منتدى شادية دلوعة الشاشة العربية
عزيزي الزائر أنت غير مسجل ويسعدنا انضمامك الى أسرتنا الجميلة المتحابة


والمترابطة وإذا رغبت فأهلاّ وسهلاّ بك ، قم بالتسجيل لنتشرف بوجودك معنا
[/center]



 
الرئيسيةالبوابة*س .و .جالتسجيلدخول
المواضيع الأخيرة
» الدّلّوعة الحزينة!
اليوم في 8:36 من طرف نعيم المامون

» حوار.. مع عزيز فتحي!
اليوم في 0:07 من طرف نعيم المامون

» دقّات قلب الفنّ!
أمس في 21:34 من طرف نور الحياة شاكر

» ربنا يشفيك ويعافيك يا شادية
أمس في 21:29 من طرف نور الحياة شاكر

»  تصميمات وهمسة قلم نور الحياة شاكر
أمس في 21:28 من طرف نور الحياة شاكر

» سجل حضورك بكلمة حب لشادية
أمس في 21:17 من طرف انطوانيت

» اروع ما غنت فايزه احمد
أمس في 19:53 من طرف سميرمحمود

» سجل حضورك بالصلاة علي النبي صلى الله عليه وسلم
أمس في 15:11 من طرف نور الحياة شاكر

» بنحبك يا شادية
أمس في 15:01 من طرف نور الحياة شاكر

» ادعو لشادية
أمس في 14:57 من طرف نور الحياة شاكر

» تصميمات أرض الجنتين للحبيبه شاديه
السبت 18 نوفمبر 2017 - 0:29 من طرف Ater nada

» لقاء نادر للفنانه شاديه
الخميس 16 نوفمبر 2017 - 5:23 من طرف Ater nada

» مجلة المصور
الأربعاء 15 نوفمبر 2017 - 16:10 من طرف عبدالمعطي

» مجلة الأذاعه والتلفزيون
الأربعاء 15 نوفمبر 2017 - 15:51 من طرف عبدالمعطي

» نجمة «الكواكب»!
الأربعاء 15 نوفمبر 2017 - 15:40 من طرف عبدالمعطي

» زيارة الرئيس السيسي وزوجته لشادية
الأربعاء 15 نوفمبر 2017 - 15:33 من طرف عبدالمعطي

» صورة ناذرة لشاديه مع عائلتها
الأربعاء 15 نوفمبر 2017 - 15:29 من طرف عبدالمعطي

» شادية والرؤساء
الأربعاء 15 نوفمبر 2017 - 14:11 من طرف عبدالمعطي

»  حقيقة الحالة الصحية للفنانة شادية >>
الأحد 12 نوفمبر 2017 - 17:38 من طرف أرض الجنتين

» تفاصيل كامله عن زيارة الرئيس السيسي وزوجته لحبيبتنا شاديه
الأحد 12 نوفمبر 2017 - 7:31 من طرف انطوانيت

» طلب شادية الوحيد بعد إفاقتها رغم صعوبة النطق والحركة ,,
الأحد 12 نوفمبر 2017 - 7:28 من طرف انطوانيت

» جريدة اللواء/ الصحافة المصرية تدعو جمهور شادية بالدعاء لها
السبت 11 نوفمبر 2017 - 23:07 من طرف نور الحياة شاكر

» نجوى فؤاد: "الملوحة" هى الأكلة المفضلة للفنانة شادية
السبت 11 نوفمبر 2017 - 20:41 من طرف انطوانيت

» حبيبة مصر والعالم العربي شادية
السبت 11 نوفمبر 2017 - 20:34 من طرف انطوانيت

» مع شوبير - خالد شاكر: حالة الفنانة شادية حرجة وشوبير يطلق هاشتاج ادعوا لشادية
الجمعة 10 نوفمبر 2017 - 15:32 من طرف أرض الجنتين

» ربنا يشفيكي ويعافيكي شاديتنا
الجمعة 10 نوفمبر 2017 - 13:43 من طرف عبدالمعطي

» الاذاعة والتليفزيون 11 نوقمبر 2017
الجمعة 10 نوفمبر 2017 - 13:28 من طرف عبدالمعطي

» مجلة الاذاعة والتليفزيون 11 توفمبر 2017
الجمعة 10 نوفمبر 2017 - 13:23 من طرف عبدالمعطي

» أسرار في حياة شادية
الجمعة 10 نوفمبر 2017 - 9:49 من طرف أرض الجنتين

» واصلوا الدعاء لحبيبتنا شاديه
الأربعاء 8 نوفمبر 2017 - 21:16 من طرف أرض الجنتين

مغارة كنوز صور القيثارة
هنــــا
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 47 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 47 زائر :: 2 عناكب الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 720 بتاريخ الجمعة 10 يوليو 2015 - 17:24
اذاعة المنتدى
إذاعة شادية صوت مصر
T.V.SHADIA
هنــــا
احصائية المنتدى
اشهر مائة فى الغناء العربى
هنــــا
من لا يحب شادية صاحبة المعاني النبيلة
هنــــا
ديوان نجمة القمتين شادية
هنــــا
شادية نغم في القلب
هنــــا
صور من تاريخ شادية
هنــــا
مركز لتحميل الصور
شاطر | 
 

 لماذا نجحت أم كلثوم؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50527
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الجمعة 10 سبتمبر 2010 - 17:20

صوتها جمع أعلى درجات الاختلاط بين الأنوثة والذكورة فكان سبباً رئيسياً في تفردها

في مقابلة إذاعية مع الموسيقار محمد عبد الوهاب، تشعب الحديث إلى تقييم عبد الوهاب لصوت أم كلثوم، فقال أنه صوت نادر كان يتمتع بمزايا عديدة، تكفي كل مزية منها لتجعل من صاحبتها مطربة عظيمة، فكيف إذا اجتمعت هذه المزايا لصوت واحد.

هذا الرأي الذي صدر عن مرجع هام في الموضوع، كان بينه وبين أم كلثوم تاريخ طويل من المنافسة، كما أنه صادر عن خبير وعن صاحب تجربة في التلحين لأم كلثوم والتعامل مع صوتها عبر عشرة ألحان تضمنت كل ألوان الغناء العربي، نستكمله بتحليل مفصل بدقة علمية موضوعية في هذا المجال، نستقيه من مقالين مخصصين لتحليل حنجرة أم كلثوم علميا، الأول للناقد الكبير كمال النجمي في كتابه «الغناء المصري»، والثاني لسليم سحّاب، المتخصص في قيادة الكورال الأكاديمي، وقيادة الأوركسترا السمفونية والأوبرا من كونسرفاتوار تشايكوفسكي بموسكو.

يقول كمال النجمي في تحليل كتبه في نهاية العام 1967 أو مطلع العام 1968:

«إن صوتها ينتمي إلى القسمين الثاني والثالث من أقسام الأصوات النسائية الثلاثة، وهما الكونترالتو والميتسو سوبرانو، ويسمي المجمع اللغوي هذين القسمين في مصطلحاته العربية «الرنان» و»الندى الثاني».

أما القسم الأول من الأصوات النسائية وهو «السوبرانو»، واسمه المجمعي «الندى الأول»، فأن النقاد الموسيقيين يرون أن صوت أم كلثوم كان يبلغه في العشرينيات، عندما كانت في مرحلة الدربة والتكوين، فلما اكتمل تدريبا وتكوينا استقر على القسمين الثاني والثالث، وهما أغلظ نبرات من القسم الأول وقد اتفق الموسيقيون المصريون، منذ سمعوا أم كلثوم، على أن صوتها يمتد على مساحة ديوانين (المحرر: الديوان هو «الأوكتاف» في المصطلحات الأوروبية)، فبلغ ستة عشر مقاما تقريبا، وهي مساحة واسعة غنية بألوان الجمال الصوتي الباعث على الطرب والدهشة.

ليس معنى ذلك أن هذا هو أقصى ما بلغه صوت مطربة من المطربات في عصر أم كلثوم أو قبل عصرها. فقد حدثنا الموسيقيون عن أصوات واسعة المساحة جدا، منها مثلا صوت مطربة القرن التاسع عشر ألمظ، ومنها كذلك – إلى حد ما- صوت منيرة المهدية مطربة الربع الأول من القرن العشرين (المحرر: ومنها أيضا صوت فتحية أحمد).

ولكن المساحة التي يشغلها صوت أم كلثوم هي مساحة من الأزهار والأثمار والمياه الصافية والأنسام والظلال، بعكس المساحة التي تشغلها أو كانت تشغلها بعض الأصوات الضخمة، فهي مساحة من الرمال أو المياه الضحلة والنباتات العقيمة.

وقد أكد لي بعض مخضرمي الموسيقيين أنه سمع أم كلثوم في العشرينات تؤدي جواب الجواب في نغمة السيكا. معنى ذلك أن صوت أم كلثوم كان يبلغ حينذاك سبعة عشر مقاما سليما.

(..) إذا تجاوزنا أقسام الصوت ومقاماته وجواباته إلى ذبذباته والنسبة بين مقاماته، ورخامته وصلصلته ونعومته وجزالته وجهارته وخفوته، رأينا إعجازا فذا، كأنه صوت مرسوم بطريقة هندسية يبهر من براها ويسمعها في وقت واحد.

وقد أحسن كمال النجمي في تجاوز حساب المساحات في صوت أم كلثوم، لأن هذه المساحات ليست سوى عنصر من عناصر تكوين الصوت، وقد تكون هذه المساحات (مهما اتسعت) في حالات معينة مفتقرة إلى الجمال، كما أن صاحبها يمكن أن يكون مفتقرا إلى موهبة حسن إدارة هذه المساحات واستخدامها بجمال وذوق وإحساس مرهف.

ننتقل بعد ذلك إلى الرأي التحليلي لسليم سحّاب، الذي يعتمد بعض ما اعتمده كمال النجمي من معايير، ولكنه يضيف إليها مقارنة بأصوات مغنيات الأوبرا الشهيرات في الغرب، علما بأن دراسته الأكاديمية أتاحت له الاستماع (في سبعينيات القرن العشرين) إلى أصوات جميع مغني ومغنيات الأوبرا في العالم منذ ولادة الاسطوانة وحتى ذلك التاريخ، وتحليل هذه الأصوات على يد كبار الأساتذة الروس.

يعيد سليم سحّاب عظمة حنجرة أم كلثوم وتميزها الاستثنائي إلى ستة عوامل، نعرضها فيما بقي بشيء من الاختصار:

المساحة الصوتية: بالرغم من أن مساحة صوت أم كلثوم تعتبر واسعة (ديوانان كاملان) إلا أن المهم في صوتها ليست مساحته، بل موضع هذه المساحة بين الأصوات البشرية. فمنذ العشرينات لغاية وفاتها، كانت مساحة صوت أم كلثوم تتداخل مع مساحة الأصوات الرجالية. وإذا أخذنا مثالا على ذلك دور زكريا أحمد “مين اللي قال” عند كلمات “راح العذول ما لوش أثر” (الثلاثينيات) أو أغنية يا ظالمني لرياض السنباطي (تسجيل بيروت في منتصف الخمسينيات) وعند كلمة “وهجرانك” في عبارة “بكاس صدك وهجرانك”، نرى أنها تصل بصوتها إلى مقام يقع في وسط مساحة صوت الباريتون الرجالي “ري بيمول” (..) وإذا عرفنا أن الباريتون هو الصوت الرجالي المتوسط بين فئات الأصوات الرجالية الثلاث (الفئة الأولى الباص، وهو أغلظ فئة من ناحية الصوت، والفئة الثالثة هي التينور وفيها المقامات الأعلى من الصوت الرجالي، وفي الوسط فئة الباريتون المذكورة) نعرف مدى عرض مساحة صوت أم كلثوم، ومدى تداخله مع فئة الأصوات الرجالية.

التملك من الصوت: الأهم من مساحة صوتها هو التملك المطلق بهذه المساحة، فأم كلثوم بتملكها العجيب هذا، كانت تؤدي جملا غنائية في غابة الصعوبة التقنية وإلى جانب هذا فان الزخرفات والتحليات الغنائية التي كانت تؤديها، كانت تصل حد الإعجاز. ولنتذكر في أغنية يا ظالمني (في التسجيل المذكور)، عند كلمات “عشان تعطف علي يوم” كيف تزخرف كلمة “عشان” عند الوصول بالارتجال إلى نغمة الهزام. هذه الزخرفات صعبة حتى على آلة طيعة مثل الكمان، فكيف بالصوت البشري.

القوة الصوتية: إن القوة الصوتية الموجودة في غناء أم كلثوم، أصبحت منقرضة في عصر الميكروفون. ويكفي أن نقول بأن الغناء المعتمد على التقنية العلمية الكاملة للغناء يعتمد على استخدام الحجاب الحاجز ( ديافراغم) في ضغط الهواء الصاعد، بدلا من الضغط المباشر على الحنجرة، الذي يشكل ضغطا على الحبال الصوتية بقدر بضغطين جويين ونصف. وعندما نعلم أن غناء أم كلثوم يعتمد أساسا على الحنجرة، نستطيع أن نقدر كمية الضغط الهائلة التي كانت تتحملها احبال حنجرتها في أثناء الغناء. وأذكر حين حضرت حفلها في بيسين عالية (التي غنت فيها حيرت قلبي معاك للسنباطي، في العام 1962)، أذكر أن الميكروفون كان بعيدا عنها حوالي متر، وأعلى منها بنصف متر. وأذكر أيضا أنها حين كانت تغني على الطبقات العليا، كانت ترجع إلى الوراء حوالي المتر الإضافي.

المقدرة: كانت أم كلثوم تغني حوالي أربع ساعات (المحرر: في بعض حفلاتها، لا كلها). فإذا عرفنا أن الساعات الأربع هي مدة أطول الأوبرات في تاريخ الغناء الأوروبي، وأن أطول دور غنائي كامل في هذه الأوبرات لا يتعدى الأربعين دقيقة على مدى الساعات الأربع، وأن أطول مرحلة منفردة لا تتعدى 15 دقيقة، نستطيع أن ندرك مدى هذه الظاهرة الصوتية، التي كانت تغني أربع ساعات، موزعة على مدى ست ساعات.

الاستمرار في الغناء

الاستمرار في الغناء: إلى كل هذا نضيف أن أم كلثوم غنت على مدى ستين سنة متواصلة (المحرر: من 1913 حتى 1973، وربما بدأت الغناء قبل ذلك بسنوات). إن هذه الاستمرارية هي الأولى في تاريخ الغناء في العالم، إذ لغاية اليوم، لا يوجد في تاريخ الغناء حتى إشارة (ولو من بعيد) إلى مغن (أو مغنية) استمر في الغناء هذه المدة الطويلة. فالغناء الأوروبي لم يعرف مغنيا (أو مغنية) استمر في الغناء أكثر من أربعين عاما.

النظافة الصوتية: نصل الآن إلى صفة معجزة حقا في صوت أم كلثوم: فقد أقيمت في القاهرة سنة 1975 (المحرر: أقيمت التجربة في العام 1974، وقدمت إذاعة صوت العرب عرضا لها في 5-1-1975) (5) تجربة علمية على آلات الكترونية لقياس مدى النظافة والنشاز في الأصوات الغنائية المصرية المعروفة وكانت النتيجة مذهلة. فبعد قياس الكثير من أغنياتها (منذ بدايتها حتى اعتزالها) تبين أن نسبة “نشاز” صوت أم كلوم لا يتعدى في أقصى حالاته نسبة واحد في الألف من البعد الطنيني الكامل.

فإذا عرفنا أن أقصى ما يمكن أن تميزه الأذن البشرية هو “واحد على تسعة” من الطنين الكامل، أدركنا أن الدقة في حنجرة أم كلثوم تصل حد الإعجاز البشري بالمعنى العلمي للكلمة.

وإذا كان هذان التحليلان يلقيان أضواء كاشفة على الآلة الأساسية في غناء أم كلثوم: “حنجرتها”، فأن من الضرورة بمكان استكمال وصف بقية الآلات التي تكوّن الجهاز الصوتي الضخم لدى أم كلثوم. فما من شك- أولا- أن حبال أوتارها الصوتية كانت ذات تكوين قوي، بدليل تحملها الغناء لساعات مطولة تفوق الوقت العادي للغناء عند سائر المغنين في الشرق والغرب، وبدليل امتداد جهد أم كلثوم الغنائي (كما أسلفنا) على ستين عاما ونيف. وقد روى ابن الدكتور حسن الحفناوي (زوج أم كلثوم) أنه رافقها في إحدى رحلاتها العلاجية للخارج، واستمع إلى دهشة الأطباء من الحجم الاستثنائي لحنجرة أم كلثوم، وتركيب أوتار هذه الحنجرة. غير أني انقل هذه الرواية بشيء من التحفظ، لأني لست واثقا من علاقة التكوين الفزيولوجي الاستثنائي للحنجرة، بالأداء الاستثنائي لهذه الحنجرة، مع ترجيحي المنطقي لوجود مثل هذه العلاقة، خاصة وأن الممارسة العملية لأم كلثوم على مدى حياتها ترجيح هذا الاستنتاج.

ولا بد أيضا من الإشارة إلى ضخامة وقوة الجهاز التنفسي لدى أم كلثوم المؤلف من الحجاب الحاجز (دافع الهواء) والرئتين (خزان الهواء)، فكثير من الجمل الطويلة الموزعة على مقاطع أغاني أم كلثوم في كل مراحلها، ومن الجمل المتطرفة في ارتفاعها إلى جوابات عالية، والمتطرفة في انخفاضها إلى قرارات منخفضة، تحتاج إلى كمية هائلة من الهواء، وإلى خبرة وتمرس في حسن استخدام هذا الهواء (شهيقا وزفيرا) حتى يحصل المغني والمستمع على النتيجة المدهشة التي كانت تحصل عليها أم كلثوم ومستمعوها، والتي تجمع بين الحد الأعلى المتاح من الدقة، والحد الأعلى من المتعة الفنية.

نكتفي بهذا القدر من التحليل العلمي لمختلف عناصر الأدوات الغنائية لأم كلثوم، وننتقل إلى الجانب الأهم، الجانب الجمالي في أدائها، الذي ما كان يمكن له أن يتحقق إلا بقدرات في الأداء، تستخرج من تلك الآلة الغنائية، أقصى ما يمكن من فنون الغناء الشيق الممتع، الذي يستولي على الألباب، ويرفع نشوة المستمع إلى ذرى عالية. فإذا انطلقنا من المواصفات العلمية لصوت أم كلثوم بمختلف أدواته، إلى رحاب المواصفات الجمالية لذلك الصوت، ولأداء أم كلثوم الغنائي، فإننا سنتوقف عند أكثر من عنصر من عناصر ذلك الأداء، مستكشفين كل عنصر منها، عبر المراحل الطويلة والمتحولة في فن أم كلثوم: الأنوثة والذكورة والكلاسيكية

إذا كان هنالك إجماع على أن صوت أم كلثوم كان أعظم الأصوات النسائية العربية في القرن العشرين وأقدرها، فإننا عندما نطرح سؤالا آخر عن أكثر الأصوات النسائية العربية أنوثة ورقة، نخرج من الإجماع إلى مجموعة من الآراء، تتفق على استبعاد صوت أم كلثوم من طليعة هذا التصنيف، ولكنها تختلف في طرح عدد من الأسماء، يأتي في طليعتها صوت أسمهان ثم صوت ليلى مراد، ثم تتوزع الآراء بعد ذلك على أصوات أخرى مثل نور الهدى وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة وفيروز وأحلام (صاحبة «يا عطارين دلوني»). والحقيقة أن هذه المسألة مطروقة دائما في الحوارات الشفهية بين النقاد والمتخصصين، وحتى بين المثقفين عامة، غير أنها نادرة في مجال النقد المكتوب، ربما لأن من يحملون رأيا ما في هذه المسألة، يتحرجون من أن يكون مثل هذا الحوار انتقاصا من قيمة صوت أم كلثوم. غير أن مثل هذا التحرج لا مجال له في أي تحليل موضوعي

فلو نحن عدنا إلى تفاصيل التحليل الذي أوردناه أعلاه نقلا عن سليم سحّاب، لفت نظرنا الملاحظة العلمية التي تشير إلى أن أم كلثوم وصلت في كلمة «وهجرانك» (من عبارة بكاس صدك وهجرانك، في تسجيل مسرح قصر الأونيسكو ببيروت لأغنية «يا ظالمني»، في منتصف الخمسينيات) وصلت إلى درجة منخفضة جدا، توازي نصف المساحة بين الدرجة الأشد ارتفاعا والدرجة الأشد انخفاضا في فئة صوت الباريتون الرجالي. معنى هذا الكلام، بلغة العلم، أن هذه الدرجة المنخفضة لم تكن بعيدة عن الدرجة الأعلى في فئة صوت «الباص» الرجالي. وهذه واقعة استثنائية عندما يكون الحديث عن صوت نسائي، لا بد من التوقف عندها، واستجلاء أمرها.

خصائص الصوت

الملاحظة الأولى التي تستدعيها هذه الحقيقة في درجات صوت أم كلثوم، أن هذا الصوت النسائي كان يمتلك مساحات منخفضة يندر أن تتوفر لأي صوت نسائي آخر، الأمر الذي يعتبر غنى فاحشا في مساحات هذا الصوت، أحسنت أم كلثوم استخدامه، ليس فقط في ذلك التسجيل البيروتي لأغنية يا ظالمني (وأن كان بالإمكان اعتبار هذا التسجيل نموذجيا) ولكن في عدد آخر من أغنياتها، مما يضاعف المقدرة التأثيرية لصوت أم كلثوم على المستمع، لاتساع مساحة جماليات الأداء الصوتي الناتج عن تلك الطبقات المنخفضة النادرة في أصوات النساء.

ولنتذكر على سبيل المقارنة بأن نقطة الضعف الوحيدة في صوت أسمهان العظيم كان افتقاره إلى اتساع المساحات المنخفضة في صوتها، ولعل أفصح الأمثلة العملية على ذلك القفلات المنخفضة الضعيفة في أغنيتها الرائعة (من ألحان فريد الأطرش) «رجعتلك يا حبيبي».

إذن، من المؤكد أن هذا الانخفاض الاستثنائي في القرارات الصوتية لحنجرة أم كلثوم، كان مصدر غنى مؤكد لصوتها ولأدائها الغنائي، ولكن من المؤكد أيضا أن ذلك الغنى الاستثنائي في الدرجات المنخفضة للصوت والواضحة الغلظة، كان على حساب الطبيعة الأنثوية لهذا الصوت.

ومن الأهمية في هذا الصدد ملاحظة هذه المسألة في صوت أم كلثوم عندما تتحدث، وليس فقط عندما تغني. حتى أن الموسيقار كمال الطويل يروي في أكثر من مناسبة حميمة (وفي حديث مباشر لي في بيروت) أنه في كل مرة كان يتلقى مكالمة هاتفية من أم كلثوم، كان متلقي هذه المكالمة (كمال الطويل أو أي من أفراد أسرته) يعتقد للوهلة الأولى أن المتحدث على الطرف الآخر من الهاتف هو رجل. ويبتسم كمال الطويل عند رواية هذه الواقعة، ويؤكد أن أم كلثوم كانت تكتم غيظها من الخلط بين صوتها في الهاتف وصوت الرجال، ولكنها كان تعالج المسألة دائما بخفة ظلها وسخريتها المعروفة.

ولا ندري إذا كان هذا الأمر مجرد حالة فيزيولوجية محضة، أم أن إخفاء الأنوثة في شكل أم كلثوم لسنوات طويلة في العقدين الأولين من عمرها بارتداء الملابس الرجالية (في مجتمع محافظ يعتبر غناء الأنثى عورة لا بد من إخفائها) قد أوجد مفعولا نفسيا كان له أثر ما على حنجرة أم كلثوم.

على أي حال، وبعد أن قلبنا هذه المسألة على مختلف وجوهها، نعود إلى الخلاصة العامة التي يمكن أن نوجزها بأنه إذا لم يكن صوت أم كلثوم صارخ الأنوثة (كما في الأصوات النسائية التي استعرضناها أعلاه)، فانه لم يكن حتما يفتقر إلى القدرة على التعبيرات الناعمة في الأداء، عندما يتطلب ذلك المعنى أو اللحن. وتسجيلات أم كلثوم مليئة بأمثلة لا حصر لها في هذا المجال، غير أنها مليئة أيضا بنماذج كانت أم كلثوم تبدو فيها شديدة الاعتداد بالقوة الخارقة في صوتها، فنضغط على مكامن هذه القوة بما يتجاوز الخط الأحمر.

إن اختلاط ملامح الأنوثة والذكورة في صوت ذي مساحات استثنائية مثل صوت أم كلثوم، قد رفعه إلى مستوى من الكلاسيكية المحايدة، والمرتفعة فوق مثل هذه التصنيفات الفيزيولوجية، ولعل ذلك كان أحد أسباب التفرد الذي كان يتميز به صوت أم كلثوم، عن كل مطربات القرن العشرين، حتى صاحبات الأصوات الممتازة، فهو بين كل هذه الأصوات، كان الأعظم والأقدر.

الحـــدة والليـــونـــة

إن استماعا متأنيا يستعرض كل ما سجلته أم كلثوم بصوتها، منذ العشرينيات وحتى السبعينيات، يجعلنا نلمس لمس اليد أن صوت أم كلثوم قد مر بمراحل عديدة، قبل أن يصل إلى ذروته الذهبية، في عقدي الأربعينيات والخمسينيات. وإذا كنا في صفحات سابقة قد أفضنا بعض الشيء في وصف التحولات التي طرأت على صوت أم كلثوم في العقد الأخير من رحلتها الفنية، فلاحظنا التراجع المتدرج للطبقات العليا في صوتها، والاختفاء المتدرج للمساحات التي تتميز باللمعان والبريق، فحري بنا أن نتوقف هنا عند العقد الأول من مسيرتها الفنية، أي مرحلة ما قبل ظهور رياض السنباطي في حياتها الفنية.

لقد تميز صوت أم كلثوم في النصف الأول من هذا العقد (عندما كانت تغني قصائد الشيخ أبو العلا محمد الأولى وألحان النجريدي وأوائل ألحان محمد القصبجي) بحدة جارحة، وعلى شيء من الخشونة، أو من انعدام الليونة. ويبدو أن ذلك يعود لأكثر من سبب:

الطبقات العليا

السبب الفيزيولوجي البحت الذي يجعل الحدة، خاصة في الطبقات الصوتية المرتفعة، تطبع الصوت بطابعها في العقدين الثاني والثالث من العمر.

أسلوب الغناء الذي كان ما يزال سائدا في الربع الأول من القرن العشرين، كامتداد طبيعي لأسلوب القرن التاسع عشر، والذي كان يعتبر استعراض الطبقات الصوتية ذروة التميز الفني في الغناء. وبما أن الله قد حبا أم كلثوم بمساحات صوتية واسعة، كانت الطبقات العليا هي الغالبة عليها في سنوات عمرها الأولى، فقد كانت قلة خبرة أم كلثوم، واندفاعها وراء الرغبة في إثبات أهمية مساحاتها الصوتية في مواجهة كل الأصوات النسائية التي تنافسها، سببا إضافيا في إطلاق العنان لتلك الطبقات العليا الحادة، من غير ضوابط أو كوابح.

لا شك بأن ملحني أم كلثوم الأوائل قد افتتنوا، كل على طريقته ووفقا لأسلوبه التلحيني، بالمقدرة الصوتية الاستثنائية لأم كلثوم، المتمثلة في تلك السنوات في طبقاتها الصوتية العليا، فأخذوا يطلقون العنان لتلك الطبقات في ألحانهم، مما أوجد حالة لحنية- غنائية متكاملة تدفع أم كلثوم (ذات الخبرة المحدودة في الغناء حتى ذلك الوقت) إلى أن تمارس بلا حدود وبلا ضوابط افتتانها بالطبقات العليا لصوتها، مما كان يغلف كل ذلك بطابع من الحدة المعدنية، يلاحظها المستمع بكل وضوح (على سبيل المثال لا الحصر) في لحني النجريدي “يا كراوان والنبي سلم” و”مالي فتنت”، وفي لحن القصبجي المبكر “ان حالي في هواها عجب”. أما قصائد أبو العلا محمد وعبده الحامولي، فمع أنها تنتمي إلى بواكير أم كلثوم، ولكن تسجيلها على اسطوانات تم على سنوات متباعدة، في أثناء حياة أبو العلا محمد (مات في العام 1927)، وحتى بعد رحيله بسنوات. لذلك لا يمكن استخدامها في تحليل هذه الظاهرة.

غير أن بداية ألحان زكريا أحمد لأم كلثوم، في العام 1931 وما بعده، شهدت بداية تراجع طابع الحدة في صوت أم كلثوم وفي أدائها، وإن كان بشكل متدرج، بدليل أن تلك الحدة ظلت تعاود ظهورها في المقاطع اللحنية التي ترتفع إلى مساحات صوتية عالية، مثل لحني القصبجي الرائعين “انت فاكراني” و”ليه تلاوعيني”. ولعل منتصف الثلاثينيات كانت المحطة الأبرز في التراجع الجدي لمعالم الحدة، الذي اكتمل مع الأربعينيات، حيث اكتملت كما يبدو عملية التهذيب والتشذيب الذي تعرضت له حنجرة أم كلثوم وأسلوبها في الأداء، وهي عملية من المؤكد أنها نمت بفعل عوامل عديدة، منها نضج تجارب أم كلثوم الصوتية، وانتهاء فترة افتتانها (في مطلع شبابها) بطبقاتها العليا، ومنها نضج الملحنين الذين يبدعون لها ما تغني، الذين لا بد أن يكون طول التعامل قد دفعهم إلى إعمال خيالهم الفني في كل طبقات صوت أم كلثوم (لا الطبقات العليا وحدها) وهي طبقات كان السن والتجربة يزيدانها نضجا. ولعل من تلك العوامل، التأثر غير المباشر (وربما المباشر) بأسلوب محمد عبد الوهاب الذي كان خياله كملحن، وذوقه المرهف ورغبته التجديدية الجامحة في أسلوب الغناء (وليس في التلحين فقط) قد هذب نواتىء الحدة في صوته وأدائه ودور زواياها الحادة منذ فترة مبكرة نسبيا، فابتدع ذلك الأسلوب الغنائي الفذ، الذي يطغى فيه الإحساس والحساسية على استعراض العضلات الصوتية، مما دفع مطربا في وزن وديع الصافي إلى التصريح مرارا، في أحاديث إذاعية وتلفزيونية مكررة: “لقد تعلمنا الذوق الغنائي من عبد الوهاب”.

فإذا عدنا إلى أم كلثوم فأن ما يدفعنا إلى القول أن عقدي الأربعينيات والخمسينيات (مع الجزء الأخير من الثلاثينيات) شكلا المرحلة الذهبية لحنجرتها ولأسلوبها في الأداء، فلأن المعادلة الذهبية كانت على أتم اكتمالها في هذين العقدين:

اكتمال المساحات الصوتية الاستثنائية بكامل طبقاتها العليا والدنيا.

اكتمال التجربة والنضج والتوازن بين قوة الصوت وحلاوته من جهة، والتحكم بأساليب التعبير المتنوعة والملونة بشتى الأحاسيس، وانصرام عهد الشباب الأول المفتون بقوة الصوت ومساحاته العليا فقط.

ومن المؤكد أن رياض السنباطي كان المستفيد الأول بين ملحني أم كلثوم الثلاثة الرئيسيين في تلك المرحلة الذهبية، لأنه كان خلالها قد أنضج صيغة اللون الكلثومي الذي تميز به، سواء في قصائده العاطفية والدينية الشامخة، أو في مونولوجاته المسرحية المطولة، ولأنه أنجز معظم إنتاجه الكلثومي في إطار هذه المرحلة الذهبية.

إن من يستمع إلى رباعيات الخيام وغلبت أصالح في روحي وجددت حبك ليه ودليلي احتار (على سبيل المثال لا الحصر) بوسعه أن يضع يده بدقة على ما نحاول لفت النظر إليه من تراث أم كلثوم. أما المستفيد الثاني فكان زكريا أحمد، لأنه أنجز كل مونولوجاته المسرحية المطولة في إطار هذه المرحلة (مثل الأمل والآهات وأهل الهوى وأنا في انتظارك) ولأنه أطلق صيحته الأخيرة الرائعة “الهوى غلاب” قبل أن تبدأ أم كلثوم رحلة الخروج المتدرج من المرحلة الذهبية. ولعل من حظنا كمستمعين، وحظ تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة، أن يكون القصبجي قد أتيح له (قبل القطيعة المأساوية) أن يلحن لأم كلثوم في إطار المرحلة الذهبية رائعته التاريخية (بكل معنى الكلمة) “رق الحبيب” وروائعه القصيرة الأخيرة مثل “ما دام تحب” و”أيها الفلك” إلى جانب ألحانه الخالدة في فيلم نشيد الأمل (منيت شبابي ويا مجد) وإن كانت الحدة لم تكن قد غادرت صوتها وأداءها مغادرة تامة عند تسجيل هذه الألحان القصيرة.

الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50527
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الجمعة 10 سبتمبر 2010 - 17:24

أما الآخرون فقد تربوا على صوتها من خلال المذياع

أعتقد أن الخلاصة الأهم في فن أم كلثوم، ستبقى رهنا بمرور مزيد من السنوات، وولادة أجيال جديدة، يسمح لها البعد الزمني بغربلة أكثر موضوعية، ومقارنة أكثر موضوعية بين مختلف مراحل فن أم كلثوم. أما وأن الغربلة التاريخية ما زالت تتم – حتى كتابة هذه السطور- من خلال الجيل أو الأجيال التي تربت ذائقتها الفنية، وتكونت ذاكرتها الفنية في مرحلة الحفلات الشهرية الحية لأم كلثوم، ذات السطوة الفنية والوجدانية الحاضرة في ذائقة الأمة العربية منذ بداية أربعينيات القرن العشرين، حتى يومنا هذا، مع امتداد في الأثر سيشمل سنوات قادمة لا يمكن تحديدها منذ الآن، بفضل الاحتفاظ بهذا التراث في تسجيلات صوتية وبصرية. وإلى أن تتم هذه الغربلة التاريخية، ويأتي زمانها، فلا شك بأن حضور أم كلثوم في الذاكرة العربية سيظل مجسدا بتسجيلات حفلاتها الحية. أما المرحلة البالغة الخصوبة، والعالية القيمة الفنية، التي أنجزتها أم كلثوم وملحنوها الأوائل بين 1927 و 1937 بشكل خاص، فإنها إما انزوت إلى أجل غير مسمى على رفوف محفوظات الموسيقى العربية الرفيعة، بعيدا عن الوجدان الحي للأجيال الجديدة من المستمعين، أو أنها تراجعت (في أحسن أحوالها) إلى موقع جانبي (حتى لا أستخدم عبارة هامشي) في التقييم العام لمجمل حصيلة أم كلثوم الفنية العامة، لأن حرارة الأثر الطويل لحفلات أم كلثوم الشهرية الحية، ما زالت هي صاحبة الصدارة في وجدان المستمعين، بل وفي موازين النقد.

لا أقول هذا الكلام تقليلا من قيمة تراث أم كلثوم الذي صنعته حفلاتها الشهرية الحية، ولكني أحاول فقط لفت النظر إلى أن تراث أم كلثوم ينقسم فعلا إلى مرحلتين مختلفتي الأوصاف والمزايا: مرحلة الاسطوانات، ومرحلة الحفلات الحية. والمرحلة الثانية هي الطاغية إلى الآن، مما يستدعي في كل الأحوال إلقاء أضواء نقدية وتحليلية خاصة على فن الارتجال الغنائي والموسيقي، الذي كانت تمارسه أم كلثوم في حفلاتها الحية، بتبادل وتكامل عبقري بين أدائها الغنائي وعزف الفرقة الموسيقية المرافقة لها، وعلى رأسها نفر من عباقرة العزف على الآت منفردة في وسط الفرقة الموسيقية، ذلك أن فن الارتجال هذا يستحق وحده وقفات طويلة، ربما لن تستوفي حقها كاملا إلا بدراسات لاحقة، تبدأ بجمع كل تسجيلات حفلاتها الحية، وتعمد بعد ذلك إلى تحليل تفصيلي لها.

هذا الكلام يقودنا إلى مجموعة من الملاحظات التوضيحية:

من حيث المبدأ سبقت الإشارة في صفحات سابقة إلى أن أم كلثوم لم تحتكر فقط فضل إحياء الفلسفة الجمالية لغناء القرن التاسع عشر (وعصبها الأساسي الارتجال) في عز القرن العشرين، وإيجاد صلة وجدانية بين عرب القرن العشرين وهذه الفلسفة الجمالية الغنائية، ولكنها فعلت ذلك من خلال معادلة فذة وتاريخية (بكل معنى الكلمة)، لأنها أعادت إحياء تلك الفلسفة الجمالية الغنائية التراثية، بصبغة جديدة ومتطورة في الأداء الغنائي، وفي إطار لحني (وهذا هو الأهم) له كل مواصفات النهضة الموسيقية العربية في القرن العشرين، بمختلف مراحله، وعلى يد ملحنين يختلفون كثيرا في علاقتهم العملية بالتراث القادم من القرن التاسع عشر.

بعد هذه الملاحظة المبدئية الأساسية، لا بد لنا من ملاحظة ثانية، تشير إلى أن أي تقييم موضوعي للخلاصة الفنية لفن الارتجال عند أم كلثوم، لا بد من أن يأخذ في الاعتبار أن مستوى الإبداع الفني في الارتجال الغنائي لم يكن على سوية واحدة في جميع حفلات أم كلثوم، كما يعتقد المتيمون بهذا الفن، الذي يفقدون عند الاستماع إلى أي من نماذجه، أي حاسة نقدية. ذلك أن نسبة غير قليلة من حفلات أم كلثوم تعتمد على ارتجالات محدودة القيمة الفنية، كانت تقوم في أحيان غير قليلة على مجرد تلبية رغبة الجمهور في الإعادة والاستزادة، فتأتي الإعادة في مثل هذه الحالات شحيحة بفنون الارتجال الإبداعي، ولا تتجاوز سوى بعض التصرفات الغنائية المحدودة.

غير أن هذا النوع من الارتجال، كان يقابله في حفلات أم كلثوم، وعلى مدى عمرها الفني كله، نماذج من الارتجال الإبداعي العبقري، الذي يرتفع فيه خيال المغني إلى درجة التماهي والتكامل مع خيال الملحن، بل يصل إلى جو الإضافة الإبداعية لخيال الملحن.

ان هذا الموضوع يستحق دراسات منفصلة (كما أسلفنا)، تقوم على جمع كل تسجيلات حفلات أم كلثوم الحية، وإخضاعها للدراسة المعمقة، حتى يمكن فرز الحفلات التي كان فيها مزاج أم كلثوم الفني، ومزاج فرقتها الموسيقية في لحظات من التجلي الفني الرفيع الذي يستحق حتما إعادة عرضه بكل الوسائل التقنية المتطورة المتاحة على مسامع الأجيال العربية المتعاقبة، ومواكبته بتحليلات دراسية تستخلص منه كل كنوزه الإبداعية، فلا تبقى هذه الكنوز كالذهب المختلط بالنحاس، يتساوى فيه الارتجال الإبداعي العبقري، بالإعادة العادية التي قد تحمل تصرفات عادية، وقد لا تحمل. ويمكنني أن أختم هذه الملاحظة بأن تسجيلات أم كلثوم المفعمة بلحظات الارتجال الإبداعي الكبير، يمكن للمستمع المتمرس أن يستدل عليها إما في عزف الفرقة الموسيقية في مقدمة الأغنية، فيكشف عزفهم من بدايته عن لحظات تجاوب هائل في المزاج الرفيع (في تلك الليلة) بينهم وبين أم كلثوم، أو في العبارات الغنائية الأولى التي تنطق بها أم كلثوم (وربما الكلمة الأولى) التي تحمل منذ البداية كثافة خاصة في مزاج فني غير عادي غالبا ما يحكم تلك السهرة الغنائية من أولها إلى آخرها.

*لا بد في دراسة فن الارتجال عند أم كلثوم دراسة تفصيلية، من استقراء تلك العلاقة السحرية بينها وبين فرقتها الموسيقية من جهة، وبينها وبين الجمهور من جهة ثانية.

العلاقة مع الجمهور

أما بالنسبة للجمهور، فلا بد من استدراك نشير فيه إلى أن هذه العلاقة لم تكن مثالية في كل الأحوال. وربما يمكن القول هنا إلى أن جمهورها الأكثر ثباتا في علاقته بها، كان بلا شك جمهور القاهرة. وهذا أمر منطقي بل بديهي، لأن ما بينها وبين هذا الجمهور عشرة طويلة حية. أما بقية الجماهير العربية، التي تربت على صوت أم كلثوم من خلال المذياع، فقد تفاوتت علاقتها بها، في حفلاتها الحية في مختلف البلاد العربية. ويمكنني هنا أن أقارن على سبيل المثال، بين حفلتين قدر لي حضورهما شخصيا: الأولى في مسرح قصر الاونيسكو ببيروت، وكانت سهرة سنباطية كاملة (عودت عيني، هجرتك، أروح لمين)، كان الجمهور فيها يذكر تماما في تقاليد الاستماع وآدابه ومزاجه بجمهور القاهرة، حتى أنها أفردت في المجال لبعض التقاسيم المنفردة (مع أروح لمين)، وقدمت ضروبا رفيعة من الارتجال الإبداعي في عودت عيني. اما حفلة بيسين عاليه، التي أنشدت في وصلتها الثالثة “الهوى غلاب”، فقد كانت غالبية الجمهور فيها من النوع الاستعراضي الصاخب، الذي ينشغل في كل دقيقة بإظهار نشوته بطريقة سطحية صاخبة، بدل استغراقه في عملية استماع حقيقية. وأذكر تماما، أن ردة فعل أم كلثوم كانت من قماشة تذوق ذلك الجمهور، فاختصرت الأغنية في عشرين دقيقة، كأنها تسجلها على اسطوانة، وأدتها بكل جفاف وبرود، من بدايتها إلى نهايتها.

طبعا، النسبة الغالبة من تسجيلات الحفلات الحية لأم كلثوم، تشمل النوعية الأولى من الجمهور الذي استشهدت به (جمهور مسرح الاونيسكو ببيروت). لذلك يلاحظ أن أم كلثوم كانت تتمتع بميزة ثابتة في علاقتها بجمهورها (إلا في الحالات الشاذة كما أشرت) هي ميزة “الكرم الغنائي الحاتمي”. فحتى في الحفلات التي يكون مزاج أم كلثوم فيها على غير ما يرام، فإنها تغني في الغالب دائما، وكأنها تبذل آخر قطرة من دمها ومن أعصابها ومن جهدها مع كل كلمة تقولها، ولا تبخل بالإعادة إذا ألح الجمهور في طلبها، حتى لو لم تكن هي راغبة في الإعادة ، وهذا ما يفرق (كما أشرت في الملاحظة السابقة) بين الإرتجالات الإبداعية، والاعادات التي تتم بطريقة شبه آلية، لمجرد مراعاة إلحاح الجمهور. حتى أن الناقد الكبير كمال النجمي قد أشار إلى هذه الظاهرة في أحد كتبه، وطالب الجمهور (في منتصف الستينيات) أن يكف عن “ابتزاز” أم كلثوم،ويكتفي منها بما تود هي تقدمه، فلا يضغط عليها في كل مقطع، لتعيد إنشاده مثنى وثلاثا ورباعا.

غير أن هذا ليس سوى وجه من وجوه حفلات أم كلثوم، أزعم أنه ليس الوجه الغالب، خاصة بالنسبة لحفلاتها القاهرية الرسمية، التي يمكن دراسة تسجيلاتها باعتبارها لونا فنيا قائما بذاته، له تقاليده الفنية على المسرح، كما في الصالة، في خط مواز لتقاليد عزف وسماع الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية في الصالات المخصصة لذلك.

وقد تعمدت هذه المقارنة لأغراض عديدة، أهمها كسر ذلك الحاجز النفسي لدى بعض المثقفين العرب، الذين لا يعتقدون بوجود تقاليد راقية في التأليف الموسيقي العربي وفي الغناء العربي وفي آداب السماع العربية، إلا إذا أصبح كل ذلك مطابقا، في شكله ومضمونه، لما هو سائد في الغرب. بينما تثبت حفلات أم كلثوم، بما يقدم على المسرح من عزف وغناء، وبما يسود القاعة من آداب الاستماع الراقي وتقاليده (كما أثبتت حفلات الموسيقى العربية التي كان يقدمها عبد الحليم نويره، والتي نقدمها الفرق التي نسجت على منواله فيما بعد)، هو مواز بل مطابق في روحه ومضمونه للمستوى الحضاري المحترم للموسيقى الأوروبية الكلاسيكية (عزفا وسماعا)، وإن اختلف عنه في بعض التفاصيل الشكلية، الناجمة عن فروق في المزاج والبيئة، لا عن فروق في المستوى الحضاري.

تقاليد الاستماع

وعلى سبيل المقارنة، فان من تقاليد سماع الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية أن يسود صمت شامل في أثناء السماع، حتى يبدو السعال الاضطراري الذي قد يقطع ذلك الصمت، مستهجنا إذا تجاوز الحدود المعقولة. أما التصفيق، فانه ممنوع منعا باتا في ختام أي حركة من حركات العمل الفني الواحد (الذي يتراوح عادة بين ثلاث أو أربع حركات، أو خمس حركات في حالات نادرة)، فإذا انتهى العمل الفني، بجميع حركاته، فللجمهور ان يندفع في التصفيق والهتاف إلى ما شاء، سواء من ناحية رفع عقيرة الصوت، أو مد الهتاف والتصفيق إلى مدى زمني يراه الجمهور ضروريا للتعبير عن إعجابه. ويعتبر ارتفاع عقيرة الجمهور بالهتاف، ودوي تصفيقه ارتفاعا وحدة، وامتداد زمن الهتاف والتصفيق، المعيار الذي يقاس به نجاح الأداء الذي يتم على المسرح.

ويبدو عدم تمرس الجمهور العربي بهذه التقاليد الأوروبية، في حفلات الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، القليلة التي تقدم في أي عاصمة عربية، حيث يخالف قسم من الجمهور تلك التقاليد، لضعف ممارسته في هذا المجال، فيقاطع كل حركة (من العمل الواحد) بالتصفيق، ويستدعي بذلك استهجان القسم الأخر من الجمهور العربي، الذي تمرس بتلك التقاليد في حفلات سماع أوروبية.

أختصر فأقول أن شكل هذه التقاليد لم يكن مطبقا بحذافيره في حفلات أم كلثوم، ولكني أزعم أن روح تلك التقاليد كانت موجودة، مع اختلاف في التفاصيل(كما أسلفت)، ناجم عن اختلاف في طبيعة الفن الذي يقدم على المسرح، واختلاف البيئة الاجتماعية في حرارتها وبرودتها، لا عن اختلاف في المستوى الحضاري، كما أكدت سابقا. وليس علينا للتأكد من دقة هذه الملاحظة وموضوعيتها سوى أن نقارن الجو المحترم الذي كان يسود عملية السماع في حفلات أم كلثوم الحية، حتى عند ذروة اشتداد حالة الطرب والنشوة بين الجمهور( خاصة في القاهرة)، وبين حالة السماع السائدة حاليا لدى الجمهور العربي نفسه، الذي يستمع إلى نماذج الفن الموسيقي والغنائي الاستهلاكي، السائد في الربع الأخير من القرن العشرين.

أما ملامح صورة السماع في حفلات أم كلثوم، فيمكن وصفها كما يلي:

شك بأن الإصغاء الدقيق والمحترم كان هو السيد في تقاليد السماع في حفلات أم كلثوم (وهذا هو الأهم).

كان مسموحا بإطلاق همهمات هادئة مع أي جملة لحنية أو غنائية تحرك مكامن النشوة والطرب، ولكن من دون أن تعلو تلك الهمهمات إلى درجة تقطع على مطلقها، أو على مجاوريه، حالة الإصغاء الجاد والمعمق، بل أزعم أن بعض تلك الهمهمات الهادئة كانت تساعد على شحن أجواء الاستماع الجاد والمعمق بحرارة إنسانية رفيعة.

يجئ التصفيق عادة مع كل نقلة منطقية في الغناء أو الموسيقى، وليس من الضرورة انتظار القفلة النهائية للعمل الفني (كما في الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية)، ولا حتى قفلة كل حركة من العمل (أو كل مقطع وفقا للتعابير العربية)، إن كثيرا من المقاطع في عدد غير قليل من أغنيات أم كلثوم المسرحية، يحفل بقفلات فرعية في وسطه، بما لا يمكن معه أن يكتم الجمهور إبداء إعجابه حتى نهاية المقطع، أو نهاية الأغنية.

نظرا لطبيعة الارتجال الذي تمارسه أم كلثوم غناء، وتمارسه فرقتها الموسيقية عزفا، على اللحن الأساسي الواضح المعالم (والمدون بالنوتة الموسيقية)، فان ردود الفعل التفصيلية للجمهور، خاصة في حفلاتها القاهرية، التي ترتفع فيها عادة درجة الوقار والهدوء، تأتي أولا بأول، وفي مواقع بالغة الدقة عادة (أي في موقعها المناسب)، مما يلعب دورا بالغ الأهمية في تبادل حالة النشوة بين أم كلثوم والجمهور، في عملية ذهاب وإياب لا تتوقف، ويؤدي إلى حالات من تراكم الوجد والنشوة لدى أم كلثوم والجمهور، وإلى تراكم في عملية العطاء الفني التي تتم على المسرح، في غناء أم كلثوم وفي عزف فرقتها الموسيقية، وخاصة ما يقدمه عباقرة العزف المنفرد على العود والقانون والكمان والرق.

أن هذا الوصف هو خلاصة سماع مطول لمعظم حفلات أم كلثوم، إما حية عند إذاعتها، أو في تسجيلاتها. وما على أي مشكك في دقة هذه الملاحظات وموضوعيتها، أو من يرى فيها أي شبهة بمبالغة، سوى أن يستمع (على سبيل المثال لا الحصر طبعا) إلى مقطع “توعدني بسنين وأيام” في لحن زكريا أحمد “أنا في انتظارك” (في التسجيل المطبوع على اسطوانات أو أشرطة صوت القاهرة)، والمقطع الأخير من أغنية “أغار من نسمة الجنوب” (الذي يبدأ بعبارة يا ليتنا) من ألحان رياض السنباطي، حتى يلمس لمس اليد الملامح الكاملة لآداب التقاليد الراقية للسماع في حفلات أم كلثوم (وان اختلفت في التفاصيل عن آداب سماع الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية)، كما يلمس لمس اليد الآفاق الواسعة للإبداع الفني الراقي (عزفا وغناء) التي تفجرها ممارسة الجمهور لآداب السماع هذه، لدى أم كلثوم وفرقتها الموسيقية، وهي آفاق تصل في كثير من الحفلات إلى ذرى عالية في الإبداع الارتجالي لدى أم كلثوم، وتجعلها في حالة من الكرم السخي في حرق أعصابها وإذابتها في كل حرف تنطق به، كما تفجر لدى العازفين (جماعيا وفرديا) إبداعات فنية لا حدود لها، لا بد من الحفاظ على تسجيلاتها كنماذج تاريخية لفن الموسيقى العربية في القرن العشرين، وإحاطتها بكل ما تستحقه من دراسة، لتحويلها إلى نماذج سمعية ودراسية، بين أيدي وآذان الأجيال العربية القادمة.

إن الحوار الارتجالي الإبداعي بين تصرفاتها الغنائية وتصرفات عازفيها، ثم الحوار التحتي الذي يدور بين الآلات المنفردة من كمان وقانون ورق وعود وناي وكونترباص، هي خلاصة ذلك الشكل الفني الذي تخصصت به أم كلثوم في القرن العشرين، امتدادا لفلسفة الارتجال في الموسيقى والغناء العربية في القرن التاسع عشر، وتطويرا خلاقا لتلك الفلسفة والتقاليد الفنية والجمالية الفاحشة الثراء.


الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
sirine
المشرف العام
المشرف العام
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 42620
تاريخ التسجيل : 01/12/2008
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   السبت 11 سبتمبر 2010 - 16:02

تسلم ايدك يا نور
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: sirine
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
انطوانيت
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 57237
تاريخ التسجيل : 11/11/2009
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   السبت 11 سبتمبر 2010 - 20:04

مجهود رائع لموضوع اروع تسلم ايدك نور الغالية
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: انطوانيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50527
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   السبت 11 سبتمبر 2010 - 22:29

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] كتب:
تسلم ايدك يا نور

اسعدني مرورك ياغالية
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50527
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   السبت 11 سبتمبر 2010 - 22:29

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] كتب:
مجهود رائع لموضوع اروع تسلم ايدك نور الغالية

شكرا لمرورك ياغالية
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50527
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الأحد 12 سبتمبر 2010 - 0:03

أ
حمد النجريدي طبيب أسنان هاوٍ لحّن لها أربع قصائد وحاول التقرب منها عاطفياً فأخرجته من حياتها

أبو العلا محمد، وأحمد صبري النجريدي، وداود حسني

مع اختلاف الدور الذي لعبه كل من هؤلاء الملحنين الثلاثة في حياة أم كلثوم، فان قاسما مشتركا يجمع بينها وبينهم، هو أنهم ملحنو المرحلة الأولى في حياتها الفنية، فالأول (أبو العلا محمد) رحل في العام 1927، والثالث (داود حسني) رحل في العام 1937، أما الثاني (الطبيب والموسيقي الهاوي أحمد صبري النجريدي)، فمع أنه بقى على قيد الحياة، وحاول أن يجدد نشاطه الموسيقي في الثلاثينيات والأربعينيات، إلا أن أم كلثوم توقفت عن التعامل معه في أواخر العشرينيات، لأسباب عديدة، ربما كان من الأسباب الفنية بينها، انطلاق مرحلة التعاون الفني بزخم كبير بينها وبين محمد القصبجي (ابتداء من أن كنت أسامح 1928) من جهة، وبينها وبين زكريا أحمد (ابتداء من اللي حبك يا هناه 1931) من جهة ثانية.

لذلك، ولأسباب أخرى سنفصلها في السطور المقبلة، يمكن أن نضع هذا الثلاثي من الملحنين تحت عنوان «ملحنو أم كلثوم الأوائل».

لقد أفضنا بما يكفي، في السيرة الشخصية لأم كلثوم، بتيان تفاصيل العلاقة الشخصية التي بدأت تجمع أبي العلا محمد مع أم كلثوم، منذ أن كان يدعوها للاستماع إليها في جولاته الريفية. لقد كان الشيخ أبو العلا محمد يشترك مع زكريا أحمد في صفتين متوازيتين، كانت ترشح أيا منهما للعب الدور الأول في حياة أم كلثوم بعد انتقالها إلى القاهرة:

صفة الإعجاب المبكر بصوت أم كلثوم، وإصرارهما على ضرورة انتقالها إلى القاهرة لاحتراف الغناء.

صفة الجمع بين إتقان الإنشاد الديني، وإتقان فنون التلحين والغناء الدنيوي، الأمر الذي كان يشكل الجسر الطبيعي الوحيد الذي يمكن أن يشجع أم كلثوم على ذلك التحول التاريخي الكبير من الإنشاد الديني إلى الغناء العاطفي.

ومع ذلك، فقد رأينا أن الذي اختارته أم كلثوم للعب الدور الأول في حياتها القاهرية الجديدة كان الشيخ أبو العلا محمد، لأسباب عديدة منها افتتانها المبكر بصوته، عندما كانت تستمع إليه في الاسطوانات، ثم في رحلاته الريفية، ومنها المهابة التي كانت تنبع من شخصيته الإنسانية، ومن تخصصه في غناء القصائد الرصينة، من دون الأشكال الأخرى للغناء (مثل الدور والطقطوقة). وربما كان هذا السبب الثاني، هو الذي دفع والد أم كلثوم الشيخ إبراهيم البلتاجي إلى اختياره ملحنا أول لأبتنه في القاهرة، عندما كان ما زال هو صاحب القرار الأول في حياتها الشخصية والفنية. ومما يرجح هذا الاعتقاد، انه بالرغم من معرفة زكريا أحمد المبكرة بأم كلثوم، منذ سنوات نشأتها الريفية، ولعبه دورا في إقناع والدها بضرورة الانتقال للقاهرة، فان تعاونه الفني معها قد تأخر من العام 1923 (عام استقرارها في القاهرة) حتى العام 1931، فهل من باب الصدفة أن هذا العام (1931) كان عام رحيل الشيخ إبراهيم البلتاجي، وعام انطلاق التعاون الفني بين زكريا أحمد وأم كلثوم، بزخم غير عادي، حتى كأن ذلك التعاون نهر كانت مياهه محتبسة وراء سد، ثم تدفقت في هدير جارف عند زوال السد؟

على أي حال، فان أبو العلا محمد لم يكن فقط الأستاذ الأول لأم كلثوم في فنون الغناء، ولكنه كان أيضا الملحن الأول في حياتها، الذي سهل لها برصانته الشخصية والفنية، وبتخصصه في تلحين القصائد، إضافة إلى قيامه بتسجيل وترديد بعض ما كان يحفظه من قصائد أستاذه الأول عبده الحامولي (ويحفّظ هذه القصائد بدوره لأم كلثوم) سهل لها كثيرا مهمة موافقة والدها على انتقالها من الإنشاد الديني إلى احتراف الغناء.

لقد بلغ مجمل ما سجلته أم كلثوم بصوتها من قصائد أبو العلا محمد أحد عشر قصيدة، إضافة إلى قصيدتين كان لحنهما ينسبان إلى أبو العلا محمد، غير أن المحققين في تاريخ الموسيقى العربية أعادا لحنهما لعبده الحامولي، هما قصيدة أراك عصي الدمع، وقصيدة أكذّب نفسي.

وقد أتيح لي شخصيا أن أطلع من أحد الذين ساهموا في تصحيح نسبة هذه الألحان، المؤرخ محمود كامل، على الرواية الكاملة لهذا الموضوع .

فقد كانت هاتان القصيدتان اللتان سجلتهما أم كلثوم على اسطوانات، تنسبان في أوساط المحترفين والهواة للشيخ أبي العلا محمد. إلى أن أتيح للأستاذ محمود كامل الاستماع لدى أحد حفظة الاسطوانات الأولى الأول التي كانت تسجل على مخروط معدني يشبه القدح (من هنا اسم اسطوانة، لأن هذا الشكل هو الذي يحمل في علم الهندسة اسم الشكل الاسطواني) إلى قصيدة أراك عصي الدمع بصوت عبده الحامولي. فما كان من محمود كامل إلى أن أسرع إلى أم كلثوم، يزف إليها الخبر ويستفسر منها عن الملابسات.

الوفاء للشيخ أبو العلا

وقد روى لي الأستاذ محمود كامل كيف أن أم كلثوم بحصافتها وذكائها (وربما أيضا بروح الوفاء لأستاذها الأول أبو العلا محمد) حاولت التشكيك في اكتشاف محمود كامل، الذي بادرها بالسؤال: من أين استقيت نسبة لحن «أراك عصي الدمع» للشيخ أبو العلا؟ فروت أم كلثوم أنها لم تسأله يوما عن مصدر اللحن، ولكن بما أنها لم تسمع اللحن إلا منه مباشرة، فقد كانت تستنتج أنه من ألحانه. فلما أكد لها محمود كامل أنه استمع إلى القصيدة (باللحن ذاته) بصوت عبده الحامولي، قالت له مشككة ومدققة: «ولكن، من أي لك أن تعرف صوت عبده الحامولي، ونحن لم نسمع له أي تسجيل آخر؟ فرد محمود كامل: صحيح ما تقولين، فقد بقيت مترددا، إلى أن سمعت في التسجيل صوتا يستحسن الغناء بعبارة: «يا سي عبده»، وهنا أسقط في يد أم كلثوم، وصادقت على رواية المؤرخ الأستاذ محمود كامل الذي نقلها (على ما يبدو) إلى شركة صوت القاهرة، فصدرت أشرطة واسطوانات أم كلثوم القديمة بعد ذلك وهي تحمل اسم «عبده الحامولي» في خانة الملحن، أمام قصيدتي «أراك عصي الدمع» و«أكذب نفسي».

كذلك، لا بد من الإشارة إلى أن بقية القصائد الإحدى عشر التي سجلتها أم كلثوم من ألحان أبو العلا محمد، هي في معظمها، وربما كلها، غير ملحنة خصيصا لأم كلثوم، ولكنها من الألحان التي وضعها أبو العلا محمد لنفسه ولأصوات أخرى، ولكنه سمح لأم كلثوم بإعادة تسجيلها (ربما باستثناء قصيد «الصب تفضحه عيونه» التي لحنها الشيخ أبو العلا من شعر أحمد رامي عندما كان هذا الأخير ما يزال في بعثته الدراسية في باريس).

فإذا انتقلنا أخيرا إلى التقييم الفني الشامل لحصيلة ما غنته أم كلثوم في سنواتها الأولى من ألحان الشيخ أبو العلا محمد، أمكننا القول بكل موضوعية، أن القيمة التاريخية الأولى لهذه القصائد، تكمن في الدور الذي لعبته كجسر أتاح لأم كلثوم الانتقال من الإنشاد الديني (الرصين بطبيعته) إلى الغناء الدنيوي، في أحد أشد ألوانه رصانة (لون القصيدة).

أن في القيمة الفنية المجردة لتلك القصائد، فبالإمكان أن ندرك، إذا أعدنا الاستماع إليها الآن، ومقارنتها برصيد تطور فن القصيدة العربية في القرن العشرين (خاصة بصوتي أم كلثوم وعبد الوهاب وبالحان عبد الوهاب ورياض السنباطي) فأن الأهمية الفنية الكبرى تبقى مرهونة بقصيدتي عبده الحامولي «أراك عصي الدمع» و«أكذّب نفسي»، وبقصيدتي أبو العلا محمد «وحقك أنت المنى والطلب» و«أفديه إن حفظ الهوى»، مع إبقاء المرتبة الثانية في الأهمية الفنية لقصيدة أبو العلا «الصب تفضحه عيونه»، أما بقية ما سجلته أم كلثوم من قصائد لحنها الشيخ أبو العلا محمد، فهي جزء من ذلك الرصيد التاريخي، ولكنها لا تحتل فيه قيمة فنية كبرى.

تجربة النجريدي

فإذا انتقلنا إلى الملحن الثاني في حياة أم كلثوم، طبيب الأسنان والموسيقي الهاوي الدكتور أحمد صبري النجريدي، فيمكن القول أنه لعب في حياة أم كلثوم دورا مساعدا ومكملا لدور أبو العلا محمد.

لقد حفظت لنا تسجيلات «صوت القاهرة» أربعة عشر لحنا من ألحان النجريدي بصوت أم كلثوم، أربع منها على شكل القصيدة (على طريقة أبو العلا محمد)، وعشر على شكل الطقطوقة.

أما القصائد الأربعة فهي: مالي فتنت بلحظك الفتاك، وكم بعثنا مع النسيم سلاما، ولي لذة في ذلتي وخضوعي، وطلع الفجر ولاح، أجملها وأقواها فنيا، قصيدة «مالي فتنت بلحظك الفتاك» للشاعر المخضرم علي الجارم.

ومع أن كل قصائد النجريدي لأم كلثوم نسجت على منوال أبو العلا محمد، فان أقربها إلى مستوى «وحقك أنت المنى»، هي لحن النجريدي «مالي فتنت» الذي يمكن لمن يسمعه للمرة الأولى أن يحسبه من الحان أبو العلا محمد.

لقد لعب أحمد صبري النجريدي دورا مكملا لدور أبي العلا محمد، ليس كأستاذ لأم كلثوم، ولكن كملحن يزودها بالألحان التي تجمع بين الرصانة من جهة، وبين التميز عن الألحان الشائعة بأصوات منافسات أم كلثوم الأوليات. أما الخدمة التاريخية التي قدمها النجريدي لأم كلثوم، في تلك المرحلة الانتقالية الحساسة، فهو أنه بالإضافة إلى مساهمته المشكورة بالحان القصائد الأربع، التي جاءت تدعم خط أبي العلا محمد في تثبيت بداية أم كلثوم الفنية على أسس صلبة راسخة، فقد أكمل هذه المساهمة بأن لحن لأم كلثوم أول ما أنشدته على شكل الطقطوقة (إضافة إلى طقاطيق محمد القصبجي)، ذلك أنه ما كان ممكنا لأم كلثوم، بعد بدايتها الراسخة التي ثبتها أبو العلا محمد، أن تقصر غناءها على القصائد وحدها.

من هنا ولدت حاجتها إلى من يدخلها مجال غناء الطقطوقة، الذي ما كان يمكن لها تجنبها طويلا، ولكنها كانت بحاجة إلى لون من الطقطوقة يجمع بين السلاسة والخفة من جهة، وبين الرصانة التي تميزت بها منذ بدايتها، وتفوقت بها على منافساتها. هنا، لعبت ألحان أحمد صبري النجريدي الدور المطلوب. ولعل أجمل تلك «الطقاطيق» وأكثرها تطلعا إلى الأفق الأوسع لفن الطقطوقة الذي تسلم زمامه في نتاج أم كلثوم زكريا أحمد ومحمد القصبجي طويلا قبل أن ينضم إليهما السنباطي، فيما بعد، هي «طقطوقة» «يا كروان والنبي سلم».

ولعل ما ساعد النجريدي على مهمته، وقوف أحمد رامي إلى جانبه، فتولى كتابة شعر عامي مميز، وساهم بلا شك إلى جانب موهبة النجريدي الطازجة، في تأمين المواصفات المطلوبة لبدايات جادة لصوت أم كلثوم، في لون الطقطوقة.

ومع أن النجريدي قد تورط بتلحين طقطوقة لأم كلثوم بعنوان «الخلاعة والدلاعة مذهبي» يمكن اعتبارها زلة قدم وحيدة لأم كلثوم في حياتها الفنية، في مجال اختبار الشعر الغنائي الراقي، فان من الضروري إبقاء هذه الزلة في حجمها الطبيعي، ذلك أن الاستماع إلى التسجيل الكامل للأغنية، يؤكد أن المستوى العام لكلمات هذه الأغنية ليس هابطا كما يوحي بذلك المطلع. كما أنه إضافة إلى ذلك، فان أحمد رامي تدخل فيما بعد وعدل المطلع ليصبح «الخفافة واللطافة مذهبي»، غير أن تسجيل اسطوانة هذه الأغنية ما زال يحمل المطلع الأول «الخلاعة والدلاعة»، تسجيلا لزلة القدم هذه.

أما أسباب توقف النجريدي عن التلحين لأم كلثوم، مع أنه بقي على قيد الحياة،وبقي يمارس هواية التلحين، فهي متعددة، ويمكن استقراءها واستنتاجها كما يلي:

ظهور محمد القصبجي في حياة أم كلثوم، وتفتح عبقريته اللحنية دفعة واحدة، بعد طول صمت، في ظروف فنية سنحللها في الفصل الذي يحمل اسم القصبجي.

لقد أدت الألحان الأولى التي وضعها القصبجي لأم كلثوم، ابتداء من «إن حالي في هواها» (وخاصة بعد «إن كنت أسامح»)، إلى كشف الحجم المحدود والآفاق المحدودة لموهبة الملحن الهاوي النجريدي، واكتمل هذا الاتكشاف مع انضمام داود حسني وزكريا أحمد (بعد القصبجي) إلى فريق ملحني أم كلثوم، بزخم تأليفي ما كان يمكن لموهبة متواضعة محدودة كموهبة النجريدي أن تقف بجواره أو تجاريه.

يبدو أن سببا شخصيا جاء يكمل هذا السبب الفني، وهو أن النجريدي على ما يبدو، لم يحسن الفصل بين العلاقة الفنية والعلاقة الشخصية، فحاول على ما يبدو التقرب العاطفي من أم كلثوم، الأمر الذي أوجد توجسا لديها، خاصة في تلك الفترة المبكرة التي كانت فيها ما تزال برعاية والدها وشقيقها خالد. فكان أن انسحب النجريدي من حياة أم كلثوم، بل من الحياة الفنية عموما (إذ ليس له بعد أم كلثوم الحان تذكر) بعد أن أدى دوره مشكورا في وقته المناسب، بحجم متواضع، ولكنه خطى صفحة لا تنسى في تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة، لأن هذا الدور اقترن باسم مغنية تاريخية، هي أم كلثوم.

ثالث هؤلاء الملحنين الأوائل لأم كلثوم، هو الملحن المخضرم داود حسني.

ومع أن داود حسني بدأ التلحين لأم كلثوم في العام 1930 (ربما كان لحنه الأول لأم كلثوم دور «شرّف حبيب القلب»)، ومع أنه بقي على قيد الحياة حتى العام 1937، فان تعاونه مع أم كلثوم اقتصر على ثلاثة أعوام فقط 1932-1930، فكان آخر ما سجلت من ألحانه، على شكل الدور أيضا «يا عين دموعك».

حفظت لنا تسجيلات صوت القاهرة أحد عشر لحنا لداود حسني بصوت أم كلثوم، لم يكن غريبا أن تسعة منها كانت على شكل الدور، ولحنين فقط على شكل الطقطوقة.

وسنكتشف، ونحن نحلل تفاصيل التعاون بين أم كلثوم ومحمد القصبجي، أن المسيرة التاريخية لفن أم كلثوم، كان لا بد لها لتكتمل، في مسارات حافلة بكل مدراس التلحين العربي المعاصر، من أن ينخرط فيها، إلى جانب القصبجي، وتياره التجديدي الجارف، ملحنون في كلاسيكية وتقليدية داود حسني وزكريا أحمد.

لقد كان داود حسني، منذ نشأته الفنية في إطار النهضة الموسيقية الأولى، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، يعتبر التلميذ النجيب لزعيم ملحني تلك النهضة الأولى (محمد عثمان). وبما أن محمد عثمان هو صاحب الإنجاز الأهم في تطوير شكل الدور وإيصاله إلى أعلى ذراه في أواخر القرن التاسع عشر (كادني الهوى، ياما انت واحشني، أصل الغرام نظرة، قد ما أحبك، في البعد ياما، إلى أخر هذه السلسلة الذهبية من الأدوار الخالدة)، وبما أنه كان يقول عن داود حسني إنه خليفته، كان لا بد أن يكون لداود حسني باع في تلحين الأدوار، خاصة وان شكل الدور بقي مزدهرا حتى منتصف عقد الثلاثينيات مع زكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب.

لقد كان ظهور داود حسني في حياة أم كلثوم، على قصره واقتصاره على سنوات ثلاث، ضرورة تأسيسية هامة في مرحلة تكامل ملامح شخصية أم كلثوم الفنية. فبعد أن أسس لها أبو العلا قاعدة الانطلاق المتينة الراسخة، ويسّرت لها الحان النجريدي اللطيفة سيلا إضافية للانتشار، جاء القصبجي ليبدأ مع أم كلثوم ما يمكن أن نسميه بدون مبالغة ثورة تجديدية، موازية لثورة عبد الوهاب التجديدية. وبما أن مزاج أم كلثوم الفني، بتركيبته الداخلية، كان (كما ثبت فيما بعد) أشد محافظة من مزاج القصبجي، فقد كان ضروريا أن يظهر في حياتها، إلى جانب القصبجي الذي فتح لها أبواب فن المونولوج الجديد على مصاريعة، ملحن (أو أكثر)، يزودها بألوان كلاسيكية تقليدية متطورة، تتصل بمزاجها الشخصي وتلبي حاجاته، وتواصل البداية الكلاسيكية التي أسسها أبو العلا محمد. ومع أن زكريا أحمد قد جاء بعد داود حسني بسنة واحدة (1931) ليأخذ الموقع الرئيسي في لعب هذا الدور، فان داود حسني هو الذي أخذ المبادرة، في مرحلة كان يعيش فيها ذروة نضجه الفني، فكان أول من لحن لأم كلثوم في شكل الدور، وهو النمط الذي تابعه باقتدار وتميز وتوسع فيما بعد (كما سنرى) زكريا أحمد ، حتى بلغ عدد الأدوار التي غنتها أم كلثوم من الحان داود حسني وزكريا أحمد العشرين دورا، وربما تجاوزها، وهو رقم قياسي في هذا الشكل الفني المعقد من أشكال الموسيقى العربية في القرن العشرين، خاصة إذا قارناه بما أنجز محمد عبد الوهاب من أدوار وهي خمسة، لم يصلنا منها بصوت عبد الوهاب إلا أدواره الأربعة الرائعة الشهيرة.

على أي حال، كان داود حسني في تلك السنوات قد بلغ ذروة نضجه الفني، وأصبح يمارس دوره في رعاية كثير من المواهب الناشئة المبشرة، ولم تكن أم كلثوم أول وآخر من احتضن داود حسني من مواهب، فقد تدرب على يده كل من أسمهان (هو الذي اختار لها اسمها الفني) ومحمد عبد المطلب وليلى مراد وسواهم. ولعل أجمل ما لحن لأم كلثوم من أدوار كان «روحي وروحك في امتزاج» الذي تعتبر الآهات في وسطه (والآهات في الوسط شرط من شروط الشكل الفني للدور) من أروع ما أنشد من آهات في تاريخ الدور في القرنين التاسع عشر والعشرين. إضافة إلى طقطوقتين جميلتين: حسن طيع اللي فتني، ويا فؤادي إيه ينوبك، ولكنهما لم ترتفعا إلى مستوى ما سيلحنه زكريا أحمد لأم كلثوم من طقاطيق مدهشة، فيما بعد.

لقد أدى هؤلاء الملحنون الثلاثة الأوائل أدوارا تأسيسية متفاوتة الأهمية، وان كانت متكاملة بلا شك، بين أبي العلا محمد، وأحمد صبري النجريدي وداود حسني، ومهدوا الطريق واسعا وعريضا أمام الثلاثة الآخرين، الذين أطلقنا عليهم لقب «الملحنون الرئيسيون» لأم كلثوم»: محمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي
.


إلياس سحاب
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50527
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الأحد 12 سبتمبر 2010 - 0:07

زكريا أحمد والقصبجي كانا يعملان في منافسة عبقري آخر هو محمد عبدالوهاب فزادهما التنافس إبداعاً

محمـــد القصبجـي

إن من يستعيد مسيرة العلاقة الفنية التي جمعت بين أم كلثوم ومحمد القصبجي في فترتها المثمرة (أي في العقدين الأولين لتلك العلاقة) ويراجع الثمار الفنية الشديدة الغنى والتميز التي أنتجتها هذه العلاقة في مدى زمني قصير نسبيا، لا يتجاوز الستة عشر عاما (1925 –1941)، يهيء له أن هذا اللقاء التاريخي، كان أشبه بالشلال الذي ظل يتدفق بغزارة وتميز ملفتين للنظر، حتى تلك اللحظة الدرامية التي توقف بها الشلال عن التدفق توقفا كاملا، حاولنا تفسير أسبابه المحتملة في صفحات سابقة من هذا الكتاب.

وبما أن مثل هذا التدفق الفني الغزير لا يمكن أن ينطلق من فراغ، فان مقارنة سريعة بين مرحلة التكوين لدى الفنانين الكبيرين (القصبجي وأم كلثوم)، تضع بين أيدينا دفعة واحدة، وبوضوح كامل، الأسباب الكامنة وراء التدفق الفني لذلك الشلال الفني المدهش، منذ اللحظة الأولى للقائهما. لقد حفلت مرحلة التكوين للفنانين الكبيرين، بحالة من الاحتشاد الفني المكثف والمعمق، لدى كل منهما، فكانت أم كلثوم، حتى انتقالها من الريف إلى القاهرة، تغرف من ينابيع الإنشاد الديني الذي يختصر ويكتنز خلاصة الفلسفة الجمالية للغناء العربي والمقامات العربية والإيقاعات العربية، وتستكمل ذلك في القاهرة، بالاتصال بينابيع النهضة الموسيقية الأولى، على يدي أستاذها الأول أبو العلا محمد. أما القصبجي، فكان طيلة العقود الثلاثة التي سبقت لقاءه بأم كلثوم، يغرف من ينابيع نهضة القرن التاسع عشر ويتمرس على يدي والده بعلوم التدوين الموسيقي الغربي، ويواصل الاطلاع على روائع الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية، ويطور تقنياته العالية في تملك آلة العود، حتى أصبح أحد أكبر أساتذتها، ويرافق ويعايش، إضافة إلى كل ذلك، الثورة التجديدية التي أطلقها سيد درويش، الذي ولد مع محمد القصبجي في ستة واحدة (1892) ولكنه سبقه كثيرا في تفجير مكنونات عبقريته الموسيقية. إن أشد ما يلفت النظر في مسيرة محمد القصبجي، أنه عندما رحل سيد درويش في العام 1923، بعد أن فتح كل الأبواب على مصاريعها أمام تطور الموسيقى العربية نحو كلاسيكية جديدة تحمل كل بذور تجديد الكلاسيكية التقليدية للموسيقى العربية، كان محمد القصبجي ما يزال في مرحلة الاختزان والتكوين، بدليل أن تاريخ القصبجي الفني لم يسجل له حتى 1925، أي إبداع فني يمكن أن يسجل في رصيده التاريخي.

قد تكون أسباب عديدة وقفت وراء تأخر عبقرية القصبجي عن التدفق الإبداعي، غير أن السبب الأهم والأبرز (الذي يمكن استنتاجه بناء على المقارنة بين مستوى ونوعية الفن السائد في تلك الأيام، ومستوى ونوعية الفن الذي عبر عنه القصبجي من خلال حنجرة أم كلثوم بعد ذلك)، هو أن نوعية الفن الذي كان القصبجي يختزنه في مرحلة التكوين، ومستوى الآفاق التي يرنو إليها ويفكر في الإبداع باتجاهها، هذه النوعية وهذا المستوى كانا لا يمتان بصلة إلى الفن الرائج في تلك الأيام، بأصوات مثل عبد اللطيف البنا بين الرجال، ومنيرة المهدية بين النساء.

صحيح أن القصبجي كان قد بدأ يشتغل بالتلحين والعزف من داخل إطار ذلك الفن السائد، ولكن هزال القيمة الفنية لما أنتجه في تلك المرحلة (بدليل سقوط كل ذلك الإنتاج من تاريخه الفني) مقارنة بعظمة إنتاجه من خلال صوت أم كلثوم، تؤكد أن القصبجي إنما كان يلحن بمهنية احترافية سطحية، ويؤجل تفجير ما يختزن في أعماقه من فن كبير، إلى حين العثور على الصوت والأداء الذي يمكن لهما أن يتوليا ترجمة المعدن الفني النفيس الذي تختزنه أعماقه.

وحتى نتمكن من الغوص في أعماق تفاصيل الشخصية الموسيقية الجديدة التي أطلقها القصبجي بصوت أم كلثوم، ولا نبقي كلامنا عن هذه الشخصية في زاوية العموميات والتوصيف المبهم بين رفعة المستوى وعمق التعبير، فان من الأهمية بمكان أن نبدأ بمحاولة توصيف دقيق ومحدد لملامح تلك الشخصية المميزة للإبداع الفني الذي جاء ثمرة التعاون بين العبقرية الموسيقية لمحمد القصبجي، والعبقرية الغنائية لأم كلثوم.

لقد لخص الناقد الكبير كمال النجمي خلاصة الشخصية التلحينية لمحمد القصبجي خير تلخيص عندما قال في سلسلة مقالاته التي نشرها في مجلة “فن “ اللبنانية (ولم تجمع في كتاب حتى كتابة هذه السطور)، عندما قال أن القصبجي هو في الأساس ملحن مونولوج.

ولست أجد في كل ما قرأت، وبعد سماع مطول ومكرر لكل إنتاج محمد القصبجي، بصوت أم كلثوم (وهو نتاجه الأساسي) أو بأصوات أخرى (مثل أسمهان وليلى مراد على وجه الخصوص)، لست أجد مدخلا سليما إلى اكتشاف ملامح الشخصية الموسيقية لمحمد القصبجي أفضل من هذا المدخل.

ينسب إلى القصبجي عادة أنه مبتكر شكل المونولوج في الموسيقى العربية، من خلال مونولوج “إن كنت أسامح وأنسى الأسية”، في العام 1928، وسرعان ما ألحقه عبد الوهاب بعد ذلك بأشهر قليلة، بمونولوج “أهون عليك”، ثم انطلق الاثنان يبدعان في هذا الشكل، قبل أن ينضم إليهما بعد ذلك بسنوات العبقري الثالث رياض السنباطي.

والحقيقة التاريخية أن شكل المونولوج باعتباره شكلا موسيقيا يعتمد على السرد الموسيقي الموحد من مطلع الأغنية حتى ختامها، من غير تقطيعه إلى مقاطع، كما في الأشكال الأخرى مثل الموشح والطقطوقة والدور، هذا الشكل كان قد ظهر قبل إن كنت أسامح، في نماذج لسيد درويش وعبد الوهاب، ولكن على شيء من الاستحياء وعدم اكتمال الملامح التاريخية لذلك الشكل.

أما فيما يتعلق بالقصبجي، فمن الواضح أن نضج شكل المونولوج في عمق فلسفته الموسيقية، وسيطرته على خياله الموسيقي من بداية تعامله مع أم كلثوم إلى نهاية ذلك التعامل، إنما كان ثمرة طبيعية للمؤثرات التي رسخت في المخيلة الموسيقية للقصبجي (كما لعبد الوهاب) من طيلة الاستماع إلى النماذج الرفيعة للغناء الاوبرالي الاوروبي (موزار النمساوي وفيردي الايطالي وسواهما).

وإذا كان عبد الوهاب قد بدأ يجرب هذا الشكل الجديد في السرد الموسيقي بصوته وأدائه العبقريين، فان محمد القصبجي ما كان يمكن له أن ينطلق في إخراج تلك المؤثرات الأوروبية في أعمال موسيقية عربية من خلال الأصوات التي كان قد بدأ بالتلحين لها قبل التقائه بأم كلثوم، مثل منيرة المهدية وفتحية أحمد وسواهما، خاصة وأنه كان بين ملحني عصره الوحيد ربما، الذي لا يملك من مقومات الغناء، لا جمال الصوت (مثل عبد الوهاب والسنباطي) ولا حتى حسن الأداء (مثل زكريا أحمد).

إن حالي في هواها

ومع أن تبلور ملامح المونولوج في الغناء العربي لم يكتمل إلا في لحن القصبجي لأم كلثوم “أن كنت أسامح”، في العام 1928، فالحقيقة أن هذه الملامح كانت قد بدأت بالظهور، على يدي القصبجي (وسواه) قبل ذلك بسنوات وفيما يخص القصبجي وأم كلثوم، فما علينا سوى الاستماع إلى لحن قد يكون الأول الذي وضعه القصبجي لأم كلثوم (إن حالي في هواها عجب، 1925) حتى نكتشف أن هذه الأغنية التي قد تصنف عند التحليل الأولي والسطحي لها أنها قصيدة، هي أقرب بكثير إلى مونولوجات القصبجي (كما تبلورت فيما بعد)، وأنها لا تمت بأي صلة للقصيدة التقليدية التي كان يرسي دعائمها ويرسخها في السنة نفسها، ومن خلال صوت أم كلثوم نفسه، الشيخ أبو العلا محمد.

فعندما كان محمد القصبجي بعد ذلك (وإلى نهاية مسيرته الفنية) يلحن على شكل الطقطوقة (ليه تلاوعيني، انت فاكراني، ما دام تحب بتنكر ليه) أو على شكل القصيدة (أيها الفلك، انظري هذي دموع الفرح)، فان القيود الشكلية للطقطوقة والقصيدة، لم تكن تقف حاجزا أمام خياله الفني من الانطلاق وراء فلسفة السرد الموسيقي، التي سيطرت على خياله الموسيقي طيلة حياته، وطلت عشقه الكبير في التأليف الموسيقي والتلحين، بغض النظر عن القوالب والأشكال الموسيقية التي يتناولها.

هذا كله، كان في النصف الأول من عقد العشرينيات ما زال يعتمل في الأعماق الفنية لمحمد القصبجي، دون أن يجد متنفسا عمليا له عبر صوت بشري قادر على تنفيذ كل هذه التطلعات الفنية الجديدة والجريئة.

لا شك بأن المدخل الأول إلى تلك العلاقة التاريخية بين أم كلثوم والقصبجي كان مؤسسا على ضرورات عملية، أهمها حاجة أم كلثوم إلى فرقة موسيقية محترفة، على مستوى فني راق إلى الحد الأقصى وفقا لمواصفات ذلك الزمن. ولم يكن غريبا أن تضم تلك الفرقة عازف القانون الكبير المخضرم محمد العقاد، القادم من أعماق تجربة القرن التاسع عشر (كان عازف القانون في تخت عبده الحامولي)، وعازف العود محمد القصبجي، الذي سيكون أحد أجرأ مجددي الموسيقي العربية في القرن العشرين، فذلك كان المنعطف الانتقالي الكبير بين مرحلة القرن التاسع عشر ومرحلة القرن العشرين.

وعندما حانت لحظة التعامل المباشر لأم كلثوم مع محمد القصبجي الملحن المبدع (وليس فقط محمد القصبجي العازف المبدع)، لا شك بأن الخط اللحني الذي أطلقه القصبجي بحنجرة أم كلثوم ابتداء بالقصيدة المونولوج “إن حالي في هواها عجب” مرورا بالمونولوج الشهير “إن كنت أسامح” وصولا إلى المونولوج التاريخي (بكل ما في الكلمة من معان) “رق الحبيب”، إنما كان صاحب القرار فيه، والمخطط والمنفذ، هو محمد القصبجي، وذلك لأسباب عديدة:

إن سن أم كلثوم، وتجربتها المحدودة، عند بداية التعاون، لم يكونا في وضع يسمح لها بأن تشارك في مثل هذه القرارات الخطيرة فنانا يكبرها بعشر سنوات من السن والتجارب الفنية.

من المؤكد أن من يقارن بين النشأة الفنية لأم كلثوم، سواء في حضن الإنشاد الديني، أو في حضن مدرسة الشيخ أبو العلا محمد، وبين الخط الفني التجديدي الذي أطلقه محمد القصبجي وتوغل فيه إلى آفاق بعيدة، يدرك تماما عجز أم كلثوم في ذلك الوقت عن مجاراة القصبجي في تصوراته للمستقبل، حتى لو طلب إليها القصبجي مشاركته في قرار اختيار الألحان المناسبة لها. إن من المنطقي الجزم بأن ألحان داود حسني لأم كلثوم (1930 – 1932)، وألحان زكريا أحمد لها ابتداء من العام 1931، كانت هي الخيار الطبيعي والمنطقي لأم كلثوم، لو كانت صاحبة القرار الأساسي في اختيار الألحان وفي تحديد الخط اللحني الذي يناسبها (كما أصبحت فيما بعد).

يمكننا إذن إذا أردنا اكتشاف المراحل العملية لتكون ذلك الثنائي الفني الكبير، أن نسير في الاستقراء المنطقي المادي لما بين أيدينا الآن من ثمرات ذلك التعاون، أن نستنتج أن عناصر الثورة التجديدية كانت في منتصف العقد الثالث من القرن العشرين (1925) قد نضجت في أعماق محمد القصبجي، وأنه عندما بدأ يستمع إلى صوت أم كلثوم، في جلسات خاصة، أو في الحفلات الحية، أو في استوديوهات التسجيل، قد بدأ يكتشف ضالته المنشودة التي كان يبحث عنها، لتفجير مكنوناته الموسيقية الكامنة حتى ذلك الوقت.

صحيح أن صوت أم كلثوم لم يكن قد اكتمل في تلك الأيام، لا في خامته الصوتية، ولا في تجربته الآدائية، ولكن صوتها كان قد بدأ يكشف منذ تلك الأيام المبكرة، عن كنزين (على الأقل) من الكنوز المخبأة في تلك الحنجرة الاستثنائية:

المساحة الصوتية غير العادية، بين الجوابات العليا، والقرارات المنخفضة (استمع إلى البيت الأول من القصيدة المونولوج “إن حالي في هواها عجب”، 1925).

إن الرصانة والجدية في أداء أم كلثوم، إضافة إلى بداية امتلاك تقنية التملك بالصوت والتحكم به، كانت من الثمار التي بدأت تنضج، من طول ممارستها للإنشاد الديني، ولقصائد أبي العلا محمد، وكلها مشبعة بالرصانة والجدية البعيدة تماما (بل المناقضة) للغناء النسائي الترفيهي الذي كان سائدا في تلك الأيام.

لقد كان هذان الكنزان كافيين (من البداية) لتحريك كل الكوامن الإبداعية لمحمد القصبجي، وإخراج مشاريعه الفنية من مخابئها، بعد العثور على الصوت القادر على تنفيذها وإطلاقها. غير أن شروطا أخرى كانت مطلوبة لاكتمال ولادة ونجاح مغامرة المونولوج الغنائي إضافة إلى المخيلة الموسيقية الفذة لمحمد القصبجي، فقد كانت تلك المخيلة تحتاج إلى الشاعر الذي يستطيع أن يبدع شعرا غنائيا موازيا للأجواء الرومانسية أو الدرامية التي يتطلبها فن المونولوج، تمثلا بمقاطع “الآريا” في الأوبرا الأوروبية، الذي اقتبس منه. وقد وجد القصبجي في شاعرية احمد رامي ضالته المنشودة في هذا المجال. أما بالنسبة للصوت، فمع أن اتساع مساحات صوت أم كلثوم، ونمو خبرتها في التدريب الاحترافي على استخدام الصوت، كانا يلبيان شرطين أساسيين في الصوت المطلوب لأداء المونولوج، فقد كان هناك شرط ثالث لا بد من وجوده لاكتمال الشروط الغنائية المطلوبة، وهو أن يكون الصوت مدربا على أداء المساحات اللحنية الواسعة كما في فن الأوبرا الأوروبي، ليس باتجاه تطويع النطق العربي لمخارج الحروف الأوروبية (وهذا تشويه فظيع فشل كل من حاوله فشلا ذرعيا)، ولكن في الاحتفاظ بمخارج الحروف العربية وفقا لقواعدها التقليدية، مع تطويع للصوت على القفزات والانتقالات الواسعة في المساحات الصوتية، على غير عادة الغناء العربي التقليدي، ذي المساحات المتقاربة، على طريقة فن المنمنمات في الفنون التشكيلية العربية التقليدية.

تجديدات القصبجي

إننا عندما نستمع إلى أداء أم كلثوم في مونولوجات محمد القصبجي، نكتشف حتمية أن يكون صوتها قد تلقى تدريبات مطولة على هذا الأسلوب الجديد في الغناء، المقتبس من الغناء الأوروبي، مع تطويعه للطبيعة المقامية العربية، ولقواعد مخارج الحروف العربية، ذات الموسيقى العربية الخالصة، التي لا يمكن التلاعب بها. ومما يجب التأكد منه عند اكتمال الدراسات المفصلة عن تلك الجوانب الخفية في حياة أم كلثوم الفنية، معرفة ما إذا كانت قد قامت بهذه التدريبات وحدها، أم مع أستاذها محمد القصبجي، وان كان الاحتمال الثاني هو المرجح، لأنه كان على صلة معمقة بفنون الموسيقى الأوروبية ( من سمفونية واوبرالية). لم تكن ميسرة لأم كلثوم.

طبعا لم تكن كل الحان محمد القصبجي لأم كلثوم، خاصة في عقد العشرينيات، تحفا فنية متساوية في نضجها وجمالها وقوة مادتها اللحنية، ولكنها كانت كلها (من أشدها جمالا، إلى أقلها جمالا) تحمل بذور تلك المغامرة التجديدية الكبرى.

ومع أن ملحنين شديدي المحافظة لم يتأخرا عن الظهور في حياة أم كلوم (داود حسني وزكريا أحمد)، فقد كان لأم كلثوم، وقد بدأت ملامح شخصيتها المستقلة تتكون بوضوح (خاصة بعد رحيل والدها في العام 1931) فضل مزدوج في تعاملها مع محمد القصبجي:

فضل الاندفاع بلا أي تردد، في اقتحام التجربة التجديدية الجريئة لمحمد القصبجي بكل جوارحها وعواطفها وأحاسيسها (وليس فقط بمواهبها الصوتية النادرة)، مع أن من يستمع اليوم إلى البداية الكبرى في تلك التجربة (إن كنت أسامح) وإلى مراحلها المتطورة بوتيرة سريعة فيما بعد، يدرك كمية الشجاعة التي احتاجتها أم كلثوم في ذلك الوقت، للخروج من المياه الدافئة لشواطئ الأمان التي كانت تشعر بها في حضن الإنشاد الديني، والغناء الدنيوي النابع من جذور ذلك الإنشاد الديني (مثل قصائد أبو العلا محمد في البداية، والحان داود حسني وزكريا احمد فيما بعد)، إلى أعماق المحيطات الباردة التي كانت الحان القصبجي الجريئة تشدها إليها.

إن الزخم الفني الذي سندخل إلى تفاصيله في الفصل اللاحق، والذي أطلقه الشيخ زكريا أحمد بمجموعة بالغة الروعة والجمال ومتانة البنيان الفني، في الطقاطيق والأدوار، الضاربة جذورها في أعماق الكلاسيكية العربية التقليدية، لم يهز إيمان أم كلثوم وتمسكها بتجربة القصبجي التجديدية، ومواصلة اندفاعها معه بلا تردد. فتحول عقد الثلاثينيات إلى مسرح حي للتكامل المدهش بين تجربتي محمد القصبجي وزكريا أحمد، على ما فيهما من اختلاف وتمايز، من خلال صوت واحد، كانت خامته تزداد نضجا وحلاوة وتهذيبا، وكانت خبرة الأداء التي تديره تزداد غنى واقتدارا.

لقد انعكس هذا التزاوج الفني في التجارب الموسيقية لكل من القصبجي وزكريا أحمد، انعكاسا إيجابيا لا حدود لآفاقه، على كلا الملحنين ( خاصة إذا تذكرنا أنهما كانا يعملان في منافسة عبقري آخر في التلحين والغناء هو محمد عبد الوهاب). وباستطاعتنا أن نلمس ذلك لمس اليد، إذا أعدنا اليوم الاستماع إلى النضج والاكتمال اللذين بدأت تدخلهما تجربة القصبجي في أعمال مثل : طالت ليالي البعاد (مونولوج ) يا فايتني وأنا روحي معاك (طقطوقة) تبيعيني ليه (طقطوقة)، محتار يا ناس، ياعشرة الماضي الجميل، جنة نعيمي، انت فاكراني، ليه تلاوعيني، فين العيون، انظري، أيها الفلك، يللي رعبت العهود، ليه يا زمان، يا بهجة العيد، يللي ودادي صفالك. ثم روائع القصبجي في فيلم نشيد الأمل ( يا مجد، منيت شبابي، يللي صنعت الجميل)، وصولا إلى مونولوج “رق الحبيب”، وطقطوقة “ما دام تحب بتنكر ليه”.

إن النضج التصاعدي لملامح الجمال الفني، والخبرة التقنية الاحترافية المتألقة، لهذه الأعمال التي أبدعها القصبجي لحنجرة أم كلثوم، تشكل كنزا موسيقيا حقيقيا، يمكن أن يكون موضع فخر واعتزاز وغنى حضاري، لأكثر الأمم تقدما ورقيا في الموسيقى، ما يستحق إنشاء دراسات نظرية مطولة بشأنها، ترصد عشرات الظواهر الفنية الناضجة التي أثمرتها، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر:

تلك الثنائية المقامية المتكررة بتعمد واضح بين مقامي العجم والصبا (على غرار ثنائية عبد الوهاب التاريخية الجميلة بين مقامي النهاوند والبياتي)، لاغناء التعبير الفني من جهة، ولإحداث الصدمة الجمالية المدهشة في انتقالات مقامية عميقة ومدروسة، من أهم مزاياها (إضافة إلى المتعة الفنية الراقية الرفيعة)، أنها تشبه الدراسات الموسيقية النظرية للتزاوج العملي والجميل والمقنع بين الجذور المقامية التاريخية للموسيقى العربية، وبين أي مؤثرات طبيعية وافدة من الاستماع إلى النتاج الحضاري الهائل للموسيقى الكلاسيكية الاوروبية، من غير مساس بالروح المقامية للموسيقى العربية، بل في عملية إغناء حقيقية وخلاقة لهذه الروح، كما كان يحصل دائما في تفاعل المؤثرات الحضارية بين شعوب ضفتي البحر الأبيض المتوسط، الشمالية والجنوبية على مر التاريخ، منذ الفراعنة والإغريق، إلى يومنا هذا.

تجربة التوزيع الهارموني البسيط والعميق، الذي استخدم في فيلم نشيد الأمل ، على الحان القصبجي (كما على الحان السنباطي). وخاصة عندما تناول التوزيع مقاما عربيا تقليديا هو مقام الراست (في مطلع مونولوج “منيت شبابي”)، فحافظ مقام الراست على طبيعة جذوره التاريخية، واكتسب آفاقا تعبيرية جديدة فائقة الروعة والجمال والعمق التعبيري.

يمكن القول أن سفينة هذا التعاون المدهش حقا بين محمد القصبجي المجدد الجريء (حتى المغامرة) وأم كلثوم الناشئة في أحضان الكلاسيكية العربية التقليدية، ظلت تسير بسلام وسط صخور المغامرات الجريئة، حتى فيلم عايدة، الذي قرر فيه القصبجي (وأغرى معه السنباطي بالمغامرة) اقتحام تجربة تلحين مقطعين اوبراليين على الطريقة الغربية، كانت القشة التي قصمت ظهر البعير في تلك المغامرة الجميلة، مما وضع لها نهاية مفاجئة، ومأساوية (كما أسلفنا وفصلنا في القسم الأول من الكتاب).

فإذا تجاوزنا النتائج الإنسانية لذلك التحول المفاجئ، إلى حدود النتائج الفنية، فان من الضروري التأكيد على أنه مع كل ما أنجزته التجارب الفنية التي خاضتها أم كلثوم، بعد قطيعتها مع القصبجي، ابتداء من اكتمال التجربة السنباطية، إلى آفاق التنوع الذي دخلته أم كلثوم بعد ذلك مع بقية من لحنوا لها بعد مرحلة التفرد السنباطي، فان دخول أم كلثوم عصر الحفلات المسرحية الحية، قد أحدث تحولا جذريا في نمط الألحان التي تؤديها، ابتداء من قطيعتها مع القصبجي، وحتى آخر حفلاتها الحية، الأمر الذي كانت له (مع كل إيجابياته) سلبية كبرى، هي أنه حجب عن آذان العرب المعاصرين، عظمة التجارب السابقة لأم كلثوم(خاصة في عقد الثلاثينيات)، عندما كان الغناء على اسطوانات مسجلة، ينتج أنماطا تلحينية في غاية العظمة والروعة، انحسرت كلها عن ساحة التفاعل الحي مع آذان المستمعين العرب، وراء سيطرة أنماط الغناء الكلثومي المسرحي الحي (على عظمته التي فصلناها في صفحات سابقة)، وبسبب سياسة البرمجة الخاطئة في أجهزة الأعلام العربي كلها (السمعي منها، وخاصة البصري)، التي تركض وراء الموجة الفنية الرائجة، بدل أن تبرمج خططها وفقا لمعايير فنية ناضجة وثابتة ومسؤولة وشاملة.

إن جهودا حقيقية مطلوبة الآن، وبكل جدية وزخم، ليس فقط لإطلاق الدراسات النظرية الشاملة لكل ذلك النتاج الفني الفاحش الثراء، بل أيضا لإخراج نماذجه الحية من مخازن ورفوف الإذاعات والتلفزيونات العربية، ووضعه في متناول الأذن العربية المعاصرة، في علاقة سمعية يومية حية (إضافة إلى جهود فرق الموسيقى العربية على المسارح)، في عملية لا تقتصر على إنعاش الذاكرة الموسيقية والغنائية العربية فقط، بل تعمد إلى فتح الطرق واسعة فسيحة أمام حاضر ومستقبل الموسيقى والغناء العربيين.

أما الدراسات النظرية التفصيلية، فمطلوبة لأكثر من غرض أهمها، إعادة استكمال الملامح الكاملة للشخصية الفنية لأم كلثوم (وكل واحد من ملحنيها الأساسيين)، لأن فن أم كلثوم لم يعد يعني بالنسبة للهواة، كما لكثير من المحترفين حتى، سوى ذلك الفن الذي ابتدأ مع يا ظالمني وعودت عيني وإنت عمري وألف ليلة وليلة، علما بأن أم كلثوم قد سجلت على اسطوانات قصيرة كنوزا من النماذج الفنية التي ليس لها نظير (في مرحلة غنائها الحي على المسرح) في عمقها وفي مادتها اللحنية وفي قوة بنيانها الفني، وفي تطلعها إلى آفاق بعيدة المدى، تعتبر كنزا لا ينضب من التجارب والإنجازات لكل من يحلم باستعادة مسيرة الموسيقى العربية الكلاسيكية الجادة.

الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
sirine
المشرف العام
المشرف العام
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 42620
تاريخ التسجيل : 01/12/2008
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الأحد 12 سبتمبر 2010 - 3:30

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


موضوع مميز يا غالية
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: sirine
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
انطوانيت
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 57237
تاريخ التسجيل : 11/11/2009
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الأحد 12 سبتمبر 2010 - 11:41

موضوع قيم ومجهود تشكرين عليه يا غالية
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: انطوانيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50527
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الإثنين 13 سبتمبر 2010 - 0:40

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] كتب:
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


موضوع مميز يا غالية


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50527
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الإثنين 13 سبتمبر 2010 - 0:43

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] كتب:
مجهود رائع لموضوع اروع تسلم ايدك نور الغالية


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50527
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 1:00

عاد بيرم التونسي من المنفى وفي 1939 قدّم الأمل ثم في عام 1947 أغنية حلم

أم كلثوم... السيرة والأغاني - السيرة الفنية (الحلقة الحادية والعشرين)
زكريا أحمد حـافظ على الأصـالة وبـدأ مشواره معها في اللي حبك يا هناه والسنباطي افتتح العلاقة بـ على بلد المحبوب ودّيني
عاد بيرم التونسي من المنفى وفي 1939 قدّم الأمل ثم في عام 1947 أغنية حلم


إذا كان محمد القصبجي يمكن اعتباره فارس مرحلة الفن الكلثومي الذي انتج ضمن مواصفات التسجيل لمدة زمنية محدودة تفرضها الاسطوانة،لأن لحنا واحدا له فقد انضم إلى عصر الحفلات الحية لأم كلثوم (رق الحبيب)، فإن زكريا أحمد هو الفارس المخضرم بين المرحلتين، ذلك أنه شارك زميله محمد القصبجي في إبداعات فنية تاريخية، عندما كانا يلحنان لأم كلثوم في إطار التسجيل لاسطوانات (في الثلاثينيات)، ولكنه انطلق فيما بين 1937 و1947، يغذي رصيد أم كلثوم المطلوب لحفلاتها الحية، بسلسلة من المونولوجات المطولة، التي تفرغ بيرم التونسي لكتابتها والتخصص لها، هي من صميم الرصيد الذهبي التاريخي لفن أم كلثوم، إضافة لألحان زكريا أحمد الأولى للاسطوانات.

ومع أن ملحني أم كلثوم الثلاثة الرئيسيين (وشأنهم على أي حال شأن كل الملحنين والمطربين الكبار فيما بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين) قد تلقوا تكوينهم الفني الأساسي في حضن التجويد القرآني والإنشاد الديني، قبل أن ينطلق كل منهم في طريقه الخاص، فأن الشيخ زكريا أحمد يمتاز عن زميليه (القصبجي والسنباطي)، أنه كان أكثرهم تمرسا في فرق الإنشاد الديني، مرورا ببطانة كبار المشايخ، ثم مؤسسا لبطانته الخاصة، مما أدخله في ممارسة طويلة لتلحين الابتهالات الدينية له ولسواه، إضافة إلى إنشاد ما وضعه غيره بصوته. لذلك، كانت جذور التكوين الفني لكل من زكريا أحمد وأم كلثوم، تضرب في أعماق التراث الديني، وهي جذور لم تكن بعيدة على أي حال عن تكوين محمد القصبجي.

غير أن زكريا أحمد، افترق بعد ذلك عن زميله القصبجي، وحتى عن بقية زملائه من ملحني أم كلثوم، وعن بقية كبار الملحنين في عصره، أنه بقي خارج نطاق التأثر بالموسيقى الأوروبية، الكلاسيكي منها والخفيف.

ومع ذلك، ومع أن زكريا أحمد كان سابقا للقصبجي في التعرف إلى صوت الموهبة الصغيرة أم كلثوم، وهي في مرحلة التكون الفني الأول في الريف، ومع أنه ساهم مع صديقه وزميله أبو العلا محمد في إقناع الشيخ إبراهيم البلتاجي بضرورة الانتقال بابنته الموهوبة إلى القاهرة، فأنه لم يبدأ لقاءه الفني الفعلي الأول بها، إلا بعد مرور ثماني سنوات على استقرارها في القاهرة، في وقت متزامن مع وفاة والدها الشيخ إبراهيم كما أسلفنا.

هذا عن الفوارق، أما عن القواسم المشتركة التي تستحق التسجيل، بين زكريا أحمد ومحمد القصبجي، أنهما، برغم فارق السن بينهما وبين أم كلثوم، فان عبقريتهما الموسيقية لم تنتج شيئا يذكر قبل لقائهما الفني بأم كلثوم، كما أعمالهما لغير صوت أم كلثوم بعد ذلك، بقيت تمثل النسبة الأضعف في رصيدهما التاريخي.

لقد انخرط زكريا أحمد، مثل زميله القصبجي، قبل التلحين لأم كلثوم (الذي تأخر كما أسلفنا حتى العام 1931) في التلحين لأصوات عديدة، وفقا للجو الفني الترفيهي السائد، فاشتهرت لزكريا أحمد الحان كثيرة أشهرها طقطوقة «إرخي الستارة اللي في ريحنا» الشهيرة، التي لم يبق صوت شهير بين الرجال والنساء في ذلك العصر إلا وغناها. ومع ذلك فكل تلك الألحان الشهيرة في حينها، لم يدخلها غربال الزمن، فيما بعد، في الرصيد التاريخي الجاد لصاحبها.

من هنا يمكن اعتبار نشاط زكريا أحمد، قبل أن يلحن لأم كلثوم، نوعا من التدريب أو التحفيز، الذي كان صاحبه يتهيأ ويحتشد تمهيدا لشيء ما، وكان هذا الشيء هو بداية التعاون الفني بينه وبين أم كلثوم.

ولم يكن زكريا أحمد بحاجة إلى كبير جهد في تعامله الأول معها. فإضافة إلى الجذور المشتركة، وإلى المعرفة الشخصية القديمة، فإن الشخصية الموسيقية التلحينية لزكريا أحمد كانت لا تعرف لها جذورا أو امتدادا أو تفرعا أو تأثرا خارج نطاق الإنشاد الديني وتراث الغناء العربي الكلاسيكي القادم من القرن التاسع عشر.

أما أم كلثوم، فكانت عند لحظة اللقاء الفني الأول بزكريا أحمد، قد أضافت إلى خبرتها الطويلة في التمرس بالإنشاد الديني في الريف، خبرة اختزان ما تيسر من تراث القرن التاسع عشر على يد الشيخ أبو العلا محمد، إضافة إلى التدريبات الصوتية الجديدة مع أستاذها الثاني محمد القصبجي، يضاف إلى ذلك كله درجة من النضج في تكوين أدواتها الصوتية من أوتار الحنجرة إلى ممارسة احترافية في تهذيب هذا الصوت، وحسن استخدام النفس والحجاب الحاجز، وسوى ذلك من تقنيات احتراف الغناء، مع خبرة أيضا في ممارسة الغناء الحي أمام الجمهور، والغناء داخل الاستوديو لتسجيل الاسطوانات.

إذن عندما دنت ساعة اللقاء الفني الأول بينهما، كان زكريا أحمد الملحن في عز جهوزيته، وكذلك كانت أم كلثوم المطربة. لذلك، لم يكن ذلك اللقاء متميزا فقط بسلسلة من الطقاطيق والأدوار الفائقة الجمال اللحني والمتينة البنيان الهندسي، بل كان منذ البداية فاتحة لعمليات تطوير تاريخي، كان الشيخ زكريا أحمد صاحب المبادرة والفضل فيها، في شكلي الطقطوقة والدور، بشكل خاص.

وهنا نتوقف في لحظة مقارنة بين القرن العشرين في الموسيقى الكلاسيكية العربية، والقرن التاسع عشر في الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، لنفهم تماما طبيعة ما قام به زكريا أحمد من تطوير، بينما يصنفه البعض خطأ، في خانة الموسيقيين الذين لم يتطوروا، ولم يطوروا.

عندما ظهر نجم الموسيقار الألماني العظيم برامز، كان التيار الكلاسيكي في الموسيقى الأوروبية قد بدا وكأنه استوفى جميع أغراضه، وكانت الثورات السياسية القومية قد أطلقت تيار الرومانسية في جميع أنواع الفنون، من الرواية إلى الشعر إلى المسرح إلى الموسيقى إلى الفنون التشكيلية.

وكان الموسيقي الشاب برامز يؤمن بنظرية تقول أنه بما أن تطور الشكل في كل الفنون يسير بوتيرة أبطأ بكثير من تطور المضمون، فان المضمون الرومانسي الزاحف على كل الفنون الاوروبية، قابل للتعبير عنه في إطار الأشكال الكلاسيكية التقليدية، وأن التعبير عن المضمون الرومانسي في الموسيقى، لا يستدعي بالضرورة تحطيم الأشكال الموسيقية الكلاسيكية أو الخروج عليها. ولم يكتف برامز بالمناظرات الكلامية الحادة مع كل من يعارض نظريته هذه (وهم الأكثرية)، بل نذر فنه الموسيقي ليكون دليلا عمليا على صحة نظريته.

طبعا، لم يكن زكريا أحمد على علم بتلك المعركة الفنية الأوروبية التي سبقت ولادته بنصف قرن، ولا هو سمع حتى الثمار الموسيقية لتلك المعركة، ولكن بما أن تاريخ الفنون يسير لدى الشعوب في خطوط متوازية حينا، ومتناقضة حينا آخر، فقد شاءت ظروف تطور الموسيقى العربية الكلاسيكية في الثلث الأول من القرن العشرين، أن يمارس فيها زكريا أحمد دورا متعاكسا تماما مع الدور الذي قام به برامز في الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية. فقد عكس زكريا أحمد الآية، وانتج أعمالا فنية شامخة جاء فيها المحتوى ينضح بالروح التقليدية المحافظة التي كانت تملأ جوانح زكريا أحمد، ولكن يبدو أن ثورة سيد درويش (التي كان زكريا أحمد من بين المأخوذين بها، المتحمسين لها) لم تفجر لديه إلا ثورة على الشكل، مع الاحتفاظ بالروح التقليدية للمضمون. ولعل هذا التزاوج الغريب بين ثورية الشكل وتقليدية المضمون، هي التي أعطت نتاج زكريا أحمد الموسيقي (وأعظم ثماره سجلت بصوت أم كلثوم) تلك النكهة المميزة، التي الصقت به لقب «شيخ الملحنين»، ودفعت محمد عبد الوهاب إلى أن يطلق عليه لقب «متحف الموسيقى العربية».

ففي شكل الطقطوقة، أحدث زكريا أحمد في لحنه الأول لأم كلثوم «اللي حبك يا هناه»، ثورته الكبرى التي أخرجت عملاق الطقطوقة من القمقم، وأطلقته في الفضاء الرحب، شكلا واسعا يمكن أن يحمل من المعاني والتعابير الموسيقية ما يجعله يضاهي أفخم الأشكال في الموسيقى العربية، بما في ذلك شكل الدور. وخلاصة ما فعله زكريا أحمد، أن الطقطوقة كانت قبل «اللي حبك» تعتمد شكل المذهب الذي يتكرر في لحن واحد وكلام واحد، والمقطع (أو الغصن) الذي يتكرر في لحن واحد، مع اختلاف الكلام، الأمر الذي كان يحصر الطقطوقة، مهما كانت مادتها اللحنية دسمة، في حدود ضيقة لا يمكن لخيال الملحن أن يتجاوزها.

أما زكريا أحمد، فقد دشن للطقطوقة شكلها الجديد، الذي يتبدل فيه اللحن مع كل مقطع (غصن) فيكون لكل مقطع لحن جديد، وعلى مقام جديد في الغالب الأعم.

طبعا اكتسبت الطقطوقة بعد ذلك، على يد الذين أفادوا من ثورة زكريا أحمد، أشكالا ِأخرى من التطوير والإضافة، ولكن زكريا أحمد هو الذي أنجز المنعطف الكبير في حياة هذا الشكل الموسيقي الهام.

أما في شكل الدور، الذي كان سيد الموسيقى العربية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر، وحتى أواخر الثلث الأول من القرن العشرين، فمع أن ذلك الشكل كان يعيش آخر مراحل ازدهاره، فقد توج زكريا أحمد تلك المرحلة، ليس فقط بسلسلة ذهبية من الأدوار، التي تنافس بعضها بعضا في جمالها وجزالة ألحانها، وقوة معمارها الهندسي، ولكنه أخذ يلعب باقتدار الفحول في الشكل التقليدي للدور، حتى أن معظم أدواره جاءت بتنويع جديد ما، في الإيقاع أو الشكل الهندسي، على الشكل التقليدي للدور.

ويمكننا الآن، بعملية استعراض شامل لكل الأصوات التي كانت تتسيد الساحة الغنائية في ذلك الوقت، أن ندرك تماما أن زكريا أحمد ما كان يحلم بصوت في مستوى صوت أم كلثوم يعبر من خلاله عن كل تلك الخواطر الفنية التي كانت تعتمل في أعماقه، وهذا ما كان زكريا أحمد لا يكف عن ترديده حتى في أشد لحظات خصامه الممض مع أم كلثوم.

ومع أن زكريا أحمد كان مقلا في تلحين القصائد، إلا أن لحنيه لقصيدتي الشريف الرضى: أبها الرائج المجد (1935) وقولى لطيفك (1939)، يعتبران من عجائب الموسيقى العربية المعاصرة في فن القصيدة بالذات، ولعلهما كانا من بين الحوافز التي أطلقت عبقرية رياض السنباطي بعد ذلك، في إنجازه التاريخي في شكل القصيدة الدينية والعاطفية.

فإذا عدنا إلى شكلي الدور والطقطوقة، يكمن القول أن زكريا أحمد قد اغرق أم كلثوم بسلسلة ذهبية من الأدوار التي وصلت في عنائها إلى ذرى معجزة. ويبدو أن شهية زكريا أحمد قد بقيت مفتوحة على هذا اللون، حتى بعد أن توقف الجميع عن تعاطيه، وحتى بعد أن اكتفت أم كلثوم فيه بما سجلته حتى منتصف الثلاثينيات.

ذلك أنه قد وصلنا ثلاثة أدوار رائعة من ألحان زكريا احمد مسجلة بصوته على اسطوانات، يبدو أنه وضعها بعد أن زهدت أم كلثوم في هذا اللون الكلاسيكي الكبير، وهذه الأدوار الثلاثة هي: مصير عقلك، إنت فاهم، الفؤاد ليله ونهاره.

أما في شكل الطقطوقة، فمن النادر أن نجد لحنا واحدا لزكريا أحمد فيها لم يجد رواجا جماهيريا في حينه، ولسنوات طويلة بعد ذلك. نكتفي هنا بمثال واحد هو أحد أواخر ألحانه لأم كلثوم في هذا الشكل: الورد جميل، التي لحنها لفيلم فاطمة 1947/1948. كما أننا لا ننسى جهده المميز معها في فيلم «سلامة» الذي أرادته ردا على مزاج التغرب الفني للقصبجي والسنباطي في فيلم عايدة، فأطلق فيه زكريا أحمد كل فنون الفنتازيا الفنية التي كان يغرفها من الألوان البدوية مثل «غني لي شوي شوي» وحوارية «سلام الله على الأغنام»، وحوارية «الفوازير» وأغنية «عن العشاق سألوني».

غير أن كل ما تطرقنا إليه حتى الآن من ثمار اللقاء الفني الغني بين أم كلثوم وزكريا أحمد، يختصر تحت عنوان واحد هو مرحلة الاسطوانات.

غير أن الظروف تدخلت بعد ذلك، لتمهد السبيل أمام مرحلة ثانية من التعاون بين زكريا أحمد وأم كلثوم، ولم يكن الاختلاف بين المرحلتين (الأولى والثانية) في الشكل فقط، بل في المضمون أيضا، كما سنرى فورا.

احتكار بيرم التونسي

لقد كان زكريا احمد، في مرحلة إنتاج الاسطوانات لدى أم كلثوم، يعتمد على عدد من شعراء الأغنية، في مقدمتهم حسن صبحي واحمد رامي، أما بيرم التونسي، فكان يعيش في فرنسا منفيا.

وما أن أنهى بيرم التونسي فترة منفاه، وعاد إلى مصر، حتى كانت أم كلثوم قد افتتحت عصر الحفلات الغنائية الشهرية الحية المذاعة على الهواء مباشرة، وبدأت تتجه إلى إنتاج أغنيات خاصة بهذه الحفلات المطولة، بعد أن ظل اعتمادها في الحفلات الأولى على الأغنيات الملحنة للأفلام أو للاسطوانات.

ويمكن القول أن السنوات الثماني بين 1939 (تاريخ ظهور أغنية الأمل) و 1947 (تاريخ ظهور أغنية حلم)، شهدت الانطلاقة الكبرى في التعامل بين زكريا احمد وأم كلثوم، وهي المرحلة التي احتكر فيها بيرم التونسي كتابة الشعر الغنائي الخاص بذلك الإنتاج.

وقبل الدخول في تفاصيل هذا التعاون، لا بد هنا من الإشارة إلى واقعة تاريخية كان بطلها بيرم التونسي، الذي أفتتح عودته من المنفى إلى خضم إنتاج الشعر الغنائي، بقصيدة من الشعر العامي، ذات صفة هجومية، هي التي يقول في مطلعها الشهير:

يا أهل المغنى دماغنا وجعنا

دقيقة سكـــــوت للـه

ومع أن عرب النصف الثاني من القرن العشرين كثيرا ما استخدموا هذه القصيدة (وخاصة مطلعها) في مهاجمة ألوان الغناء الهابط (كلاما ولحنا) في الربع الأخير من القرن العشرين، معتقدين أن بيرم قد كتبها قديما في مهاجمة هذا النمط من الشعر الهابط واللحن الهابط، غير أن المفارقة التاريخية التي لا يعرفها الكثيرون، هي أن بيرم إنما كتب هذا الهجاء الفظيع لمهاجمة غناء محمد عبد الوهاب (تصوروا!) غامزا من قناة من كانوا يكتبون له كلام أغانيه في الثلاثينيات، وعلى رأسهم احمد رامي. ومن يقرأ النص الكامل لقصيدة “يا أهل المغنى”، يكتشف أن الهجاء كله مبني على أغنية “يا وابور قلي رايج على فين”، التي كتبها أحمد رامي، ولحنها وغناها عبد الوهاب في فيلم “يحيا الحب” (1937).

بعد هذا الدخول الهجومي الذي أعلن فيه بيرم التونسي عودته إلى ساحة كتابة الأغاني، انطلق في أجمل وأقوى تجاربه في هذا المجال، من خلال سلسلة ذهبية أخرى من الحان زكريا أحمد لأم كلثوم، يكفي أن نستذكر منها (وفقا لتسلسل الترتيب الزمني لظهورها): الأمل، الآهات، حبيبي يسعد أوقاته، أهل الهوى، أنا في انتظارك، الأولة في الغرام، حلم، وأخيرا “هو صحيح الهوى غلاب”، بعد انقطاع بين زكريا أحمد وأم كلثوم استمر من العام 1947، إلى العام 1960.

ومع أن القطيعة الدرامية بين أم كلثوم وأستاذها الثاني محمد القصبجي، كانت بلا جدال لأسباب فنية (كما رجحنا وفصلنا)، فان الأسباب الفنية كانت أبعد ما يكون عن القطيعة الكبرى الثانية في حياة أم كلثوم، التي تمت بينها وبين زكريا احمد.

فهناك ألف سبب وسبب تدعو إلى الاعتقاد بأن الألوان التي كان زكريا احمد يبدعها لأم كلثوم، سواء في ذلك سلسلة الطقاطيق الرائعة والأدوار الرائعة في مرحلة التسجيل على اسطوانات، أو ألحانه لأغنيات أفلامها، أو سلسلة المونولوجات والطقاطيق المطولة الملحنة خصيصا لحفلاتها الشهرية الحية، هذه الألوان كانت كلها من صميم النشأة الفنية لأم كلثوم، سواء في الإنشاد الديني (على يد والدها) أو الغناء المحترف (على يد أبي العلا محمد).

غير أن زكريا احمد، كان ذا شخصية قوية وله مواقف متطرفة في معايير الكرامة الشخصية، والحفاظ على تلك الكرامة.

ولعله كان يدرك، برغم شهر العسل الفني الذي كانت تقضيه أم كلثوم مع محمد القصبجي في عقد الثلاثينيات، أن اللون الذي يقدمه هو لأم كلثوم، أحب إلى أم كلثوم وإلى الجمهور. وكان لذلك يعتز بألحانه اعتزازا بلا حدود، ويعتبرها، في تصريحات علنية، أعظم ما تغنيه أم كلثوم. خاصة أن كل ذلك كان يتم إما قبل ظهور السنباطي في حياة أم كلثوم، أو بعد ظهوره الأول الذي لم يكن قد أصبح فيه منافسا جديا للقصبجي وزكريا احمد.

لقد أدى اعتزاز زكريا احمد المتشدد بفنه، إلى أن يتوقع معاملة خاصة من أم كلثوم، معنويا وماديا. وهكذا، تراكمت الأسباب الموضوعية في المعاملات اليومية بينهما، التي جعلت من التعايش بين فنانين يتنافسان في قوة الشخصية، وفي الاعتداد الكبير بالنفس أمرا صعبا. فكانت “حلم” الرائعة عنوانا للقطيعة الكبرى بين أم كلثوم وزكريا احمد، تماما كما كانت “رق الحبيب” الرائعة عنوانا للقطيعة بينها وبين القصبجي. وكأن كل هذه الظروف كانت تمهد كل شئ لرياض السنباطي ، ليصبح السيد المطلق في ساحة حنجرة أم كلثوم، وهي في ذروة عصرها الذهبي، صوتا وأداء وشهرة ومجدا فنيا.

لم تكن تلك هي النتيجة الوحيدة لتلك القطيعة، فقد اختفت من برنامج الحفلات الشهرية لأم كلثوم أغنية “حلم” بشكل خاص، كما اختفت من برامج الإذاعة المصرية، غالبا بإيعاز من أم كلثوم، الأمر الذي أحدث دهشة فنية لدى الجمهور، عندما عادت إذاعة القاهرة إلى بث التسجيل الرائع لتلك الأغنية، الذي غنته أم كلثوم بصوتها الذهبي في الأربعينيات، فحار البعض في موعد ولادة هذه التحفة الفنية المفاجئة.

أما بالنسبة لزكريا أحمد، فمع أن قوة شخصيته لم تكن تسمح له بالانطواء والانزواء الفني والاجتماعي، كما حصل لمحمد القصبجي، فإن قوة صدمة القطيعة، وشدة إعجاب زكريا احمد بصوت أم كلثوم (حتى في أيام الخصام)، جعلاه مقلا إلى درجة كبيرة في التلحين لأصوات أخرى، مع أنه أبدع ألحانا رائعة لعبد المطلب (آه م العيون) ولنجاة الصغيرة (ناداني الليل) ولفايزة أحمد (من نظرة تملكني)، ولكنها لم تنس الجمهور، كما لم تنس زكريا احمد نفسه روائعه الكلثومية السابقة.

من ثمار تلك القطيعة أيضا، أن زكريا احمد المصدوم، انصرف ِإلى عقد اتفاق مع القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية، قام بموجبه بتسجيل عدد من ألحانه السابقة لأم كلثوم، بصوته، وبتفسير لحني جديد، لعل أروعها تسجيل “أهل الهوى يا ليل”، وتسجيل “الورد جميل”.

طبعا، فان مرحلة القطيعة لم تنقض بلا مشاحنات جانبية بينهما، وبلا محاولات متكررة لإنهاء القطيعة قبل فوات الأوان. ولكن تلك المحاولات بقيت عقيمة، إلى أن فعل الزمن فعله في تذويب حدة الخصام، فانعقد الصلح بينهما على أهون الاسباب، وفي قاعة المحكمة، عندما كان القاضي ينظر في دعوى رفعها زكريا احمد لتحصيل حقوقه على ألحانه التي كانت أم كلثوم تغنيها طوال تلك الفترة بلا إذن منه أو تنازل. لقد لعب الذوق الفني الرفيع للقاضي يومها دورا حضاريا مشهودا في انتزاع اعتراف من أم كلثوم بعظمة زكريا أحمد الموسيقية، واعتراف مقابل من زكريا أحمد بعظمة أم كلثوم الغنائية، فكان الصلح الذي أثمر اتفاقا على ثلاثة الحان، لم يطل العمر بزكريا احمد إلا لصياغة أولها وآخرها “هو صحيح الهوى غلاب”، وكأنه يقدم “رقصة البجعة”الأخيرة قبل موتها.

والذين عايشوا زكريا احمد في الفترة القصيرة التي فصلت بين الحفلة الأولى ل”هو صحيح” ووفاته المفاجئة بعد ذلك، يروون قصصا عن السعادة التي كانت تغمره لعودة المياه الفنية إلى مجاريها بينه وبين أم كلثوم. ومن مصادفات القدر العجيبة أن بيرم التونسي، شاعر الأغنية، رحل هو الآخر بعد أيام من صديق عمره.

وقد تردد كثيرا بعد ذلك أن زكريا قد بدأ بتلحين مطلع قصيدة مأمون الشناوي “أنساك دا كلام”، التي ظهرت بعد ذلك كثاني الحان بليغ حمدي لأم كلثوم (بعد “حب ايه”). غير أن هذه الروايات ما زالت غير موثقة نهائيا إلى هذه اللحظة، علما بأن مطلع اللحن، تشيع فيه رائحة زكريا احمد بوضوح وقوة، فإما أنه الملحن الفعلي لذلك المطلع، أو أن بليغ حمدي كان ينسج نسجا كاملا على منوال شيخ الملحنين.

فإذا عدنا إلى السلسلة الذهبية لألحان زكريا احمد المسرحية لأم كلثوم، فإننا نذكّر بأنه صاغ لها ألحانا أخرى غير تلك التي دخلت التاريخ، منها ايه اسمي الحب (1939) وأنا وانت أنا وانت (1942)، كل الأحبة اثنين اثنين (1942) واكتبلي اكتبلي كثير (1943)، ولكنها اختفت حتى من التسجيلات المتداولة لأم كلثوم، وحتى من برامج إذاعة القاهرة لأسباب غير معروفة إلى الآن.

وعلى أي حال، فان الحلقات الثماني في السلسلة الذهبية التي تبدأ بالامل، وتنتهي بالهوى غلاب، تعتبر كنزا آخر من الكنوز التي أنتجتها عمليات التعاون الكبير بين أم كلثوم. وثلاثي ملحنيها الأساسيين، في صياغات لحنية تجاوزت الأشكال الفنية التي كتبت بها ( الطقطوقة أو المونولوج)، لتغني هذه الأشكال بمضمون من الإبداع الموسيقي المتجول بحرية تامة في الثروة المقامية والثروة الإيقاعية للموسيقى العربية، في نماذج ستبقى ذخرا سمعيا ودراسيا لا ينضب، للأجيال العربية المقبلة.

ريـــــاض السنبــاطـي

لقد كانت البدايات تاريخية بالفعل، عندما نعيد النظر إليها الآن، بعد مرور ثلاثة أرباع القرن عليها: بدأ زكريا أحمد تعاونه مع أم كلثوم بلحنين على شكل الطقطوقة (اللي حبك يا هناه، وجمالك ربنا يزيده)، لم يدخلا فقط الرصيد الذهبي لأغنيات أم كلثوم الخالدة في مادتهما اللحنية وقوتهما الانفعالية المؤثرة، بل دخلا تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة من أوسع الأبواب، لأن زكريا أحمد حقق فيهما إنجازه التاريخي بتطوير وتوسيع شكل الطقطوقة، كما شرحنا.

السيناريو نفسه تكرر مع رياض السنباطي، فذلك الشاب الذي كان يكمل عامه الثلاثين، والذي حاول الانتساب إلى المعهد الموسيقي تلميذا (في نهاية العشرينيات) فعينوه أستاذا لآلة العود، عندما استمع أساتذة الآلة إلى عزفه، بدأ طريقه بالانتساب إلى فرقة محمد عبد الوهاب الموسيقية، (في فيلم الوردة البيضاء 1933)، ثم بمحاولات تلحينية محدودة. وتشاء الظروف أن يدعى السنباطي، كملحن ناشئ في ذلك الوقت، إلى مشاركة العملاقين محمد القصبجي وزكريا أحمد، في وضع لحنين لفيلم أم كلثوم الأول «وداد» (1935)، الأول لأغنية «حيوا الربيع» التي عنتها أم كلثوم في الفيلم، ولكن تسجيلها اختفى من التداول فيما بعد، والثاني لأغنية «على بلد المحبوب وديني»، الذي رفضت أم كلثوم غناءه في الفيلم، تتم تسجيله بصوت المطرب عبده السروجي (صاحب الأغنية الشهيرة فيما بعد «غريب الدار»). غير أن الشهرة المدوية للأغنية، دفعت أم كلثوم إلى تسجيلها بصوتها على اسطوانة بعد ذلك.

هل كانت تلك هي البداية ؟ لا، البداية الحقيقية لتعاون أم كلثوم مع الملحن الناشئ رياض السنباطي كانت أكبر من ذلك وأهم.

ففي فيلمها الثاني «نشيد الأمل» (1936/1937) تقاسم السنباطي ألحان أغنيات الفيلم مع محمد القصبجي، فوضع منها ثلاثة عرفت كلها نجاحا مدويا، ودخلت خزانة الموسيقى العربية الكلاسيكية الكبيرة فورا، بغض النظر عن صغر سن ملحنها، وحداثة تجربته وخيرته، وهي:

نشيد الجامعة (يا شباب النيل)، الذي كان تأثر السنباطي فيه واضحا بنشيد «أيها الخفاق» (لحن وغناء عبد الوهاب في فيلمه الثاني «دموع الحب» 1935).

لحن قضيت حياتي، وهو مونولوج ذو مقدمة موسيقية مدهشة، وبناء هندسي متكامل فخم، ومادة لحنية في غاية الدسامة، من يستمع إليه دون قراءة اسم ملحنه، ينسبه فورا لمحمد القصبجي، لأنه صيغ من نسيج مونولوجاته المدهشة.

لحن افرح يا قلبي، الذي أعلن فيه رياض السنباطي عن شخصيته المستقلة. وهكذا، شهد فيلم «نشيد الأمل» الولادة الكاملة لملحن كبير، كانت كل ملامح حجمه التاريخي واضحة وكاملة حتى في ألحانه الأولى، بما في ذلك ملامح تأثره الطبيعي بالرائدين اللذين سبقاه، إضافة إلى ملامح شخصيته المستقلة، التي بدأت تظهر وتنضج بوتيرة سريعة، ما لبثت أن ضمته إلى فريق عظماء الملحنين.

فعلى موجة ألحان السنباطي لفيلم نشد الأمل، وضع لأم كلثوم لحن المونولوج الخالد «النوم يداعب عيون حبيبي»، الذي يعتبره عبد الوهاب واحدا من أعظم ألحان السنباطي، ومن أهم الحان الموسيقى العربية المعاصرة.

مرة أخرى، يبدأ التعاون بين أم كلثوم وملحن جديد، بطريقة وبمستوى يكشفان عن أن كلا الفنانين (المطربة والملحن) كانا يحتشدان لذلك اللقاء ويتهيآن له، حتى إذا دقت ساعته، جاءت ثماره كأنها نتاج تعاون يختمر ويعد له من سنوات طويلة.

لم يتوقف الأمر عند البدايات الكبيرة، فقد مهدت هذه البدايات بسرعة غير متوقعة، لظهور المعالم الأولى للثنائي الفني الذي سرعان ما تكون من أم كلثوم ورياض السنباطي، والذي سرعان ما بدأ يرسم ملامح أشكال إبداعية جديدة ومتطورة وعميقة في رصيد الموسيقى العربية الكلاسيكية المعاصرة.

لقد كان رياض السنباطي الحلقة الثالثة في سلسلة عباقرة الموسيقى العربية المعاصرة الذين ليس بوسعنا أن نتخيل ماذا كانوا سيفعلون بمخزونهم الموسيقي العبقري، لو لم يظهر أمامهم صوت أم كلثوم.

فالسنباطي، الذي ولد في العام 1926، ترعرع، كسائر أترابه في ذلك الفريق الذهبي، في حضن الإنشاد الديني، كما أنه سرعان ما طلع على تراث القرن التاسع عشر، الذي كان قد بدأ ينتشر بأصوات كبار المطربين المخضرمين بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

لكن ما أن بلغ السنباطي سن الفتوة، حتى راحت أذناه وأحاسيسه تستقبل الموجات المتلاحقة لرواد القرن العشرين الأوائل الذين سبقوه، ابتداء بسيد درويش، ثم القصبجي وعبد الوهاب.

لقد ظل السنباطي في أحاديثه القليلة للإذاعة والصحف، وحتى بعض الجلسات الخاصة، لا يكف عن الإعراب عن إعجابه بريادة سيد درويش، وعن تقديره اللامحدود لمحمد عبد الوهاب، ملحنا ومطربا. كما أن ألحان السنباطي الأولى تشي بتأثره الواضح بهؤلاء الرواد الثلاثة، خاصة بمحمد القصبجي الواضح البصمات على السنباطي فيما وضع من ألحان في النصف الثاني من عقد الثلاثينيات وبداية الأربعينيات.

لقد بدأ السنباطي عازفا في فرقة عبد الوهاب الموسيقية (1933)، ثم أخذ يجرب موهبته في مونولوجات من نسيج مونولوجات القصبجي، غير أن الموهبة الكبيرة الدفينة في أعماقه، ما كان يمكن لها أن تتوقف عند هذه البدايات. ولم يكن أمامه طريق سوى الانخراط في فريق ملحني صاحبة الصوت العظيم، الذي يبحث عن ملحنين، في مواجهة محمد عبد الوهاب، الذي تكاملت فيه عبقرية اللحن والغناء، في حالة اكتفاء ذاتي على أرفع مستوى.

وفي رأيي أن حفلة أم كلثوم في أواخر العام 1937 (7 أكتوبر)، قد شهدت ولادة الشخصية المستقلة لرياض السنباطي، وولادة ملامح الألوان السنباطية- الكلثومية التي ستطبع أم كلثوم بطابعها القوي والخاص، حتى نهاية مسيرتها الفنية.

الوصلات الثلاث في تلك الحفلة كانت موزعة بالعدل والقسطاس على مونولوج «النوم يداعب» (الذي يشي بتأثر السنباطي بالقصبجي كما أشرنا)، غير أن الوصلة الثانية «فاكر لما كنت جيني» كانت إعلانا عن ولادة المونولوج السنباطي المسرحي المطول، الذي ستكون حلقته الثانية «يا طول عذابي» (1938)، وحلقته الثالثة البالغة الأهمية «هلت ليالي القمر» (1940)، واكتمل عقد تلك السهرة التاريخية في مسيرة ثنائي أم كلثوم ورياض السنباطي، بظهور قصيدة «سلوا كؤوس الطلا»، التي تضمنت – برأيي- في وقت مبكر كل ملامح القلعة الشامخة التي بناها السنباطي (بعد ذلك) بعبقرية متميزة لصوت أم كلثوم الاستثنائي، من القصائد الدينية والعاطفية، متابعا ما أنجزه عبد الوهاب في هذا المجال تطويرا لقصيدة أبو العلا محمد التقليدية، ولكن متمايزا عن عبد الوهاب بالنفس الصوفي الذي لم يقتصر أثره على القصائد الدينية للسنباطي، بل ظهر حتى في قصائده الوصفية أو العاطفية أو الغزلية، كما اتضح تماما في “حجر الأساس” لتلك العمارة الموسيقية الشاهقة “سلوا كؤوس الطلا”، التي ما لبث أن ألحقها في مطلع العام 1939 بقصيدته الرومانسية الرائعة “اذكريني”، فاختصر بهاتين القصيدتين الأوليين كل العناصر التي شاد منها فيما بعد روائع ألحانه للقصائد الدينية والعاطفية والوصفية.

وكأن هذا الاختمار الكبير لمواهب السنباطي، كان يتكامل في نضجه وتطوره، تحسبا لذلك المتعطف الدرامي الذي شهد قطيعة أم كلثوم مع محمد القصبجي.

فمع أن السنباطي كان قد “تورط” في فيلم “عايدة” بتلحين مقطع أوبرالي، على طريقة القصبجي، بلغ فيه السنباطي مرحلة من التغرب، اتضح فيما بعد أنها كانت دخيلة على طبيعته الموسيقية، حتى في ألحانه غير الكلثومية، التي ظهرت فيها مؤثرات واضحة للموسيقى الاوروبية الكلاسيكية، ولكن بجرعة بالغة الاعتدال والتوازن، فأن أم كلثوم كانت على ما يبدو قد اتخذت قرارها التاريخي بأنها فيما لم قاطعت الحان محمد القصبجي، فإن البديل العصري المتطور جاهز، بالصيغة المتوازنة التي توافق هواها ومزاجها وذوقها الفني (رياض السنباطي)، إلى جانب البديل التقليدي المتطور، المتمثل في ألحان زكريا أحمد
.
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50527
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 1:05

الطويل احتفظ بالصوفية وبليغ حمدي كان تحدياً وسيد مكاوي كان آخر الداخلين إلى عرينها

أم كلثوم... السيرة والأغاني - السيرة الفنية (الحلقة الثالثة والعشرون)
كمال الطويل أدخل النحاسـيات في لحن والله زمان يا سلاحي فقالت له: ألا يمكن الاستغناء عن الحلل يا كمال؟!
الطويل احتفظ بالصوفية وبليغ حمدي كان تحدياً وسيد مكاوي كان آخر الداخلين إلى عرينها
كمــــــال الطـــويــل

لا أعتقد أن فرص التعاون بين أم كلثوم وكمال الطويل كانت مرشحة موضوعيا لأن تعطي من الثمار أكثر مما أعطت. فمع أن الاحترام المتبادل بين الملحن الناشئ (آنذاك) والمغنية الكبيرة، كان يتجاوز الود الشخصي إلى الإعجاب الفني المتبادل (كل من موقعه)، فأن هذا الإعجاب كان قادرا على أن يثمر تعاونا فنيا بحدود معينة، ولكنه غير قادر على تحويل هذا التعاون إلى شراكة فنية مستديمة لسبب موضوعي (يتجاوز حدود العلاقة الشخصية) يتعلق بفروقات «العقيدة» الفنية لكل من الفنانين.

لقد رويت في القسم الأول من الكتاب عن «الكرم الفني» (إذا جاز التعبير) الذي تعاملت به أم كلثوم، وهي في قمة مجدها الفني، مع كمال الطويل، عندما كان ما يزال في الدرجات الأولى لسلم الشهرة والمجد. وقد بقي كمال الطويل معترفا بهذا الكرم وهذا الفضل (وفقا لعباراته) حتى بعد مرور ربع قرن على رحيل أم كلثوم.

لقد مر التعاون الأول بينهما (رابعة العدوية، 1955) على ما يرام، لأن كمال الطويل قام بتلحين قصيدتين دينيتين (لغيرك ما مددت يدا، وغريب على باب الرجاء) من صميم المزاج الصوفي للإنشاد الديني، الذي لم يكن غريبا على كمال الطويل (على عكس ما قد توحي به ألحانه لعبد الحليم حافظ)، بدليل أن أول لحن سجله كمال الطويل للإذاعة المصرية كان لقصيدة ابتهال ديني (شعر والده) غنتها فايدة كامل، ما زالت إلى الآن من أروع وأعمق ما لحن كمال الطويل في حياته.

إلهي، ليس لي إلاك عونا

فكن عوني على هذا الزمان

والذي حدث أن لحنا واحدا من هذين اللحنين قد اعتمد في البرنامج الإذاعي (لغيرك ما مددت يدا)، بينما اتفق كمال الطويل مع أم كلثوم على استبعاد اللحن الثاني (غريب على باب الرجاء)، لسبب غير معلن بدقة. ومن يحاول اكتشاف السبب، من حلال الاستماع إلى تسجيل «غريب على باب الرجاء»، يستبعد أن يكون ضعف اللحن هو السبب، لأن اللحن ليس ضعيفا، مع أنه لا يصل إلى درجة اللمعان الفني التي تشع من اللحن الآخر. ولا يبقى أمام الباحث من جواب مقنع إلا الاستنتاج بأن سوء تقنية التسجيل هو السبب، وذلك أمر واضح لمن يستمع الآن إلى تسجيل الأغنية.

المهم أن لحن كمال الطويل في رابعة العدوية كان يمكن أن يكون نقطة انطلاق لتعاون طويل ومستمر بينه وبين أم كلثوم، لأن اللحن جاء على خلفية تأثر واضح بمزاج السنباطي في الألحان الدينية، وان كانت ملامح الشخصية المميزة لكمال الطويل ما تلبث أن تطل بوضوح عند انتقال اللحن من القسم المرسل في المطلع، إلى الأقسام الموقعة في المقاطع التالية، خاصة عند ظهور اللوازم الموسيقية التي تبدو فيها ملامح الشخصية الفنية المميزة لكمال الطويل صارخة المعالم.

غير أن موضوع العمل الثاني المشترك بين أم كلثوم وكمال الطويل كان مختلفا. فقد كلفته بتلحين نشيد «والله زمان يا سلاحي»، من أشعار توأمه الفني صلاح جاهين. ويبدو أن كمال الطويل وجد في كلام النشيد، وفي المناسبة القومية الحماسية التي أملت الكلام واللحن (أجواء العدوان على مصر، عقابا لها على تأميم قناة السويس) كل ذلك أطلق العنان في مخيلته الموسيقية، لإخراج كل ما في أعماقه من خلفية التأثر بسيد درويش، وألحانه الوطنية، والتعبير عن ذلك من خلال كتابة للأوركسترا (بوترياتها ونحاسيتها) وليس للتخت الموسيقي، حتى لو كان كبيرا بحجم الأوركسترا.

ولا يخفي كمال الطويل عند الحديث عن هذه التجربة أن أم كلثوم لم تكن مرتاحة إلى النحاسيات المستخدمة في الأوركسترا إضافة إلى الصنوج والطبل السمفوني، حتى أنها عبرت عن ذلك لكمال الطويل بمداعبة ساخرة في أثناء التسجيل، فسألته: «ألا يمكن استكمال اللحن دون هذه «الحلل» (الطناجر)؟ وكانت تتكلم وتشير إلى الآلات المستعارة من الأوركسترا السمفوني كالصنوج والطبل السمفوني وآلات النفخ النحاسية.

ومع أن كمال الطويل لم يستخدم هذه الآلات لغرض استعراضي شكلي، أو تلبية لعقدة نقص، بل تلبية منه لمتطلبات المعنى في الشعر ومتطلبات المناسبة، ومع أنه عبر عن كل ذلك بموهبة فنية عالية، أكدها ذلك الاستقبال العظيم الذي لقيه النشيد بين جماهير الأمة العربية كلها أولا، وفي الدوائر الحاكمة في مصر ثانيا، حتى أصبح نشيدا وطنيا لمصر لغاية توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل (أي قرابة 22 عاما)، فان من الواضح أن هذا اللحن كان يحمل اتجاها فنيا من خارج المزاج السائد لأم كلثوم في تلك المرحلة في حياتها.

إن الاستماع التحليلي لأداء أم كلثوم في ذلك النشيد يدفعنا إلى أن نكتشف فارقا في دقة الأداء وحلاوته والسيطرة على اللحن، بين المقطع الملحن من مقام البياتي (يا مجد يا مجدنا) الذي تبدو فيه سيطرة أم كلثوم على اللحن مطلقة، ونشوتها الداخلية به عارمة، فإذا وصلت إلى المقطع التالي (مصر الحرة مين يحميها) الذي صاغه كمال الطويل من صميم مزاجه الحديث، فان سيطرتها على اللحن تخف نسبيا، خاصة عندما تكرر عبارة «مصر الحرة مين يحميها» للمرة الثانية. مما يدفعنا للاستنتاج بأن فارق الأداء ناجم عن تطابق أو عدم تطابق اللحن مع المزاج الشخصي العميق لأم كلثوم.

صحيح أن أم كلثوم سبق لها أن أدت في العام 1937، في فيلم نشيد الأمل، لحن نشيد الجامعة لرياض السنباطي، الذي يتضمن في أحد مقاطعه لحنا للسنباطي بالغ الحداثة، خاصة عند عبارة «يا شباب النيل هيا للعلا تعاونوا»، وأنها أدته في حينه باقتدار وسيطرة وانسجام لا مثيل لها، غير أن ذلك النشيد تم تسجيله عندما كانت أم كلثوم ما تزال في صميم مرحلتها القصبجية، المشبعة بمثل هذه الألحان الحديثة، أما عندما سجلت «والله زمان يا سلاحي»، بعد ذلك بعقدين من الزمن، فكانت أم كلثوم قد خرجت من المرحلة القصبجية تماما، واستقرت على المرحلة السنباطية الكلثومية التي جاءت أكثر انسجاما مع أعماق مزاجها، الذي بقي مشدودا إلى جذور الإنشاد الديني.

وفي رأيي أن هذه الفوارق الفنية الحساسة، هي التي تفسر تحول «والله زمان يا سلاحي» (ثاني الحان كمال الطويل لأم كلثوم) إلى آخر ألحانه لها، علما بأن نجاحه المدوي، جماهيريا ورسميا، كان يبشر بمزيد من التعاون.

وإذا كان لنا أن نبحث عن أسباب أخرى إضافية، نحاول بها تفسير انقطاع التعاون، مع أن ثماره الأولى كانت في منتهى النجاح، فإننا نضيف احتمالين آخرين:

إن كمال الطويل تخصص بعد ذلك، لتلحين أناشيد عبد الحليم حافظ التي تحولت إلى نتاج موسمي يتكرر مع كل عيد لثورة 23 يوليو، ومع المناسبات الوطنية والقومية الكبرى. وهو نتاج كانت أم كلثوم، على عظمتها، ترى فيه منافسة مزعجة، لأنه يزاحمها في رغبتها بأن تكون النجمة الوحيدة لأعياد الثورة في كل عام، فكان منطقيا أن تبتعد أم كلثوم عن “الملحن الخاص” لأغنيات عبد الحليم حافظ الوطنية.

أن رياض السنباطي، الذي أمضى حتى ذلك الوقت عقدا كاملا من الزمن ملحنا وحيدا لأم كلثوم، أحس ببداية تسلل الملحنين الموهوبين الناشئين إلى ما كان يعتبره مملكة خاصة به، فانطلق فيما بين 1956و1960 (موسم بداية تعاون أم كلثوم مع بليغ حمدي)، يزود صوت أم كلثوم بثماني روائع جديدة (بمعدل لحنين كبيرين في العام الواحد)، جاءت كلها من تحف رياض السنباطي، بينها ثلاث قصائد: أغار من نسمة الجنوب، وقصة الأمس وثورة الشك، وخمس مطولات عاطفية ممتازة هي على التوالي، حسب ظهورها: عودت عيني، أروح لمين، هجرتك، الحب كده، لسه فاكر.

لقد ظهرت هذه التحف السنباطية الثمانية في مدى أربع سنوات، فحققت نجاحا فنيا وجماهيريا كان حريا به أن ينسي أم كلثوم موضوع التعاون مع الموجي والطويل، إلى أن دقت في العام 1960، ساعة التعاون مع بليغ حمدي، كما سنرى.

على أي حال، ومع أن تعاون كمال الطويل مع أم كلثوم ظل مقتصرا على نشيد والله زمان يا سلاحي، وقصيدة لغيرك ما مددت يدا الصوفية، فقد بقي هذان اللحنان أشبه بماستين مشعتين في خزانة مجوهرات أم كلثوم الفنية.

بــــليــــغ حمـدي

ثبت عمليا في مطلع عقد الستينيات، أن الرغبة الدفينة في نفس أم كلثوم للتجديد، في إطار الصيغة الكلثومية الواضحة المعالم كما أرستها بالتعاون مع رياض السنباطي، هذه الرغبة لم تهدأ في نفس أم كلثوم، بل زادت إلحاحا عليها، برغم المواسم الأربعة في النصف الثاني من الخمسينيات التي ملأها السنباطي بروائع لحنية مشهودة، وبرغم التوقف المؤقت لتجربتها الأولى مع محمد الموجي، والتوقف النهائي لتجربتها مع كمال الطويل.

هناك أكثر من رواية عن ظروف ذلك اللقاء المبكر والمفاجئ لأم كلثوم ببليغ حمدي، غير أن أكثر تلك الروايات ترددا تقول أن محمد فوزي هو الذي قدم لها الموهبة الموسيقية الجديدة، بعد أن كان فوزي يحاول صياغة لحن يقدمه لأم كلثوم، فكان بليغ حمدي هو البديل عن ذلك اللحن الذي لم ير النور. ولو صدقت هذه الرواية فأنها تصلح لتسجل بحروف بارزة في تاريخ تلك الحقبة الفنية، عن الأجواء التي كانت تدفع ملحنا شهيرا لأن بتنازل لملحن ناشئ عن فرصته التاريخية بالدخول في فريق ملحني مطربة القرن العشرين أم كلثوم.

ولكني أعتقد أنه لو لم تكن رغبة أم كلثوم بتجديد شباب الينبوع الموسيقي الذي تستقي منه ألحانها رغبة عارمة، لما قدر لمبادرة محمد فوزي النجاح، على جلالها وأهميتها.

بل إن زخم تلك الرغبة عند أم كلثوم كانت الدافع لتقوم، مع بليغ حمدي، بما يمكن تسميته بلا أي مبالغة «أكبر مغامرة فنية في حياة أم كلثوم»، وذلك لأسباب ثلاثة:

أنه عندما قبلت أم كلثوم لحن بليغ حمدي (الملحن الناشئ) لشعر عبد الوهاب محمد (الشاعر الناشئ أيضا)، لم يكن بليغ حمدي قد أتم الثلاثين من عمره، وكان ما يزال في منتصف الطريق إلى شهرته الفنية الكبيرة التي اكتسبها فيما بعد. أي أن أم كلثوم كانت، عند ذلك اللقاء الأول، في ضعف سن بليغ حمدي، وفي أضعاف شهرته الفنية.

أن أم كلثوم لم تفرض على الملحن الشاب المرور بمرحلة تجربية، قبل دخول «حرم» حفلاتها الشهرية، فتبدأ تعاملها بأغنية قصيرة أو نشيد وطني (كما فعلت مع محمد الموجي وكمال الطويل)، بل فتحت له رأسا الباب واسعا أمام الحفلات الشهرية منذ اللحن الأول.

أن بليغ حمدي قد تفرد بين كل الملحنين الشبان الذين تعاملت معهم أم كلثوم في العقدين الأخيرين من حياتها الفنية، بتحوله رأسا، ومنذ اللحن الأول، إلى ملحن موسمي ثابت لأم كلثوم، حتى آخر موسم غنائي في حياتها (وقد تساوى في ذلك مع محمد عبد الوهاب)، بل إن بليغ حمدي قد حظي بشرف تاريخي، أن يكون صاحب آخر لحن سجلته أم كلثوم بصوتها على اسطوانة في حياتها، هو لحن «حكم علينا الهوى» الذي لم يتح لها المرض فرصة غنائه على المسرح في حفلة حية.

ومع أن ارتباط اسم بليغ حمدي باسم أم كلثوم ارتباطا وثيقا ومتواصلا، وهو في تلك السن المبكرة، يعتبر هدية كبرى لبليغ حمدي، فالحقيقة هي أن أم كلثوم قد منحته هدية أخرى لا تقل أهمية عن الأولى، إن لم تفقها، بالمعايير الفنية البحتة.

ذلك أن الذين يعملون في التلحين والتأليف الموسيقي، يمكن تقسيمهم إلى فئتين، كما في رياضة السباحة :

فئة سباحي المسافات الطويلة، وفئة سباحي المسافات القصيرة. ومعروف أن الانتماء إلى هذه الفئة أو تلك يقتضي توفر مواهب معينة تختلف بين فئة وأخرى، كما أن تمارين الفئة الأولى تختلف تماما عن تمارين الفئة الثانية.

وإذا تفحصنا مجمل رصيد بليغ حمدي الفني (باستثناء ما لحنه لأم كلثوم)، فان بالإمكان أن نكتشف أن قوة بليغ حمدي الفنية تكمن في أعماله القصيرة. حتى أن من أقوى ما لحن لأم كلثوم نفسها، ذلك النشيد الممتاز الذي وضعه لها في أعقاب هزيمة 1967: سقط النقاب عن الوجوه الغادرة، الذي يعتبر تحفة فنية حقيقية في لحنه وفي الأداء الغنائي لأم كلثوم.

لذلك، فإننا سنكتشف أن أم كلثوم لم تمنح الملحن الشاب فقط فرصة اقتران اسمه باسمها، بل منحته (أكثر من ذلك) فرصة أن يجرب من خلال صوتها العظيم، التحول من اختصاصي في الألحان القصيرة القوية، إلى اختصاصي في الألحان ذات النفس الطويل، كما تقضي بذلك التقاليد الراسخة لحفلاتها الشهرية.

فإذا القينا نظرة تحليلية شاملة على مجمل ما لحنه بليغ حمدي لأم كلثوم (باستثناء نشيد «سقط النقاب»)، فان بالإمكان تقسيمه بين مرحلتين: مرحلة ما قبل ظهور إنت عمري، ومرحلة ما بعد ظهور إنت عمري.

فما علاقة لحن إنت عمري لعبد الوهاب، بتقسيم الحان بليغ حمدي الكلثومية إلى مرحلتين؟

العلاقة بسيطة جدا وواضحة جدا، لقد كان بليغ حمدي، عندما بدأ التلحين لأم كلثوم يدخل معتركا فنيا كبيرا أكبر من خبرته المحدودة في ذلك الوقت (والخبرة هنا هي غير الموهبة). لذلك لم يكن أمام بليغ حمدي، وقد اقتحم بجرأة الشباب مجال التحدي الأكبر بالتلحين لأم كلثوم، سوى محاولة النسج على منوال من سبقه، فجاء لحنه الأول والرابع على النسق السنباطي (حب إيه، وكل ليلة وكل يوم) واللحن الثاني (أنساك) على نسق زكريا أحمد، بينما برزت في اللحن الثالث «ظلمنا الحب» بوادر شخصية بليغ حمدي. غير أن كل هذه الأعمال، إذا وضعت الآن على محك التحليل الفني الموضوعي، بعيدا عن النجاح الجماهيري الذي كان صوت أم كلثوم يؤمنه لأي لحن، فان هذه الألحان الأربعة الأولى كانت في أحسن أحوالها متوسطة المستوى، بل أن بالإمكان ملاحظة الضعف في أوصال اللحن الأول «حب إيه» ذي الجمل القصيرة النفس والبنيان الهندسي الضعيف.

هنا نضع يدنا على الفرصة الذهبية التي أتاحت لبليغ حمدي أن يجرب حظه مع صوت أم كلثوم، فيطور نفسه من لحن إلى لحن.

أما بعد ظهور إنت عمري التي أدخلت بعض ملامح النسق الوهابي (وليس كلها ) على أغنيات أم كلثوم، بالتركيز الواضح على المقدمات الموسيقية واللوازم الموسيقية التي تشد أجزاء المقطع الواحد إلى بعضها، كما تشد المقاطع إلى بعضها، كان بليغ حمدي قد أكمل تمارينه التلحينية بصوت أم كلثوم. واكتسب خبرة واضحة، لذلك يمكن أن نكتشف التطور والنضج الذي طرأ على ألحانه التي تلت ظهور إنت عمري، وخاصة الأربعة الأولى منها، التي يمكن اعتبارها أجمل وأقوى ما لحن بليغ حمدي لأم كلثوم، وهي على التوالي: سيرة الحب، بعيد عنك، فات الميعاد، ألف ليلة وليلة.

إن مراجعة سجل الحان بليغ حمدي في حفلات أم كلثوم الشهرية، تؤكد لنا أن الجمهور كان كريما في استقبال بليغ حمدي وتشجيعه، بدرجة توازي حماسة أم كلثوم لذلك الملحن الشاب.

فمن يراجع سجل الموسم الغنائي 1961/1960، يكتشف أولا أن الصدف الغريبة قد جمعت في أول حفلات ذلك الموسم (1960/12/1)، بين الظهور الأول لأول الحان بليغ حمدي لأم كلثوم (حب إيه) والظهور الأول لآخر الحان زكريا أحمد (هو صحيح). ومع أن حب إيه كانت من أضعف أغنيات أم كلثوم المسرحية المطولة، بينما كانت «هو صحيح» من تحف رصيدها الفني الكبير، فان حماسة أم كلثوم تضافرت في ذلك الموسم مع حماسة الجمهور، لتجعل «حب إيه» بندا ثابتا في الحفلات التسع التي قدمتها أم كلثوم في ذلك الموسم، بين ديسمبر ويوليو (بما فيها حفلة اتحاد المحامين العرب في فبراير، وحفلة أعياد الثورة في يوليو) بينما غابت «هو صحيح» عن ثلاث من هذه الحفلات التسع.

وللأمانة الموضوعية لا بد من التأكيد على أن هذا الكرم الحاتمي لأم كلثوم وللجمهور، لم يضيعه بليغ حمدي هدرا، بل استند إليه ليبذل مزيدا من الجهد والاجتهاد في تعامله مع أم كلثوم، فيفيد من هذه الفرصة التاريخية إلى أقصى مدى، ويقدم لمكتبة الموسيقى العربية المعاصرة أنضج ما في جعبته من ثمار فنية. كما أن الأمانة الموضوعية تقتضينا الإشارة إلى أن اندفاع بليغ حمدي في هذا المجال، قد أخذ يعاكسه في السنوات الأخيرة، التراجع الواضح في القدرات الصوتية لأم كلثوم، الأمر الذي انعكس على لحنيه الأخيرين لها: الحب كله، وحكم علينا الهوى، اللذين شكلا انحدارا في الخط البياني الذي كان قد بلغ الذروة في الألحان الأربعة (مرحلة ما بعد إنت عمري) وفي لحن نشيد «سقط النقاب».

لم يكسب بليغ حمدي فقط مزيدا من الشهرة، ومزيدا من الثقة بالنفس، بل كسب إضافة إلى ذلك خبرة ثمينة في صياغة الألحان ذات النفس الطويل آفادته في بعض أعماله لأصوات أخرى، أذكر منها على سبيل المثال أغنية «أنا بستناك» لنجاة الصغيرة، وأغنية موعود لعبد الحليم حافظ.

وإذا كان أبو العلا محمد ومحمد القصبجي هما أستاذا أم كلثوم المفضلين في مطلع حياتها الفنية، فان بليغ حمدي كان تلميذ أم كلثوم المفضل والمدلل في نهاية حياتها الفنية.

سيــــــد مكـــــــاوي

الشيخ سيد مكاوي، توأم صلاح جاهين في «الليلة الكبيرة» وسواها من روائع فنون الموسيقى الكلاسيكية الشعبية، كان آخر المنضمين إلى فريق ملحني أم كلثوم، على كلام لأول وأقدم شعرائها المعتمدين (أحمد رامي)، محققا بذلك حلما قضى عقدين من الزمن في محاولات متكررة لتحقيقه. لقد استقل سيد مكاوي قطار أم كلثوم في رحلته الأخيرة، في المحطات الخمس التي سبقت المحطة النهائية التي توقف عندها القطار.

فقد ظهرت «يا مسهرني» للمرة الأولى في حفلة 1972/4/6، التي لم تقدم بعدها أم كلثوم سوى أربع حفلات، كررت غناء «يا مسهرني» في ثلاث منها، ولم تغنها في حفلتها الأخيرة (1973/1/4) التي قصرتها على لحنين لعبد الوهاب والسنباطي (ليلة حب، والقلب يعشق).

ولم تقتصر سعادة سيد مكاوي على دخول جنة أم كلثوم، على آخر رمق (كما يقال) وقبل رحيلها مباشرة، بل إن أم كلثوم أغدقت عليه مبادرة لم تقم بمثلها مع أي من ملحنيها الجدد، فعمدت في المرة الثانية التي قدمت فيها يا «مسهرني» إلى استقباله على المسرح أمام الجمهور، ليتلقى التحية بنفسه على لحنه الأول والأخير لها.

وقد روى لي صلاح جاهين تفاصيل «معاناة» سيد مكاوي لتحقيق هذا الحلم، ونحن نستمع إلى الحفلة الأولى ل «يا مسهرني» من خلال المذياع، في منزل صلاح جاهين بشارع جامعة الدول العربية بالقاهرة. وخلاصة الحكاية أن سيد مكاوي لم يشذ عمن سبقه وتلاه من الملحنين في مصر، فكان يحلم بالتلحين لأم كلثوم ذات يوم، خاصة بعد أن نال اعترافا جماهيريا بموهبته الفنية بعد الليلة الكبيرة. غير أن صلاح جاهين يؤكد أن هذه الرغبة تحولت عند سيد مكاوي بالذات، إلى هاجس حقيقي، كان يصيبه بالإحباط، كلما بذل محاولة جديدة فاشلة. حتى أن صديق عمره صلاح جاهين أشفق عليه من شدة ضغط هذه المسألة على أعصابه، فحاول معالجة الأمر بسخريته العبقرية، عندما قال لسيد مكاوي: «ولا يهمك، هذا بتهوفن نفسه لم تغن له أم كلثوم، ومع ذلك فألحانه خالدة».

لقد راعى سيد مكاوي عندما أقيمت له فرصة تحقق حلمه بالتلحين لأم كلثوم، أن يوفق بين عناصر متعددة في معادلة متكاملة:

أن يصوغ اللحن وفقا لخطه الفني المتشدد في محافظته حتى ذلك الوقت (خرج سيد مكاوي قليلا عن هذا التشدد في ألحانه الأخيرة لوردة، في مجال المزاج المقامي، وفي مجال الاستعانة ببعض الآلات الغربية). حتى أن صلاح جاهين نشر في يوم الحفلة الأولى لأغنية “يا مسهرني” رسما كاريكاتوريا في جريدة الأهرام، رسم فيه واجهة المسرح الذي ستغني فيه أم كلثوم، وقد رفعت عليها يافطة بتوقيع “الشيخ سيد مكاوي”، كتبت عليها بالبنط العريض عبارة: “ممنوع دخول الآلات الغربية”.

أن يأتي اللحن في كل أجزائه مراعيا للمساحات المحدودة في صوت أم كلثوم، في آخر موسم غنائي لها.

أن يلبي رغبة أم كلثوم في أي تعديل في اللحن تبدي الرغبة فيه. بدليل أن المقطع الأول من الأغنية “اسأل عن اللي يقضي الليل”، في التسجيل الذي نشره سيد مكاوي للأغنية بصوته، بعد رحيل أم كلثوم، يحمل لحنا آخر (على مقام العجم) غير الذي قدمته أم كلثوم بصوتها (على مقام راست، مثل مطلع الأغنية).

وقد ثبت فيما بعد، أن سيد مكاوي كان قد أعد لحنا ثانيا لأم كلثوم، وبدأ بتحفيظها إياه أملا في أن تعود إلى الغناء. وهو ما لم يتحقق. وقد استخدمت المخرجة إنعام محمد علي قسما من التسجيل بصوت أم كلثوم، لمقطع قصير من هذا اللحن بصوت أم كلثوم، في مسلسلها الشهير عنها.

ويبدو أن الشيخ سيد مكاوي كان يعتز كثيرا بهذا اللحن الثاني، ويريد أن يحيطه بالنجاح الذي حققه لحن “يا مسهرني”، فكلفني شخصيا عندما زار بيروت، بالتوسط مع المغنية اللبنانية الكبيرة فيروز لسماع اللحن وأدائه. ولما أبديت رأيي بأن الحان سيد مكاوي (من قبل الاستماع إلى اللحن الجديد) لا تناسب صوت فيروز وأسلوبها في الأداء، أصر على موقفه، مؤكدا أن هذا اللحن يناسب صوتها تماما، في اعتقاده.

ولما لم تؤد تلك المحاولة إلى أي نتيجة، حوّل سيد مكاوي اللحن إلى المطربة وردة، وكانت يومها في عز مواسم حفلاتها الغنائية، بعد الفراغ الكبير الذي تركه رحيل أم كلثوم، فكانت “أوقاتي بتحلو” فاتحة لسلسلة من الألحان الطويلة لسيد مكاوي، حاول أن يعوض بها، من خلال وردة، ما فاته مع أم كلثوم.

لقد قدر لي أن أطلع بنفسي على مدى اعتزاز سيد مكاوي بتحقيق حلم عمره بالتلحين لأم كلثوم، عندما انتقلت، بعد الاستماع إلى الحفلة الأولى في منزل صلاح جاهين، إلى منزل زميل صحفي في مجلة روز اليوسف، كان يكمل فيه سيد مكاوي سهرته بعد انتهاء الحفلة، فإذا به يرفض أي محاولة لإسماعنا مقطعا من اللحن الجديد بصوته وعوده، ويفرض علينا أن نكمل معه السهرة حتى السادسة صباحا، ونحن نستمع وإياه إلى شريط الحفلة مسجلا بصوت أم كلثوم، يعاد ويستعاد حتى ساعة متقدمة من صباح اليوم التالي، وهو في حالة من النشوة التي تقارب حد الغيبوبة.

ألم يحقق الحلم الذي عجز عن تحقيقه عدد من زملائه الكبار الذين سبقوه في المحاولة ؟

الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50527
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 1:10

عبدالناصر سألها: لماذا لا تتعاونين مع عبدالوهاب؟ فقالت: قل له فسأل عبدالوهاب فقال: قل لها!

محمــــد عبـــد الوهــاب

من المؤكد أن العلاقة الفنية بين أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، هي من أكثر الأمور تعقيدا في سيرة أم كلثوم الشخصية والفنية، سواء عندما كانت هذه العلاقة صعبة أو مستحيلة، أو بعدما تحولت إلى أمر واقع، يثمر في كل سنة عملا فنيا جديدا بين 1964 و1972.

لقد كانت هذه العلاقة الفنية، حتى قبل إنجازها، فكرة لا تلح فقط على صاحبي العلاقة وتطاردهما منذ أن تربعا على عرش الأغنية العربية في وقت مبكر من القرن العشرين، بل تلح أيضا على عدد من كبار المسؤولين في الدولة المصرية، من قيادات سياسية واقتصادية وثقافية، من أعلى المستويات إلى أدناها، وفي العهد الملكي كما في العهد الجمهوري. ولعل العامل الثالث والأهم في هذه العلاقة يتمثل في أنها كانت دائما رغبة جماهيرية أشبه بالحلم، خاصة لدى الشريحة الأوسع من الجمهور خارج إطار الحزبية الضيقة لعبد الوهاب (من الذين لا يحبون سماع ألحانه إلا بصوته) والحزبية الضيقة لأم كلثوم (من الذين أدمنوا على سماع صوت الست إما بالحان القصبجي أو زكريا أو السنباطي). فبالنسبة للجمهور المتمرد على هذه الحزبية الضيقة، كان عبد الوهاب كبير الملحنين، وكانت أم كلثوم كبيرة المطربات، وكان لقاؤهما حلما جميلا يراود مخيلة المستمعين بين المحيط والخليج.

ولو نحن استرسلنا وراء تصور سيناريوهات مفترضة لتلك العلاقة، سابقة على السيناريو الذي تحقق في وقت متأخر من عمرهما الفني، فهناك من يعتقد أن الزمن الافتراضي الأنسب لذلك اللقاء كان عقد الأربعينيات، عندما كان عبد الوهاب في ذروة تألقه اللحني، مع اكتمال في نضج تجربته الموسيقية، عندما كان يتدفق في كل سنة بالحان خالدة من وزن الجندول والكرنك وكليوبترة وحياتي إنت، والحبيب المجهول وقالت وعاشق الروح وهمسة حائرة وما إلى ذلك، وعندما كانت أم كلثوم قد وصلت في نضج صوتها ونضج خبرتها إلى الذروة التي غنت فيها رق الحبيب وغلبت أصالح وسلوا قلبي ورباعيات الخيام ومصر تتحدث عن نفسها.

غير أن نظرية أخرى تفترض أن هذا السيناريو المثالي كان مستحيل التنفيذ، لأسباب فنية، خارج الأسباب الشخصية الأخرى المتعلقة بمشاعر التنافس الفني بينهما. من هذه الأسباب بالنسبة لأم كلثوم أنها كانت ما زالت خارجة من صدمة محاولات التجديد مع محمد القصبجي التي وصلت إلى ذروتها الناجحة مع «رق الحبيب»، ثم انفجرت في التجربة الفاشلة لألحان فيلم «عايدة». لذلك، فان أم كلثوم كانت عند ذلك المنعطف، بحاجة إلى الحان من مدرسة زكريا أحمد الكلاسيكية، أو مدرسة السنباطي الكلاسيكية المتجددة باعتدال، ولم تكن أبدا بحاجة إلى مجدد جرئ، قد تكرر معه تجربة محمد القصبجي، بل كانت تجاربها السابقة تدفعها إلى مزيد من المحافظة، وإلى الحذر الكامل من أي نزعة تجديدية.

أما بالنسبة لعبد الوهاب، وعلى عكس ما ينظّر له الناقد الكبير كمال النجمي، من أنه في الأربعينيات كان قد فقد صوته الذهبي، الذي توقف عند مطلع الثلاثينيات، ففي رأيي أن اختفاء جزء من الطبقات العليا من صوت عبد الوهاب لم تفقده أبدا معدنه الذهبي، ولكنه إضافة إلى احتفاظه حتى ذلك الوقت بمساحات لا بأس بها من طبقات صوته العليا (حتى قيامه بغناء عاشق الروح في العام 1949، بل حتى حفلة كل دا كان ليه الحية في العام 1954)، كانت ينابيع الحلاوة والطلاوة في صوته قد زاد تدفقها (ولم ينقص)، وكانت خبرته في الأداء قد وصلت إلى ذرى عالية تتجاوز مرحلة 1925 - 1935 ، عندما كانت مساحات صوته العليا مكتملة.

لذلك، فان صوت عبد الوهاب كان في ذروة تاريخية تجعله يضن بأي لحن كبير من ألحانه المطولة الرائعة، على أي صوت أخر غير صوته، أو تجعله، بعبارة أخرى، لا يحتاج لصوت آخر يعبر من خلاله عن خواطره الموسيقية الكبرى، ما دام صوته في تلك الذروة العالية.

لذلك، كان طبيعيا أن تبقى ظروف ذلك اللقاء مؤجلة، خاصة وأن الأربعينيات والخمسينات كانت بمثابة شهر العسل التاريخي لعبقرية أم كلثوم الغنائية، وعبقرية السنباطي الموسيقية.

أما عندما بدأ عقد الستينيات، فان أمورا فنية كثيرة كانت قد تبدلت في حياة أم كلثوم وعبدالوهاب، إضافة إلى ظروف العلاقة الشخصية، التي ذوب الزمن فيها كل حدة مشاعر المنافسة القديمة، عندما كان كل منهما منهمكا في بناء مجده الفني وتثبيت قواعده، ونشر ألويته بين جماهير مصر أولا، ثم جماهير الأمة العربية.

أما في الأسباب الفنية، فكان عبد الوهاب قد اتخذ قراره باعتزال الغناء بعد تسجيل «هان الود» في مطلع الستينيات على أوركسترا كاملة، وبدأ يتفرغ لموهبته الموسيقية وحدها، من خلال ما يحلو له من أصوات ومن أساليب الأداء الغنائي التي يرتاح لها. وإذا كان عبد الوهاب قد بدأ يوزع ألحانه بسخاء على عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة وفايزة أحمد ووردة وشادية وفيروز، فمن باب أولى أن تعاوده فكرة التلحين لصوت أم كلثوم، الذي لم يكن قد دخل مرحلة الشيخوخة بعد، برغم تراجعه النسبي عن ذروته الذهبية في عقدي الأربعينيات والخمسينيات.

رواية عبدالوهاب

أما أم كلثوم، فبعد أن قطعت مرحلة طويلة من الاستقرار الإبداعي في إطار الصيغة السنباطية- الكلثومية، بدأت كما رأينا منذ منتصف الخمسينيات تستقطب المواهب الموسيقية الشابة إلى «بلاطها الموسيقي». فإذا كانت قد اندفعت بلا تردد إلى استقطاب ألحان من محمد الموجي ثم كمال الطويل، ثم بليغ حمدي (مع أن السنباطي كان ما يزال في كامل «لياقته» الموسيقية)، فمن باب أولى أن يعاودها التفكير بأن الوقت قد حان لحصولها على الحان من أستاذ أصحاب المواهب الموسيقية الشابة التي بدأت التعاون معها بلا وجل، خاصة وأنه هذه المرة قد انقطع عن الغناء رسميا.

غير أن تضافر الظروف الموضوعية المناسبة، كان ينقصه اليد التي تشغل الشرارة في هذه الظروف.

لقد روى محمد عبد الوهاب بصوته للقسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية حديثا مطولا عن رأيه بفن أم كلثوم وصوتها، وعن تفاصيل تعامله الفني معها، تعيد إذاعة لندن بثه بين وقت وآخر، وقد أتيح لي أن أستمع إليه عند كتابة هذه السطور، في برامج الإذاعة التي كانت تحتفي بالذكرى 27 لرحيل أم كلثوم.

يتحدث عبد الوهاب عن دور جمال عبد الناصر في تحريك موضوع التعاون بينه وبين أم كلثوم، فيقول أن الأمر بدأ في اللقاء السنوي المتكرر مع كل ذكرى لثورة 23 يوليو، حين كان كل من عبد الوهاب وأم كلثوم يعد عملا فنيا يشارك به في احتفالات أعياد الثورة، وكان عشاء حميم يجمع بين الفنانين والرئيس عبد الناصر في هذه المناسبة. ويضيف عبد الوهاب أن الأمر بدأ على مائدة العشاء، حيث كان عبد الناصر يجلسهما إلى جواره، فطرح على أم كلثوم سؤالا:

«لماذا لا نسمع لك أغنية من ألحان عبد الوهاب» ؟

فترد أم كلثوم، وهي تشير بيدها إلى عبد الوهاب:

«قول له».

فيلتفت عبد الناصر إلى عبد الوهاب سائلا:

«لماذا لا تلحن لها»؟

فيرد عبد الوهاب، هو يشير لأم كلثوم:

«قول لها».

ويؤكد عبد الوهاب، في لهجة ضاحكة، أن الأمر تكرر بهذا الشكل سنتين أو ثلاث، حتى اكتشف الفنانان أن الأمر بالنسبة لعبد الناصر على درجة من الجدية، وأنه ليس مجرد حديث مناسبة عابرة، كما ظن كلاهما في بادئ الأمر.

ويبدو أن عبد الوهاب كان قد بدأ يفكر جديا بالأمر، عندما استمع إليه عازف الكمان أحمد الحفناوي (والحديث ما زال لعبد الوهاب في مقابلة إذاعة لندن) وهو يحضر لحنا لأغنية من كلمات أحمد شفيق كامل بعنوان «إنت عمري»، فاعجب الحفناوي بالمقاطع التي سمعها، وقال لعبد الوهاب: «هذا لحن يليق بأم كلثوم، لماذا لا تعرضه عليها» ؟

فتلقى عبد الوهاب الملاحظة، على أنها حديث عابر أيضا.

ولكنه فوجئ بعد ساعة من خروج أحمد الحفناوي، بأم كلثوم تتصل به قائلة إن الحفناوي أخبرها بأنه يضع لحنا جميلا يليق بصوتها، وأنها تود الاستماع إليه. وبلباقة شديدة، ودبلوماسية راقية، يتابع عبد الوهاب رواية الواقعة، فيؤكد أن أم كلثوم حضرت إلى منزله للاستماع إلى اللحن، أو الأجزاء المكتملة فيه.

وعندما تم الاتفاق، يروي عبد الوهاب، أن خلافا نشب بينهما على موضوعين:

موضوع الكلام في مطلع الأغنية

وموضوع استخدام آلة الغيتار في المقدمة.

عن مطلع الأغنية يقول عبد الوهاب أنه أصر على تبديل كلمة “شوقوني” في المطلع الأصلي للأغنية

شوقوني عينيك لأيامي اللي راحوا

لأنها لا تعبر عن المعنى. فالمعنى يوحي بأن العاشق يتحسر على ما ضاع من عمره، ولا يتشوق إليه. وفيما تمسك الشاعر أحمد شفيق كامل وأم كلثوم بكلمة “شوقوني” يقول عبد الوهاب أنه أصر على تبديلها، إلى أن تم الاتفاق على كلمة “رجعوني عينيك” التي اعتمدت نهائيا.

أما فكرة استخدام الغيتار، فقد استهجنتها أم كلثوم ما دام “لدينا آلة العود الجميلة”.

ويتابع عبد الوهاب في حديثه الإذاعي نص الحوار الذي دار بينه وبين أم كلثوم، فأكد لها أن المسألة ليست مفاضلة بين العود والغيتار، ولكن الحملة اللحنية الواردة في مقدمة “إنت عمري” مكتوبة للغيتار وليس للعود. ولما بقيت أم كلثوم على اصراها، استخدم عبد الوهاب معها أسلوب الإقناع العملي، لا النظري، وهو أسلوب سيلجأ إليه عبد الوهاب في كل الخلافات الفنية التي ستنشأ بينه وبين أم كلثوم في الألحان العشرة التي كانت حصيلة تعاملهما الفني.

وتفتقت قريحة عبد الوهاب عن فكرة إحضار عازف العود في فرقة أم كلثوم (محمد القصبجي في ذلك الوقت) وعازف الغيتار المفترض، وهو أصلا عازف على آلة الكمان في فرقة أم كلثوم، اسمه عبد الفتاح خيري. وهنا، يتوقف عبد الوهاب في حديثه الإذاعي، عند ذكر اسم القصبجي، في لفتة جميلة، يؤكد فيها أن محمد القصبجي هو أستاذ كبير، وهو أستاذه على آلة العود. ثم يتابع الوقائع، فيروي كيف أنه طلب إلى العازفين أن يؤديا بالتناوب الجملة اللحنية المقصودة في المقدمة، ففعلوا ذلك تكرارا إلى أن طلبت إليهما أم كلثوم التوقف، والتفتت إلى عبد الوهاب قائلة (بعبارة فرنسية كما يؤكد عبد الوهاب):

معاك “كارت بلانش” (ومعناها: لديك صلاحية مطلقة) افعل ما يحلو لك.

هكذا ولد العمل الأول الذي اعتبر، بغض النظر عن قيمته الفنية التي سنتطرق إليها في السطور التالية، حدثا فنيا تاريخيا، لأنه جاء ثمرة متأخرة جدا لتعاون فني كانت الجماهير تنتظره منذ أواخر العشرينيات.

ومع أن عبد الوهاب وأم كلثوم كانا في ذروة مجدهما الفني، عند ذلك المنعطف، فان المحيطين بهما، يروون عن تلك اللحظات أن حالة من التهيب الفني كانت تسيطر على الفنانين.

وقد روى لي أحمد عبد الوهاب، النجل الأصغر للموسيقار، نص حوار دار بين والده وأم كلثوم في “البروفة” النهائية للحن، قال فيه عبد الوهاب لأم كلثوم:

“أنا رصيدي الفني كله بين يديك الآن، فإما أن تصعدي به إلى السماء، وإما أن تنزلي به إلى الأرض”.

فانتفضت أم كلثوم لسماع مثل هذا الكلام وبادرته بالقول مستنكرة:

“ماذا تقول، انت دخلت التاريخ بالحانك، أما أنا فمغنية تردد الألحان، يحبها الناس الآن، ولكن لا أدري إلى متى بعد رحيلي”.

ومهما بلغ من دقة هذه الرواية، فان مغزاها يبقى كبيرا في مجال القلق الفني العظيم، كما في مجال التواضع الفني العظيم لدى الفنانين العظيمين، وقد أكد لي أحمد عبد الوهاب حالة التهيب الحقيقي التي كانت تسيطر على والده، الذي اصطحبه إلى خلف الكواليس، في الحفلة الأولى للأغنية “إنت عمري”، فأكد لي أن قدم والده الموسيقار كانت ترتعش، وهو يطل من وراء الكواليس مستطلعا ردة فعل الجمهور على المقدمة الموسيقية.

ونعود إلى الفقرة الأخيرة التي تهمنا هنا من مقابلة عبدالوهاب الإذاعية، والمتعلقة بتفاصيل لقائه بأم كلثوم، حيث يتحدث عن تحليله لأسباب السهولة التي تم بها تعامله مع أم كلثوم، بعد طول ممانعة، فيشير إلى اعتقاده أن من بين الأسباب التي سهلت أمر هذا التعاون، أن أم كلثوم بدأت تقبل بانفتاح أكثر على مجالات التجديد فيما تقدم من فن (المحرر: أضيف أن آثار صدمة “عايدة” كانت قد زالت نهائيا، وأنها أصبحت واثقة من قدرتها على رفض أي لحن تجديدي، قد تشم منه رائحة مغامرة جديدة غير مضمونة العواقب) ثم يتابع عبد الوهاب حديثه الإذاعي بأن صحتها ما عادت تحتمل ذلك الجهد المضني الذي كانت تبذله في أداء أغنيات طويلة ذات لوازم موسيقية قصيرة، بحيث يكون الاعتماد على صوتها كاملا لساعات طويلة، وأنها تقبلت فكرة إشباع الأغنية بمقدمات، ولوازم طويلة، تمنحها فسحة من الراحة الطبيعية، وتقدم فيها للجمهور مادة فنية جميلة تكون جزءا طبيعيا من العمل الفني.

«انت عمري» البداية

نعود بعد هذا الاقتباس المباشر المطول، عن رأي عبد الوهاب ومعلوماته بشأن ولادة التعاون الفني بينه وبين أم كلثوم، إلى تسجيل تفاصيل الاستقبال غير العادي الذي أحاطت به الإذاعات العربية، وجماهير المستمعين العرب ظهور إنت عمري، قبل الدخول إلى تفاصيل التقييم الفني الموضوعي.

إن بالإمكان تخصيص بحث أكاديمي كامل عن الظروف الاستثنائية التي أحاطت بهذا اللقاء الأول بين عبد الوهاب وأم كلثوم، وظروف استقبال. الإذاعات العربية وجماهير المستمعين له، وظروف التحولات التي أحدثها ظهور هذا اللحن على تقاليد وطقوس الحفلات الشهرية لأم كلثوم، نذكر منها على سبيل المثال:

لقد افتتحت “إنت عمري” على سبيل المثال، عصر الأغنية الكلثومية التي استمر أداؤها على المسرح في الحفلة الأولى مائة وثلاثين دقيقة.

لقد أدخلت “إنت عمري”، وما تلاها من الحان لعبد الوهاب وبليغ حمدي ومحمد الموجي إلى رحاب المستمعين لأم كلثوم، كل الشرائح الاجتماعية التي كانت خارج تلك الرحاب حتى ذلك الوقت. وحتى رياض السنباطي، ذلك الكلاسيكي المخضرم، استنفر ظهور “إنت عمري” نشاطه وجدد شبابه، فأطلق رائعته الخالدة الأطلال بعد ما كانت قصائده الأخيرة (مثل ثورة الشك) تبدو أقل لمعانا نسبيا من روائع الأربعينيات. كما أن جماهير المستمعين الذين أدخلتهم “إنت عمري” في رحاب أم كلثوم، أصبحوا يعيدون النظر فيما تقدم وتأخر من أغنياتها، بما في ذلك الحان زكريا احمد ورياض السنباطي ومحمد القصبجي في العقود السابقة.

أصاب اللحن الجديد الإذاعات العربية بما يشبه “هوس أم كلثوم”، فبقينا أسابيع طويلة بعد الحفلة الأولى، نستطيع سماع “إنت عمري” كيفما أدرنا مؤشر الراديو على أي إذاعة عربية، في أي ساعة من ساعات الليل والنهار.

فإذا انتقلنا الآن إلى محاولة التقييم الموضوعي لمجمل حصيلة التعاون بين عبد الوهاب وأم كلثوم، (وليس لإنت عمري فقط)، فان الملاحظة الأولى الجديرة بالتسجيل، هي أن هذا التقييم لم يتخلص حتى كتابة هذه السطور من شوائب المعايير غير الموضوعية المختلطة بالمعايير الموضوعية، مما يقلل من نسبة الموضوعية في تلك التحاليل، التي يبدو أنها ما زالت بحاجة إلى مزيد من فعل غربال الزمن.

أما مصدر الصعوبة الأساسي في التقييم الموضوعي لحصيلة ذلك التعاون، فهو أن معظم محاولات التقييم، إن لم أقل كلها حتى الآن، لا ينطلق من الظروف الموضوعية التي أحاطت بهذا التعاون ورسمت له أشكاله وحدوده القصوى والدنيا (وهي حتما لم تكن ظروفا مثالية)، بل ينطلق من فرضية نظرية – في تحليلي الشخصي- تفرض أنه ما دام اللقاء بين أعظم ملحني العصر وأعظم مطربات العصر، فلا بد لثمار التعاون أن تأتي بأعظم أغنيات العصر، وأعظم ألحانه.

ولكن النتيجة العملية لم تأت مطابقة للافتراض النظري (وما كان لها أن تأتي كذلك)، فلا شك بأن الأغنيات العشرة التي شدت بها أم كلثوم من ألحان عبد الوهاب (ثماني أغنيات عاطفية وأغنيتان وطنيتان) ليست في مستوى فني واحد، كما أنها ليست بالقطع أجمل أغنيات أم كلثوم، ولا هي أعظم ألحان عبد الوهاب. ومن المؤكد أن معظم تفاصيل سجل خلود عبد الوهاب وسجل خلود أم كلثوم، كانت قد كتبت بنصوصها شبه النهائية قبل “إنت عمري”.

بعد هذا الإقرار بالنتيجة النهائية، يسهل علينا الاقتراب من تحليل ثمار العلاقة الفنية بين هذين العملاقين، بأدوات موضوعية.

لقد ذكر عبد الوهاب في سياق حديثه الإذاعي المطول الأنف الذكر لإذاعة لندن، سببا جوهريا يفسر به تأخر تعاونه مع أم كلثوم، يأتي في درجة الأهمية- برأيي- قبل كل الأسباب التي يمكن أن نفسر بها هذا التأخر، وهو سبب اختلاف الأسلوب الفني بين عبد الوهاب وأم كلثوم، وهو الاختلاف الذي فصّلنا كثيرا في شرح أسبابه، عند محاولة تفسير أعماق الخلاف الفني بين أم كلثوم وأستاذها محمد القصبجي.

فمع أن الفنانين الثلاثة (أم كلثوم والقصبجي وعبد الوهاب) قد نشأوا وتربوا على التعمق في أساليب الإنشاد الديني والتجويد القرآني، ثم التوسع في الإطلاع على تراث القرن التاسع عشر (كل على طريقته)، فان الطرق الفنية اختلفت بعد ذلك المنطلق الموحد، بين أم كلثوم من جهة، وعبد الوهاب والقصبجي من جهة ثانية، اللذين قادهما العقل الموسيقي الكبير الذي كانا يتمتعان به، إلى الافتتان بنماذج الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، وإلى التعمق في الاستماع التحليلي لعدد وافر من أهم نماذجها السمفونية والأوبرالية. ولأنهما يشتركان في التخصص بفن التلحين (صرح لي عبد الوهاب في حديث مباشر أنه يعتبر نفسه موسيقيا قبل أن يكون مطربا)، فقد كان لجزالة أساليب التعبير واتساع آفاقه في أقسام الاوركسترا السمفونية، أثر حاسم في تفكيرهما الموسيقي، لذلك تميزت موسيقاهما بأثر واضح للتفكير الأوركسترالي، بمعنى أنهما كانا يلحنان للأوركسترا، وليس للصوت البشري وحده.

ومع أن أم كلثوم سايرت القصبجي مطولا في هذا الاتجاه، بآثار واضحة على أسلوبها في غناء ألحانه في عقد الثلاثينيات، فإنها ما لبثت- كما رأينا- أن انتهزت فرصة فشل فيلم عايدة، للفكاك من هذا الأسلوب الذي كان لا ينسجم بشكل تلقائي مع طبيعة تكوينها الفني الأساسي، بينما كان ذلك الاتجاه، ويقي، مسيطرا على أسلوب محمد عبد الوهاب في الغناء والتلحين.

ولأن عبد الوهاب قد انطلق في هذا الاتجاه بعد استكمال استيعابه الكامل والمعمق للتراث الموسيقي والغنائي العربي الديني والدنيوني، فإن المحصلة العملية لمغامراته الفنية بعد ذلك ما كان يمكن أن تؤدي به إلى التغرب، كما كان يصر غلاة المحافظين (خاصة في النصف الأول من القرن العشرين) بل جاءت النتيجة بتوليد أساليب متجددة من داخل الشخصية الراسخة للغناء العربي والموسيقي العربية، وهو – برأيي – الطابع الغالب الذي سيبقى من تراث عبد الوهاب الموسيقي والغنائي، بعد استكمال عملية الغربلة التاريخية. يؤكد ذلك أن أوسع شرائح المستمعين العرب، قد استوعبت هذه التجديدات وهضمتها داخل وجدانها الموسيقي والغنائي بحرية تامة، ومن غير أن يضطرها أحد لذلك، وعلى مدى ثلاثة أرباع القرن.

تراجع المساحات الصوتية

ولا أوافق الناقد الكبير الأستاذ كمال النجمي على نظريته التي يؤكد فيها أن عبد الوهاب قد سلك هذا الاتجاه من باب التحايل على تراجع مساحاته الصوتية، فأخذ يلجأ إلى التوسع المتدرج في دور الأوركسترا، حتى يغطي تراجع صوته. ولعل الدليل الحسي الذي يؤكد أن هذا الأسلوب التجدد إنما كان خيارا واعيا وتعبيرا عن اتجاه فني عميق وأصيل، أن عبد الوهاب بدأ باعتماده حتى في المراحل الأولى التي كانت فيها مساحاته الصوتية في كامل لياقتها وفتوتها (استمع مثلا إلى أغنيات مثل في الليل لما خلي وأهون عليك وعشرات مثلها).

ويسهل كثيرا العثور على عشرات الأدلة لدى مقارنة تراث عبد الوهاب بتراث أم كلثوم بين 1925 و 1935، على بداية ارتسام ملامح مدرستين مختلفتين في الأداء الغنائي (خاصة في أغنيات أم كلثوم من ألحان داود حسني وزكريا احمد)، يمكن وصفهما اصطلاحها بالكلاسيكية التقلديدية والكلاسيكية المتجددة.

ومع أن أعمال القصبجي (وأعمال السنباطي الأولى) قد دفعت أم كلثوم مرات عديدة باتجاه الكلاسيكية المتجددة، إلا أن الكلاسيكية التقليدية الراسخة الجذور في أعماق أم كلثوم (منذ نشأتها الأولى) هي التي غلبت ما عداها في المحصلة العامة لمسيرتها الفنية.

إذن، كانت المهمة الأصعب أمام عبد الوهاب عند لقائه المتأخر بأم كلثوم، محاولة إيجاد الصيغة التوفيقية ( وهو الملحن الخبير والمطرب الخبير) بين أسلوبين مختلفين، بل راسخي الجذور في اختلافهما.

إضافة إلى ذلك، فان عبد الوهاب قد بدأ بلحن لأم كلثوم وهو ليس في ذروة حيويته الفنية، كما أن أم كلثوم كانت كمغنية قد بدأت بنزول السفح الأخر للهرم، فكان على عبد الوهاب أن يراعي ضرورات الاقتراب من أسلوب أم كلثوم الغنائي، دون أن يستسلم له كليا (وإلا فقد شخصيته الموسيقية تماما) وأن يراعي عوامل التراجع في صوت أم كلثوم، فيحد خياله الفني، بحدود قدراتها الصوتية المتراجعة.

فإذا وضعنا كل هذه الظروف العملية والموضوعية في الاعتبار، ونظرنا على ضوئها إلى الأعماق الداخلية للحن انت عمري (على سبيل المثال) فإننا سنرى أن عبد الوهاب قد صاغ لحنه الأول لأم كلثوم وفقا لخطة تريد أن توفق بين أغراض ثلاثة (بعدد مقاطع الأغنية الثلاثة):

فجاء المقطع الأول (أد إيه من عمري قبلك راح) مع المقدمة الموسيقية والمقدمة الغنائية، وهابيا خالصا.

وجاء المقطع الثاني محاولة وهابية موفقة في الاقتراب من الأسلوب الكلثومي (الليالي الحلوة).

أما المقطع الثالث، فلعل عبدالوهاب وضعه تحت هاجس الاسترضاء المؤكد للجمهور، بعيدا عن أي مغامرة تجريبية توفيقية، فصاغ اللحن من وحي الأغنيات الكلثومية الخفيفة ذات النفس الشعبي، على طريقة على بلد المحبوب (للسنباطي) وغني لي شوي شوي (لزكريا أحمد)

ولا تبرح مخيلتي تلك الشروحات التي استغرقت نصف ساعة، للعبقري محمود الشريف، وهو يشرح لي عظمة المقطع الأول في “انت عمري” في جزالته اللحنية المدهشة ومتانة بنيانه الهندسي، معتبرا إياه واحدا من أجمل ما سمع من مقاطع في تاريخ الموسيقى العربية.

أما الحان عبد الوهاب الكلثومية التي تتميز بتكامل واضح من أولها إلى آخرها، وباقتراب من الكمال الفني والعمارة الموسيقية الشامخة، فهي برأيي ثلاثة: على باب مصر، وهذه ليلتي، وانت الحب.

بعد ذلك تجلت روح عبدالوهاب في الأصالة المنطلقة بلا كلل نحو التجدد، والتميز بغزارة الجمل الموسيقية الجميلة، في ثلاثة نماذج أخرى هي: فكروني ودارت الأيام وأغدا القاك.

وحتى أمل حياتي وليلة حب، التي تبدو أضعف الحان عبدالوهاب الكلثومية، فإن من يستمع إليها بتسجيلات خاصة بصوت عبد الوهاب وعوده، يكتشف فيها حساسيات وهابية ما كان بإمكان صوت أم كلثوم في أخر حفلاتها (1973) أن تؤديها بما تستحق، وتكشف عن مكنوناتها.

ولا بد من إشارة أخيرة إلى أقصر الحان عبد الوهاب لأم كلثوم، اصبح عندي الآن بندقية، الذي يعتبر أكثر ألحانه لأم كلثوم وهابية، ومع ذلك فقد أدته أم كلثوم بحساسية راقية وبمسحة من الحزن الدفين الراقي، النابع من مشاعر عميقة يحركها الموضوع الذي يتحدث عن مأساة فلسطين. ومن الملفت للنظر أن هذا اللحن القصير القوي، كان مناسبة لقيام أم كلثوم لأول وأخر مرة في حياتها، بالغناء على طريقة تسجيل الصوت فوق تسجيل الأوركسترا الجاهز، من خلال وضع السماعات في الأذنين.

وقد روى لي عبد الوهاب أن أم كلثوم جفلت من تلك الطريقة في البداية، وحاولت الإصرار على الغناء الطبيعي مع الأوركسترا، ولكن عبد الوهاب استخدم معها مرة أخرى أسلوب الإقناع العملي، لا النظري، فقام بتسجيل الأغنية بصوته أمامها، بالطريقة التقنية الجديدة في ذلك الوقت، مما سهل الأمور، فتجاوبت أم كلثوم ، ولكن لأول وأخر مرة في حياتها.

نختتم هذا الفصل فنقول أنه صحيح أن حصيلة التعامل المتأخر بين عبد الوهاب وأم كلثوم، ما كان يمكن لها (لأسباب موضوعية كثيرة) أن تكون أجمل أغنيات أم كلثوم، أو أعظم ألحان عبد الوهاب، ولكن رصيد أم كلثوم الغنائي، ورصيد عبد الوهاب اللحني قد اغتنى بهذا التعاون، الذي يمكن لبعض ثماره (كما أشرنا) أن تصنف بين اجمل أغنيات أم كلثوم، واجمل الحان عبدالوهاب. ويكفي أن هذه الألحان قد جعلت كل المستمعين العرب، من كل فنانهم وأعمارهم وأذواقهم، ينضمون بلا استثناء هذه المرة إلى جمهور المستمعين لأم كلثوم، ويندفعون بعد ذلك إلى ما هو أهم، إلى إعادة اكتشاف التراث الكلثومي والاستمتاع به، من أوله لأخره، وبكل المدارس الموسيقية التي ساهمت في إنتاجه.

على أي حال ما كان يمكن لنا أن نتصور مرور القرن العشرين ورحيل عبد الوهاب وأم كلثوم من غير تعاون فني فيما بينهما. صحيح أن النتيجة لم تكن مثالية، وما كان يمكن لها أن تكون كذلك في توقيتها وظروفها، ولكن تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة في القرن العشرين هو، مع ألحان عبد الوهاب العشرة لأم كلثوم، أغنى منه بغير هذه الألحان.

الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50527
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 1:13

بدأت علاقتهما عام 1954 في نشيد الجلاء وانتهت عام 1970 في اسأل روحك

بدأت علاقتهما عام 1954 في نشيد الجلاء وانتهت عام 1970 في اسأل روحك
لقد كان ذلك التحول الدرامي في حياة أم كلثوم وفريق ملحنيها الأساسيين، أشبه بالصخرة التي انزاحت من أمام الشلال الموسيقي الهادر المسمى رياض السنباطي. فانطلق يزود حنجرة أم كلثوم، التي كانت قد دخلت ذروة عصرها الذهبي في حلاوة الصوت وتهذيبه وليونته، وعظمة الأداء والتوازن الكامل فيه بين مساحة الجوابات العالية والقرارات المنخفضة، بسلسلة من القصائد الدينية والوطنية، وسلسلة أخرى من المونولوجات العاطفية المطولة، وكلها ملحنة خصيصا لحفلات أم كلثوم الحية والمذاعة مباشرة على الهواء.

لقد تحولت هاتان السلسلتان إلى كنزين آخرين أهدتهما المؤسسة الكلثومية إلى خزانة الموسيقى العربية الكلاسيكية المعاصرة، إضافة إلى كنوز قصائد أبو العلا محمد، ومونولوجات القصبجي، وطقاطيق وأدوار زكريا أحمد القصيرة، ومونولوجات زكريا أحمد وطقاطيقه المطولة.

فإذا توقفنا أولا عند سلسلة القصائد السنباطية، فان من الضرورة بمكان تثبيت الملاحظة العامة التي تؤكد أن مراجعة موضوعية لما أنتجته الموسيقى العربية في فن القصيدة الغنائية في القرن العشرين، تتيح لنا أن نكتشف أنه بعد الجهد التأسيسي الرائد لأبي العلا محمد في هذا الفن بالذات (القصيدة الغنائية ) فقد عرف هذا الفن في القرن العشرين سلسلة من المجتهدين والمبدعين في مجاله، لكن زعامة هؤلاء معقودة اللواء بلا شك لفارسين من فرسان العطاء الأغزر والأرقى والأعمق والأكثر تجددا في هذا الفن، هما محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي. وليس هذا مجرد تعبير عن تقدير شخصي لهذين الفنانين، بل أنه النتيجة الموضوعية التي يخرج بها أي دارس ممحص في رصيد ما أنتجه العرب في هذا الفن على مدى القرن العشرين بكامله.

فإذا انعطفنا إلى تحليل ما أنجزه السنباطي بالذات في هذا المجال، انطلاقا من هذه الملاحظة الموضوعية العامة، فإننا نلاحظ أنه عندما بدأ السنباطي محاولته الكبيرة الأولى في فن القصيدة الغنائية (سلوا كؤوس الطلا، 1937)، كان عبد الوهاب قد قطع شوطا طويلا في هذا المجال، انطلاقا من مدرسة أبو العلا محمد، ثم تطويرا لها، وصل إلى ذروته الأولى مع قصيدة “أعجبت بي” التي أوجدت قواعد الكلاسيكية الجديدة في فن القصيدة الغنائية العربية، تم تطور الأمر بعد ذلك، على يدي عبد الوهاب، بقصائد قصيرة متطورة من نوع “الصبا والجمال” وصولا إلى روائعه المطولة فيما يمكن تسميته القصيدة- المونولوج، مثل الجندول والكرنك وكليوبترة.

فإذا انتقلنا بعد هذه المقدمة القصيرة الضرورية، إلى تحليل ما أنجزه السنباطي في هذا المجال، فان أول ما يلفت النظر هو أنه كان من الصعب، بعد كل ما أنجزه عبد الوهاب في هذا المجال، باتجاه خاص به مبني على خصوصيات شخصيته الفنية، الضارية أعماقها في جذور التراث العربي (الديني والدنيوي) والمفتوحة الآفاق على مؤثرات الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية الرفيعة، نقول أنه كان من الصعب، بعد كل ذلك، أن يأتي أي مشتغل جديد بفن القصيدة الغنائية العربية، ويقاوم مغريات التأثر بكل ما أنجزه عبد الوهاب في هذا المجال. ولكن هذا “الصعب” هو بالضبط ما حققه وأنجزه رياض السنباطي (مع كل إعجابه السابق واللاحق، الذي لا حدود له بفن عبد الوهاب موسيقيا وغنائيا).

وإذا كان لنا أن نحاول تحديد جذور هذه الاستقلالية التي مارسها السنباطي بكل راحة وبكل اقتدار، فلعلنا نستنتج سببين رئيسيين أولهما بلا شك أن السنباطي (كما ثبت فيما بعد) هو عبقري موسيقي من الحجم التاريخي، وأنه مع الاستفادة المؤكدة من كل ما أنجزه من سبقوه زمنيا في تطوير فن القصيدة الغنائية، كانت لديه كلمته الخاصة التي يود تولها في هذا المجال، وهذه الكلمة الخاصة لا بد لها منطقيا من أن تكون منطلقة من مكونات الشخصية الإنسانية والفنية لرياض السنباطي، وهي مكونات يمكن وضعها تحت عنوان عام هو “التصوف”، بكل ما يستتبعه ويستكمله ذلك من صرامة مع النفس والغير، ومن سكينه نفسية عميقة، ومن ترفع عن مغريات الدنيا، وانعزال عن الصخب الاجتماعي والدنيوي بكل مغرياته.

وهكذا، وبعد أن ظلت أم كلثوم بين 1937 و1946، لا تجد ما تردده من قصائد السنباطي سوى رائعتيه الأوليين (سلوا كؤوس الطلا، واذكريني)، انطلق شلال السنباطي الهادر في هذا المجال ابتداء بتحفته التاريخية “سلوا قلبي” في العام 1946، وهي الجامعة في شعرها المأخوذ عن قصيدة طويلة لأحمد شوقي، بين الغزل والتصوف والوطنية، متداخلة تحت مظلة مدح الرسول العربي.

بعد ذلك، كرت سبحة القصائد السنباطية التي غلب عليها الطابع الصوفي، مهما كان موضوعها، مع بروز في بعض القصائد العاطفية لأثر المزاج الرومانسي أيضا. وهي مجموعة القصائد التي يعتبرها الناقد الكبير كمال النجمي في أحد فصول كتابه “تراث الغناء العربي”، ذروة الموسيقى العربية في القرن العشرين (7).

ولعلنا نذكّر القارئ أخيرا بأهم تلك القصائد: سلوا قلبي (1946) نهج البردة (1948) النيل (1949) ولد الهدى (1949) رباعيات الخيام (1950) مصر تتحدث عن نفسها - وقف الخلق (1950) إلى عرفات الله (1951) صوت الوطن- مصر التي في خاطري (1952) ذكريات (1955) أغار من نسمة الجنوب (1957) قصة الأمس (1958) ثورة الشك (1958) أراك عصي الدمع، بلحنها الجديد لرياض السنباطي (1964) الأطلال (1966) حديث الروح (1967) أقبل الليل (1969) الثلاثية المقدسة (1971) من أجل عينيك (1972). إن من يستقرأ الأعماق الفنية لهذا الكنز الذهبي من قصائد رياض السنباطي الكلثومية، يخرج بمجموعة من الملاحظات، أهمها بنظري أن بوسع العرب المعاصرين أن يهنئوا أنفسهم بذلك الظرف التاريخي الذي جعل عملاقين في وزن رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب لا يتفقان على أسلوب واحد موحد في تطوير فن القصيدة الغنائية، فأغنى كل منهما الموسيقى العربية المعاصرة، ليس فقط بسلسلة ذهبية من القصائد الغنائية ذات الحجم التاريخي، بل كذلك بأسلوبين متمايزين في تلحين القصيدة، لست من أنصار التفضيل المطلق لأحدهما على الآخر، كما فعل الناقد الكبير الأستاذ كمال النجمي، لأن التفضيل سيكون كمن يفاضل بين سمفونيات موزار وسمفونيات بتهوفن في الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية. وأنا أقصد التشبيه هنا على سبيل التحديد وليس على سبيل التعميم، كما قد يعتقد القارئ، فقد يفضل ناقد أوروبي سمفونيات موزار لأنها (مثل قصائد السنباطي) أقرب إلى روح الكلاسيكية التقليدية، بينما يفضل ناقد آخر سمفونيات بتهوفن لأنها ( مثل قصائد عبد الوهاب) تراعي الكلاسيكية التقليدية وتنطلق منها، ولكنها تفتح الآفاق واسعة رحبة أمام عناصر إضافية بالغة الغنى والتلوين مثل الرومانسية والدرامية. علما بأن من المفيد والمهم أن لا نغفل الإشارة إلى أن رياض السنباطي قد لحن خارج القصائد الكلثومية، سلسلة قصيرة من القصائد المنسوجة من قماشة النسيج الوهابي في القصيدة العربية المتطورة، غناها بصوته، مثل قصائد فجر، وأشواق، والزهرة. ولكنه حسنا فعل باختيار أسلوب آخر لتلحين قصائد أم كلثوم (كما أعتقد) لأنه أغنى الموسيقى العربية المعاصرة بنمط في تلحين القصيدة، ثبت عمليا، أنه ما كان بوسع أحد غيره أن يفعل ذلك، لو لم يفعله هو.

ننتقل بعد ذلك إلى السلسلة الذهبية الأخرى في حصيلة التعاون الكبير بين السنباطي وأم كلثوم، التي أفضل أن اختار لها اسما يتجاوز التوقف عند معايير الأشكال المحددة علميا في الموسيقى العربية المعاصرة مثل الطقطوقة والمونولوج. ذلك أنني أتبنى الرأي القائل بأن ما أحدثته هذه المطولات السنباطية لحفلات أم كلثوم الشهرية من “هلت ليالي القمر” حتى “ليلي ونهاري”، مرورا بعشرات الروائع مثل غلبت أصالح وسهران لوحدي وجددت حبك ويا ظالمني وعودت عيني ودليلي احتار ولسه فاكر وأروح لمين وهجرتك وحيرت قلبي وسواها، تحمل من الغنى اللحني والتعبيري ما يتجاوز برأيي ما قد يوحي به الإصرار على تسمية هذه الأعمال بأسمائها العلمية المحددة.

ولو أخذنا أغنية “عودت عيني على رؤياك”، على سبيل المثال، لتفسير ما نعنيه، فإننا سرعان ما نكتشف أن “عودت عيني” هي أقرب إلى أن تصنف “طقطوقة” إذا التزمنا حرفية الأشكال المحددة علميا، لأن كل مقطع فيها ينتهي بالمذهب القائل “ وان مر يوم من غير رؤياك/ ما ينحسبش من عمري”. ولو نحن فعلنا ذلك، نكون قد التزمنا بشكلية المعايير العلمية الصارمة، ولكننا ظلمنا القيمة الفنية للعمل، ذلك أن المعايير العلمية الشكلية تضع عودت عيني وعلى بلد المحبوب وديني في خانة الطقطوقة، فهل أن كلا الأغنيتين تحمل الدرجة نفسها من الغنى الفني، كما يوحي بذلك اشتراكهما في شكل واحد، وفقا لحرفية المعايير العلمية؟

لقد أثرت هذه المسألة لأسباب جوهرية لا شكلية، لأن معظم حلقات هذه السلسلة السنباطية، كما يبدو من أسماء بعضها التي استعرضنا أعلاه، تتجاوز في الثروة الفنية التي تحملها بين طياتها، حدود الأشكال الفنية، بما في ذلك شكل المونولوج، لأن بعض هذه الأعمال تتجاوز في مادتها اللحنية وفي مضمونها التعبيري كثيرا من المونولوجات القصيرة، وتستنفر قدرات البناء الهندسي للعمل الفني لدى الملحن، أكثر بكثير مما قد يستنفره لحن قصير مستوف لكامل شروط المونولوج.

إن هذا الكنز الآخر، الذي استخلصه صوت أم كلثوم من أعماق العبقرية اللحنية لرياض السنباطي، تمثل في نتاج فني غزير وغني وراق، يستحق من الدراسة ما يتجاوز بكثير مجرد اختصار الأمور بتصنيف كل من هذه الألحان في الخانة الضيقة لاسم الشكل الفني الذي تنتمي إليه.

ولعل خلاصة ما يمكن قوله في ختام هذا الفصل عن رياض السنباطي، أن قوة الاسلوبين الفنيين اللذين ابتكرهما وأرسى قواعدهما رياض السنباطي في مجموعة قصائده الكلثومية، ومجموعة مطولاته الكلثومية (كما أحب تسميتها مؤقتا، ريثما ينحت لها الباحثون اسما أكثر تحديدا ودقة)، قد فتحا أبوابا كثيرة، كما فصلنا في الفصل التمهيدي للقسم الثاني من هذا الكتاب، أمام فن الارتجال لحنجرة وأداء أم كلثوم، بما أحيا وطور في خضم القرن العشرين، تلك الفلسفة الغنائية القادمة من أعماق القرن التاسع عشر، ولكن المسكوبة في أشكال فنية هي الأبنة الشرعية للفلسفة الجمالية التي سادت الموسيقى العربية في القرن العشرين، مما يعتبر إنجازا هائلا تشارك فيها السنباطي مع أم كلثوم. وان كان لا بد من تكرار التذكير بأن إعادة اكتشاف عناصر القوة والإبداع في هذا اللون الذي طغى على فن أم كلثوم في العقود الثلاثة الأخيرة من حياتها، لا يجوز أن يحجب عن أنظار المستمعين والباحثين من أبناء الجيل الحالي والأجيال القادمة، الإبداعات الكبرى التي أنجزتها أم كلثوم مع فريق ملحنيها الأساسيين الأوائل، قبل طغيان نمط الحفلات الشهرية المطولة على فنها وعلاقتها بالجمهور، ذلك أن في إهمال تلك الإنجازات السابقة، في العقود الثلاثة الأولى من حياة أم كلثوم، ظلما فادحا لأم كلثوم نفسها ولملحنيها العباقرة الأوائل، وظلما أفدح لتاريخ الموسيقى العربية المعاصرة، ومستقبلها.

محمد الموجي

ما أن انتصف عقد الخمسينيات، حتى كانت أم كلثوم قد استقرت استقرارا تاما في المجالين الأساسيين:

مجال الشهرة والمجد، حيث مر زمان على إمساكها بزمام زعامة الغناء النسائي العربي، كما أن حفلاتها الشهرية تحولت إلى مؤسسة فنية كبرى لفن الغناء الارتجالي على المسرح، ينعقد لواء الزعامة فيها لأم كلثوم، على جميع الأصوات النسائية والرجالية.

مجال الصيغة الفنية التي اختارتها لنفسها بقرارها الشخصي، وبالاتفاق والمشاركة مع رياض السنباطي، الذي بقي لسنوات أساسية في العصر الذهبي لصوتها، ملحنها الأساسي بل الوحيد.

غير أن طول مرحلة الاستقرار (حتى على قمة المجد) يولد لدى الفنان الحقيقي المجتهد نوعا من الملل، والتطلع إلى التغيير والتنويع. فإذا أضفنا إلى هذه الحالة التحولات الاجتماعية والثقافية التي بدأت تطرأ على الحياة في مصر، بفعل استقرار ثورة 23 يوليو، واندفاعها في اتجاهات تغيير شاملة، فإننا نكون قد وضعنا أيدينا على الدوافع التي بدأت منذ منتصف عقد الخمسينيات تحرك أم كلثوم باتجاه التغيير والتجديد، بعد أن بقي مشروع تعاونها مع عبد الوهاب مؤجلا، وبعد فشل محاولات التعاون بينها وبين بقية الملحنين البارزين مثل فريد الأطرش ومحمد فوزي ومحمود الشريف وأحمد صدقي.

لقد تمخضت التحولات الناجمة عن مفاعيل ثورة 23 يوليو عن ظهور أصوات جديدة وملحنين جدد، وما لبث التعاون فيما بين هؤلاء المغنين والملحنين أن بدأ ينتج فنا ذا نكهة جديدة تشد الأسماع.فكان أن برز بسرعة اسما الملحنين محمد الموجي وكمال الطويل، مع أصوات عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة ثم فايزة أحمد وفايدة كامل ومحمد قنديل.

هذه المرة، تجاوزت أم كلثوم فريق الجيل السابق من الملحنين، وبدأت تتحرك بثقة الأستاذة، والمطربة التي يتمنى أي ملحن اقتران اسمه باسمها، نحو المواهب الجديدة في التلحين، ووقع اختيارها الأول على محمد الموجي.

لقد شمل تعاون محمد الموجي مع أم كلثوم بين 1954 و1970، سبعة ألحان:

ثلاثة ألحان لمناسبات وطنية: “نشيد الجلاء” (1954)، وأهزوجة “محلاك يا مصري” (1956)، وأغنية “يا صوت بلدنا” (1964).

لحنان للبرنامج الإذاعي رابعة العدوية، في العام 1955: حانة الأقدار، وأوقدوا الشموس.

لحنان عاطفيان مطولان، في إطار حفلات أم كلثوم الشهرية: “للصبر حدود” (1964) “واسأل روحك” 1970.

من الواضح، حسب الخارطة الزمنية لظهور تلك الألحان أن أم كلثوم قد تصرفت بشيء من التعقل في مغامرة التعامل الأول مع محمد الموجي، ذلك أنه لم يكن ملحنا جديدا تتعاون معه للمرة الأولى فقط، بل كان (في العام 1954) ملحنا ناشئا، صاحب موهبة واضحة، ولكن خبرته ضئيلة جدا. ويبدو أن هذا التعقل هو الذي جعل أم كلثوم تبدأ تعاملها معه بأغنية وطنية، حيث تكون مفاعيل الفشل أو النجاح المحدود، محصورة المدى. كما أنها، زيادة في الحرص، لم تلجأ في كلام الأغنية إلى شاعر جديد، بل اعتمدت على شاعرها المخضرم المجرب أحمد رامي. وبالفعل، جاءت النتيجة على قدر حذر أم كلثوم، فقد صاغ الموجي، المتهيب حتما تعامله الأول مع سيدة الغناء، صاغ اللحن من نسيج الألحان الوطنية لرياض السنباطي، فجاء العمل جميلا متماسكا، ولكن من غير لمعة فنية تذكر.

ويبدو أن الحذر المتبادل في هذا التعاون الأول، قد زال عندما تجرأت أم كلثوم، وكلفت محمد الموجي (مع زميله وتوأمه في الإبداع كمال الطويل) بمشاركة رياض السنباطي (ملحنها الأثير والكبير) في وضع أربعة ألحان لأربع قصائد من شعر طاهر أبو فاشا (لحنان للموجي، ولحنان للطويل).

وهنا، أخذ الموجي فرصته الحقيقية مع صوت أم كلثوم، فأطلق بلا أي حذر أو وجل خياله الفني حرا طليقا بتعامل مع شعر طاهر أبو فاشا، الذي امتاز في تلك القصائد، بدرجة عالية ورفيعة من “الفنتازيا” الفنية الجريئة والجديدة، فترجم الموجي ذلك بقدر مواز من “الفنتازيا” اللحنية الجديدة والجريئة، خاصة في لحن “حانة الأقدار”، ذي الأجواء الغرائبية فعلا.

وقد روى لي الموجي في لقاء شخصي مطول، أن أم كلثوم لم تخف مشاعر الغيظ عندما انتهى من إسماعها لحن “حانة الأقدار، فبادرته بقولها: “اللحن دا غايظني”.

فلما خاف الموجي سوء العاقبة، سألها:

“ألم يعجبك اللحن، يا ست”، فردت بقولها: “بالعكس، إنه يغيظني لأني لم أجد فيه أي جملة قابلة للتعديل أو التبديل”.

والحقيقة أننا لا نحتاج إلى وثائق (أو إلى مصدر ثالث محايد كما يقال في لغة الأخبار) حتى نتأكد من دقة رواية الموجي لذلك الحوار مع أم كلثوم، يكفي الاستماع إلى الجرأة اللحنية التجديدية، والمادة اللحنية البالغة الدسامة، والبنيان اللحني المتماسك والمتكأ على إيقاعات منوعة، من صميم خزانة الإيقاعات العربية، لنثق برواية الموجي. ولم يكن لحن “أوقدوا الشموس” يقل في لمعانه الفني عن “حانة الأقدار”، وان كان لا يصل إلى المدى الغرائبي الذي تميز به شعر ولحن “حانة الأقدار”.

بعد “رابعة العدوية” بعام (1956) انفتحت أجواء تأميم قناة السويس، ورحيل المرشدين الأجانب ردا على التأميم، ونجاح المرشدين المصريين في التحدي وسد الفراغ. ويبدو أن حرارة الأجواء القومية العامة التي أثارتها عملية تأميم القناة في الوطن العربي كله يومها، وليس في مصر وحدها، (إضافة إلى نجاح الموجي والطويل في الحان رابعة العدوية، نجاحا مبهرا مع شريك في وزن وحجم وخبرة رياض السنباطي)، يبدو أن هذه العوامل مجتمعة قد أزالت كل دواعي الحذر والتردد لدى أم كلثوم في مغامرتها مع الملحنين الشبان، وحتى الشعراء الشبان، فغنت من شعر صلاح جاهين ولحن الموجي، أهزوجته البديعة للمرشدين المحليين لقناة السويس المؤممة: محلاك يا مصري وانت عالدفة، وفيها القفلة البديعة كلاما ولحنا:

ريسنا قال، ما فيش محال

راح الدخيل، وابن البلد كفّى

للصبر حدود

ومع النجاح الواضح الذي صادفه هذا اللحن، إضافة إلى لحني الموجي الممتازين في رابعة العدوية، فلا شك بأن الموجي كان ما زال يحلم بدخول “جنة” حفلات أم كلثوم الشهرية، ولا شك بأنه شعر بشيء من الإحباط عندما قفزت أم كلثوم عنه في هذا المجال وكلفت بليغ حمدي، الأصغر منه سنا والأقل تجربة (في ذلك الوقت على الأقل) بوضع لحنه الأول لحفلاتها الشهرية في العام 1960.

وقد امتد انتظار محمد الموجي لفرصته في حفلات أم كلثوم الشهرية حتى مطلع العام 1964 عندما غنت له في يناير / كانون الثاني من ذلك العام، لحنه العاطفي المطول الأول لحفلاتها الشهرية “للصبر حدود”.

ويروي الموجي في حديث إذاعي مطول تجربته مع أم كلثوم في لحنية الطويلين العاطفيين للصبر حدود، واسأل روحك (1970)، فيؤكد أنه ترك المبادرة كاملة بيد أم كلثوم في اللحن الأول، فكان كلما انتهى من تلحين جملة أو مقطع، يسارع بعرضه عليها، ولكنه لاحظ أنه بذلك إنما يفتح الباب أمامها واسعا للتدخل في كل جملة، وطلب تعديل هنا، وتبديل هناك، فتنبه لذلك قبل إنجاز المقطع الأخير في الأغنية

ما تصبرنيش ما خلاص

أنا فاض بي، ومليـــت

فلم يسمعها أي شيء، إلا عندما أنجز المقطع الأخير كاملا. فلما سألته عن ذلك رد بصراحة: “لقد شعرت أن كل ملاحظاتك السابقة قد ألغت محمد الموجي (المحرر: يعني طبعا الشخصية الفنية للموجي)، فأحسست أني السنباطي أو زكريا أحمد ولست الموجي، لذلك أردت أن ألحن المقطع الأخير وفقا لمزاجي الفني الخاص وشخصيتي الخاصة.

ويضيف الموجي أنه كان لذلك نتيجتان مختلفتان:

لقد جاء المقطع الأخير الذروة الفنية في اللحن، لأنه أنجزه بحرية تامة.

لقد أغضب ذلك التصرف “ الاستقلالي” أم كلثوم، فتوقفت عن التعامل معه، إلا في مناسبة أخيرة في العام 1970، كانت ثمرتها “اسأل روحك”.

ولو عدنا إلى لحن للصبر حدود، فلا بد من التوقف عند مسألتين على علاقة بهذا اللحن:

كان رأي الناقد الكبير كمال النجمي، الذي أتيح لي الاستماع إليه مباشرة منه، وقراءته في إحدى مقالاته الصحفية، أن الموجي قد حقق نجاحا فنيا كبيرا في هذا اللحن، وأنه لو وضعه لأم كلثوم قبل عشر سنوات (عندما كان لمعان صوتها في ذروته)، لكان للأغنية شأن آخر مع الجمهور.

لقد قدر لي أن أقابل الموجي شخصيا، للمرة الأولى، في بيروت في العام 1967، وكان عبد الوهاب قد وصل في مسيرته الكلثومية إلى لحن “فكروني”، فسألت الموجي عن رأيه في ألحان عبد الوهاب لأم كلثوم التي كانت في ذلك الوقت قد بلغت خمسا (إذا أضفنا اللحن الوطني “على باب مصر”). فقال لي بلا تردد: انت عمري، هي أقوى تلك الالحان وأجملها، وراح يستعرض بالتفصيل قوة وتماسك البناء الموسيقي في ذلك اللحن، سواء داخل كل مقطع، أو في اللوازم الموسيقية ومقدمات المقاطع الواصلة فيما بينها. فابتسمت وطرحت على الموجي سؤالا صريحا:

“إذا كان هذا هو رأيك الحقيقي، فلماذا قابلت لحن “انت عمري” عند ظهوره، انت وزميلك بليغ حمدي، بهجوم صحفي كاسح؟

فابتسم الموجي، ثم قهقه ضاحكا، وأجاب بلا تردد:

“طبعا، لأني كنت قد انتظرت طويلا حتى أحصل على فرصة وضع اللحن الأول لحفلات أم كلثوم الشهرية، وما أن بدأت “للصبر حدود” تلقى قبولا ونجاحا (غنتها أم كلثوم مرتين قبل انت عمري) حتى جاءت انت عمري واكتسحت الموقف، فماذا تريدني أن أفعل، هل أقول لعبد الوهاب: شكرا؟”

وبقدر ما احترمت الموجي على صراحته الكاملة، فقد كانت تلك الواقعة إحدى التجارب التي أغنت معرفتي بكواليس الفن والفنانين، خاصة عندما نسمع فنانا يقيم فنانا آخر، في ظرف من ظروف التنافس العملي بينهما. وان كانت الظروف التي هيأت لي لقاء مطولا مع محمد الموجي قبيل رحيله، قد أتاحت لي الاستماع إلى تقييم صريح شامل منه لعبد الوهاب بالذات، بلغ أعلى درجات التقدير والاحترام والإعجاب.

فلو انتقلنا بعد ذلك إلى لحن الموجي الأخير لأم كلثوم، “اسأل روحك”، فقد أوضح الموجي في تلك المقابلة الإذاعية التي قدم فيها تحليلا كاملا لعلاقته الفنية بأم كلثوم، أنه وضع اللحن كاملا، ولم يعرضه على أم كلثوم إلا بعد اكتماله، لذلك فهو يعتبر هذا اللحن ثمرة شخصيته الفنية المستقلة، وهذا يبدو فعلا لدى إعادة سماع اللحن بعد انقضاء ثلث قرن على ولادته، فقد جاء معادلة ممتازة بين خصائص اللحن الكلثومي المطلوب للحفلات الشهرية الحية، وبين الرومانسية العميقة التي تعتبر العنصر الأهم في الشخصية الموسيقية لهذا الفنان المبدع. وإن كانت “اسأل روحك” برغم ذلك، واجهت ظروفا معاكسة أخرى، فحصدت نجاحا محدودا، مثل شقيقتها الأولى “للصبر حدود”، ولكن الظروف هذه المرة لم يكن مصدرها عبد الوهاب بل أم كلثوم، التي كان صوتها قد بدأ يشيخ ويعجز عن أداء الطبقات العالية، خاصة عندما لا يقوم الملحن بخفض الدرجة التي يبدأ منها اللحن. وقد روينا تفاصيل ذلك في القسم الأول من الكتاب.

وإذا كان من كلمة أخيرة في تقييم الحصيلة العامة لتعاون الموجي مع أم كلثوم، فخلاصة القول أن الموهبة الموسيقية العميقة والغزيرة لمحمد الموجي كانت تستحق فرصة أوسع في التعامل مع أم كلثوم، وهو ما أثبته الموجي في المحصلة العامة لنتاجه الموسيقي، بل حتى في العدد القليل من الأعمال التي أتيح له إبداعها لأم كلثوم، وأخص بالذكر “اسأل روحك”، ولحني رابعة العدوية، وأنشودة محلاك يا مصري. غير أن انشغال أم كلثوم بتعامل مكثف مع المخضرم الكبير محمد عبد الوهاب والشاب الفائر النشاط بليغ حمدي في العقد الأخير من حياتها الفنية، قد شغلها عن محمد الموجي، إضافة إلى أن صوتها كان قد دخل مرحلة الشيخوخة، فلم يعد يسمح لصاحبته بتوسيع دائرة نشاطها الفني بأكثر مما فعلت.

على أي حال، فان حصيلة التعامل الكلثومي مع الموجي، قد منحته فرصة إضافية لإثبات عمقه وغزارته ومقدرته، وأكسبت الرصيد الكلثومي والموسيقى العربية المعاصرة أعمالا غنية، يستحق معظمها، على قلته، الحياة الطويلة.
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
sirine
المشرف العام
المشرف العام
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 42620
تاريخ التسجيل : 01/12/2008
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 1:25

تسلم الايادي يا غالية
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: sirine
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50527
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 23:25

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] كتب:
تسلم الايادي يا غالية

اسعدني مرورك المعطر
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50527
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الأحد 26 سبتمبر 2010 - 3:17

توحيد أحمد رامى.... والدى عشق أم كلثوم لكنه لم يطلبها للزواج أبداً


* ماذا عن علاقته بملهمته أم كلثوم؟

أبى كان محباً للموسيقى متصلاً بنادى الموسيقى ويعرض على الناس شعره فى وقت الفاصل بين وصلات الغناء .. هذا الاتصال زاده قرباً من الغناء والموسيقى .. وكان المطربون يعرفونه بحبه للغناء فتعرف على الكثير منهم أمثال داود حسنى .. وأبو العلا محمد .. وإبراهيم شفيق .. وصالح عبد الحى .. وسيد درويش.

وكان يقوم بتلحين قصائده وغنائها بنفسه .. وكان له صديق مقرب وهو من أساتذة أم كلثوم "الشيخ أبو العلا محم" فى يوم طلب منه أن يعطيه قصيدة من ديوانه ليغنيها فأعطى له قصيدة "الصب تفضحه عيونه" وعندما تعرف الشيخ أبو العلا على أم كلثوم أعطاها هذه القصيدة لتغنيها.

فى هذا الوقت كان "رامى" فى باريس وعندما عاد قال له صديقه "محمد فاضل": هناك بنت فلاحة من دلتا مصر بتغنى كلامك فذهب ليسمعها وجلس فى الصف الأول وكانت تغنى من غير آلات موسيقية .. وطلب منها أن يسمع قصيدته فقالت له "أهلا ياسى رامى" هذا فى عام 1924، وأخذت تغنى قصيدته "الصب تفضحه عيونه".

ومن هنا سارت بينهما علاقة استمرت 50 عاماً، ولم تتوقف إلا بوفاتها عام 1975.

وخرج من عندها هائماً فى صوتها عاشقاً له. سافر بعدها إلى "رأس البر" وظل ينتظر عودتها أربعين يوماً حتى عادت وقدمت حفلة فى "البوسفور" وما إن رأته حتى غنت للمرة الثانية "الصب تفضحه عيونه" تحية له .. ومن هذا الوقت أصبحت أم كلثوم ملهمته وأصبحت كل أغانى أحمد رامى لأم كلثوم ما هى إلا سرد لعلاقتهما معاً.

* هل صحيح أن رامى طلب الزواج منها وهى رفضت طلبه؟

سألته يوماً: الناس تقول إنك تحب أم كلثوم فهل هذا صحيح؟!.. قال لى: نعم.

فقلت له: لماذا لم تتزوجها..

أجابنى: لو تزوجتها سيكون الزواج سبباً فى اعتزالها الغناء لأننى رجل شرقى ولن أسمح لها بالغناء .. ولم أكن أستطيع أن أقول فيها "سهران لوحدى أناجى طيفك السارى" وهى بجانبى فى بيت واحد، وكان الزواج سوف يقتل الحب فأبى كان له حياة فنية وحياة عائلية ولم يكن يخلط بين الحياتين..

لذلك لم يطلب يدها،ولم يفكر فى الزواج من أم كلثوم.. وهو الذى عرفها على الدكتور "حسن الحفناوى" لأنه كان أحد مستمعى أم كلثوم وقال لأبى: عرفنى عليها .. فعرفهما ببعض وبعدها تم الزواج.

* مسلسل "أم كلثوم" وضح كل الحقائق فى علاقة رامى بأم كلثوم .. هل هذا صحيح؟

أعيب على المسلسل نقطتين الأولى أن رامى لم يطلب من أم كلثوم الزواج .. والثانية أنه لم تظهر فى أحداثه حرب أكتوبر .. وجلست مع المؤلف وقلت له ذلك .. واعتراضى الأول بصفتى ابن "أحمد رامى" أماالثانى فبصفتى مصرياً.

* ما طقوس رامى عند سماع أم كلثوم؟

كان يذهب إلى حفلاتها فى كامل رونقه وشياكته وهذا أحد طقوسه .. ولم يأخذ أمى معه فى أى مرة .. وكان يجلس فى المقعد رقم 8 أمام أم كلثوم فى كل حفلة، ولم يتغير المقعد لأن الإذاعة المصرية هى التى كانت تمنحه التذكرة .. وكانت أمى من الممكن أن تذهب إلى حفلات أم كلثوم مع صديقاتها، وهناك لم تكن تذهب لمصافحة رامى أو التحدث معه .. فأمى كانت تعرف أن رامى يحب أم كلثوم لكنه تزوجها هى وكانت تعلم ذلك ولم تمانع..

* عندما تغنت أم كلثوم كلمات لشعراء آخرين غير رامى ماذا كان يفعل؟

أحمد رامى كتب لأم كلثوم نصف ما غنت، وعندما كانت تتعامل مع شعراء آخرين كانت تعرض عليه الكلمات قبل أن تقبلها وكان فى بعض الأحيان يغير لها كلمة أو كلمتين، وأعتقد هذا لم يحدث مع بيرم التونسى.

* كيف كان حاله عندما توفيت أم كلثوم؟

كسر القلم بعدها وهجر الشعر والناس وجلس مريضاً بالاكتئاب النفسى لغيابها، ولم يكتب قصيدة رثاء فى أم كلثوم .. وظل ينظر الى الخاتم الذى أعطته هدية زواجه المكتوب عليه "OK" وظل هذا الخاتم فى يده أربعين عاماً.

*وماذا عن دور صفية وسعاد أختى رامى فى حياة أم كلثوم؟

عمتى صفية وعمتى سعاد من مواليد القاهرة وكذلك النشأة والتعليم، وكان لهما دور كبير فى تحويل "أم كلثوم" من فتاة ريفية ترتدى العباءة والعقال إلى فتاة قاهرية تعرف كيف تلبس وتأكل وتتكلم..

"صبحت أحب الحب .. من بعد عشق الحبيب".

* ماذا عن آخر أغنية كتبها لأم كلثوم؟

آخر أغنية "يا مسهرنى" وما هى إلا لمسة عتاب من رامى لسومة وكان جالساً فى المنزل وهى لم تسأل عنه فقال: "ما خطرتش على بالك يوم تسأل عنى دى عينيا مجافيها النوم يا مسهرنى

أمال غلاوة حبك فين .. فين الوداد والحنية.

وهذه الأغنية لأول مرة يذكر فيهاالزمن.

* ماذا عن رامى الزوج؟

أمى كانت جميلة جداً وهى من أقاربه وتصغره بحوالى 22 عاماً فهذه المرأة تستحق تمثالاً من الذهب لأنها تركت رامى يبدع وعندما كان يسألها أحد عن حبه لأم كلثوم كانت تقول وأنا أيضاً أحب أم كلثوم .. ولم تدخل الغيرة قلبها والدليل على ذلك أن أبى عرف أم كلثوم عام 1924 وتزوج فى 25 ديسمبر 1936، يعنى عرف أم كلثوم قبل الزواج بحوالى 12 عاماً وأحيت الفرح بأغنيتين الأولى "اللى حبك يا هناه" والثانية "افرح يا قلبى جالك نصيب" بعدها جاءت لمنزلنا للمرة الثانية فى حفل اليوبيل الفضى لعيد زواجهما.

فأم كلثوم لم تزر بيتنا غير مرتين لكنه كان يذهب إليها كل يوم اتنين من كل اسبوع يوم إجازته ليعلمها ويثقفها..

وأمى كانت تناديه فى المنزل "رامى" وأبى لم يغضبها فى أى يوم .. وظلت صورة "أم كلثوم" فى حجرة نومه معلقة خمسين عاماً ولم تدخل الغيرة قلبها لكنها كانت تدرك نوع العلاقة بين الملهمة والمبدع هكذا كانت أمى السيدة "عطيات حسن خطاب" البالغة من العمر الآن 96 عاماً..

* ماالأجواء التى كان يكتب فيها رامى؟

كان يركب الاتوبيس من حدائق القبة الى السكاكينى .. ومن السكاكينى يركب "التروماى" الى باب الخلق.. وكثيراً ما كان يكتب الشعر فى التروماى.

*وكيف كان يكتب الشعر؟

تأتى له الفكرة أولاً ثم تبدأ الكلمات فى التوارد .. ودائماً كان يحتفظ بورقة وقلم فى جيبه حتى إذا جاءت الكلمات يكتبها، وكان دائماً يغنى كلماته فهو يملك صوتاً جميل لكنه لم يفكر فى الغناء..

* ننتقل إلى محطة مهمة فى حياة رامى وهى رباعيات الخيام فماذا عنها؟

أبى درس فى باريس اللغة الفارسية من أجل أن يترجمها وكذلك لوجود ألف مخطوط بالفارسية فى "الكتب خانة"..

وهو قرأ رباعيات الخيام بالإنجليزية وشعر بأن عمر الخيام كان يريد أن يقول شيئاً آخر وهذا الشىء ضاع فى الترجمة فقرأها عام 1922 وانتهى من ترجمتها عام 1924 ونشرها فى نفس العام .. فى نفس الوقت توفى أخوه الأقرب إلى قلبه وهو "محمود" فأهدى له رباعيات الخيام وقال فيها: من الراقد فى "نيسابور" بإيران محمود الى الراقد فى وادى حلفا فى مصر رامى..

وبهذه الرباعيات أصبح أول شاعر شرقى عربى يترجم رباعيات الخيام شعراً عن الفارسية .. وعندما ترجمها تحمس لها "سليم حسن" فطبعها له فى دار المعارف وطبعت عامى 1924 و 1922 وعام 1950.

* وما آخر كتاب كان يقرآه؟

قبل وفاته بيومين كان يقرأ كتاباً بعنوان "البلاد المندثرة" وكنا نتناقش عن "مدينة المنيا" وأنها كانت مبنية مكان مدينة قديمة رومانية اسمها "أنطونيونابلس".

* وماذا عن ظروف وفاته؟

فى فترة سافرت أختى إلى ألمانيا فى بعثة علمية وكذلك أخى إلى انجلترا لاستكمال دراسته فى الطب وأنا هاجرت إلى أمريكا، فشعر أبى بالوحدة وقال لأمى: كأنى عندى "غية حمام" وطار الحمام منها..

وكذلك توفى صديقه الحميم الصحفى والشاعر "صالح جودت" ومن قبله توفى القصبجى والمخرج "أحمد كامل جودت" ومن قبله توفى القصبجى والمخرج "أحمد كامل مرسى" وجاءت النكسة وتوفيت أم كلثوم عام 1975.. كل هذه المواقف أصابته بالاكتئاب، وهو لم يمرض بأى مرض عضوى وظل قابعاً فى غرفته معتكفاً بها يقرأ الشعر القديم..

فرجعت من أمريكا لأكون بجانبه، وفى يوم وفاته دخلت عليه غرفته اقبله قبل خروجى للعمل فوجدت درجة حرارة جسمه مرتفعة فأخبرت والدتى وذهبت .. وعندما رجعت من العمل الساعة الثانية ظهراً وجدته توفى عن عمر يناهز 89 عاماً فى 4 يونيو 1981.

بقلم/ سماح جاه الرسول ..... مجلة الاذاعة والتليفزيون
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
انطوانيت
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 57237
تاريخ التسجيل : 11/11/2009
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الأحد 26 سبتمبر 2010 - 8:31

مجهودك مميز لموضوع مميز عن كوكب الشرق ام كلثوم
تسلم ايدك ياغالية
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: انطوانيت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
sirine
المشرف العام
المشرف العام
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 42620
تاريخ التسجيل : 01/12/2008
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الأحد 26 سبتمبر 2010 - 12:49

تسلم الايادي يا غالية على موضوعك
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: sirine
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com/
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50527
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الأحد 26 سبتمبر 2010 - 21:12

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] كتب:
مجهودك مميز لموضوع مميز عن كوكب الشرق ام كلثوم
تسلم ايدك ياغالية

اسعدني مرورك ياغالية
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50527
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الأحد 26 سبتمبر 2010 - 21:13

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] كتب:
تسلم الايادي يا غالية على موضوعك

شكرا لمرورك ياغالية
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الحياة شاكر
محبوبة شادية
محبوبة شادية
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 50527
تاريخ التسجيل : 08/12/2007
المزاج :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الثلاثاء 1 مارس 2011 - 23:24

مصطفى الضمراني يروي حكايات أغاني الزمن الجميل

"إنت عمري" في لقاء السحاب بين أم كلثوم وعبدالوهاب

ما حكاية لقاء عبدالوهاب بأم كلثوم لأول مرة في "إنت عمري" رائعة أحمد شفيق كامل التي أطلق عليها الصحفي الكبير جليل البنداري لقاء السحاب؟

يروي المؤلف قصة اختيار عبدالوهاب شكل الأغنية التي جمعته لأول مرة مع كوكب الشرق، وأسباب تخوفه من خوض هذه التجربة، وتفضيله أم كلثوم على نفسه ومنحها كلمات الأغنية واكتفائه بتلحينها، رغم أنها كانت في الأصل مكتوبة ليغنيها هو، واحترامه الشديد لزملائه بحيث لم يخبر أحدا قط بهذا السر الذي ظل بينه وبين أحمد شفيق كامل، كاتب الأغنية، حرصا منه على مشاعر أم كلثوم، ولأنه كان على علم أنها لو عرفت بأن الأغنية مكتوبة في الأصل لغيرها سترفضها حيث يستحيل عليها أن تأخذ أغنية كانت مكتوبة لغيرها.

وأثناء البروفات اكتشف عبدالوهاب أم كلثوم الشاعرة، وذلك عندما طالبت بإجراء تعديلين على كلمات الأغنية، وبالفعل كان اختيارها موفقا جدا ومثار إعجاب من الجميع.

وأذيعت الأغنية وحققت نجاحا كبيرا. وكانت آخر أغنية يتم تقديمها على مسرح الأزبكية في عام 1964.

• "حب إيه".. أول لحن لأم كلثوم من بليغ حمدي

ما هي أيضا قصة اكتشاف بليغ حمدي الملحن ذي السادسة والعشرين؟

يروى المؤلف قصة استماع أم كلثوم إليه في فيلتها وهو يغني بصوته الجميل أغنية (حب إيه.. اللي أنت جاى تقول عليه) لعبدالوهاب محمد، ليحفظها ابن شقيقتها، الصوت الجديد إبراهيم خالد، فتختارها أم كلثوم لنفسها وتفتح لبليغ وعبدالوهاب محمد، كاتب الأغنية، أبواب الشهرة على مصراعيها ليكون أول ظهور لهم أمام الجمهور لأغنية لسيدة الغناء العربي وكوكب الشرق.

وكيف قادت الصدفة عبدالوهاب محمد ليقدم لأم كلثوم ثلاث أغنيات أخرى من كلماته عندما نسى الأجندة التي يدون فيها كلمات أغانيه في صالون فيلا أم كلثوم، وقامت أم كلثوم باختيار ثلاث أغان منها قامت بغنائها في مواسم لاحقة.

• "فكرونى" وفاصل من العزف المنفرد على الطبلة

استحدث عبدالوهاب أثناء تلحينه لأغنية "فكروني" لأم كلثوم أسلوبا منفردا جديدا كان مثار إعجاب واهتمام خبراء الموسيقى في الوطن العربي، بحيث استخدم الطبلة وانفرد بتغيير واستحداث نمط استخدامها، ليبدع لها في الكوبليه الأخير لأغنية "فكرونى" صولو على الطبلة مقننا ومدونا بالنوتة أمام عازف الطبلة (كتكوت الأمير).

ويروي لنا الضمراني إحدى الطرائف، التي كان شاهدا عيان عليها، عندما طلب عبدالوهاب من كتكوت التوقف عن العزف، وجلس هو على الكرسي مع الفرقة الموسيقية وقال له "شوف أنا باعمل إيه؟"، وأمسك بالطبلة وقام بعزف الصولو المنفرد عليها، وأعضاء الفرقة مبهورين بأداء عبدالوهاب على الطبلة، ويستمعون بشغف شديد إليه، وهو يعطى الدرس للعازف الشاب، مما أثار انتباه عازف الكمان الأول أحمد الحفناوي ليقول للأستاذ وهو في قمة سعادته وبابتسامته الحلوة: "صحيح يا أستاذ إنك موسيقار الأجيال، وها هو واحد من الجيل يتعلم منك"، وكيف أصبحت هذه الصورة لعبدالوهاب وهو يقوم بالعزف على الطبلة وأمامه كتكوت الأمير هي صورة الصفحة الأخيرة بالأهرام في اليوم التالي، عندما تسلل هو والمصور ايميل كرم إلى استديو التسجيل وقاموا بالتحايل على أم كلثوم، رغم تعليماتها المشددة بسرية التسجيل.

• السنباطي وأطلال ناجي وخصام مع أم كلثوم

يحكي لنا المؤلف قصة "الأطلال"، رائعة شاعرنا الكبير إبراهيم ناجى، وكيف تعطل تقديمها على المسرح أربع سنوات بسبب خصام وقطيعة بين السنباطي وأم كلثوم؟ عندما اعترضت على "قفلة" الأغنية في نهاية "الكوبليه" الأخير الذي يقول فيه ناجي: "لا تقل شئنا فإن الحظ شاء". عندما قالت للسنباطي: "الطبقة عالية يا رياض عايزاك تعدلها"، فاشتاط السنباطي غضبا وألقى بعوده على الأرض وخرج مسرعا من فيلتها عائدا إلى بيته متعجبا من موقفها الجديد والمفاجئ الذي لم يتعوده من قبل، وهي التي تربت على ألحانه ولم تعترض مرة على نغمة واحدة من ألحانه طوال نصف قرن. كما كان له دلاله الخاص عند أم كلثوم، وهو المستثنى من قاعدة الطاعة الكاملة لكل ما تقوله أم كلثوم. فلماذا فشلت محاولات الصلح بينهما طوال هذه المدة؟ لتتم في النهاية بشروط السنباطى وتغنيها أم كلثوم دون تعديل وتحقق نجاحا منقطع النظير خاصة في الكوبلية الأخير.

• أم كلثوم وسيد مكاوي.. "يا مسهرني"

يروى المؤلف قصة أول تعاون يجمع بين أم كلثوم والشيخ سيد، وكيف أنه ذات ليلة وهو جالس يدندن على عوده ليلا واليأس يملأه متسائلا عن عدم تعاونه مع الست حتى الآن باعتبارها المقياس الحقيقي لنجاح أي فنان، فجأة رن جرس التليفون آتيا بالصوت الرنان لسيدة الغناء العربي أم كلثوم، ليكون بمثابة الشمعة التي أعادت النور إلى ظلمات آمال الموسيقار الكبير، صاحب الطابع الشرقي الأصيل، سيد مكاوي طالبة مقابلته، وكيف أن هذه المكالمة كانت قد جاءت بعد مطالب كثيرة من جانب كبار المفكرين والنقاد الفنيين إلى أم كلثوم للتعاون مع الملحن سيد مكاوي وتأكيدهم لها أن تعاونهم لو تم سيعيد للمستمع أصالة سيد درويش وزكريا أحمد. وبالفعل تمت المقابلة في اليوم التالى وعرض عليها أغنية "ماخطرتش على بالك يوم تسأل عني .. يا مسهرني" وقد أعجبت بها كثيرا. وأحست بمجرد سماعها لكلمات الأغنية أنها كلمات رفيق عمرها أحمد رامي.

وتم العمل على الأغنية، وعند بداية التسجيل طالب الشيخ سيد استبعاد جميع الآلات الغربية من الفرقة، وقد أسعدت هذه المفاجأة أم كلثوم بشدة ليخرج لنا لحنا شرقيا أصيلا.


من كتاب "حكيات الاغاني "لمصطفي الضمراني
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: نور الحياة شاكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
هدى
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 35660
تاريخ التسجيل : 06/12/2007
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: لماذا نجحت أم كلثوم؟   الأربعاء 2 مارس 2011 - 0:10

رائعة ياغالين تسلم ايدك للمعلومات القيمة
الموضوع الأصلى : لماذا نجحت أم كلثوم؟  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: هدى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com
 

لماذا نجحت أم كلثوم؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 3 من اصل 7انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى شادية دلوعة الشاشة العربية :: ذكريات زمن الفن الجميل :: مطربى ومطربات وملحنى زمن الفن الجميل-
انتقل الى: