تقرير كامل
عن صحة..
الست!
كتب الراحل محمد بديع سربيه عام 1973:
.. والست هي كوكب الشرق، وسيدة الطرب، وفنانة الشعب: أم كلثوم..
و”الست” هو اللقب الشعبي البسيط الذي يصفه بها الناس في مصر، فيتحدثون عن “الست” إذا راحت وإذا جاءت، ويطمئنون دائماً عن صحة الست، وعندما يستبد بهم الطرب في حفلاتها لا يتمالكون أنفسهم ويصرخون بإعجاب، ومن أعماق قلوبهم: ألله يا ست.. كمان يا ست!.
وصحة الست أم كلثوم كانت الشغل الشاغل للملايين من العرب طوال الأشهر الأخيرة، أي منذ أن توقّفت عن إحياء حفلاتها الشهرية، واكتفت ـ لأول مرة ـ بتسجيل أغنية جديدة لها هي “حكم الهوى” على اسطوانة دون أن تغنّيها على المسرح، ثم عندما طارت إلى لندن حيث أمضت هناك ما يقارب الثلاثة أسابيع!.
ورغم أنّ الست عادت أخيراً إلى القاهرة، ومظاهر الصحة والعافية تشرق على وجهها، فإن الجماهير ما زالت تتلهّف على سماع أي خبر يطمئنها على صحة أم كلثوم، أو يبشّرها بأنها سوف لن تعتزل الغناء، ولن تحرم الآذان من الطرب الأصيل، والسحر المتدفّق من الحنجرة الذهبية.
وفي بيروت ألتقي بواحد من الذين أعرف أنهم من أقرب المقرّبين إلى سيدة الغناء، وأجدها فرصة سانحة لأحصل منه على تقرير كامل عن صحتها الغالية على قلوب الملايين، وأستمع منه إلى نشرة تتضمّن آخر أخبارها!.
وأسأل القادم من القاهرة:
* الست رجعت من لندن.. هل حالتها الصحية تدعو إلى الإطمئنان؟
أجاب:
ـ الحمد لله، هي الآن في أحسن حال، وقد كنت مطمئناً إلى أنها بخير وعافية حتى قبل أن تسافر إلى لندن، لأن الأطباء المصريين الذين قاموا بفحصها قبل السفر أكّدوا في تقاريرهم أنّ ما تشعر به ليس إلاّ أعراض “انيميا” أصابتها نتيجة للريجيم القاسي الذي سارت عليه منذ مدة طويلة، وجعلها تمتنع عن تناول العديد من الأطعمة.. وليس سراً أنه جاء وقت كانت فيه الست أم كلثوم تعيش على السوائل فقط!.
وسألته:
* وهل كانت تمارس عملية “الريجيم” بناء على أوامر الأطباء؟
قال القادم من القاهرة:
ـ بالعكس، كان الأطباء يقولون لها انها ليست في حاجة إلى “الريجيم” على الإطلاق، لأن وزنها لم يكن يزيد عن الحد الطبيعي، ولكنها هي التي كانت تصرّ على أن لا تدع وزنها يزيد عن السبعين كيلو..
قلت:
* ولماذا؟
ـ عندما ذهبت إلى الولايات المتحدة الأميركية في عام 1953 لتجري عملية جراحية لعينيها في مستشفى “ماي كلينيك” قام كبير أطباء مستشفى البحرية الأميركية بفحصها وطمأنها على صحتها، ولكنه نصحها بأن لا تترك وزنها يزيد عن السبعين كيلو!.
وسألت القادم من القاهرة والمقرّب جداً من الست:
* وماذا كانت تفعل لتحافظ على وزنها؟
أجاب:
ـ اتبعت نظاماً خاصاً في حياتها، سواء في الأكل أو في ممارسة الرياضة، وكانت رياضتها المفضّلة هي المشي يومياً، وعند الساعة السادسة صباحاً، وحدث في عام 1968 أن أصيبت بـ”أنفلونزا” حادّة اضطرتها إلى تغيير نظام أكلها والإمتناع عن المشي، كما شغلت بأعمالها الفنية مما جعل وزنها يضطرب بين الزيادة والنقصان، إلى أن جاء عام 1971 وقررت أم كلثوم أن تتخلّص من الزيادة في وزنها وتعود إلى وزنها الذي حدّده لها كبير أطباء مستشفى البحرية في أميركا، وهكذا عادت إلى الريجيم القاسي، وكانت تعيش طوال أشهر الشتاء على عصير البرتقال فقط..
وقلت:
* ولكن، هل كانت أم كلثوم تستشير أي طبيب بشأن هذا الريجيم؟
أجاب:
ـ أبداً، لقد ظلّت تمارس هذا الريجيم القاسي بدون اشراف طبي، إلى أن شعرت بأعراض ضعف كانت لا تستطيع معها مزاولة رياضة المشي على القدمين أكثر من ساعة واحدة يومياً، وكانت قبل ذلك تمشي عدّة ساعات، كما أنّ معدتها لم تعد تتحمّل أي نوع من الطعام!.
سألته:
* ألم يكن زوجها الدكتور حسن الحفناوي يعرف بالأمر؟
قال:
ـ هي نفسها، عندما أحسّت بتزايد أعراض الضعف، شكت لزوجها الطبيب الذي قرّر على الفور أن يستشير اثنين من أكبر وأمهر أطباء الأمراض الباطنية في مصر، هما: الدكتور عبد المنعم حسب الله والدكتور فايز عبد الرحمن منصور، وأجرى الطبيبان فحوصات طبية دقيقة للسيدة أم كلثوم على امتداد شهرين كاملين وفرضا عليها الراحة التامة والإمتناع عن إحياء حفلاتها الغنائية الشهرية، وقد دلّت هذه الفحوص على أنّ صحة “الست” هي على ما يرام، وان ما تشعر به من ضعف هو نتيجة الحساسية الحادّة، وقالا إنّ العلاج الوحيد لها هو تنظيم الأكل، وزيادة كمياته بالتدريج، إلى جانب تناول بعض الأدوية التي تساعد على استرداد الصحة..
وسألت القادم من القاهرة:
* ومع ذلك فقد سافرت أم كلثوم إلى لندن؟
فضحك وقال:
ـ أنّ الحفاظ على صحة أم كلثوم هو مسؤولية ضخمة، ولهذا فقد اقترح الطبيبان الكبيران على سيدة الطرب أن تسافر إلى لندن لاستشارة طبيب بريطاني شهير في الأمراض الباطنية كان قد سبق لها أن زارته منذ عشر سنوات، وكان هذا الاقتراح من الطبيبين صادراً عن رغبتهما في منحها المزيد من الإطمئنان، بالرغم من تأكدهما التام من صحة تشخيصهما لمرضها وسلامة علاجهما لها..
وسألته:
* وسافرت الست؟
أجاب:
ـ فعلاً، وكان معها في رحلتها زوجها الدكتور حسن الحفناوي، وأحد الطبيبين اللذين اقترحا عليها السفر، وهو الدكتور عبد المنعم حسب الله..
قلت:
* وماذا حدث في لندن؟
أجاب:
ـ كان الطبيب البريطاني المشهور بانتظار “الست”، وبادر على الفور إلى إجراء فحوصات طبية عامّة لها بإشراف عدد من الأخصائيين، وبلغ عدد صوَر الأشعة التي التقطت لكافة أعضاء جسمها ما يُقارب المائة صورة، وبعد أسبوع اشترك الأطباء في كتابة تقرير يؤكد أنّ صحة سيدة الغناء على خير ما يرام، وأن ما تشكو منه ليس إلاّ “أنيميا” حادّة نتيجة للريجيم القاسي الذي كانت تمارسه!.
قلت:
* يعني.. نفس ما قاله الطبيبان المصريان؟
أجاب:
ـ وأكثر من هذا، فإن الأطباء الإنكليز قد وصفوا للسيدة أم كلثوم نفس العلاج الذي وصفه لها الطبيبان المصريان وهو تناول الأدوية المقوّية، لأن جسمها بحاجة إلى الفيتامينات!.
قلت له:
* لاحظت من صوَر أم كلثوم عند عودتها إلى القاهرة أنها كثيرة التفاؤل!
أجاب:
ـ الحقيقة أن “الست” لم يفارقها التفاؤل ولا ساعة واحدة، وطوال الأيام التي أمضتها في مستشفى “لندن كلينيك” كانت دائمة المرح، ولا تكفّ لحظة عن مداعبة معارفها وزوّارها..
وسألته:
* الآن، ما هو برنامج “الست”؟
قال:
ـ انها الآن في فترة راحة، وفي برنامجها أن تقضي جانباً من فصل الصيف على الشواطئ المصرية، ثم تسافر إلى سويسرا في شهر اغسطس “آب” المقبل، وبعدها تكمل الصيف في شواطئ رأس البر، الذي هو من أحَب المصايف إلى نفسها!.
وينتهي حديثي مع القادم من القاهرة، والمقرّب من سيدة الغناء أم كلثوم، وطبعاً أحسّ بالإطمئنان الشديد إلى التقرير المفصّل الذي سمعته منه عنها، ويبقى أن أشير إلى أنّ ما يدور الحديث عنه فوق كل لسان في هذه الأيام هو: هل أنّ سيدة الطرب ستظل في إجازة من المسرح.. أي هل أنها ستبقى في حالة انقطاع عن تقديم حفلاتها في الخميس الأول من كل شهر!.
وأذكر هنا أنني سألت أم كلثوم يوماً، عمّا إذا كانت قد حدّدت الوقت الذي سوف تعتزل فيه الغناء، فكان جوابها:
ـ عندما يعتزلني الغناء.. أعتزله!.
وما أعرفه هو أنّ سيدة الطرب قد اضطرّت تحت الضغط الذي مارسه الأطباء عليها إلى إلغاء حفلاتها الشهرية في الأشهر الثلاثة الأخيرة، وقد عزّ عليها أن تبتعد كثيراً عن جمهورها وأن تحرمه من رائعتها الغنائية الجديدة “حكم الهوى” التي لحّنها الموسيقار بليغ حمدي، فسجّلت هذه الرائعة على اسطوانة دون وقبل أن تغنّيها على المسرح.
وأم كلثوم تؤكد أنها لن تعتزل المسرح..
والذين التقوا بها بعد عودتها من لندن سمعوا منها كلاماً يشير إلى أنها سوف تخلد إلى الراحة في شهور الصيف استعداداً للعودة إلى لياليها الرائعة في الخريف المقبل..
ولكن..
ان الذين يحرصون على الكنز الفني العظيم الذي هو أم كلثوم، يقولون بأنها أعطت دنيا الغناء فيضاً من الروائع على مدى السنين والأيام، ومن حقها الآن أن تستريح ولا ترهق نفسها بحفلات شهرية، خصوصاً وان كل حفلة تحتاج منها إلى جهد مستمر طوال أسبوعين أو ثلاثة!.
ما يُقال الآن لسيدة الغناء: ليكن لك حفلة مسرحية كل ثلاثة أشهر.. وليكن لك اسطوانة تحمل أغنية جديدة في كل شهر.. لا ترهقي نفسك ولا يكون بينك وبين الجماهير أي تباعد..
هل تقتنع سيدة الغناء بهذا الرأي؟
ربما تقتنع.. وربما لا!
والمهم أنها الآن في صحة جيّدة..
وان القلوب اطمأنت عليها..
وربنا معاكي.. يا ست!
مجلة الموعد