15:37 من طرف هدى

» ما تهونش علي
اليوم في 14:15 من طرف هدى

» مقتطفات أجنبيه من اليوتيوب
اليوم في 12:57 من طرف حليم العراقي

» عراقيات جديد وقديم
اليوم في 12:22 من طرف حليم العراقي

» حليميات,عندلبيه
اليوم في 12:04 من طرف حليم العراقي

» فديو الفكاهه{مواقف مضحكه,نكت مرأيه}
اليوم في 11:46 من طرف حليم العراقي

»  شادية Xشادية
اليوم في 9:12 من طرف هدى

» خبر غير مؤكد عن وفاة الفنانه ورده الجزائريه
أمس في 23:20 من طرف NONOS

» ادخل السجن ياشاطر
أمس في 22:37 من طرف عبدالمعطي

» تحدّث عن الجنّــة
أمس في 21:41 من طرف أرض الجنتين

» حدث في مثل هذا اليوم
أمس في 21:18 من طرف sirine

» شــادية وسـيرة المغنى
أمس في 21:07 من طرف أرض الجنتين

» ضع هنا مثلا من الأمثال ,وأكتب قصتهُ
أمس في 20:33 من طرف حليم العراقي

» كوكتيل منوع لأغاني شاديه تصميم حليم العراقي
أمس في 20:11 من طرف حليم العراقي

» حل الامثال
أمس في 18:20 من طرف sirine

» اعتذار
أمس في 13:54 من طرف ناصر حسن

» سجل حضورك بكلمة حب لشادية
أمس في 13:09 من طرف sirine

» تصميمات سيرين للحبيبة شادية
أمس في 13:01 من طرف sirine

» هل النساء أقدر على إداة الأعمال؟
أمس في 11:03 من طرف عبدالمعطي

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 43 عُضو متصل حالياً :: 3 عُضو, 0 عُضو مُختفي و 40 زائر :: 2 عناكب الفهرسة في محركات البحث

بين الاطلال, لولا, هدى

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 391 بتاريخ الجمعة 28 يناير 2011 - 12:59
مركز القيثارة لتحميل الصور
احصائية المنتدى
أ. سامى كمال الدين
شاطر | 
 

 لماذا نجحت أم كلثوم؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6 ... 10 ... 15  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
انطوانيت
قيثارة التـــــألـــق
قيثارة التـــــألـــق


الدولة:
انثى
عدد الرسائل: 24060
تاريخ التسجيل: 11/11/2009
المزاج:
احترام القوانين:

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الجمعة 3 سبتمبر 2010 - 10:21

شكرا نور الغالية لمجهودك لتكملة موضوع كوكب الشرق ام كلثوم.
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: انطوانيت


عدل سابقا من قبل انطوانيت في السبت 4 سبتمبر 2010 - 13:52 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
نور الحياة شاكر
عضو سوبر
عضو سوبر


الدولة:
انثى
عدد الرسائل: 28388
تاريخ التسجيل: 08/12/2007
المزاج:

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الجمعة 3 سبتمبر 2010 - 23:44

شكرا لمروركم ياغاليييييييييييييييييييين
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
عضو سوبر
عضو سوبر


الدولة:
انثى
عدد الرسائل: 28388
تاريخ التسجيل: 08/12/2007
المزاج:

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 7 سبتمبر 2010 - 2:13

أم كلثوم... السيرة والأغاني - السيرة الشخصية


بديهي أن الأثر الذي كان يحدثه تكرار إذاعة التسجيل الحي لقصيدة سلوا قلبي (بالذروة الانفعالية الجماهيرية فيها) لم يكن ليخفى على السلطات البريطانية في مصر، فقرر المدير البريطاني الأعلى للإذاعة المصرية إلغاء بثها من إذاعة القاهرة. وكان من الصعوبة بمكان، في الظروف السياسية السائدة يومها، أن يعترض سعيد لطفي المدير المصري لإذاعة القاهرة على هذا القرار البريطاني الأعلى. غير أن أم كلثوم لم تتراجع أمام هذا التحدي، بل أوحت إلى سعيد لطفي (المتعاطف معها طبعا برغم القيود الوظيفية التي تكبله) أن ينبه المدير الإنجليزي الأعلى لإذاعة القاهرة، أن “سلوا قلبي” هي في الأساس قصيدة دينية في مدح الرسول، وأن قرارا بريطانيا بمنع إذاعتها، سيثير حساسية دينية لدى الجماهير لا قبل للسلطات البريطانية بضبطها ومواجهتها. وقد كان لهذه الفكرة فعل السحر عندما عرضها المدير المصري للإذاعة المصرية على رئيسه البريطاني، فألغى قرار المنع، وبقيت “سلوا قلبي” تفعل فعلها سنوات طويلة بعد ذلك، تحت سمع وبصر السلطات البريطانية المحتلة.

تؤكد وقائع حياة أم كلثوم الشخصية والفنية حتى رحيلها، تلك التركيبة الفنية لمشاعرها الشخصية ولتكوينها النفسي، مما كان ينعكس أثره مباشرة على خياراتها الفنية، وعلى سلوكها العام، وعلى علاقتها بجماهيرها المتزايدة يوما بعد يوم، والمنتشرة فيما بين المحيط والخليج.

وإذا كان لنا أن نختار ذروة نموذجية تعبر عن كل عناصر هذه الملامح المركبة في الشخصية الفنية والإنسانية والاجتماعية لأم كلثوم، فإننا نتوقف بشكل خاص عند منعطفين هامين، في الحياة العربية العامة، لنراقب سلوك أم كلثوم الفني إزاءهما، تعبيرا عن مشاعرها الشخصية وعن تركيبتها النفسية والثقافية والوجدانية .

المنعطف الأول كان الأيام التي امتدت ما بين قرار جمال عبد الناصر بإغلاق مضائق العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية في شهر مايو/أيار، والحرب العربية- الإسرائيلية في الخامس من يونيه/حزيران. فمع مطلع حزيران، كان موعد آخر حفلات الموسم الغنائي لأم كلثوم 1966/1967، فجاء خيارها لوصلاتها الثلاث في حفلة الخميس الأول من يونية، وكان أول أيام ذلك الشهر، وقبل حرب حزيران بخمسة أيام فقط، على الشكل التالي:

أغنية جيش العروبة يا بطل الله معك (راجعين بقوة السلاح)، وهي من الأغنيات الوطنية القليلة التي كتبها صلاح جاهين لأم كلثوم ( غنت له قبلها “والله زمان يا سلاحي” من الحان كمال الطويل، و”ثوار” من الحان رياض السنباطي ).

-قصيدة “سلوا قلبي”، التي كانت تغنيها للمرة السابعة عشر، وبعد انقطاع طويل.

– قصيدة “حديث الروح” التي كانت تغنيها للمرة الثانية (كانت المرة الأولى يوم 4 مايو /أيار سنة 1967).

لقد جاءت التركيبة الفنية لتلك الحفلة الغنائية التاريخية في حياة أم كلثوم والأمة العربية، مطابقة بنسبة مائة بالمائة لمزاج أم كلثوم الفني، وتركيبتها الإنسانية، وخياراتها الثقافية والسياسية والإنسانية. فالأغنية الأولى وطنية سياسية مباشرة، والثانية قصيدة كلاسيكية (في شعرها ولحنها) تجمع ما بين الغزل الرفيع، والعاطفة الدينية الصوفية التي يتداخل فيها الإيمان بشؤون الحياة، والعاطفة الوطنية المشبوبة. أما الأغنية الثالثة فكانت ترجمة عربية لقصيدة شاعر باكستان الأكبر إقبال، وهي صوفية خالصة في شعرها ولحنها.

وما أن تكشفت حرب حزيران عن هزيمة عربية كبرى، حتى انطلق صوت أم كلثوم في قصيدة غنائية جميلة (كتبها صالح جودت ولحنها رياض السنباطي) تناشد الرئيس جمال عبد الناصر العودة عن قرار التنحي.

وقبل أن ينتهي شهر الهزيمة (يوم 25 يونيه/ حزيران) أتبعتها بأحد أجمل الأناشيد الوطنية العربية، “سقط النقاب عن الوجوه الغادرة” (كتبه عبد الفتاح مصطفى ولحنه بليغ حمدي).

إحباط الهزيمة

ولم تكتف أم كلثوم بهذا النشاط الفني المحموم، بدل الاستسلام لإحباط الهزيمة، بل انطلقت في اليوم الثالث والعشرين من الشهر الثاني للهزيمة، يوليو/تموز 1967، تعيد تقديم ثلاث من أجمل أغنياتها وأكثرها جماهيرية (انت عمري، وهو صحيح، والأطلال) في الحلقة الأولى من سلسلة حفلاتها في مصر والوطن العربي وباريس، لصالح المجهود الحربي، ردا على الهزيمة.

كان ذلك المنعطف الأول الذي أردنا الاستشهاد به، أما المنعطف الثاني فكان عندما تعرض المسجد الأقصى في القدس، لعملية حريق مفتعل تحت الاحتلال الإسرائيلي.

فدونت أم كلثوم المشاعر العربية إزاء هذا الحادث بكل ما له من معان دينية وتاريخية وسياسية، في عمل فني رائع (الثلاثية المقدسة) عن قصيدة لصالح جودت، أبدع في تصويرها موسيقيا رياض السنباطي، وضمنت أم كلثوم أداءها الغنائي لهذه القصيدة، كل مخزونها من المشاعر الدينية والوطنية والثقافية، مع أن ذلك تم قبل سنتين من توقفها النهائي عن الغناء.

ومع أن هذه الشواهد مختارة من رصيد كبير لأم كلثوم في هذه المجالات الدينية والوطنية، فأنها كافية لتفسير تلك المكانة التي كانت لها بين الجماهير العربية، وذلك الأثر الذي كان نشاطها الفني يحدثه في حياة تلك الجماهير (جماعات وأفردا)، وهو ما عبر عنه محمد عبد الوهاب بأن الجمهور لم يكن يتعامل معها كمطربة متميزة لا نظير لها فقط، بل كزعيمة. وهذا تعبير يختصر كثيرا من تفاصيل تلك العلاقة التي ما كان يمكن لأي مطربة أخرى أن تقيمها مع جمهور المستمعين، حتى لو وصلت في فنها الغنائي إلى مراتب عليا، لأن علاقة أم كلثوم بجمهورها، بل بالجماهير العربية على اتساع الوطن العربي، لم تتوقف عند حدود الإبداع الغنائي (وإن انطلقت منه طبعا) بل تخطته لتشمل سائر فنون ذلك الإبداع، في الشعر والموسيقى، والدور بل الأدوار التي كانت تؤديها أم كلثوم، والقيم الجماعية والفردية التي كانت تعبر عنها أم كلثوم من خلال إبداعها الفني، في كل مرحلة من مراحل حياتها الشخصية والفنية.

والحقيقة هي أن هذه المكانة الاستثنائية لأم كلثوم بين الجماهير، كانت محط اهتمام كل السلطات السياسية المعنية بهذه المنطقة من العالم في القرن العشرين، دون أن يقتصر ذلك على الحكومات الوطنية في مصر (بين العهدين الملكي والجمهوري) وسائر الدول العربية، بل شمل أيضا السلطات الأجنبية التي كانت تمارس في بلادنا العربية نفوذا مباشرا فيما بين انهيار الإمبراطورية، وحصول الدول العربية على استقلالها السياسي.

فبالإضافة إلى حكاية خوف السلطات البريطانية في مصر من الأثر الحماسي الذي كانت تحدثه قصيدة سلوا قلبي في الجماهير، في مرحلة سياسية حساسة، فان أنظمة الدعاية السياسية – الحربية للقوى المتصارعة في الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، قوى المحور من جهة والحلفاء من جهة ثانية، كانت تدرك تماما أنها حتى تؤمن لإذاعاتها الدعائية جمهورا واسعا من المستمعين، كان لا بد لها من الاعتماد على إذاعة أغنيات أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، خاصة عندما وصل الصراع العسكري إلى المواجهة الحاسمة في العلمين (على حدود مصر الغربية) بين الجيشين البريطاني والألماني. وتعرف القاهرة يومها أنه عندما لاحظت أجهزة الدعاية والاستخبارات البريطانية أن مندوبين لقوات المحور يقومون بجمع اسطوانات عبد الوهاب وأم كلثوم من الأسواق لاستخدامها في دعم جماهيرية إذاعاتهم الدعائية، قام مندوبو قوات الحلفاء بعملية مماثلة.

ومن طريف ما حدث سنة 1949، أنه عندما أراد الإنجليز والأميركان والفرنسيون أن يفصلوا أقاليم ليبيا الثلاثة بعضها عن بعض ليتقاسموها بينهم (المحرر: بعد انهيار الاحتلال الإيطالي لليبيا بنتيجة هزيمة موسوليني في الحرب العالمية الثانية) عملت إنجلترا على أن تعجل باستقلال برقة، حتى تلتهمها وتطمئن على نصيبها من الغنيمة. وكانت وسيلتها إلى هذا أن تحايلت بصوت أم كلثوم لتشد انتباه الناس وتجمع آذانهم، فأخذت الإذاعة ترسل أغاني أم كلثوم متتابعة، حتى إذا اندمج الناس في الاستماع، أعلنت المحطة استقلال برقة. وهنا طلعت “أخبار اليوم” بمانشيت عريض يقول : أم كلثوم تعلن استقلال برقة” .

ومع أن أم كلثوم لم تصل في سلم الارتقاء الاجتماعي إلى حد حمل جواز سفر دبلوماسي من قبل الدولة المصرية إلا في عهد جمال عبد الناصر، عندما بدأت جولاتها الفنية العربية والأوروبية المخصصة للمجهود الحربي، فإنها كانت قد بدأت تعامل في رحلاتها الخارجية، عربية كانت أم أوروبية أم أميركية، معاملة الدبلوماسيين أو الوزراء أو الزعماء، من قبل أن تحمل جواز السفر الدبلوماسي.

رحلة العلاج إلى أميركا

فقد حدث أن ذاع نبأ إصابة أم كلثوم بمرض الغدة الدرقية. وبلغت الشائعات بشأن هذا المرض حد الاعتقاد بأن من الممكن أن يستفحل المرض بأم كلثوم فيمنعها من الغناء. ولنا أن نتخيل وقع مثل هذا النبأ على جماهير مستمعيها المصريين والعرب، في تلك المرحلة التي كانت قد وصلت فيها إلى ذروة تعاونها مع القصبجي وزكريا أحمد والسنباطي.

غير أن مرض أم كلثوم ذلك لم يثر فقط اهتمام الجماهير (وهو أمر طبيعي وبديهي)، بل أثار اهتمام الدولة المصرية، وحتى اهتمام بعض الدول الأوروبية إضافة إلى الولايات المتحدة، وذلك طبعا من باب العلاقات الدولية لمصر.

والحقيقة هي أن أم كلثوم ذهبت في رحلتي علاج إلى الولايات المتحدة الأميركية، الأولى في العام 1949، والثانية في العام 1953، التي اضطرت خلالها إلى إنهاء موسمها الغنائي مبكرا في شهر مارس /آذار، وحدث في أثناء هذه الرحلة أن توفي شقيقها خالد في شهر يوليو/تموز.

وفي كتاب الدكتورة نعمات أحمد فؤاد رواية عن الاهتمام الدولي والمحلي الذي أثاره مرض أم كلثوم ورحلتها العلاجية محليا ودوليا، والحرارة الاستثنائية التي استقبلت بها عند عودتها معافاة سالمة:

“عرضت أميركا على مصر أن تعالج أم كلثوم بمستشفى البحرية الأميركية. وهذا المستشفى لا يعالج به (من غير رجال البحرية الأميركية) إلا عظماء العالم من الشخصيات ذات الحيثيات الخاصة، وبأمر من رئيس الولايات المتحدة. بل إن البحرية الأميركية أوفدت إلى القاهرة الأدميرال براوف، كبير أطباء البحرية ليدعو أم كلثوم إلى العلاج في مستشفى البحرية.

قبلت مصر الدعوة، وقبلتها أم كلثوم..كان سفير مصر يسأل المستشفى عن تطور العلاج صباح مساء (..) وكان مئات المصريين الذين يعيشون في أميركا لا يكاد المستشفى يخلو من أفرادهم، وكذلك العرب الذين يقيمون في أميركا أو يزورنها. وتلقت المستشفى آلاف البرقيات والرسائل وعشرات المكالمات التلفونية التي تسأل كل يوم عن أم كلثوم عبر البحار (..) وفي طريق عودتها مرت بأوروبا، فأعلن راديو باريس النبأ (..) وفي إنجلترا أقام النادي المصري في لندن حفلة تكريم لها .

(المحرر: ويبدو أن القسم العربي في الإذاعة البريطانية .بي.بي. سي. قد انتهز فرصة مرور أم كلثوم بلندن، فدعاها إلى إذاعة رسالة بصوتها إلى مصر وأهل مصر، وقد أتيح لي أن أستمع إلى تسجيل لهذه الرسالة الصوتية، التي تعيد إذاعة لندن بثها في بعض المناسبات، فإذا بنبرة أم كلثوم، على تواضعها في الكلام وفي الإلقاء، مفعمة بروح إحساسها بقيمتها لدى شعبها وأمتها، كأنها أحد المسؤولين الرسميين).

نتابع الآن التفاصيل الواردة في كتاب الدكتورة نعمات أحمد فؤاد:

“وباتت مصر تترقب وصول باخرتها. فلما لاحت من بعيد، استقل الكثيرون الزوارق لتحيتها في عرض البحر، ووصفت إحدى الصحف الكبرى استقبالها، فقالت:

وقد استقبلت في الإسكندرية استقبالا شعبيا رائعا، فخرجت اللنشات البخارية والزوارق إلى عرض البحر، انتظارا لوصول الباخرة. وكان من أجملها لنش بخاري كبير امتلأ بالفنانين والفنانات من الإسكندرية والقاهرة، وقد أخذوا يغنون أغنية وضعوها خصيصا مطلعها (حمد الله عالسلامة).

ولما وصلت الباخرة أطل ركابها، وفي مقدمتهم أم كلثوم، على هذا المشهد الجميل، وراحوا يحيون هذه المظاهرة الموسيقية البحرية الرائعة. وعندما رست “أسبيريا” على الميناء، احتشدت جموع غفيرة تحي أم كلثوم وتهتف لها، واشتد الزحام حتى اضطر بوليس الجمارك إلى التدخل عدة مرات لإنقاذها. وبينما كانت العاصمة الثانية تستقبل وتهلل، كانت العاصمة الأولى تتأهب لمهرجان تقيمه من أجل أم كلثوم”.

ويبدو أن المهرجان كان خطابيا غنائيا، شارك فيه عباس محمود العقاد وعلي الجندي وتوفيق دياب، وكان بين من غنوا فيه فتحية أحمد. ومن البديهي أن يذكرنا الوصف التفصيلي لاستقبال الزوارق البحرية المليئة بالفنانين وجموع المعجبين لباخرة أم كلثوم في الاسكندرية في العام 1949، بالمشهد المشابه الذي استقبلت به جماهير بيروت باخرة أم كلثوم قبل ذلك بما يقارب العشرين عاما (في العام 1931). ويلاحظ في كلا المشهدين أن الاستقبالات الشعبية التي كانت تقابل بها أم كلثوم في بعض رحلاتها الفنية والشخصية، كانت تفوق في فخامتها وحرارتها واحتشاد الناس فيها، أي استقبال رسمي.

بهذا الموقع الاجتماعي الذي لم يعرفه فنان قبلها، في علاقاتها بهرم الطبقات الاجتماعية والسياسية والثقافية في مصر، وباتساع قاعدتها الجماهيرية التي كانت تعاملها كأحد أبطال الأمة، وليس فقط كأحد كبار فنانيها، اختتمت أم كلثوم مرحلة صعودها الاجتماعي والفني في عهد مصر الملكية، وكانت آخر روائعها في المجال الوطني، في تلك المرحلة، رائعة حافظ إبراهيم ورياض السنباطي “مصر تتحدث عن نفسها” التي أنشدتها للمرة الأولى في حفلة عامة، يوم الخميس في ديسمبر /كانون الأول 1950، أما في المجال الديني والعاطفي، فكان من بين ما أنشدت في آخر مواسمها الغنائية في عهد مصر الملكية، ولد الهدى وإلى عرفات الله، ورباعيات الخيام وجددت حبك ليه والآهات والأمل وأنا في انتظارك ورباعيات الخيام وغلبت اصالح وسهران لوحدي ورق الحبيب.

مرحلة الانطلاق الكبير:

عقدا الخمسينيات والستينيات

من أسهل الأمور التي يمكن الوقوع فيها عند أي قراءة سطحية لوقائع حياة أم كلثوم، على الصعيدين الفني والإنساني، القول بأن هذه الفتاة الريفية التي قضت الشطر الأول من عمرها في حياة بسيطة في الظل (أو ما يشبه الظل) في قريتها طماي الزهايرة وما يجاورها، قد حققت في القاهرة، خلال ما يقارب الثلاثين عاما (بين 1923و1952)، سلسلة من الإنجازات التي تفوق كل تصور، سواء في حياتها الفنية التي وصلت بها إلى عرش الغناء العربي الكلاسيكي دون أن ينازعها فيه أحد من عشرات الأصوات النسائية الممتازة، وفي حياتها الاجتماعية التي رفعتها إلى أعلى المواقع، في مختلف البيئات الاجتماعية التي كانت القاهرة تزخر بها في النصف الأول من القرن العشرين، والتي تكونت عبر مخاض اجتماعي وسياسي وحضاري طويل وعميق على مدى قرن ونصف من الزمن، انطلاقا من أوسع الطبقات الشعبية في العاصمة، صعودا إلى الطبقة المتوسطة، فالطبقة الاجتماعية العليا بكل طيوفها الاجتماعية المتنوعة بين المحافظة والتقليدية الصارمة، وألتغرب الكامل، والوسطية المتوازنة بين الشخصية الوطنية الأصلية، والمؤثرات العميقة للاحتكاك بالغرب، وقد توج كل ذلك بعلاقة مميزة مع قمة الهرم الاجتماعي والسياسي في ذلك الوقت: الأسرة المالكة.

إن نجاحا بهذا المستوى، على هذه الجبهة العريضة من المواقع الاجتماعية والفنية، في عاصمة بوزن القاهرة، كان حريا به أن يعصف بتوازن أم كلثوم في سلوكها الاجتماعي، وأن يجعلها تستمرئ حالة الانتماء إلى مواقع الصدارة في حياتها الفنية والاجتماعية التي لا تكف الأضواء عن التسلط عليها، فتصبح أسيرة هذه الحالة، حتى لو دفعت ثمنا لذلك تماسكها النفسي وتصالحها مع نفسها.

لذلك، قلت أن من أسهل الأمور-عند تأريخ حياة أم كلثوم- الوقوع في فخ القراءة السطحية لوقائع هذه الحياة، والقول بأن أم كلثوم التي استمرأت العيش ثلاثة عقود كاملة في وسط أسطع أضواء الشهرة الفنية والارتقاء الاجتماعي في عاصمة باذخة الثراء بظواهرها الاجتماعية والثقافية الشديدة التنوع والغنى، فانتقلت بسرعة هائلة (وربما بانتهازية) من علاقة حميمة مميزة بالسلطة في العهد الملكي، إلى علاقة حميمة مميزة، بالمستوى نفسه، بالسلطة السياسية الجديدة في العهد الجمهوري الجديد، بدليل أنها غنت لعبد الناصر كما غنت للملك فاروق.

هنالك طبعا أكثر من وسيلة ومعيار لتحليل هذه المسألة في محاولة استكشاف المحرك الأساسي، أو المحركات الأساسية التي كانت تحدد مواقف أم كلثوم في حياتها العامة وفي خيارتها الفنية، غير أني سأعتمد هنا ما أعتبره المعيار الأقوى والأصدق والأشد موضوعية، وهو معيار استنطاق النتاج الفني لأم كلثوم، فهذا النتاج هو في النهاية اللسان الفصيح الذي كانت تعير به أم كلثوم (مثلها مثل أي فنان في حجمها) عن مشاعرها ودوافعها الحقيقية، ما ظهر منها وما استتر، ما عبرت عنه بصراحة كاملة (عندما تتيح لها الظروف) وما كانت تلمح له تلميحا (عندما كانت الظروف لا تسمح بالصراحة).

هذا إضافة إلى أن النتاج الفني لأي فنان، هو ما سيبقى منه، بعد أن يغربل التاريخ كل ما يتعلق بهذا الفنان.

لقد استعرضنا في صفحات سابقة مجمل النتاج الذي صدر عن أم كلثوم في مديح فاروق والأسرة المالكة، فإذا به يتضمن عشر أغنيات. فلنحاول أن نستقرأ، على ضوء النتاج العام لأم كلثوم، حتى العام 1952، ما تمثله هذه الأغنيات من قيمة بالنسبة لمجمل رصيدها الفني في تلك المرحلة، ونراقب كيف كانت أم كلثوم تتعامل مع «أغنياتها الملكية»، في إطار أدائها الفني العام:

غياب الأغاني الملكية

يلاحظ كل من يراجع سجل حفلات أم كلثوم الشهرية، التي كانت قناة الاتصال الأقوى والأصدق بين وجدان أم كلثوم وجمهورها الفني، كانت خلوا من أغنياتها الملكية، بمعنى أن تلك الأغاني كانت محصورة في التسجيلات الإذاعية، والحفلات الخاصة في القصور الملكية.

إن مراجعة عناوين هذه الأغنيات الملكية، تشير إلى أنها كانت تكتب وتلحن في إطار مناسبات متعلقة بالحياة الخاصة لأفراد الأسرة الملكية (كالزواج والولادة) وليس في إطار مناسبات وطنية عامة.

يلاحظ أن كتابة هذه الأغنيات ظلت محصورة في السنوات العشر الأولى لولاية فاروق (1936-1946)، وهي السنوات التي كان فيها الملك يتمتع، في خضم الصراعات الداخلية للسياسة المصرية، بنسبة ما من الشعبية، وأن هذا النوع من الأغنيات الملكية توقف تماما في نتاج أم كلثوم (كما في نتاج عبد الوهاب على أي حال) في السنوات السبع الأخيرة للملكية في مصر، وهي أسوأ سنوات حكم الملك فاروق، مع اشتداد فساد الحاشية الملكية، وفساد قطاع واسع من الطبقة الحاكمة، وتزايد التململ الشعبي من النفوذ الإنجليزي، وتفاقم أخطار السياسة البريطانية. الصهيونية في فلسطين.

يلاحظ أن أيا من هذه الأغنيات الملكية الكلثومية لم يعش في وجدان الجمهور، بحيث لم تعرف أي من هذه الأغنيات أي مدى من الشهرة الشعبية (لا عند ظهورها ولا بعد ذلك)، مما يتيح لنا الاستنتاج بافتقادها إلى القيمة الفنية. وإن كان تكوين رأي نهائي في هذا الصدد ينتظر احتمال وجود تسجيلات لهذه الأغنيات، قد يكشف عنها النقاب ذات يوم. ولكن يحق لنا هنا أن نقارن بين الغياب الكامل لتلك الأغنيات الملكية من ذاكرة الشعب المصري، وبقية الشعوب العربية، في مقابل الشهرة الكاملة التي ظلت أغنية عبد الوهاب الملكية الشهيرة “الفن” تتمتع بها في ذاكرة الناس، حتى وهي ممنوعة من الإذاعات العربية منذ قيام ثورة 1952، ونحاول تفسير ذلك.

يلاحظ من يراجع سجل حفلات أم كلثوم الشهرية (وهو أصدق سجلاتها وأفصحها بيانا عن مكنوناتها كفنانة)، أنها في الفترة التي توقفت فيها عن إنشاد أغنيات ملكية جديدة، فيما بين 1945و1952، أصبحت حفلاتها الشهرية تتضمن، بمعدل كل حفلة تقريبا، وحتى قيام الثورة، إحدى قصائدها الدينية الشهيرة، مثل ولد الهدى وإلى عرفات الله ونهج البردة، وكأنها كانت تستقوي بهذه القصائد وتحتمي بها من أي غضب أو إزعاج محتمل، من هذه الجهة أو تلك.

وهي عادة ظلت أم كلثوم محتفظة بها حتى أواخر العام 1953 (أي بعد مرور عام ونصف على قيام ثورة يوليو فقط)، فقد كان أخر عهدها بتكرار القصائد الدينية في حفلاتها الشهرية في ديسمبر/كانون الأول 1952 (عندما غنت نهج البردة للمرة الثانية في حفلة حية بالقاهرة) ويناير/كانون الثاني 1954 (عندما غنت قصيدة إلى عرفات الله للمرة الرابعة في حفلة حية بالقاهرة).

ومن الملاحظ في حفلاتها الشهرية بعد الثورة، الدور الذي كانت تلعبه القصائد الدينية (في العهد الملكي) في تلوين المذاق الفني للحفلات الشهري بلون آخر غير اللون العاطفي أو الوصفي أو الوجداني العام.

ولكن لنعد بعلاقة أم كلثوم بالعهد الجديد في مصر إلى بدايتها، ليس لاستكشاف “المواقف السياسية” لأم كلثوم، بل لما هو أهم من ذلك بكثير، بالنسبة لفنانة في حجم أم كلثوم وتأثيرها، وهو استكشاف أثر التحولات الاجتماعية والثقافية العميقة التي كانت لثورة يوليو على الحياة الاجتماعية والثقافية العامة في مصر بالذات، على نمط علاقة أم كلثوم بالأوضاع العامة في بلدها على مستوى السلطة والشعب، ونمط تطور أساليب ومواضيع التعبير الفني في نتاجها الذي عرف في عقدي الخمسينيات والستينيات، مزيدا من التوسع والتحول والتطور، وصولا إلى مرحلة الغروب والرحيل، عندما تلازمت شيخوخة أم كلثوم في الحياة وفي الفن، مع مرحلة التراجع في مد العهد الجديد في مصر، بعد هزيمة 1967 ورحيل عبد الناصر في العام 1970.

ولنبدأ الحكاية من بدايتها.

لقد كان لانطلاقة أم كلثوم في المرحلة الجديدة بدايتان هامتان، تحملان أهم الخصائص الجديدة التي طرأت على حياة أم كلثوم الشخصية والفنية، في ربع القرن الأخير من حياتها.

البداية الأولى كانت مع الظهور السريع لأول أغنية وطنية أنشدتها أم كلثوم في الأسابيع الأولى لثورة 23 يوليو، وكانت هذه البداية تحمل أكثر من إشارة ذات مغزى، ظهرت “صوت الوطن” (مصر التي في خاطري وفي فمي)، شعر أحمد رامي ولحن رياض السنباطي:

السرعة القياسية التي ظهرت فيها الأغنية. فبينما قامت الثورة يوم 23 يوليو/ تموز 1952، وهو أول الأشهر الثلاثة التي كانت أم كلثوم تتوقف فيها عن الغناء (يوليو، سبتمبر، أكتوبر/تموز، آب، تشرين الأول)، فقد عمدت أم كلثوم إلى تقديم بداية موسمها الغنائي من نوفمبر، كعادتها منذ موسم 1947-1948، فقدمته إلى أكتوبر (وكانت ليلة الخميس الأول من الشهر تقع في اليوم الثاني منه)، وكانت وصلتها الأولى في افتتاح الموسم، أعظم أغنياتها الوطنية (حتى ذلك الوقت) “مصر تتحدث عن نفسها”، ثم أتبعتها بأغنيتها الوطنية الجديدة (التي كانت تقدم للمرة الأولى في حفلة عامة) “صوت الوطن”، وعادت في الوصلة الثالثة والأخيرة إلى أجوائها المعتادة برائعة السنباطي “سهران لوحدي”.

معنى ذلك عمليا أن الأغنية الوطنية الجديدة التي قدمت في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول، لا بد أن تكون قد أعدت، شعرا ولحنا وتسجيلا إذاعيا، في شهر سبتمبر/أيلول، أي بعد قيام الثورة بأسابيع، وربما بأيام.

2- إن تاريخ الغناء الوطني عند أم كلثوم لا يتضمن قبل “صوت الوطن” إلا على لحنين مميزين هما نشيد الجامعة “يا شباب النيل” (من فيلم نشيد الأمل)، ثم تحفة السنباطي “مصر تتحدث عن نفسها”. فصوت الوطن لم تكن فقط أول أغنياتها الوطنية في الأيام الأولى لثورة يوليو، بل بقيت حتى بعد أن زاد رصيد أم كلثوم من الأغنيات الوطنية بكثافة قياسية في آخر مراحلها الفنية، كمّا ونوعا، واحدة من أنضج وأعمق الأغنيات التي قدمتها طيلة عمرها الفني، سواء في ذلك الأغنيات العاطفية أو الدينية أو الوطنية. الأمر الذي يسمح لنا أن نبقي تماما عن مثل هذا النتاج الفني الرفيع شبهة مسايرة أو مداهنة رجال العهد الجديد، فمثل هذه الحوافز لا يمكن أن تنتج شعرا في مستوى وصدق “من منكم يحبها مثلي أنا” أو لحنا في فخامة الهيكل الهندسي للحن “صوت الوطن”، وعمق وجزالة جمله، مقطعا بعد مقطع، ولا في مدخله اللحني العظيم الذي ظل واحدا من أروع المداخل اللحنية في رصيد رياض السنباطي، بل في رصيد الموسيقى العربية الكلاسيكية في القرن العشرين.

أما البداية الثانية التي تستحق التوقف عندها في علاقة أم كلثوم بالعهد الجديد في مصر، وبكل ما حمله من تحولات اجتماعية وثقافية وسياسية كبرى، فتتلخص في القصة الشهيرة عن منع أغنياتها في الإذاعة المصرية في الأيام الأولى للثورة.

من المدهش أن هذه القصة ما زالت مطروحة بصيغ مختلفة، مع أن نصف قرن قد مر عليها، ومع أن حسم وقائعها من محفوظات الصحافة اليومية وسجلات الإذاعة المصرية أمر في غاية السهولة. والأغرب من ذلك أنه برغم كون الرواية الأكثر رواجا عن هذا الموضوع تؤكد أن المنع كان لأيام قليلة، وأنه تم بتصرف من ضابط صغير، وأن تدخلا حاسما من جمال عبد الناصر قد أنهى الأمر في مكالمة هاتفية، فان مقالة في مجلة “الهلال” في عدد نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2001، قد أعادت فتح هذا الملف، وتوسعت في طرح احتمالاته إلى درجة الإشارة إلى صراع بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر على صوتي أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، علما بأن المقال لا يقدم أي دليل حاسم على أي من الاحتمالات التي بسهب في شرحها وتفريعها.

سنعتمد هنا على مرجع أساسي لحسم الموضوع والكشف عن حقيقته الموضوعية، وهو حديث مسجل للصحافي مصطفى أمين في سياق فيلم وثائقي عن أم كلثوم أنتج للتلفزيون الفرنسي، وهو حديث يستحق الثقة التامة لأنه أولا صادر عن الشخص صاحب العلاقة المباشرة بالموضوع (مع أم كلثوم وعبد الناصر)، ولأن مصطفى أمين قد تحول منذ خروجه من السجن بعد رحيل عبد الناصر، إلى أحد أشد منتقديه، فلو كان في الرواية أي خروج على الموضوعية، فالمنطقي أن يكون ذلك ضد عبد الناصر لا معه.


إلياس سحاب


الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
عضو سوبر
عضو سوبر


الدولة:
انثى
عدد الرسائل: 28388
تاريخ التسجيل: 08/12/2007
المزاج:

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 7 سبتمبر 2010 - 2:17

سأل عبدالناصر عن سبب منع أغانيها فقالوا هذه من العهد الملكي البائد فقال حتى الشمس والنيل والأهرام من العهد البائد



ؤكد رواية مصطفى أمين في الفيلم الوثائقي المشار إليه أن المسألة كانت-على أهميتها- أقرب إلى ما ينطبق عليه تعبير “زوبعة في فنجان”، فقد اتصلت به أم كلثوم يومها، بصفته أحد أوثق أصدقائها الصحافيين علاقة بضباط مجلس قيادة الثورة، لتبلغه أن قرارا صدر في الإذاعة المصرية يمنع أغانيها، وتطلب إليه التدخل لمعالجة الأمر. ويؤكد مصطفى أمين أنه فور تلقي مكالمة أم كلثوم انطلق بسيارته إلى مكتب جمال عبد الناصر في مجلس قيادة الثورة، وبادره بالقول:

“أغنيات أم كلثوم أصبحت ممنوعة في إذاعة القاهرة”.

فنظر إليه عبد الناصر باسما وقال (حرفيا كما في الرواية المسجلة لمصطفى أمين): “هل بدأتم من الآن التشنيع على الثورة”.

فلما أكد له مصطفى أمين أن ليس في الأمر تشنيعا أو مزاحا، وأن أم كلثوم هي التي أبلغته النبأ، رفع سماعة الهاتف وطلب الضابط الصغير الرتبة المنتدب من مجلس قيادة الثورة لتولي مسؤولية الإذاعة المصرية (لم يرد ذكر اسمه في رواية مصطفى أمين)، فلما استوضحه عبد الناصر الأمر، وأكد له الضابط الصغير أن أغنيات أم كلثوم ممنوعة فعلا، سأله عبد الناصر عن السبب مستغربا، فلما فسر الضابط الأمر بأن أم كلثوم من مطربات العهد الملكي البائد، ولا بد لذلك من منع أغانيها، عاجله عبد الناصر قائلا ما معناه أن الشمس ونهر النيل والأهرام كانت كلها موجودة في العهد الملكي البائد، فهل يجب إلغاؤها. وألحق تعليقه الساخر والعميق هذا بأمر فوري بإلغاء قرار المنع .

إن في هذه الرواية، وعلى لسان مصطفى أمين بالذات، ما يضع القصة في حجمها الطبيعي، وبتفاصيلها الدقيقة، ولا يترك أي مجال لإعمال الخيال وراء أي تفاصيل أخرى، كما ورد في المقال الذي أشرنا إليه، مثل أن يكون عبد الناصر هو صاحب قرار المنع، أو أن يكون المنع قد امتد عاما كاملا أو أكثر. وذلك لأسباب منطقية عديدة، أهمها أنه لم يكن من المنطقي أن يتجاهل عبد الناصر القرار أو يتراجع عنه بهذه السهولة والسرعة لو كان هو صاحبه، لمجرد أن صحافيا قد راجعه في الأمر. كما أنه لا يمكن لعبد الناصر أن يكون غير مطلع على الأمر، لو أن المنع قد تجاوز الأيام المعدودات، أو حتى اليوم الواحد، فمنع أغنيات أم كلثوم في إذاعة القاهرة، لا يمكن أن يمر كحدث عادي لا يلاحظه أصغر مواطن، فكيف بالرجل الأول في مجلس قيادة الثورة؟ ولو كان قرار المنع قد صدر عن عبد الناصر، أو أن المنع استمر سنة أو أكثر، لتحول الموضوع على لسان مصطفى أمين وقلمه إلى مادة دسمة للتشنيع على عبد الناصر ونقده.

على أي حال، فأن بالإمكان ذكر عوامل منطقية كثيرة، لتفسير ذلك الموقع الخاص الذي تبوأته أم كلثوم في علاقة مميزة بقائد تلك المرحلة من حياة مصر، حتى رحيله، وبالدرجة العالية من الاندماج الذي انخرطت فيه أم كلثوم، (بعيدا عن العلاقات الشخصية، والمناسبات الشخصية كما في العهد الملكي)، بالتحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية الكبرى فيما بين 1952و1970، في حياة مصر والأمة العربية. ولعل ما ضاعف من قيمة هذه العلاقة، وانعكاسها المباشر والعميق على حياة أم كلثوم الشخصية، وسيرتها الفنية في ربع القرن الأخير من حياتها، ذلك التزامن السعيد بين التحولات الهامة التي طرأت على الحياة العامة في مصر في تلك المرحلة، فزودتها بحيوية استثنائية في كل المجالات (بغض النظر عن الحساب العام للنجاح والإخفاق في تلك المرحلة) من جهة، والنضج الفني الذي وصلت إليه أم كلثوم في عقدي الخمسينيات والستينيات، سواء في خامتها الصوتية وأسلوبها في الأداء، أوفي العلاقة مع فريق العمل المحيط بها، من جهة ثانية.

في العوامل الشخصية، لا بد من الملاحظة أنه مثلما ثبت أن رياض السنباطي (وزكريا أحمد) كانا أقرب في أعمالهما الفنية إلى التكوين العام للذائقة الفنية لأم كلثوم من محمد القصبجي وألحانه، فأننا نلاحظ على خط مواز، أن التركيبة الاجتماعية لحكام مصر في العهد الجمهوري، كانت بلا شك أقرب كثيرا إلى التركيبة الشخصية الإنسانية لأم كلثوم، من التركيبة الاجتماعية لحكام العهد الملكي. مما يفسر كثيرا من الفروقات (حتى من قبل البحث في العوامل السياسية للعلاقة) في علاقة أم كلثوم بالسلطة بين العهدين الملكي والجمهوري.فلا شك بأن علاقتها بالعصر الملكي والأسرة الحاكمة كانت مبنية على عدم الندية في التراتبية الاجتماعية، حتى في عز اندماج أم كلثوم بالحياة المدنية في القاهرة، لذلك فان هذه العلاقة ( على وثوقها) لم تتجاوز حدود الرسميات إلا في حالة خال الملك شريف باشا صبري. ومثل هذا الاستنتاج يمكن قراءته بوضوح في الأعمال الفنية التي أفرزتها هذه العلاقة، وفي تعمّد أم كلثوم (كما أسلفنا) حجب هذه الأعمال عن حفلاتها الغنائية الحية.

في مقابل ذلك، لم يكن تقارب الخلفيات الاجتماعية بين أم كلثوم من جهة، وقيادة النظام الجمهوري في مصر، هو العامل الوحيد لإقامة علاقة متبادلة أكثر حميمية وندية وحرارة، بل أضيف إلى ذلك أنه بينما دخلت أم كلثوم إلى علاقتها بالطبقة الملكية الحاكمة تدرجا من أسفل السلم الاجتماعي إلى أعلاه، فإنها دخلت إلى العلاقة، مع رأس السلطة في النظام الجمهوري، وهي على رأس الهرم الفني والاجتماعي، بدليل أن جمال عبد الناصر، كان قبل نجاح ثورة 23 يوليو وتسلمه السلطة، واحدا من أفراد الشعب العاديين الذين يكونون الجمهور العريض لعشاق فن أم كلثوم، ومتتبعي حفلاتها الإذاعية الشهرية واسطواناتها.

فإذا أضفنا إلى ذلك، الطبيعة الاجتماعية للنظام الجديد، التي تميزت، أكثر ما تميزت، بانحياز كامل إلى الطبقات الوسطى والدنيا من المجتمع المصري، اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا، فإننا نضع أيدينا عندئذ على كل مفاصل الدور الذي لعبته أم كلثوم في ربع القرن الأخير من حياتها، والذي يتجاوز بكثير، كما لاحظنا وكما سنلاحظ في الصفحات التالية من الكتاب، ذلك الدور السطحي الذي ركزت عليه وضخمته الصحافة الغربية، والذي اختصرته بحصر قيمة أم كلثوم، بكونها جهاز دعاية في نظام عبد الناصر.

فإذا انتقلنا إلى العوامل الفنية التي ميزت حياة أم كلثوم وفنها، في ربع القرن الأخير من حياتها، فإن بإمكاننا رصدها وتصنيفها كما يلي:

نضج الخامة الصوتية، وتجارب الأداء

يمكن اعتبار عقد الخمسينيات بالذات في حياة أم كلثوم، العقد الذهبي في مسيرتها الفنية، وقد شاءت الظروف أن يكون هذا العقد الذهبي ممهورا في حياة أم كلثوم بتوقيع رياض السنباطي، وبارتفاع قدراتها الصوتية إلى الذروة.

تعوّد بعض نقاد الموسيقى والغناء العرب في القرن العشرين، جريا على معايير مدرسة القرن التاسع عشر، أن يحسبوا النسبة الأعلى في تقييم أي صوت، باتساع مساحاته الصوتية في القرار وفي الجواب، وذلك لأسباب عديدة أهمها سببان، فني وعملي. أما السبب الفني فيعود إلى أن الفلسفة الجمالية في الغناء العربي في القرن التاسع عشر كانت تعتمد على هذا المفهوم، فكان المغنون يتبارون في الوصول إلى جواب مقام السيكا، الذي يعتبر بمثابة سقف قياسي في الطبقات العليا في الغناء العربي. أما السبب العملي فيعود إلى أن الغناء، حتى الربع الأول، وربما الثلث الأول من القرن العشرين، كان يتم بعلاقة مباشرة بين حنجرة المغني وآذان مئات، وأحيانا آلاف المستمعين، من غير ميكرفون ومكبر للصوت. وهي آلات لم تكن قد ظهرت بعد في ذلك الوقت، وتأخر وصولها إلينا بعد اختراعها في أميركا وأوروبا. وحتى بعد ما وصلت هذه الاختراعات التكنولوجية الحديثة إلينا، مرت سنوات قبل أن يتقبلها الذوق العام (ذوق المطربين والمطربات وذوق المستمعين) فينخرطوا انخراطا كليا في استخدامها.

لم يؤد دخول الميكروفون ومكبرات الصوت واسطة بين المغني والجمهور، إلى تطور سريع لمفاهيم ومعايير تقييم جمال الصوت، فظل عامل اتساع المساحات الصوتية (هبوطا وصعودا) هو المعيار الأساسي (وأحيانا الأوحد) لتقييم الصوت، وظل تعبير «صوت ميكروفوني» عندما يطلق على مطرب أو مطربة، يدخل في باب الذم وليس في باب المديح، لأنه يشير بوضوح إلى أن هذا الصوت هو من الضعف وضيق المساحات الصوتية، إلى درجة أنه لا يستطيع الوصول إلى آذان المستمعين إلا عبر الميكروفون الذي ينقله بدوره إلى مكبرات الصوت، لتعطيه حجما مصطنعا، ليس من طبيعته الأصلية.

التكنولوجيا وصوتها

إن طغيان أدوات التكنولوجيا السمعية والبصرية الحديثة على عالم الغناء بالذات في الربع الأخير من القرن العشرين، قد ارتفع إلى مبالغات وصلت حدود التشويه أو التزوير في بعض الحالات، إلى درجة الترويج لأصوات لم يكن لها في الأصل (بعيدا عن التكنولوجيا) أي ميزة من مزايا الصوت الجميل.

وهنا نجد أنفسنا أمام طرفي نقيض من المؤكد أن المعادلة الصحيحة لقياس جمال الصوت ومزاياه الأدائية تقع في موقع وسط بينهما. فكما أنه لا يجوز إصدار حكم نهائي على الصوت بمعيار وحيد فقط (كما كان متبعا في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين) هو قياس اتساع مساحته، لأن مساحة الصوت هي عامل هام في قياس أهمية الصوت، ولكنها ليست العامل الوحيد، كذلك فأن إعطاء جواز الجودة الفنية لأصوات ضعيفة وسقيمة وبلا إحساس، بحيث لا تملك من مقومات النجاح إلا استعارة «مقومات» التكنولوجيا الحديثة، أمر غير مقبول لأنه يلغي كل جماليات الإبداع الغنائي، ويحول الفن إلى مجرد نشاط تكنولوجي بارع.

هذا النقاش بشأن معايير الحكم على الأصوات الغنائية، ليس هامشيا أو جانبيا في مجال تقييمنا لتطور مراحل صوت أم كلثوم، ولكنه في صميم الموضوع، وصولا إلى المعادلة المتوازنة التي تقول أن جمال الأداء الغنائي لأي مطرب أو مطربة، لا بد من أن يقاس بتكامل عوامل عديدة، منها:

جمال الخامة الصوتية

اتساع المساحات الصوتية

الإحساس العالي الذي يسمح بالإفادة من المساحة الصوتية المتاحة لتقديم الحد الأعلى من التعبير الفني.

درجة السيطرة على الصوت وحسن إدارته في طريقة استخدام النفس والتحكم بحجم الصوت صعودا وهبوطا، والتحكم بمخارج الألفاظ.

الرقي في الأداء وعدم الوقوع في فخ الابتذال، الذي تغري به عادة بعض المقاطع اللحنية ذات الإيقاع القوي.

السيطرة بميزان سحري من الذوق الرفيع، على الطبقات العليا من الصوت، لتجنب الحدة، وعلى الطبقات السفلى لتجنب النشاز السهل وعدم الوضوح في الأداء الغنائي.

فإذا اتفقنا على هذه المعايير المقترحة، كحزمة من العوامل تحكم من خلالها مجتمعة على مراحل تطور صوت ما، ولا نكتفي بمعيار واحد منها معزول عما سواه، فان بالإمكان الاتفاق على أن المرحلة التي وصل فيها صوت أم كلثوم إلى أعلى درجة من التوازن الدقيق بين كل هذه العوامل مجتمعة، هي مرحلة الخمسينيات، بشكل خاص.

التفرد والتــألــق السنباطـــي

إذا كانت القطيعة الكبرى بين أم كلثوم ومحمد القصبجي، مثلها مثل أي شأن من شؤون الحياة العامة لا تخلو من إيجابيات، برغم أنها شكلت مأساة إنسانية وفنية كبرى في حياة عبقري من وزن محمد القصبجي، فلعل إيجابيتها الوحيدة (بعد أن تكاملت مع مقاطعة أم كلثوم لزكريا أحمد 1947-1960) أنها هيأت كل الظروف لتكوّن الثنائي الموسيقي- الغنائي الفذ بين أم كلثوم ورياض السنباطي.

وإذا كان ضعف مقاومة محمد القصبجي لأم كلثوم، أدى إلى القطيعة الأولى بقرار من أم كلثوم، وقوة اعتداد زكريا أحمد بنفسه، أدت إلى القطيعة الثانية، لإصراره على أن يتقاضى أجرا أعلى من بقية زملائه الملحنين، لأنه يعتبر فنه في مرتبة أعلى من فنهم، فلا بد من محاذرة الوقوع في فخ الاستنتاج بأن نجاح الثنائي الفني بين أم كلثوم ورياض السنباطي، وغزارة وأهمية إنتاج هذا الثنائي، وطول عمره، كانت نتيجة سيطرة أم كلثوم على رياض السنباطي وغياب المواجهات الفنية بينهما.

لقد ظهر رياض السنباطي في حياة أم كلثوم في توقيت، يبدو لنا ونحن نلقي اليوم نظرة بانورامية شاملة على كل مراحل الفن الكلثومي، توقيتا مثاليا.

فعند اكتمال قطيعة أم كلثوم مع القصبجي، بقطيعتها مع زكريا أحمد، كان رياض السنباطي الملحن قد بدأ يتخلص من تأثره بعبد الوهاب ومحمد القصبجي، وكانت ألحانه حتى في مرحلة التأثر (مونولوج النوم يداعب عيون حبيبي) تعلن عن ملحن عظيم الموهبة راسخ القدم في السيطرة على الأشكال الفنية التي يتعاطى التلحين في إطارها، مشبعا بروح التراث العربي الموسيقي- الغنائي بشقيه الديني والدنيوي. كل هذا إلى جانب صفات شخصية تهيؤه (منذ البدايات الأولى) لتبوأ موقع متقدم في مجاله، مثل الرصانة، والتفاني الكامل في العمل الفني إلى درجة الترهب والابتعاد عن كل مغريات الحياة الاجتماعية والعلاقات العامة، والاعتداد الشديد بالنفس.

هذا من جهة السنباطي، أما من جهة أم كلثوم، فكانت في تلك المرحلة قد نضجت شخصيا وفنيا إلى درجة تخرجها بطبيعة الحال من موقع «التلميذة» التي تجتهد في أداء الأنماط الفنية التي يختارها ويحددها أساتذتها (محمد القصبجي وزكريا أحمد). صحيح أن الحان زكريا أحمد كانت أقرب إلى الجماليات الفنية التي نشأت عليها أم كلثوم وتشبعت بها من مرحلة التكوين في حضن الإنشاد الديني، غير أن أم كلثوم كانت (على ما ثبت فيما بعد) تصبو إلى آفاق أرحب من تلك التي تؤمنها لها الكلاسيكية المحافظة لزكريا أحمد (على عظمتها).

لقد جاء رياض السنباطي، في تلك اللحظة التاريخية المناسبة، بالمعادلة المتوازنة المطلوبة بين جموح التجديد عند القصبجي، والتزمت التقليدي في كلاسيكية زكريا أحمد.

ومع أن السنباطي كان شريكا في «الحادثة» الفنية التي تمثلت بالمقطعين الاوبراليين في فيلم «عايدة»، فإن أم كلثوم كانت تدرك بسليقتها الفنية الحساسة واللماحة، إلى أن المقطع الاوبرالي الذي لحنه السنباطي كان تعبيرا عن تأثره الشديد بالقصبجي، أكثر مما هو تعبير عن شخصيته الفنية، التي كانت في ذلك الوقت (1941) ما تزال في مرحلة التكون والتبلور.

ولعل أم كلثوم قد وجدت في ثلاثة من ألحان السنباطي المبكرة لها، اكتمال العناصر التي تبحث عنها للانطلاق إلى آفاق جديدة:

لحن نشيد الجامعة، في مجال الغناء الوطني.

ولحن سلوا كؤوس الطلا، في مجال القصيدة الغنائية، سواء كان موضوعها دينيا أو وطنيا أو عاطفيا. ولحن هلت ليالي القمر، الذي أحدث دويا هائلا في حفلات أم كلثوم الشهرية، في توقيت كانت فيه أم كلثوم قد توقفت (أو كادت) عن الاعتماد في حفلاتها الشهرية على الأغنيات القصيرة المعدة أصلا للتسجيل على اسطوانات الدقائق الست، بحثا عن أعمال جديدة موضوعة خصيصا (شعرا ولحنا) لحفلاتها الشهرية الحية على المسرح.

صحيح أن رياض السنباطي قد أنشأ(خارج مملكة أم كلثوم) خطا لحنيا آخر، كان يخص به حنجرته وحناجر بعض من لحن لهم مثل نجاة الصغيرة ووردة وشهرزاد وعبد الحليم حافظ وهدى سلطان، مستقلا إلى حد غير قليل عن النمط الذي كان يخص به أم كلثوم، غير أن ذلك لا يسمح أبدا باعتبار ألحان السنباطي الكلثومية خيارا كلثوميا بحتا. فقد كان في تلك الألحان الكثير من روح رياض السنباطي. أما ما يميزها عن ألحان السنباطي غير الكلثومية، فهو أنه كان في تلك الألحان (غير الكلثومية) يطلق العنان لمزاجه الشخصي وجنونه الفني (إذا صح التعبير) بلا قيود، ويستثير فيها كوامن التجديد لديه بحرية كاملة، بينما كانت سجيته الفنية (في ألحانه الكلثومية) تحلق في فضاء تحده الصيغة التوافقية التي تكرست بينه وبين أم كلثوم، عبر عمل مشترك طويل المدى، كان بلا شك حصيلة لذوقهما المشترك، ولردود فعل جمهور الحفلات الحية، الذي تحول في حياة أم كلثوم إلى «بارومتر» فني يؤثر عليها، وعلى كل من لحن لها، حتى لو جاء من خارج إطار «البلاط الكلثومي»، مثل محمد عبد الوهاب.

هناك وجهات نظر أكثر تطرفا في تفسير هذه الظاهرة، تقارن بين الخطين المتوازيين في شخصية رياض السنباطي الفنية، فتستنتج من المقارنة ما تعتبره تنازلا سنباطيا لأم كلثوم، أو مسايرة لها (في عبارة ألطف)، حتى يعتقد بعض النقاد والمحللين، أنه على عظمة ما أنجز السنباطي من خلال حنجرة أم كلثوم، فقد تم ذلك على حساب حريته اللحنية المطلقة، التي أثبت السنباطي في ألحان غناها بصوته مثل «فجر» «وأشواق» و»ذات يوم يا حبيبي» و «على عودي» وبقية ألحان فيلم حبيب قلبي، و»لحن الوفاء» (لعبد الحليم حافظ)، أنه كان يعد بألوان أكثر تطورا لو كان أكثر إنتاجه خارج الإطار الكلثومي. ولعل أكثر النظريات تطرفا في هذا المجال وردت على لسان كمال الطويل، الذي نقل عنه قوله «أن أم كلثوم كانت أجمل عقبة في طريق تطور الموسيقى العربية».

ومهما كان من أمر هذا الاختلاف في وجهات النظر، فلا شك بأن أعمالا عظيمة، وأنماطا عظيمة قد ازدهرت في حديقة التفاهم الكلثومي-السنباطي. خاصة أن هذه الحديقة ظلت حكرا على فن رياض السنباطي، يختال فيها منفردا حتى بداية عقد الستينيات. تاركين التحليل الفني لهذا النتاج للقسم الثاني من الكتاب.

غــــزارة الإنتـــاج فــي المــواضيع الوطنيـة

إذا كانت مرحلة الأربعينيات قد ميزت الفن الكلثومي بمجموعة القصائد الدينية الشامخة (وكلها من عيون شعر أحمد شوقي وعيون الحان رياض السنباطي مثل نهج البردة وسلوا قلبي وسواها)، التي تحولت إلى ركن ثابت في حفلاتها الشهرية، فان مرحلة الخمسينيات والستينيات قد أفرزت لونا آخر، لا شك أنه أطلق العنان لخيال رياض السنباطي الفني في آفاق جديدة، كان من الصعب ارتيادها سابقا، وهو سلسلة الأغنيات الوطنية، التي تراوحت بين الشعر الفصيح والشعر العامي، والتي كان رياض السنباطي قد أسس لها قبل قيام الثورة برائعته النموذجية في هذا المجال «مصر تتحدث عن نفسها «.

وقد رأينا أن هذه الأغنيات غير قابلة للمقارنة بأغنيات المناسبات الملكية في المرحلة السابقة، فتلك كانت تدخل في باب علاقة أم كلثوم برأس السلطة السياسية في بلدها، أما سلسلة أغنياتها الوطنية في عقدي الخمسينيات والستينيات، فان أي تحليل موضوعي لأشعارها (الفصحى والعامية) ولمناسباتها، ولمستواها الفني الرفيع، يؤكد أنها مكتوبة وملحنة ومغناة للوطن وليس لمن يتولون السلطة السياسية فيه. ومن الأدلة الإضافية على ذلك، إضافة إلى ما أسلفنا، أنها كل هذه الأغنيات كانت تظهر في مناسبات وطنية عامة، وتفاعلا مع أحداث وطنية عامة، بما في ذلك بعض هذه الأغنيات (وهي ليست كثيرة) التي يرد فيها ذكر اسم جمال عبد الناصر مباشرة، فهذا الذكر يأتي دائما (عندما يأتي) في سياق عام، وليس في سياق شخصي، باستثناء أغنية واحدة، أنشدتها أم كلثوم بمناسبة نجاة عبد الناصر من محاولة الاغتيال في الإسكندرية (يا جمال يا مثال الوطنية)، التي أعادت غناءها بتبديل في الكلمات بمناسبة انتخاب عبد الناصر لرئاسة الجمهورية.

وقد ضاعف من أثر هذه الأغنيات في رصيد أم كلثوم الفني العام، أنها بالإضافة إلى مستواها الفني الرفيع، ظلت منذ العام 1952 حتى العام 1970، تترجم أحاسيس مصرية بل عربية عامة كانت تغمر المنطقة العربية من محيطها إلى خليجها، فيصل تفاعل جماهير المستمعين إلى ذروته عندما يستمع إلى أعمال فنية رفيعة المستوى، وتعبر عن أحاسيس جامعة تتجاوز المشاعر الوطنية الضيقة داخل كل بلد عربي، إلى مساحة قومية عامة مشتركة.

وبانتظار التحليل التفصيلي المؤجل إلى القسم الثاني من الكتاب، يجدر بنا في هذا السياق التذكير بنشيد «والله زمان يا سلاحي» (الذي كتبه صلاح جاهين ولحنه كمال الطويل إبان معركة السويس 1956)، والذي تحول (حتى توقيع السادات اتفاقية كامب دافيد مع إسرائيل) إلى نشيد مصر الوطني (ونشيد الجمهورية العربية المتحدة طيلة أيام الوحدة بين مصر وسورية). وهذا شرف عظيم قل أن يناله أي فنان وهو على قيد الحياة، وفي عز نجاحه الفني. لقد تحولت أغنيات أم كلثوم الوطنية إلى مسرح جديد يفجر القريحة الفنية لكل من تعاملت معه من ملحنين، إلى آخر مدى، ويسحبها إلى آفاق جديدة يصعب أن يطرقوها خارج إطار هذه الأغنيات الوطنية. يكفي أن نستعرض على سبيل المثال من أعمال رياض السنباطي: ثوار، طوف وشوف، صوت الوطن، يا حبنا الكبير، ومن ألحان عبد الوهاب:على باب مصر، وأصبح عندي الآن بندقية، ومن أعمال محمد الموجي: محلاك يا مصري، ومن أعمال كمال الطويل: والله زمان يا سلاحي، ومن أعمال بليغ حمدي: سقط النقاب.


الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
عضو سوبر
عضو سوبر


الدولة:
انثى
عدد الرسائل: 28388
تاريخ التسجيل: 08/12/2007
المزاج:

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 7 سبتمبر 2010 - 2:21

فلحّن لها الموجي والطويل وغنّت لصلاح جاهين والله زمان يا سلاحي


تــوسيــع دائــرة الملحنيـن والشعــراء

مع أن خروج أم كلثوم من الدائرة السنباطية في أغنياتها العاطفية قد تأخر حتى آخر شهر في عام 1960، بآخر ألحان زكريا أحمد (هو صحيح) وأول ألحان بليغ حمدي لها (حب إيه)، فان تفكير أم كلثوم بدأ يتحرك قبل ذلك بسنوات، للاستعانة بملحنين جدد، من جيل الشباب.

على أي حال، فان محاولات توسيع دائرة ملحني أم كلثوم لم تتوقف، حتى في عقد الأربعينيات، بمبادرات تأتي مرة منها، ومرة من الطامعين بدخول «البلاط الكلثومي». من هذه المحاولات القديمة، قيام القصبجي في مطلع الأربعينيات بترشيح صديقه الملحن وعازف العود الكبير اللبناني الأصل فريد غصن للدخول عضوا في فريق ملحني أم كلثوم. واستجابت أم كلثوم، ولحن لها فريد غصن أغنية «وقفت أودع حبيبي»، التي غنتها أم كلثوم في الرابع من سبتمبر/ أيلول من عام 1941، وقد أخر القصبجي ظهور رائعته «رق الحبيب» إلى حفلة الثامن عشر من سبتمبر/أيلول من عام نفسه، إتاحة في المجال أمام لحن زميله وصديقه فريد غصن، غير أن اللحن لم يلق أي نجاح يذكر، واختفى تسجيله بصوت أم كلثوم، وربما يكون قد أعدم، لأن أي أثر له لم يظهر منذ الحفلة الأولى، لا في أرشيف إذاعة القاهرة، ولا في أرشيفات هواة التسجيل.

بعد ذلك نجد أسماء فريد الأطرش وأحمد صدقي ومحمود الشريف، بين الملحنين المرشحين للتلحين لأم كلثوم، وحتى اسم محمد فوزي تردد مع أسماء هؤلاء المرشحين، غير أن ظروفا معينة كانت تتدخل لتبقي أصحاب هذه الأسماء خارج الدائرة الكلثومية.

وما أن استقرت المسيرة الكلثومية على قاعدة الثنائي أم كلثوم- السنباطي، حتى بدأت أم كلثوم منذ منتصف عقد الخمسينيات، وربما لشعور زائد بالراحة، وبالاستقرار المريح والمتفرد على عرش الغناء الكلاسيكي في الحفلات الحية، تتجه بتفكيرها إلى الملحنين الشباب الذي بدأ نجمهم يلمع مع الصوت الجديد عبد الحليم حافظ. غير أن هذا الاتجاه بقى في تلك المرحلة محصورا في الغناء الوطني والغناء الديني. فكان لقاؤها الأول مع محمد الموجي في نشيد الجلاء في عام 1954، الذي كتبه شاعرها المخضرم أحمد رامي.

عصر الشباب والتجديد

غير أن الأحداث السياسية الدرامانيكية التي رافقت مشروع بناء السد العالي وتأميم قناة السويس في عام 1956، حركت على ما يبدو مكامن الجرأة في التجديد والتجدد لدى أم كلثوم، فلم تتجه فقط إلى ألحان الموهوبين الناشئين في ذلك الوقت محمد الموجي وكمال الطويل، بل غامرت بالخروج من مملكة أحمد رامي الكلاسيكية الرصينة المجربة، إلى صاحب موهبة شاعرية شابة أحدث ثورة كاملة في جماليات الشعر عامي، والأغنية الوطنية، صلاح جاهين، فلحن لها كمال الطويل من أشعاره نشيد «والله زمان يا سلاحي»، كما لحن لها الموجي من أشعار جاهين أيضا أنشودة «محلاك يا مصري»، التي أنشدتها لمرشدي قناة السويس المصريين المتطوعين لملء فراغ المرشدين الأجانب المستقيلين لإفشال عملية تأميم القناة.

وعلى موجة هذه التجارب الناجحة جدا، فنيا وجماهيريا، زادت جرأة أم كلثوم في مغامرتها التجديدية، فكلفت الموجي والطويل الناشئين، بمشاركة الكبير المخضرم رياض السنباطي بتلحين أغنيات البرنامج الإذاعي الصوفي «رابعة العدوية»، الذي كان يفترض أنه من اختصاص رياض السنباطي وحده، رائد اللون الصوفي في الموسيقى العربية المعاصرة. ومرة أخرى، نجحت التجربة، بل أن التحدي قد استفز موهبة الطويل والموجي، فوضعا ألحانا تجاوزت في انتشارها (ولا نقول في قيمتها) ألحان السنباطي في رابعة العدوية، ربما لطزاجة ألحانها.

غير أن بليغ حمدي، ظل صاحب الحظ الأكبر بين الملحنين الشباب مع أم كلثوم، لأن كمال الطويل، صاحب التجارب الوطنية والدينية الناجحة معها منذ عام 1956، لم ينل حظ الدخول في فريق ملحني المونولوجات العاطفية المسرحية الطويلة لأم كلثوم. وحتى الموجي، تأخر ظهور لحنه العاطفي الأول لأم كلثوم (للصبر حدود) حتى مطلع عام 1964. وهو الموعد الذي ظهر فيه أيضا أول تعاون لأم كلثوم مع عبد الوهاب. أما بليغ حمدي، فقد فتحت له أم كلثوم أبوابها على مصاريعها، منذ عام 1960، في مغامرة حقيقية، لأن رصيده الفني حتى مع عبد الحليم حافظ، لم يكن في ذلك الوقت قد قطع شوطا كبيرا. وهنالك آراء عديدة في تفسير هذه الحظوة المبكرة التي نالها بليغ حمدي لدى أم كلثوم، أشهرها الرأي القائل بأن محمد فوزي هو الذي رشح بليغ حمدي بقوة وإلحاح لأم كلثوم. غير أن من الواضح، أن أم كلثوم كانت منذ منتصف عقد الخمسينيات قد وصلت إلى ذروة سنوات طويلة من الأمجاد الفنية والاجتماعية، ودان لها كل هدف بعيد، وسعى إليها كل منصب في نقابة الموسيقيين أو سواها، وأصبح كبار الملحنين ومشاهيرهم يعلنون صراحة عن رغبتهم في أن يتوجوا نجاحهم الفني بتقديم لحن لأم كلثوم.

لذلك، وبعد أن أوصلتها قصائد السنباطي الشامخة ومونولوجاته العاطفية المطولة إلى ذروة عالية من الإشباع، في الإتقان الفني والشهرة والجماهرية الواسعة، في حالة من الاستقرار التي ربما أدت (على جمالها وقيمتها) إلى شيء من الشعور بالملل أو الركود، حرك لدى أم كلثوم رغبة جامحة في التلوين والتغيير من جهة، وثقة عالية بالنفس-من جهة ثانية- جعلها تشعر أن بوسعها الآن أن تشير إلى أي ملحن في مصر، مهما علا شأنه، فيهرع إليها حاملا عوده وألحانه، فكيف إذا كان هذا الملحن موهبة شابة، ما زال صاحبها يشق بداية طريقه إلى الشهرة والمجد؟

وقد روى كمال الطويل التفاصيل الإنسانية وراء علاقته الفنية بأم كلثوم، فإذا بها نموذجية في شكلها ومضمونها . خلاصتها أنه عندما بدأت ألحان كمال الطويل تلقى قبولا واسعا من جماهير المستمعين بأصوات عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة، بعثت تطلب إليه القدوم إلى منزلها. ويقول كمال الطويل أنه شعر بالرهبة، بل أعتبر الأمر مجرد كلام عابر لا يمكن أن يفضي إلى علاقة فنية حقيقية مع أم كلثوم. فلما كررت أم كلثوم الدعوة، أحس بمزيد من الرهبة، ولكن بمزيد من الجدية التي لم يعد بإمكانه تجاهلها، فذهب إلى المقابلة، وفي نيته الاكتفاء بمجرد التعارف الشخصي. فلما سارعت أم كلثوم بالإفصاح عن رغبتها في أن تغني من ألحانه، سارع هو في إبداء رفضه بحجة أنه لا يستطيع. فلما استوضحته السبب، قال لها ببساطة لأنه لا يدري كيف يلحن لصوت عملاق بعظمة صوتها وأهميته وسعة تجاربه. أدركت أم كلثوم الرهبة النفسية التي تقف وراء هذا الموقف، فطلبت إليه أن ينسى موضوع اللحن، ويتردد إلى منزلها لأنها تود التعرف إليه عن قرب.

هيبة الطويل وحماس بليغ

ولم يخف على كمال الطويل طبعا، أن أم كلثوم بعظمتها الفنية، وسعة تجاربها الإنسانية، أرادت أولا أن ترفع حاجز الرهبة فيما بينها وبين كمال الطويل. وما أن أدركت تحقق هذا الهدف، حتى أعادت طلب اللحن، فأعاد هو التعبير عن حيرته: ولكن، كيف ألحن لك، لا أدري؟ وببساطة شديدة أجابته أم كلثوم: إنس أم كلثوم، وتخيل أنك تلحن لنجاة الصغيرة.

ومن المرجح أن أجواء مشابهة قد أحاطت بلقاء أم كلثوم ببليغ حمدي، ربما مع اختلاف في مشاعر الرهبة، لأن بليغ حمدي كان أصغر سنا، وبالتالي أشد اندفاعا، بدليل أن كمال الطويل بدأ التعاون مع أم كلثوم بنشيد وطني، ولم يتجاوز ذلك إلا للحن ديني في «رابعة العدوية»، أما بليغ حمدي فقد اندفع رأسا إلى لحن طويل لأم كلثوم، من الفصيلة التي كان رياض السنباطي وزكريا أحمد قد أنجزا فيها روائع شامخة.

على أي حال، لم يتوقف بليغ عند التجربة الأولى، ليس لشجاعته فقط، بل حتما لإعجاب أم كلثوم بالحماس الذي استقبل به جمهورها العريق ألحان هذا الملحن الشاب، فدخل منذ لحنه الأول في فريق ملحنيها الموسميين، أي الذين يزودونها بالألحان، بمعدل لحن جديد في كل موسم (أو ما يقارب ذلك). ومع أن أم كلثوم غنت في هذه المرحلة من ألحان الموجي وسيد مكاوي، فان تعاونها معهما بقي محدودا (لحنان عاطفيان للأول، ولحن عاطفي واحد للثاني)، ولم يزامل بليغ حمدي في الانتساب إلى فريق الملحنين الدائمين لأم كلثوم في تلك الحقبة، سوى ملحن من العيار الثقيل هو محمد عبد الوهاب.

ولم تقف مميزات هذه المرحلة في حياة أم كلثوم عند توسيع دائرة تلحينها، بل اندفعت إلى توسيع دائرة شعرائها، بكثافة وجرأة لم يسبق لهما مثيل في مراحلها الفنية السابقة، دليلا على اكتمال ثقتها بنفسها. ومن هؤلاء الشعراء الذين فتحت لهم أبوابها أحمد شفيق كامل، وصلاح جاهين، وعبد الفتاح مصطفى، وعبد الوهاب محمد، ومرسي جميل عزيز، ومأمون الشناوي (الذي كانت قد ردته خائبا في مرحلة سابقة) وعبد المنعم السباعي. وكان شاعرها المكرس، أحمد رامي، قد وصل على أي حال إلى سن الشيخوخة الفنية، فلم تعد القصائد القليلة التي زودها بها في تلك المرحلة (وآخرها يا مسهرني التي لحنها سيد مكاوي) من وزن وعمق روائعه القديمة مثل رق الحبيب ودليلي احتار وسواها.

غير أن استكمال تفاصيل هذه المرحلة الجديدة في حياة أم كلثوم، والتي يمكن وصفها بأنها أمدتها في شيخوختها الفنية بما يمكن أن نطلق عليه «إكسير الشباب» لا تعطي صورة هذه المرحلة مضمونها الحقيقي، من غير وقفة خاصة عند تعاونها مع محمد عبد الوهاب. وإذا كنا سنترك للقسم الثاني والأخير من الكتاب تفاصيل التحليل الفني لهذا التعاون، فلا بد هنا من وقفة عند العوامل الأخرى الهامة التي أحاطت بهذه العلاقة ونتجت عنها، مما كان له، بلا جدال، أثر هام في استمرار إحاطة حياة أم كلثوم في العقد الأخير من حياتها، بالبريق الذي طالما ظل محيطا بها في سنوات الحيوية والخصب الأولى والوسطى.

يتفرد لقاء محمد عبد الوهاب مع أم كلثوم عن سائر لقاءاتها بملحنيها الآخرين، كبيرهم وصغيرهم، أن هذا اللقاء كان منذ البداية يتجاوز رغبة كليهما، بتحوله إلى رغبة جماهيرية عامة من جهة، وإلى فكرة ورغبة لدى القيادات المصرية على مختلف مستوياتها وأصعدتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية منذ ثلاثينيات وحتى ستينيات القرن العشرين.

على الصعيد الجماهيري عام، ومع أن جزءا من هذا المشهد كانت تبدو فيه كتلة «حزبية» تتعصب لأم كلثوم، وكتلة «حزبية» أخرى تتعصب لعبد الوهاب، غير أنه كان يوجد دائما، خارج هاتين الكتلتين المتعصبتين، شريحة واسعة من المستمعين العرب (ولعلها كانت تمثل الأغلبية) تقدّر المواهب الفنية الاستثنائية لكلا النجمين الأكثر تألقا في سماء الغناء العربي في القرن العشرين، وترغب في أن يغتني الفن الغنائي والموسيقي العربي بعمل مشترك فيما بينهما. ولعل البذرة الأولى لمثل هذه الأفكار نبتت في تلك السهرة الشهيرة في منزل والد المهندس الفنان أبو بكر خيرت، الذي كان من علية القوم، ومن كبار هواة الموسيقى والغناء، فقام عبد الوهاب وأم كلثوم في تلك السهرة بتلبية رغبة الحاضرين، بإنشاد الثنائية الغنائية الجميلة لسيد درويش: «على قد الليل ما يطول».

نعرف بعد ذلك أن فكرة لقاء أم كلثوم وعبد الوهاب في عمل فني مشترك، حمل لواءها عمليا طلعت باشا حرب، أب الاقتصاد المصري الحديث في النصف الأول من القرن العشرين، ومنشئ «بنك مصر» و»ستوديو مصر»، كما أسلفنا في صفحات سابقة.

ومع أن محاولات طلعت حرب لم تثمر عمليا، فان ذلك يجب أن لا يحجب عنا، أنه ظل متابعا لهذا المشروع بإصرار غريب، وكرر محاولاته لتحقيقه مرات عديدة، ارتبطت إحداها بفكرة أن تكون مسرحية «مجنون ليلى» لأحمد شوقي هي موضوع ذلك اللقاء الفني المنشود. ومما يرجح جدية هذا الموضوع، أن عبد الوهاب قام بالفعل بتلحين مقطع مطول من هذه المسرحية، وأنشده مع أسمهان، المنافسة الجدية الوحيدة لأم كلثوم، كما أسلفنا، في فيلم يوم سعيد (1939).

ومن ناقلة القول أن نستعيد هنا القول بأن الغيرة الفنية وحسابات المنافسة الفنية، هي السبب المرجح منطقيا لفشل كل محاولات الجمع بين أم كلثوم وعبد الوهاب، خاصة تلك المحاولات الجادة والمتكررة التي قام بها طلعت حرب.

وكأنه كتب للقاء هذين العملاقين، أن لا يتم إلا بمبادرة قيادية عليا، بدليل أن اللقاء لم يتم عمليا إلا عندما جاء بطلب من جمال عبد الناصر، وهو طلب ظل عبد الناصر يكرره ويلح فيه (كما فعل طلعت حرب)، حتى انتقل من حيز التمني إلى حيز التطبيق.

غير أن الموضوعية تقتضي منا التأكيد هنا بأن رغبة عبد الناصر وإلحاحه لم تكن العنصر الوحيد في إخراج هذا المشروع إلى حيز التنفيذ. فقد جاءت ظروف أخرى تساعد باتجاه تحقيق المشروع، وتزيل من طريقه العقبات القديمة التي ظلت تمنع تحقيقه لسنوات طويلة سابقة.

ويمكن تلخيص هذه الظروف في سببين رئيسيين:

أن عقد الستينيات كان قد شهد التكريس الكبير لكل من أم كلثوم وعبد الوهاب، على عرش الموسيقى والغناء العربيين في القرن العشرين، وانتقل اختلاف الأسلوب الفني بينهما إلى مجرد اختلاف الأمزجة، وخرج من دائرة المنافسة الحادة، التي كانت في سنواتها الأولى تعني، بالنسبة لأم كلثوم بالذات، احتمالات النجاح الكبير، أو الفشل الكبير. واحتمال أن تؤدي حوافز التنافس إلى سوء نية لدى هذا الطرف أو ذاك.

أن عبد الوهاب كان قد توقف عن الغناء رسميا مع نهاية عقد الخمسينيات، وكان آخر ما سجله من أغنيات مع الأوركسترا (باستثناء الأناشيد الوطنية، وباستثناء بعض الأغنيات بمصاحبة العود المنفرد التي ظهرت فيما بعد) أغنية “هان الود” (وهي بالصدفة البحتة من كلمات أحمد رامي شاعر أم كلثوم المفضل، ورفيق شباب عبد الوهاب). ولقد انصرف بعد هان الود إلى التفرغ الكامل للتلحين، وبدأ يوزع إبداعه اللحني على الأصوات المتميزة في تلك الحقبة، مثل عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة وفايزة أحمد ووردة وفيروز.

في ظروف فنية متبدلة إلى هذا الحد، كان طبيعيا أن يصحو داخل عبد الوهاب حنينه إلى التلحين لصوت بعظمة وقيمة وجماهيرية صوت أم كلثوم. ومع أن هذا الصوت كان في عقد الستينيات قد بدأ رحلة الافتقاد المتدرج للمعانه وبريقه وحلاوته التاريخية، فأنه ظل (خاصة في النصف الأول من عقد الستينيات) يمتلك نسبة لا بأس بها من تلك المقومات، مع ارتفاع في نسبة الخبرة في براعة الأداء.

ومع أن اقتحام عبد الوهاب أسوار الحنجرة الكلثومية ظل طويلا يتعرض لانتقاد مستمعيها المحافظين الموزعين بشكل رئيسي بين مدرسة زكريا أحمد اللحنية، والمدرسة السنباطية التي طبعت أم كلثوم بطابعها الخاص، فان الموضوعية تقتضي الإشارة إلى أن الحان عبد الوهاب (التي سنفرد لها صفحات طويلة من التحليل الفني في الصفحات التالية) قد وسعت جماهيرية أم كلثوم (على اتساعها السابق)، لتكتمل دائرتها، فلا يبقى عربي واحد لا يحب الاستماع إلى أم كلثوم، خاصة فئة غير قليلة من المستمعين، كانت ما تزال خارج تلك الدائرة لاعتبارات عديدة تفضي كلها إلى عدم الاقتناع بنمط الغناء الكلثومي المطول في الحفلات الشهرية.

غير أن من أبرز المفارقات التي يكشفها التحليل الموضوعي لظاهرة التعاون الوهابي- الكلثومي، هو أن محمد عبد الوهاب، الذي أوجد شعبية كبرى لنمط العزف والغناء المضبوط بشكل محدد ووقت محدد في تسجيل داخل الاستوديو، قد أدخل إلى حفلات أم كلثوم الحية الأرقام القياسية في طول الوقوف على المسرح. ذلك أن مراجعة سجلات إذاعة القاهرة عن تاريخ حفلات أم كلثوم الحية، تؤكد أن هذه الحفلات لم تصل إلى الساعتين، وتتجاوز الساعتين في كثير من الحفلات، إلا مع ألحان عبد الوهاب، خاصة انت عمري وأمل حياتي وفكروني.

لا بل أن اقتحام عبد الوهاب ميدان التلحين لأم كلثوم، وتحول هذا التعاون إلى نشاط سنوي مشترك بينهما، قد أحدث أثرا إيجابيا لدى بليغ حمدي، الذي ستكتشف، بالتحليل التفصيلي، أن أهم ألحانه لأم كلثوم، إنما جاءت بعد «إنت عمري»، وهي بالتحديد سيرة الحب، وبعيد عنك، وألف ليلة وفات الميعاد. ولكن تفاصيل كل ذلك متروكة للقسم الثاني من الكتاب.

تــوسع دائــرة البــث الإذاعـي والتلفـزيـوني

لا شك بأن من بين العوامل التي ساعدت في توسيع دائرة الانطلاق الكبير لأم كلثوم، في ربع القرن الأخير من حياتها الفنية، إضافة إلى كل العوامل السابق ذكرها، أن إذاعة القاهرة (إضافة إلى صوت العرب وسواها من الإذاعات المصرية) قد اكتسبت في عهد عبد الناصر، انتشارا واسعا وعميقا لم يسبق له مثيل، جاء يضاف إلى مرحلة الريادة الأولى لإذاعة القاهرة في الثلاثينيات والأربعينيات، ليس فقط في مجال قوة الإرسال، بل النضج الكبير في الفنون الإذاعية المصرية، انعكاسا لازدهار الثقافة والفنون في مصر بكثافة ومستوى كان لهما أثر كبير في الحياة العربية عموما. ذلك أن قوة الدعوة القومية الصادرة عن القاهرة وزخمها في عهد عبد الناصر في عقدي الخمسينيات والستينيات، جاءت تزود إذاعة القاهرة (وبقية الإذاعات المصرية الوليدة) عمقا سياسيا وثقافيا كانت له آثار شاملة وعميقة في كل أرجاء الوطن العربي، بمناطقه المدنية وحتى الريفية.

وإذا أدركنا أن صوت أم كلثوم وفن أم كلثوم اللذين وصلا إلى ذروة النضج في تلك الحقبة، كانا النجم الأول لما تذيعه القاهرة من فنون الغناء والموسيقى، إضافة إلى تفرد إذاعة القاهرة بإذاعة حفلة الخميس الأول من كل شهر، ومع انتشار أجهزة راديو الترانزستور التي أوصلت صوت الإذاعة المصرية إلى أعماق أقصى المناطق الريفية العربية في المشرق كما في المغرب، وفي المدن والأرياف كما في الصحراء، فان بإمكاننا تقدير قوة وضخامة واتساع جهاز الإرسال الذي أصبح في خدمة فن أم كلثوم وصوت أم كلثوم، عندما بلغ هذا الفن وهذا الصوت ذروته السامقة .

ومع أن جمال عبد الناصر قد كرم أم كلثوم في 18 ديسمبر/كانون الأول 1965 بقلادة الجمهورية (كما كرم بها عبد الوهاب في اليوم نفسه)، فان تكريما آخر، ذا قيمة ثقافية أرفع، لم يحسم أمره بالنسبة لأم كلثوم، على ما كان لها من تقدير رسمي وشعبي وثقافي كاسح، إلا بعد جدل عميق بشأن علاقة أم كلثوم بالإبداع: هل هي مبدعة خلاقة، أم أنها مجرد صوت جميل يردد إبداع الملحنين والشعراء؟

لقد بدأ الجدل في هذا الموضوع في عام 1959، ولم يحسم إلا في عام 1967، عندما منحتها الدولة من خلال المجلس الأعلى لرعاية الفنون «جائزة الدولة التقديرية للفنون»، حسما لهذا الجدل، واعترافا بها كمبدعة. ولكن تفاصيل هذا الجدل وضجيج المختلفين فيه، متروكة للقسم الثاني من الكتاب. علما بأن هذه المرحلة قد شهدت حصول أم كلثوم على أوسمة عديدة من عدة دول عربية غير مصر منها لبنان وتونس والمغرب والسودان والكويت والعراق.

أما جائزة التكريم الشعبي، فقد عبرت عنها جماهير المستمعين بأشكال متعددة لا حصر لها، لعل أعمقها وأكثرها دلالة، إنشاء مقهى شعبي في حي التوفيقية القاهري في مطلع الستينيات، مخصص للاستماع إلى أم كلثوم، اسمه مقهى «أم كلثوم». وله نظام دقيق يلتزم به رواده، كأنهم في مسرح ذي تقاليد وأعراف. يبدأ هذا المقهى نهاره بإذاعة تلاوة من القرآن الكريم، ثم يتبع ذلك بإذاعة تسجيلات الحفلات الحية لأم كلثوم حتى منتصف الليل.

وقد قدر لي أن أزور هذا المقهى في نهاية الستينيات، وأخضع لنظامه الدقيق الصارم. فرواد الطابق الأرضي، مسموح لهم لعب «الطاولة» (النرد)، وتناول المشروبات، والكلام كما يحلو لهم، في أثناء الاستماع إلى أم كلثوم. أما رواد الطابق الأول، فيسمح لهم بالكلام، ولكن من غير لعب «الطاولة»، وذلك لإتاحة مجال أوسع لمن يريد الاستماع.

أما قاصد المقهى بغرض الاستماع الجاد والإصغاء التام، فما عليه سوى ارتياد الطابق الثاني (كما فعلت)، الذي لم يكن الكلام مسموحا فيه، إلا همسا مع النادل، لطلب المشروب، ثم يعود الصمت سيد المكان، فلا يتردد فيه إلا صوت أم كلثوم وفرقتها الموسيقية.
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
sirine
المشرف المميز
المشرف المميز


الدولة:
انثى
عدد الرسائل: 28369
تاريخ التسجيل: 01/12/2008
المزاج:
احترام القوانين:

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 7 سبتمبر 2010 - 3:23

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: sirine
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
نور الحياة شاكر
عضو سوبر
عضو سوبر


الدولة:
انثى
عدد الرسائل: 28388
تاريخ التسجيل: 08/12/2007
المزاج:

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 7 سبتمبر 2010 - 3:43

يسعدني دائما مرورك شكرا لكي
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
انطوانيت
قيثارة التـــــألـــق
قيثارة التـــــألـــق


الدولة:
انثى
عدد الرسائل: 24060
تاريخ التسجيل: 11/11/2009
المزاج:
احترام القوانين:

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 7 سبتمبر 2010 - 13:56

شكرا لك ولمجهودك نور الغالية.
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: انطوانيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
نور الحياة شاكر
عضو سوبر
عضو سوبر


الدولة:
انثى
عدد الرسائل: 28388
تاريخ التسجيل: 08/12/2007
المزاج:

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الأربعاء 8 سبتمبر 2010 - 1:34

شكرا لمروركم ياغالييييييييييييييين
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
عضو سوبر
عضو سوبر


الدولة:
انثى
عدد الرسائل: 28388
تاريخ التسجيل: 08/12/2007
المزاج:

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الجمعة 10 سبتمبر 2010 - 17:14

فن الارتجال الذي تميزت به كان الأرقى وكانت الذروة العليا بين كل الفنانين العرب

عرض وتحليل وتقييم الرصيد الفني الذي تركته أم كلثوم، وتحديد موقع هذا الرصيد وحجمه على الخارطة العامة للثقافة العربية عموما، ولنهضة الموسيقى والغناء العربيين المعاصرين على امتداد القرن العشرين، إن القيام بهذه المهمات مجتمعة، على أكمل وجه ممكن، لا يمكن أن يستقيم من غير مجموعة من الملاحظات التمهيدية التي لا بد منها

هنالك سؤال مركزي لا بد من طرحه وصياغة الرد الحاسم عليه، قبل أي خطوة في طريق تحليل وتقييم رصيد أم كلثوم الفني:

هل كانت أم كلثوم شريكة لملحنيها في إبداعهم، أم كانت مجرد مؤدية ممتازة لذلك الإبداع؟

ليس هذا السؤال جديدا، فقد تم طرحه في حياة أم كلثوم، ودار بشأنه نقاش طويل، قيلت فيه وجهات نظر متعددة ومتناقضة. ولم يكن الأمر مجرد نقاش نظري يدور حول فن أم كلثوم، بل أن محرك النقاش كان الفكرة الملحاحة بأن أم كلثوم، منذ الأربعينيات، قد أعطت فنا أوصلها إلى مرتبة رفيعة لا يختلف اثنان بشأنها، وأن ذلك يؤهلها لتكريم الدولة. غير أن انتقال الفكرة من الحيز النظري إلى الحيز العملي، رفع النقاش إلى ذروته، وقسم المتحاورين إلى فريقين:

واحد ينفي عن أم كلثوم صفة الإبداع الفني، وبحصرها في خانة الأداء الممتاز، الذي مهما تميز، فانه لا يرتفع إلى مصاف الإبداع، ولا يجيز لصاحبه الحصول على الجوائز المخصصة للمبدعين وحدهم .

وواحد يرى أن عظمة أداء أم كلثوم وتميزه، وحملها لواء أسلوب الارتجال الغنائي في حفلاتها الحية، يجعلها شريكة ملحنيها في إبداعهم، ويضعها إلى جانبهم في خانة المبدعين. ومن الواضح أن هذا الرأي هو الذي انتصر عمليا (إلى جانب كونه مطابقا للرأي السائد لدى غالية المستمعين العرب) لأنه الرأي الذي اعتمدته لجنة جوائز الدولة، عندما قررت منح أم كلثوم جائزة الإبداع (2) وقد ظل هذا الحوار مفتوحا بين 1959 (عندما رفض المجلس الأعلى للفنون والآداب منحها الجائزة) و1967، عندما منحت الجائزة.

غير أن ناقدا كبيرا في وزن كمال النجمي، قد اندفع في محاورة الذين ينفون عن أم كلثوم صفة الإبداع الذي انتج كل ما قدمته من فن، في سيرتها الطويلة، حتى أنه صاغ عبارة نقدية كان يكررها في عدد من مقالاته، بأن أم كلثوم “مسؤولة عن ثلاثة أرباع التطور الذي أنجز في القرن العشرين في الموسيقى العربية والغناء العربي”.

وإذا كان هذا الرأي ينصف أم كلثوم في وجه من ينفون عنها صفة الإبداع، فانه يظلم ملحني أم كلثوم (خاصة الأربعة الرئيسيين: أبو العلا محمد، ومحمد القصبجي، وزكريا أحمد، ورياض السنباطي) كما سنرى لاحقا.

الاستقراء الأول للملاحظة الأولى، يدعونا إلى لفت النظر، إلى أن تحليل فن أم كلثوم، سيقودنا حتما، بل يمر حتما، بتحليل الأساليب التلحينية للملحنين الاثني عشر الذين غنت لهم، ومدى التعديل الذي أدخلوه (أو لم يدخلوه) إلى أساليبهم التلحينية عندما تعاملوا مع أم كلثوم.

وهذا ما يقودنا، منذ البداية، إلى تقسيم ملحني أم كلثوم إلى فريقين متمايزين:

الفريق الأول، أطلقنا عليه اصطلاحا عبارة “ملحنو أم كلثوم الأساسيون”، ليس فقط لأن معظم إنتاج أم كلثوم هو من تلحينهم وإبداعهم، بل أيضا لأن معظم هؤلاء الملحنين (خاصة محمد القصبجي وزكريا أحمد) لم ينتجوا خارج حنجرة أم كلثوم إلا أعمالا قليلة، بحيث أننا إذا الغينا من تراثهم الفني ما لحنوه لأم كلثوم، فان رصيدهم الباقي يقصر كثيرا عن حجمهم الفني التاريخي.

وحتى رياض السنباطي، الذي أنجز أعمالا بالغة القيمة والتميز خارج الإطار الكثومي (على عكس الرأي السائد عن رياض السنباطي)، فان القسم الأهم من قيمته الفنية مرتبط ارتباطا مباشرا، كما سنرى، بما أبدعه لحنجرة أم كلثوم.

* الفريق الثاني، هو “فريق الملحنين غير الأساسيين لأم كلثوم”، وذلك ليس لقلة عدد ألحانهم لها، بالنسبة لرصيدها العام، وليس لقلة الأهمية الفنية لهذه الألحان، بل لسبب ثالث هو أن هؤلاء الملحنين قد اكتسبوا حجمهم التاريخي في الموسيقى العربية المعاصرة، خارج إطار “مملكة أم كلثوم”. صحيح أن تعاملهم مع أم كلثوم قد أضاف قيمة إلى فيمتهم العامة، ولكن هذه التعامل لم يصل إلى حد اعتباره السبب الأساسي في دخولهم تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة . وإن كان تحديد هجم القيمة الإضافية لتعاونهم مع أم كلثوم، يختلف بين ملحن وآخر، فما أضافه هذا التعاون إلى حجم بليغ حمدي وسيد مكاوي، أكبر بكثير مما أضافه إلى حجم محمد عبد الوهاب. وسنلمس بمزيد من الدقة والتفصيل هذه المسألة مع كل ملحن على حدة، في الصفحات التالية.

إن حصة أم كلثوم في الإبداع لا يجوز أن تبقى متروكة للتجاذب المفتوح بين متطرف في إنكار مشاركتها في إبداع ما قدمت من فن، ومتطرف يحصر فيها كل أو معظم هذا الإبداع. ذلك أن عناصر ما أضافته أم كلثوم من إبداع حقيقي، إلى الإبداع الكبير الذي أنجزه ملحنوها، هي عناصر محسوسة وملموسة يمكن تحديدها ووصفها بدرجة عالية من الدقة العلمية، وهي محصورة على العموم بثلاثة:

القدرة الصوتية الاستثنائية (والمتعددة العناصر) المتمثلة في حنجرة أم كلثوم. وسنرى كيف أن هذه القدرة وهذا التعدد الاستثنائي في مواهب الأداء الغنائي في صوت أم كلثوم، لعب دورا أساسيا في تحريك إبداع بعض ملحنيها، إلى درجة يمكننا معها الاستنتاج عمليا (كما سنرى بالتفصيل فيما بعد) أن موهبة الملحنين الثلاثة الأساسيين لأم كلثوم (القصبجي وزكريا والسنباطي) ما كان يمكن أن تتحرك بالحيوية التي تحركت بها، وأن تصل إلى الأفاق الواسعة التي وصلت إليها، بغير وجود حنجرة أم كلثوم بما لها من قدرات ومواهب استثنائية.

لقد حدث تاريخيا أنه منذ أن استقرت أم كلثوم على نظام الغناء الحي المطول في حفلة الخميس الأول من كل شهر، واتفقت مع إذاعة القاهرة على بث حي مباشر لهذه الحفلات طيلة ما يقارب الأربعين عاما، فقد توقف محمد عبد الوهاب، بعد سنوات قليلة من إنشاء هذا النظام الكلثومي، عن أسلوب الغناء الحي المباشر المطول على المسرح (كان انقطاع عبد الوهاب في العام 1939)، مما جعل أم كلثوم المندوبة الكبرى لفن الارتجال الغنائي العربي في القرن العشرين.

صحيح أن فن الارتجال لم ينحصر فقط في حنجرة أم كلثوم في القرن العشرين، فقد أنجبت مصر بين المطربين الرجال أصواتا اتقنت هذا الفن وقدمت منه نماذج ممتازة، مثل محمد عبد المطلب وكارم محمود، كما أنجبت سورية أصوات محمد خيري وصباح فخري، وأنجب لبنان صوت وديع الصافي، غير أن فن الارتجال الغنائي الذي قدمته أم كلثوم مثّل (لأسباب عديدة سنتناولها بالتفصيل في صفحات لاحقة) الذروة الأعلى والأرقى في هذا المجال.

حتى أنه يمكن القول أن أم كلثوم قد كرست نفسها، مع كل من يتعاون معها من شعراء وملحنين وعازفين، منذ أواخر الثلاثينيات بشكل خاص، لفن الارتجال الغنائي، القادم إلينا أصلا من تراث القرن التاسع عشر الغنائي، ومن أعماق تراث الإنشاد الديني والتجويد القرآني، ولكن في صيغته الحديثة التي كرست لها أم كلثوم كل قدراتها الصوتية وكل جهدها، كما كرست لها جهود كل الملحنين الذين تعاونوا معها، الرئيسيين منهم وغير الرئيسيين، حتى صحت تماما العبارة التي تقول أن كل من لحن لأم كلثوم قد تكلثم، علما بأن تطبيق هذه العبارة عمليا ظل أمرا نسبيا، يتراوح بين ملحن وأخر، بل يتراوح بين مرحلة وأخرى لدى الملحن الواحد.

من المؤكد أن الأسلوب الكلثومي الذي ولد ثمرة مخاض طويل ومعقد بين أم كلثوم وملحنيها، وأنها كانت ولادة عسيرة لأنها مرة بصعوبات جمة، بل بحالات من الدراما الإنسانية (كما رأينا في حالة القصبجي، وحتى في حالة زكريا أحمد، ولم يكن الأمر مع السنباطي سلسا وسهلا في كل المراحل كما سنرى)، غير أن هذه الصيغة الكلثومية التي ولدت بعد ذلك المخاض العسير، ما كانت لتكتمل (خاصة في حالة الذروة التي تمثلت بحفلاتها الشهرية الحية)، إلا باكتمال عقد فرقتها الموسيقية، التي كان الفضل في إرساء مزاجها العام وتكوين ملامحه يعود لخمسة عازفين أساسيين هم محمد القصبجي (عود) ومحمد عبده صالح (قانون) وأحمد الحفناوي (كمان) وإبراهيم العفيفي (رق) وأخيرا عباس فؤاد (كونترباص). ومع أن فرقة أم كلثوم عرفت عددا من العازفين المهرة على الناي والتشيلو والكمان، فأن الخمسة المذكورين أعلاه كانوا الصناع الأساسيين لأسلوب العزف في فرقة أم كلثوم الذي كان يجمع بين الدقة والإنضباط الحديث، ومزاج السلطنة وإطلاق العنان لإحساس العازف وحرارته الشخصية، بل وخياله الخاص أحيانا، في الإطار المحدد للحن. وهذا الاطار المحدد المثبت بالنوتة الموسيقية، كان هو الفارق الأساسي بين الفلسفة الارتجالية الحديثة كما قدمتها أم كلثوم غناء وعزفا في القرن العشرين، وبين الفلسفة الارتجالية للقرن التاسع عشر، التي كانت تنفلت من الإطار الأساسي والثابت للحن إلى درجة تغييره تغييرا كاملا.

إن استعراض وتحليل فن أم كلثوم، بكل مراحله وتشعباته، لا يكتمل إلا بالمرور عبر كل هذه العناصر الأساسية المكونة، وهو ما سنفعله في هذا القسم الثاني من الكتاب، استنادا إلى جميع ما أنتجته أم كلثوم من أعمال ابتداء من العام 1925 وانتهاء بالعام 1973، سواء على اسطوانات أو في تسجيلات إذاعية أو حفلات حية، ربما باستثناء الأعمال القليلة ذات التسجيلات غير المتوفرة، مثل أغنياتها العشر الخاصة بالملك فاروق والأسرة الملكية، ولا يبدو على أي حال أنها كانت ذات قيمة أساسية في مجمل تراثها الفني، بدليل أن أحدا من النقاد أو المؤرخين لم يتطرق إلى تمتع هذه الأغنيات القديمة بأي قيمة خاصة مميزة. كذلك فان التحليل سيستند (إضافة إلى ما ذكرنا) إلى متابعة شخصية لحفلات أم كلثوم الحية المذاعة، ابتداء من مطلع الخمسينيات حتى آخر حفلاتها الحية، بصورة شبه متواصلة، تخللها حضور شخصي لأربع من تلك الحفلات (الأولى في مسرح قصر الأونيسكو ببيروت، والثانية والثالثة في مسرح بيسين عاليه، والرابعة في مسرح قلعة بعلبك)، وأخيرا إلى حوارات شخصية أجريتها مع أربعة ممن لحنوا لأم كلثوم، عن تجربتهم معها، وهم محمد عبد الوهاب ومحمد الموجي وكمال الطويل وسيد مكاوي، إضافة إلى حوارات مباشرة مع ثلاثة ممن كتبوا لها بعض أشعار أغانيها فيما بعد الخمسينيات، وهم صلاح جاهين وعبد الوهاب محمد، وجورج جرداق.

الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

لماذا نجحت أم كلثوم؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 

 مواضيع مماثلة

+
صفحة 5 من اصل 15انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6 ... 10 ... 15  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى شادية دلوعة الشاشة العربية :: ذكريات زمن الفن الجميل :: مطربى ومطربات وملحنى زمن الفن الجميل-
انتقل الى: