الدولة: عدد الرسائل: 25691تاريخ التسجيل: 08/12/2007المزاج: الأوسمة .:
موضوع: رد: صانعة النجوم عاشت في أحضان الأُنس والألم. الجمعة 3 سبتمبر 2010 - 2:14
الريحاني حبٌّ وبخل
عادت بديعة بصحبة نجيب الريحاني إلى مصر في عام 1922، وأصبحت نجمة فرقته التي لفتها من بين أفرادها فتى نحيل يرتدي بنطالاً قصيراً، فسألته عن اسمه والدور الذي يقدّمه، فأجابها: «اسمي محمد عبد الوهاب ودوري هو الغناء بين الفصول»، وكان الريحاني أول من دعا عبد الوهاب إلى فرقته حيث كان مرتبه الشهري خمسة عشر جنيهاً.
تعرفت بديعة الى والدة الريحاني، التي كانت سيدة لطيفة تتمتع بخفة دم، فاحتضنتها وأحبتها وخصّتها بمعاملة مميزة، ثم فاتحتها بموضوع زواجها من الريحاني، لكن بديعة استبقت الموضوع قائلة: «أنا معجبة بنجيب الريحاني الفنان لا الزوج، فهو في هذه الناحية لا يوافقني»، فقالت لها أمه باندهاش وسخرية: «ماذا تقولين يا ست بديعة إنه نجيب الريحاني وكل الفتيات في مصر يتمنون لو يشير إليهم بمجرد إشارة»، فقالت بديعة بلطف: «معك حق، لكني أختلف عن هؤلاء»، فضحك الريحاني معلقاً على كلامهما: «إذا كنت تريدين هذه الرغبة بحق يا أمي سأحققها لك، ولكن بعد أن ترضى عني الست بديعة».
كان الريحاني قطع على نفسه عهداً بأن يسند إلى بديعة الأدوار الرئيسة في مسرحياته، فجسّدت دور البطولة «بدر البدور» في مسرحية «الليالي الملاح»، لكنه كان بحاجة إلى ميزانية تمكّنه من تجهيز الملابس والديكور وباقي متطلّبات المسرح، وفي تلك الأثناء جاءه ماتوسيان، كان صاحب ماركة سجائر معروفة باسمه، وطلب منه القيام بالدعاية لنوع جديد من السجائر، على أن يدفع له يومياً عشرة جنيهات، وخمسة جنيهات أخرى لبديعة مصابني، إضافة إلى تأمينه نفقات الفرقة والمسرح والدعاية وتحمّله إقامة كل أعضاء الفرقة في الإسكندرية لمدة شهر كامل، فوافق الريحاني فوراً، ولاقت مسرحيته نجاحاً كبيراً.
خلال عرض المسرحية في الإسكندرية جاء صديق للريحاني يدعى كمال الطرابلسي وحدّثه عن وجود مطربة جديدة لديها صوت ساحر، وقال له «إنها فلاحة صغيرة عمرها 17 سنة وستغني الليلة في مسرح محمد علي»، وطلب منه أن يذهب معه لسماعها فاعتذر الريحاني بسبب ارتباطه بالعرض المسرحي، لكن بديعة ذهبت معه فهالها الجمهور الغفير، واستمعت فعلاً الى تلك الفتاة الصغيرة وأبدت إعجابها بصوتها.
حين انتهت مدة عمل فرقة الريحاني في مدينة الإسكندرية عادت بديعة إلى القاهرة، وكان الجو آنذاك حاراً ولا يزال الناس في المصايف فشرعت الفرقة في تقديم بعض رواياتها القديمة، على أن تقدّم رواية جديدة مع افتتاح الموسم عقب انتهاء الصيف، وقد عانت الفرقة في تدبير نفقاتها إذ كان المدخول قليلاً للغاية، فالروايات ليست جديدة والقاهرة خالية من الناس.
آنذاك بدأ الريحاني بتمثيل دور المحب لبديعة، واحتلت رأسه الغيرة فلم يكن يدعها تلتقي بأحد أو حتى تتحدث مع أحد بحجة أن ذلك يفقدها بهجتها، فبادلته بديعة التمثيل بتمثيل فكانت تظهر له أنها متفانية في حبه، الى أن صارحها بحقيقة وضعه المادي وازدياده سوءاً، إذ لم يعد بإمكان شريكه مصطفى حفني أن يمده بالمال لمتابعة أمور الدعاية والإنفاق على الملابس والديكورات، فطلب من بديعة إقراضه مبلغ مائتي جنيه على أن يسدّدها لها على أقساط، أي عشرة جنيهات ليلياً إضافة إلى خمسة جنيهات مقابل عملها في الفرقة. كانت بديعة آنذاك لا تملك سوى مجوهراتها، فطلب منها الريحاني ألا تبيعها وتكتفي برهنها فحسب، على أن يعيدها إليها في أقرب وقت، فاستاءت من كلامه، الذي شكّل صدمة كبرى لها، إذ حكت كثيراً أن الريحاني كان يبتزها مالياً، لدرجة أنه كان يأخذ مرتّبها من ماتوسيان من دون أن يعطيها حقّها، وأنها حين كانت تطلب منه ذلك الحق كان يرد عليها: «ماذا ستفعلين بالنقود، فإقامتك في الفندق مؤمنة، دعكِ من النقود ووجع القلب!!.
آنذاك، كانت بديعة مشغولة بالنجاح الكبير الذي حققته في مسرح الريحاني، فقد احتلت بسهولة مكانة كبرى بين فنانات المسرح، وأصبح اسمها على كل لسان، وظلّت مسرحية «الليالي الملاح» تقدَّم لمدة ستة أشهر متتالية، ثلاث مرات في الليلة. أسعد هذا النجاح بديعة، وأسكرها بريق الشهرة، فلم تعد تهتم بمرتّبها وبما كان لها في ذمة الريحاني وتركت الأمور تسير كيفما شاءت.
كانت الفرقة تعد الجمهور بتقديم جديد من دون أن تفعل، فهجرها روادها وانخفض دخلها من مائتي جنيه في الليلة إلى جنيهين. جاء الصيف وكلّ من الريحان وبديع خيري منصرف عن التجهيز لعمل جديد للاستعداد للموسم، إلى أن جاء موعد الافتتاح ولم يكن لدى الفرقة ما تقدّمه من أعمال فارتجلت رواية الافتتاح، ما جعل الصحافة الفنية آنذاك تشن هجوماً عنيفاً على الريحاني وفرقته. ضاقت بديعة بوعود الريحاني التي لا تتحقّق، وأوشكت على الإفلاس، إلى درجة أنه لم يعد باستطاعتها دفع أقساط مدرسة جولييت، فدفعها هذا الوضع الى العودة إلى بيروت.
في بيروت
رحّب أصحاب المقاهي في بيروت بعودة بديعة ودعوها إلى العمل، فوافقت بسرعة لأنها كانت في أمس الحاجة إلى نقود، وعادت إلى الغناء في مقهى «كوكب الشرق».
لم تنسَ بديعة مسارح القاهرة والنجاح الذي حقّقته فيها، وكيف كان الريحاني يجمع بين عبقرية فنان حقيقي وإنسان غريب الأطوار، رأت أنه كان بإمكانه جمع ثروة طائلة لو أنه كلّف نفسه عناء تقديم رواية جديدة كل شهر أو كل شهرين، لِما كان له من تأثير ساحر على الجمهور، فما إن يقف على المسرح ويقوم ببعض الحركات الصغيرة حتى كانت القاعة تضج بالتصفيق، لقد كان صديقاً للإهمال والكسل، عاشقاً للنوم، فما أن يفرغ من عمله حتى يذهب إلى بديع خيري ويقضيان السهرة في الشرب والتدخين المتواصل حتى الصباح، كان يعود من تلك السهرات خائر القوى مستنفد الطاقة، ينام طول النهار من دون أن يعبأ بأي شيء آخر. عانى الريحاني الفقر في حياته، لدرجة أنه كان يقضي يومه في فترة من الفترات على طبق فول طول اليوم، لكنه لم يتعلّم من دروس الحياة وينتبه إلى أن لديه أكبر الفرص في جمع الأموال، فعاش حياته غارقاً في الديون، إذ كان يعيش ليومه من دون النظر إلى الغد.
على رغم ذلك كلّه، كان دور الريحاني العامل الرئيس في صقل موهبة بديعة الفنية، لذا لم تستطع العمل مع فنان غيره، فهو الذي علّمها اللهجة المصرية، وكان سبب شهرتها، إذ بعد التعرّف إليه أصبحت تدرك أصول التمثيل وقوانين الفن المسرحي، واستطاعت بفضله احتلال مكانة كبيرة في المسرح المصري، فلقد حققت شهرتها في سورية ولبنان وفلسطين، إلا أن شهرتها في مصر جاءت منذ بدأت العمل في فرقة الريحاني، لكن حياته الغريبة والظروف الضاغطة في مصر دفعتها الى الفرار منه والعودة إلى بيروت لتعمل في «كوكب الشرق».
العودة إلى الريحاني
قررت بديعة بيع ممتلكاتها كافة في بيروت، ولما اعترضت شقيقتها نظلة برّرت لها بأنها ستبني مبنى كبيراً في مصر، وتؤجّره فيفوق دخله هذه البيوت كافة، ثم قررت السفر إلى حلب معشوقتها الكبيرة، لكن الريحاني أرسل لها من يخبرها بأنه يعد مجموعة من الروايات الجديدة، وأنه يتوقع لها النجاح نفسه الذي حقّقته «الليالي الملاح»، وأنه وُفّق بشريك جديد وممول يدعى علي يوسف سدَّد كل ديونه، كذلك أكد لها أنه قطع عهداً على نفسه بأنه سيقدم رواية كل شهرين على الأقل.
سُعدت بديعة بتلك الأخبار وقررت العودة فوراً إلى مصر، وكان حصيلة بيع ممتلكاتها خمسمائة جنيه فقط وضعتها في حقيبتها وعادت بها إلى مصر لتفكّ رهن مصاغها، وتدفع أقساط مدرسة جولييت. استقبل الريحاني بديعة بشوق كبير، ثم اصطحبها إلى منزله الجديد، الذي كان جهّزه لها، إلا أنه كان خالياً من أي أثاث، فوعدها بأنه سيشتري أفخم الأثاث بعد الانتهاء من عرض الرواية الجديدة.
الرواية التي قدّمها الريحاني لم تكن جديدة بل عرضها سابقاً لكنه أجرى بعض التعديلات عليها، ومع ذلك حققت نجاحاً كبيراً، لكن ما لبث أن عاد الريحاني الى حياته السابقة يسهر الليل وينام النهار، وعادت بديعة لإسداء النصح له وإقناعه بالعمل مجدداً، حتى تملّكها اليأس فأخذت تهدده بأنها ستتركه وتهرب ثانيةً، إلا أنه لم يعبأ بما كانت تقوله.
كانت بديعة فهمت الريحاني جيداً، فطالما في جيبه مال ولو قليل ركن إلى الكسل وترك العمل، وقد قالت بديعة عنه: «كان نجيب أنانياً لا يفكر سوى في نفسه، وفي ما يعود عليه بالنفع، ولا يهتم بغيره إطلاقاً، وكان إذا ضاقت به الدنيا لا يجد أي صعوبة في أن يستدين ومن أي شخص كان، كان الدافع وراء ذلك شعبيته ومحبة الناس له، وما إن يأتي موعد تسديد الدين كان يتوارى بعيداً عن الأنظار، وذات مرة أراد أن يشتري أقمشة من «شيكوريل» لوازم الستائر المسرحية وثياب الممثلين، وكان يشاع عنه أنه لا يرد ديناً، فأرغمه صاحب المحل على التوقيع على سند خطي بالدفع في موعد أقصاه مدة معينة، وما إن انقضت المدة من دون أن يدفع حتى حُجز على أملاكه، وكل ما يملكه آنذاك، ونشرت الصحف إعلانات البيع بالمزاد العلني، كذلك تحدّد موعد البيع وهو غافل عن الأحداث من حوله، وكان إذا ما سأله أحد عما كتبته الصحف كان يضحك ساخراً في وجهه، حتى جاء موعد البيع فأحضر مأمور الشرطة الإجراء وبدأ في بيع ما كان موجوداً في المسرح، كان نجيب في هذه اللحظة غارقاً في نومه، وإذا ما تجرأ أحدهم وحاول إيقاظه، كان ينفجر في وجهه: «دعهم يأكلون بعضهم»، حتى أقبل أحد أصدقائه ورسي عليه المزاد، فحصل على أمتعة المسرح بأبخس الأثمان، وصار يؤجّرها لنجيب لقاء مبلغ معين».
اقترحت بديعة على الريحاني تقديم رواية «الليالي الملاح» إلى أن ينتهي من إعداد الرواية الجديدة، فوافق فوراً، وبالفعل كانت فكرة صائبة إذ أقبل الجمهور على المسرح لمدة خمسة عشر يوماً، إلا أنه شعر بالملل والضجر بعد ذلك، فخفّ إيراد الشباك، وانقطع الرواد عن مسرح الريحاني والمحبون لفنه ولخفة ظله النادرة التكرار، ففاتحته بديعة بأمر الرواية الجديدة، إلا أنه سرعان ما غضب ولم يكلّف نفسه عناء الرد، فاستاءت من تصرّفه، وفكّرت في هجره نهائياً والعودة إلى موطنها.
لم يفارق الريحاني خيال بديعة، فقد رأت فيه الإنسان البوهيمي الذي كان يفعل ما يحب، بصرف النظر عن طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه، ولكن إذا كان هذا الفنان البوهيمي أحد أكبر الفنانين العرب، فإلى أي مدى يستحق أن نغفر له أخطاءه وهفواته؟ عاشت بديعة بالقرب من ذلك الفنان الكبير، لدرجة جعلتها تعرفه أكثر من أي إنسان يدّعي معرفته.
قبل عودتها إلى لبنان خطرت في بال بديعة فكرة إقامة حفلات في مدينة الإسكندرية، إلى أن يأتيها الفرج، وينتهي الريحاني من إعداد الراوية الجديدة، فرحّب الأخير بفكرتها وطلب من علي يوسف، متعهد الحفلات وممول روايات الريحاني، أن يجهز لهما كل ما يحتاجان إليه في الإسكندرية، وبالفعل وقّع اتفاق بينهما على خمس عشرة حفلة يتم إحياؤها في الإسكندرية. ذهبت بديعة برفقة الريحاني ويوسف إلى الإسكندرية وبدآ بالتمثيل على مسرح الهمبرا، فأقبل الجمهور عليهما إقبالاً لا مثيل له.
ليلة وفاة أمه
في إحدى الليالي وفيما كان الريحاني يؤدي دوره على المسرح والجمهور في أوج الضحك، وصل إليه خبر وفاة والدته السيدة لطيفة، التي كانت بالنسبة إليه أغلى إنسانة في الدنيا، إذ كان يحبها حباً كبيراً. وقع عليه نبأ رحيلها كالصاعقة فتسمّر في مكانه، بينما كان الجمهور ينتظر أن يتابع الريحاني دوره في الرواية، فعاد إلى المسرح مسرعاً وعيناه ممتلئة بالدموع، وتابع دوره فكان حين ينفجر الجمهور من شدة الضحك يذهب الريحاني في نوبة بكاء ساخنة، فيعتقد من يراه من الجمهور أن هذه الدموع ما هي إلا من أثر الضحك والاندماج في الدور، وما أن انتهت الرواية حتى سقط الريحاني على الأرض مغشياً عليه، وبعدما فاق بدّل ملابسه واصطحب أخويه توفيق ويوسف، واستقلوا قطار الصعيد ليتمكنوا من وداع والدتهم الوداع الأخير.
بعد عودة الريحاني من الصعيد اقترحت عليه بديعة أن يلغي الحفلة إلا أنه رفض رفضاً شديداً، وقال لها: «واجبي كفنان يحتم عليّ الوفاء بما تعهدت به للناس، وهل تأجيلي لحفلة اليوم سيساهم في أن أنسى والدتي بهذه السهولة؟ ثم أشار إلى العمال أن يرفعوا الستار، وكان المسرح في تلك الليلة ساكناً على الرغم الجمهور الغفير الذي حضر.
ما إن اعتلى الريحاني المسرح حتى تعالت عاصفة من التصفيق، فشعر بأن جمهوره يقاسمه حزنه وأنه ليس بمعزل عنه، وقدّم دوره بمهارة وإتقان غير مسبوقين، ونجح في التأثير في الجمهور، فاختلط لديه البكاء بالضحك، وبدا كأنه إنسان آخر اعتلى المسرح. كانت بديعة تراقبه من خلف الكواليس لأنها خشيت أن يغلب عليه الحزن ويتوقّف عن أداء دوره، وفي تلك اللحظة فحسب أدركت أنها كانت تجهل أموراً كثيرة في ذلك الفنان. بعد انتهاء الحفلة أقبل الجميع على الريحاني يهنئونه، فألقى عليهم نظرة يملؤها الحزن ثم قال: «قد أكون رفّهت قليلاً عمّن هو أتعس مني... من يدري!}.
الدولة: عدد الرسائل: 25691تاريخ التسجيل: 08/12/2007المزاج: الأوسمة .:
موضوع: رد: صانعة النجوم عاشت في أحضان الأُنس والألم. الجمعة 3 سبتمبر 2010 - 2:18
بديعة مصابني... حياة المحظيات
نتهت حفلات بديعة مصابني ونجيب الريحاني في مدينة الإسكندرية ولم ينتهِ الأخير بعد من إعداد الرواية الجديدة ولم يكن أمامهما سوى العودة إلى القاهرة، فأيقنت بديعة أن أمام الريحاني فترة طويلة ليفكّر في عمل جديد لأنه ينعم ببحبوحة مالية.
آنذاك، تعرّفت بديعة إلى فيولا، وكانت فنانة أجنبية، فأقنعتها بأنها تهدر حياتها مع الريحاني، تقربت بديعة منها وصارحتها بأنها تعشق مدينة الإسكندرية وتفضل العمل فيها على القاهرة، إلا أنها لا تجد من يساعدها في تدبير الحياة في هذه المدينة، وكشفت لها أن الـ 500 جنيه التي جاءت بها من لبنان أوشكت على الانتهاء وأن الريحاني سبب أزمتها وباتت تشك بقدرته على العمل أصلاً.
في اليوم التالي ذهبت بديعة مع فيولا إلى مقهى «تريانون» (ما زال موجوداً في منطقة الرمل في الإسكندرية) حيث أبلغتها الأخيرة أن وجهاً مصرياً بارزاً يودّ التعرف إليها، وأنها اتفقت معه على اللقاء في الحادية عشرة مساءً. في الموعد المحدد ذهبت بديعة مع فيولا وما إن رأته حتى تذكرت وجهه، إذ كان يجلس في حفلاتها في الصف الأول دائماً ويدعى أحمد وكان برفقته أحد أصدقائه ويدعى عبد العظيم، فقدّمتهما فيولا الى بديعة.
كان أحمد في الأربعين من عمره، قليل الكلام، تبدو عليه علامات العقل والرصانة، لا يحبّ التباهي بثرائه أو مركزه الاجتماعي، فترك الكلام لعبد العظيم الذي قال لبديعة: «صديقي أحمد بك بيحبك يا ست بديعة، وهو على استعداد لتلبية كل طلباتك، وسيفرش لك منزلاً جميلاً في القاهرة بالموبيليا الفاخرة والسجاد العجمي والستائر القطيفة، وستكون بإمرتك عربة حنطور بحصانين»، فوافقت بديعة على صداقته ثم افترقا على موعد بلقاء جديد.
قصر بديعة
عادت بديعة إلى الفندق فوجدت الريحاني نائماً، لم توقظه كي لا يلمح السعادة البادية على وجهها، بل راحت تسمعه صوتها وهي تقول له: «سأنتظرك في المطعم»، وبعد انتظار طويل، لم يأتِ، فأصابها اليأس وتناولت طعامها بمفردها وأخذت تفكّر في طريقة للتخلّص منه من دون أن تتسبب بمشكلة تؤدي إلى الخصام، فاهتدت إلى فكرة أن تأخذ أمتعتها إلى المسرح ثم تهرب من هناك.
في الموعد المتفق عليه مع أحمد بك، قصدت بديعة المقهى فوجدته في انتظارها، وكان معه من الهدايا ما لم تتخيله بديعة أو تحلم به، إلا أنها طلبت منه أن يحتفظ بها حتى تذهب إليه في القاهرة، فأرشدها أحمد بك إلى فندق تقيم فيه الى أن يجهَّز المنزل، ثم راح يستوضح عن بياناتها الحقيقية ليتمم إجراءات نقل المنزل إلى ملكيّتها.
أصبحت بديعة صاحبة بيت أشبه بقصور ألف ليلة، فبعد العذاب كله الذي ذاقته أصبح لديها قصر فيه خدم وحشم وإسطبل خيل وخادمة، وعندما دخلته للمرة الأولى.
في مساء ذلك اليوم، جاء أحمد بك ومعه عبد العظيم، وكان برفقتهما الشيخ أبو العلا محمد، وفي أثناء العشاء استفاض الشيخ أبو العلا في الحديث عن عبقرية أم كلثوم وصوتها الساحر، وكانت بديعة إحدى المعجبات بأم كلثوم وعبد الوهاب، ثم أعطاها أحمد بك مستندات ملكية المنزل.
عاشت بديعة في منزلها الجديد كأنها في حلم، أحضرت ابنتها بالتبنّي جولييت للإقامة معها، ثم أحضرت لها معلمة خاصة عوضاً عن المدرسة، لتتمكن بديعة من التفرّغ لعملها مع الريحاني. كانت معلمة جولييت فتاة فقيرة ويتيمة تدعى كلير تسكن غرفة صغيرة، أدخلتها بديعة بيتها وأحبتها وتعاملت معها كصديقة، وكانت تعطيها مرتباً قدره خمسة عشر جنيهاً شهرياً، إضافة إلى الهدايا التي كان يغدقها عليها أحمد بك لتعتني بجولييت، إلا أن كلير هذه كانت إحدى لعنات الزمن، فراحت تتجسس على بديعة وأحمد بك وتستدرج بديعة في الحديث عن الريحاني ثم تنقل إليه كل الأخبار، وكانت سعادة بديعة بحياتها مع أحمد بك تحول دون أن تفكّر في أي شيء آخر.
مارست كلير لعبة دس السمّ في العسل فكانت تردد على مسمع بديعة أن أحمد بك كريم ابن أصل، إلا أنه متزوج من امرأة أخرى وله أولاد، فلماذا لا تبحث هي عن زوج شرعي يخلّصها من هذه الحياة. كانت كلير ماكرة وتستكثر على بديعة النعمة التي تعيش فيها.
الريحاني في بيت بديعة
ذات يوم رنّ الهاتف في منزل بديعة، ولما رفعت السماعة وجدت صوت الريحاني، فارتبكت واهتزت السماعة في يدها، لم يترك لها الريحاني فرصة التكلّم ولو كلمة واحدة، واندفع يقول لها: «أنا قادم إليك فافتحي الباب كي لا أتسبب لك بفضيحة أمام الجيران»، خشيت بديعة أن يأتي إليها ويحرجها أمام أحمد بك، وغرقت في التفكير حول ما يريده الريحاني منها، وبينما هي على هذه الحال سمعت دقات عنيفة على الباب وعندما فتحته رأت الريحاني أمامها، فأُغمي عليها، عندها أحاطها الريحاني بذراعيه وساعدته كلير على نقلها إلى غرفة النوم.
عندما أفاقت بديعة ثارت على أفعال الريحاني باكية، فقال لها: «ما رأيتك أجمل ولا أبدع من هذه اللحظة»، وأخذ يقبلها ويضمها إلى صدره، كان ذلك بوجود كلير، إلا أن بديعة استطاعت أن تلاحظ النظرات والغمزات بين الريحاني وكلير وأيقنت أن أمراً غامضاً يدور في الكواليس بينهما، فثارت عليه واتهمته بأنه يريد خراب بيتها.
في تلك اللحظة طلب الريحاني من بديعة أن يتزوجاً ويسافرا إلى أميركا، لكنها أبلغته بأنها يئست من مشاريعه الوهمية ووعوده الكاذبة وكسله واستهتاره وطلبت منه أن يتركها في حال سبيلها لأنها سعيدة من دونه ولأنها تخشى أصطحابه إلى أميركا فيموتان جوعاً في بلاد أخرى. أجابها الريحاني: «أخشى أن ينتهي صباك وينقضي عهده، ثم يذوي جمالك ويضيع وأنت تعيشين حياة المحظيات، قد يأتي يوم تندمين فيه، ساعتها لن يفيد الندم، لقد عرضت عليك آخر وأغلى فرصة وأجمل عرض يمكنني أن أقدمه لامرأة»، فقاطعته بديعة ساخرة: «أتظن أن العرض الثمين هو الزواج منك؟»، أجابها: «نعم ولم لا؟»، فردت عليه: «لو تزوجتك هل سأرتاح من العمل في المسارح ومن التشرد من بلد إلى بلد وارتداء الملابس الخليعة وعرض ساقاي العاريتين والسهر حتى الصباح والرقص والترفيه عن أناس لا يسعدني السلام عليهم أصلاً؟»، فقال لها الريحاني بغرور: «لكنك ستتزوجين نجيب الريحاني، الفنان الذي تجهله واحدة مثلك، ولا تقدره بلاده، لذا أعرض عليك أن نذهب إلى بلد آخر قد ألاقي فيه حظي ولم يسبقني إليه أحد الزملاء بعد أن يسطو على رواياتي لينسبها إلى نفسه، كما حدث لي في لبنان وسورية وفلسطين، عندها ستشاهدين بنفسك ريحانياً آخر يتفانى في عمله، لقد عرضت عليك عرضاً وأتمنى أن توافقي عليه». ثم اقترب وهمس في أذن بديعة: «لن أطلب الرد منك الآن»، سأتركك إلى الغد، ثم انصرف وتركها.
«البرنسيس»!
لم تنم بديعة ليلتها من الحيرة، فكيف تهجر الرجل الذي أكرمها وجعل منها سيدة مجتمع؟ ولما عاد أحمد بك مساءً شعر بأن ثمة أمراً غريباً ينتابها، لكنها لم تبح له بما حدث، وفي اليوم التالي قصد الريحاني منزلها وطلب منها العودة إلى التمثيل، وقطع علاقتها بأحمد بك، ووعدها بتقديم رواية جديدة تدرّ عليهما المال فيتزوجان ثم يرحلان إلى أميركا.
استحسنت بديعة فكرة التمثيل التي كانت خير مقنع لها في الرجوع إلى الريحاني، والمخلص من الملل الذي كانت تعيشه في كنف أحمد بك، لا سيما بعدما زاد وزنها، فتمكّن الريحاني من انتزاعها منه، وفي المساء عاد أحمد بك بصحبة صديقه عبد العظيم، فبادرته بديعة بقولها: «مللت من هذه الحياة الهادئة المملة، وأرغب في العودة إلى حياة المسارح»، فاستنكر عبد العظيم ما قالته بديعة بزعم أنها ليست في حاجة إلى العمل، وقال لها أحمد بك إن ذلك سيدفعها إلى مخالطة الراقصات والمغنيات، ورجاها أن تقلع عن هذا الحديث.
بعد أيام انتشر في الوسط الفني أن الريحاني يعدّ رواية جديدة بطلتها بديعة مصابني، فاستفسر أحمد بك من بديعة عن هذا الأمر، فأجابته بخجل: «هل لديك مانع في عملي أمام الريحاني؟»، فأجابها أحمد: «لا أريد أن أكون عائقاً بينك وبين هوايتك، إلا أنه يصعب عليَّ أن أتخيّل نفسي محروماً منك، فأنتِ أعز مخلوق لدي يا بديعة، لم أنسَ ما كان بين الريحاني وبينك، وكيف أرضى بعملك معه بهذه السهولة؟». راحت بديعة تخفف من همّه وقالت له: «دعنا من هذا الحديث الآن، كل ما قيل هو مجرّد إشاعات، وحين يعود الريحاني إلى العمل يكون الله قد هدانا إلى حل لهذه المشكلة».
بعد أيام اتصل الريحاني ببديعة ليخبرها بأمر الرواية الجديدة التي انتهى من كتابتها، وعرض عليها أن يأتي إلى منزلها، إلا أنها رفضت وطلبت منه أن يلتقيا في أحد المقاهي المنعزلة في منطقة مصر الجديدة، حيث أطلعها على دورها في الرواية، وكان اسمها «البرنسيس»، لكنه لم يعطها فكرة عن مضمون الرواية، واتفقا على أن يتصل بها بعد تحديد موعد البروفات.
ظل الريحاني يخفي عن بديعة مضمون الرواية وكان يردد عليها كلما سألته: «انشغلي بدورك أفضل لك». عمّ الإعلان عن الرواية شوارع القاهرة ولاقت نجاحاً ساحقاً، على رغم أن الريحاني أظهرها بمظهر المرأة الجشعة التي فضلت رجلاً غنياً عليه، إلا أن هذا العرض حقق لها شهرة لم تكن تحلم بها جعلتها حديث الصحف والجماهير، ولم يكن الريحاني نفسه يتوقع هذا النجاح لها لدرجة أنه شعر بالغيرة منها.
الخروج من الجنّة
استمر عرض الرواية شهرين وتعمّد الريحاني خلالهما، إشاعة خبر زواجه من بديعة وسفرهما معاً إلى أميركا، ولما وصل الخبر إلى أحمد بك قال لها: «زواج نجيب منك مجرد مصلحة له، فهو لا يستطيع الاستغناء عن موهبتك الكبيرة، علاوة على أنك تقدمين أدواراً تمثيلية صعبة وتجيدين الرقص والغناء، وهذا هو السبب الرئيس لإقبال نجيب الريحاني عليك وإصراره على الزواج منك والسفر معك إلى أميركا، على كل حال أنت حرة في ما تريدين فعله، أما أنا فلن أقف في طريق مستقبلك، ما أودّ أن تعرفيه أنك وجهتِ إلي صفعة على وجهي من دون أن تدري، لكن هذا ذنبي، لقد ضيعتِ أحلامي وقضيتِ عليها».
قالت بديعة لأحمد بك: «أنت رجل ثري وكريم وبإمكانك أن تجد من هي أفضل مني تنسيك أيامي، ومن يعرف ربما تكون صديقتك الجديدة أكثر إخلاصاً ووفاءً مني لك»، ثم أحضرت بديعة الهدايا التي قدمها لها أحمد بك، وقالت له: «لا أطمع في شيء ولم يكن سرّ صداقتي لك أنك رجل ثري، بل لأنني احترمت فيك نبلك وصدقك ووثقت بك، خذ هداياك إذ لم أترك منها سوى ثيابي، لن أنساك طول حياتي، أرجو أن تعفو عني وتسامحني»، ثم ارتمت على صدره وأخذت تبكي بحرقة شديدة، فأبعدها أحمد بك وسألها: «هل حددتم موعد الإكليل؟ سأعتبرك من اليوم كابنتي، كما سأعتبر هذا المنزل بكل ما فيه من هدايا هدية عرسك، أقدمها لك متمنياً أن تجدي في زواجك من الريحاني السعادة التي تنشدينها، كذلك أرجو ألا تندمي في يوم من الأيام على هذه الخطوة»، ثم انصرف أحمد بك، أنبل شخص عرفته بديعة مصابني في حياتها.
الهجرة إلى المجهول
كانت حياة الريحاني سلسلة من المغامرات والآلام، الأفراح والدموع، النجاح والإخفاق، اللذة والملل، الراحة والقلق، النشاط والكسل، وبعدما ترك أحمد بك بديعة في المنزل الذي اشتراه لها راحت تنظر حولها، فصعب عليها أن تتمتع بهذا العزّ بعدما هجرت صاحبه، ففاتحت الريحاني في بيع المنزل بالأثاث الذي يحتويه، فوافق هذا الأخير قائلاً لها: «على كل حال سنسافر إلى أميركا بعد زواجنا مباشرة، ولا نحتاج هذا المنزل ومحتوياته»، ثم انتقلا للإقامة في فندق «الكونتيننتال»، وباعا محتويات القصر بالمزاد العلني، وحصلت بديعة على مبلغ كبير.
في هدوء تام وبعيداً عن أعين الناس، تزوّج الريحاني من بديعة في منزل الدكتور خليل جودة الذي كان الشاهد على الزواج، وكانت كلير هي الشاهدة الثانية، وبعد انتهاء المراسيم الدينية انطلق العروسان إلى ضفاف النيل في عربة حنطور، وعادا صباحاً إلى الفندق حيث استقبلهما المصريون والأجانب بالهتاف تعبيراً عن مشاركتهما فرحة الزواج.
أمضى الزوجان شهر العسل بين الإسكندرية ورأس البر، ثم سافرا إلى البرازيل واصطحبا معهما جولييت ومجموعة من الممثلين، في رحلة بحرية طويلة زادت على الشهر، ثم حطّت بهما السفينة في بلد غريب وتشتّت من كان معهما، وبدا لهما أنهما في موقف صعب.
في الميناء التقيا رجلاً يتحدّث العربية، وسألهما عن مقصدهما فقالت له بديعة: «نحن فرقة فنية وباستطاعتنا الغناء والرقص»، وقال الريحاني: «لا نغني ولا نرقص فحسب بل نمثل أيضاً»، فأجابهم الرجل من دون اهتمام: «لن تتمكنوا لسوء الحظ من العمل هنا، لأن هذا البلد ليس فيه من يفهم في التمثيل أو يقدّره، لكن لو كان معكم مطربون وموسيقيون لاستطعتم جمع ثروة طائلة»، فتوجّهت بديعة إلى الريحاني بالفرنسية وقالت له: «دعنا نحاول ولا بد من أن الله سيفرجها علينا».
ترك الريحاني وبديعة الميناء، واصطحبهما محدّثهما إلى فندق كان هو صاحبه وكان يذهب إلى الميناء لجلب الزبائن، فظهرت مساء الجاليات اللبنانية والسورية من أبناء الجبل وبيروت وطرابلس وحلب والشام وحمص وحماة، وما إن انتشر خبر أن في الفندق فرقة فنية عربية، حتى راح الجميع يسأل عن المغنية العربية التي جاءت من بلادهم، وطلبوا من بديعة الغناء، فاختارت «فستق مملح ولذيذ يا أفندي»، وما إن بدأت في أولى مقاطع الأغنية حتى وقف أحد المستمعين وقال: «سمعت هذه الأغنية من مغنية شهيرة في حلب»، فسأله الريحاني: «ما اسم هذه المغنية؟»، فأجابه الرجل: «بديعة مصابني»، سأله الريحاني: «إذا رأيت هذه المغنية ستعرفها؟» أجابه الرجل: «طبعاً»، فقال له الريحاني: «إذن لماذا لم تتعرف إليها حتى هذه اللحظة؟»، فدقق الرجل في بديعة وقال: «كنت أشعر بذلك إلا أنني خفت أن أصرّح بالأمر كي لا يتهمني من معي بالجنون». راح الرجل يشرح للمستمعين من هي بديعة مصابني، وماذا كانت بالنسبة إلى حلب.
الدولة: عدد الرسائل: 25691تاريخ التسجيل: 08/12/2007المزاج: الأوسمة .:
موضوع: رد: صانعة النجوم عاشت في أحضان الأُنس والألم. الثلاثاء 7 سبتمبر 2010 - 2:29
صالة بديعة
بعد أن قضيا في باريس قرابة شهر، اقترحت بديعة مصابني على نجيب الريحاني العودة إلى مصر، لكنه لم يوافق إلا بعد مضي وقت غير قصير، وفي طريق العودة طلب منها ألا تخبر أحداً بفشل رحلتهما التي كتب عنها الصحافيون في مصر أنها كانت من أنجح الرحلات في تاريخ الريحاني.
بعد أن استقرا في منزلهما وعادت الحياة إلى طبيعتها، جاء بديع خيري يحدّث الريحاني عن جمهوره الذي ينتظره بلهفة، ونصحته بديعة بالإقلاع عن حياة الكسل والخمول أملاً بحياة أفضل، لكن ذلك كله من دون جدوى، بل تمادى في كسله وطلب منها أن تقرضه مبلغاً من المال للإنفاق على ملابس الرواية الجديدة وديكوراتها ومناظرها ودعايتها، فاستاءت بديعة من طلبه كون رصيده في المصرف ليس بقليل، فرفضت وهدّدته بأنه لو ظلّ على هذه الحالة ستنفصل عنه، هكذا قرّر العودة إلى العمل.
استأجر الريحاني مسرحاً مهملاً ومتواضعاً، وبدأ في تجهيز العرض المسرحي واتفق مع المطربة فتحية أحمد، التي لم تكن معروفة آنذاك، فلم يصب عرضه النجاح وهبطت الإيرادات، وهجر المتفرجون المسرح، وخسر الريحاني كثيراً في هذا العرض، وبات يعيش في حالة توتر. بدأت الخلافات تتصاعد بينه وبين بديعة، لدرجة أنه طلب منها ثانيةً إقراضه بعضاَ من المال، ولما رفضت هاج في وجهها وصفعها صفعة قوية، فلم تتمالك نفسها وقامت برميه بأحد الكراسي، فهرول مسرعاً إلى الخارج. بعدها، أغلقت بديعة الباب خلفه، وأقسمت ألا تدعه يدخل البيت مجدداً.
أسرعت بديعة إلى أسقف السريان الكاثوليك الذي كان بارك زواجهما، وروت له ما حدث مع الريحاني، فراح يوبّخها قائلاً: «هذا هو شريك حياتك وعليك أن تطيعيه وتتحمليه في السراء والضراء»، فأخبرته بأنها تركت عملها لتعمل معه وضحّت بمبلغ أربعمائة جنيه في الشهر، وأنفقت عليه ألفي جنيه. اندهش الأسقف من هذا الكلام وسأل بديعة عن الأرباح التي حققتها والريحاني في رحلتهما إلى أميركا، فأخبرته بالحقيقة، فدعا الريحاني إلى ديوانه وسأله عما حدث فلم ينكر ما قالته بديعة، وتأسف عما بدر منه لها أمام الأسقف الذي صالحهما، ولما خرجا من الكنيسة اتجها إلى إحدى دور العرض السينمائي للترفيه عن نفسيهما.
لم يكد يمر أسبوع على هذا الصلح حتى دبت الخلافات مجدداً بينهما، ودارت مشاجرة انتهت بالاتفاق على أن يفترقا، وقالت بديعة للريحاني: «سأعود إلى سورية ولبنان وسأترك لك مصر بما فيها»، فخرج من المنزل وهو يؤكد لها أنها ستندم على فعلها هذا، ثم طلب منها أن ترسل ثيابه مع بواب العمارة وانصرف.
العودة إلى لبنان
قررت بديعة العودة إلى لبنان، لكنها تذّكرت أحمد بك الرجل الذي حذرها من زواجها بالريحاني، فعلمت أنه مريض، ثم عاجلها خبر وفاته قبل أن تزوره، فتأثرت جداً لموته، ثم استأمنت كلير على بيتها وعلى ابنتها بالتبنّي وتركت مصر.
بمجرد أن وصلت إلى لبنان عادت بديعة إلى العمل فوراً لحاجتها الماسة إلى المال، فأقبل عليها الجمهور بكل فئاته، ولما علمت بوصول المطربة فتحية أحمد إلى لبنان رحبت بها، واتفقا على العمل معاً، ثم قاما برحلة إلى مدن عاليه وزحلة وطرابلس والشام وحلب، وعادا بعدها إلى بيروت، حيث استقبلهما جمهورهما بالهتاف والتصفيق.
بعد رحلة العمل هذه، عادت بديعة إلى مصر لتكتشف أن كلير أفشت جميع أسرارها للريحاني، ولم تكتف بذلك، بل راحت هي والريحاني يزرعان الكراهية في نفس جولييت ضد أمها، بل صارحاها بحقيقة مولدها. علمت بديعة من الخادمة أن الريحاني كان دائم الوجود في بيتها، وأنه على علاقة بكلير ويعيشان كزوجين، وقالت لها إنها «تعطيه أجرها الذي تدفعينه لها».
بعد عودة كلير الى المنزل واجهتها بديعة بما فعلته، وضربتها فانهارت كلير وقالت لها: «الريحاني قال لي إنه يحبني وسيطلقك ويتزوجني وسيجعلني عضواً في فرقته، وكان يطلب مني خطاباتك ويسألني عن كل أخبارك، فكنت أقول له على كل شيء، واستولى على كل مصاغي ومالي، ومدين لي بمبلغ 1700 جنيه».
أما جولييت فقد عرفت أن بديعة ليست أمها، فطلبت مساعدتها في الوصول الى أمها الحقيقية.
طلاق مستحيل
وصلت بديعة إلى بيروت ومعها جولييت للبحث عن والدتها، وهذا ما حصل، إذ تعرّفت جولييت إلى أمها الحقيقية التي رحبت بها، وشكرت بديعة على معروفها لأنها أنقذت طفلتها من الجوع والحرمان..
تركت بديعة ابنتها بالتبني لدى أمها الحقيقية في بيروت متّجهة إلى فرنسا وهي تتألم على فراقها، وعلى متن الباخرة «مارييت باشا» كانت العائلات المصرية والفنانات الأجنبيات يشاركن في حفلة لتكريم ربان السفينة، وما إن شاهد المسافرون العرب بديعة مصابني حتى راحوا يطلبون منها أن تغني فوافقت. صفق لها الجميع بإعجاب لافت، وبعد أن انتهت من الرقص والغناء وذهبت لاستبدال ملابسها، إذا برجل يرتدي قبعة يعترض طريقها قائلاً: ألا تعرفينني؟ فأجابته بديعة ربما لو رفعت القبعة أعرفك، فرفع القبعة فإذا به نوري السعيد الذي لم يكن يترك حفلة واحدة لبديعة في حلب إلا ويحضرها.
بعد ذلك عادت بديعة إلى مصر، لتبدأ فصلاً جديداً من المشاحنات مع الريحاني، وقد حاولا بعد ذلك أن يجداً حلاً عن طريق المحكمة الروحية، لكن من دون جدوى، لاستحالة الطلاق لدى السريان الكاثوليك، فذهبا إلى ديوان المحافظة لإشهار إسلامهما فيستعيد بذلك كل منهما حريته. كان المحافظ آنذاك إسماعيل بك شيرين، فاندهش لتصرفهما وقال لهما: «من يصدق أن نجيب الريحاني وبديعة مصابني سيفترقان وهما ألطف وأظرف رفيقين على المسرح»، فرفض مساعدتهما في خراب بيتهما، ثم خرج الإثنان من مكتب إسماعيل بك مقتنعين بأن على كل واحد منهما أن يكمل رسالته الفنية بمعزل عن الآخر.
صعود نجمها في مصر
أصبحت بديعة وحيدة في مصر، فقد فارقت الريحاني، ومات أحمد بك، وعادت جولييت إلى أمها، وخرجت كلير الخائنة من حياتها.
ذات مساء ذهبت إلى مطعم «الباريزيانا» حيث التقت بسيد زكي، أول رجل ارتبطت به في حياتها، وأخذت تروي له ما حدث معها، فهوّن عليها واصطحبها في رحلة خاصة إلى مدينة الإسكندرية، الى أن ارتاحت أعصابها تماماً، وبعد عودتهما إلى القاهرة اتفقا على أن ينفصل كل منهما عن الآخر تجنباً للإشاعات والأقاويل.
علمت بديعة بأن ثمة صالة رقص معروضة للبيع اسمها «سنديكس»، فقابلت مالكها الذي طلب منها سبعة آلاف جنيه، مبلغ باهظ آنذاك، وبعد إصرار منها خفضّ سعرها إلى خمسة آلاف جنيه، فوافقت بديعة واشترت الصالة.
اعتبر الجميع شراء بديعة هذه الصالة مغامرة جريئة، لكنها تجاهلت ذلك واتفقت مع مطربي ومطربات ذلك العصر للعمل في صالتها، وأحضرت تختاً موسيقياً يضمّ أفضل الموسيقيين وأبرعهم، وكان من بين الذين اتفقت معهم محمد عبد المطلب، نجاة علي، إسماعيل ياسين، أسمهان وفريد الأطرش ...، فاشتهرت «صالة بديعة»، وقصدها الناس من كل ربوع مصر، وعلا نجم بديعة مصابني في السماء.
تذكرت بديعة جولييت ابنتها بالتبني، وأبلغتها برغبتها في أن تعود إلى مصر وتعيش معها، ثم قررت أن تزوّجها بابن شقيقتها نظلة أنطوان كي تجد مبرراً لاصطحابها معها إلى مصر. وفعلاً تم الزواج لكنه لم يدم طويلاً، وتأكدت بديعة أنهما لم ولن يتّفقا.
عودة الحياة
انصرفت بديعة إلى التركيز في عملها، وتحقيق مزيد من الانتشار والنجاح، فاستأجرت صالة في مدينة الإسكندرية، وتعاقدت مع بعض المطربات. رافق ذلك قدوم الريحاني إلى مدينة الإسكندرية، حيث تم الصلح بينهما وبدأ شهر عسل جديد، وعاد الريحاني إلى منزل بديعة ثانيةً، فتغير الجو وصفت الحياة إلى حد ما.
انشغلت بديعة بالريحاني وسلّمت إدارة الصالة إلى أنطوان، فقدما سوياً رواية «ياسمين» وحققا نجاحاً مبهراً، لكن الريحاني عاد إلى بذخه وتبذيره، فأسرعت بديعة الى شراء قطعة أرض في حدائق القبة كي تؤمن نفسها من الزمن، وقررت بناء فيلا جميلة عليها، وعهدت إلى أحد المهندسين الكبار ببنائها، لكن الريحاني لم يهنأ بدخول هذه الفيلا، إذ تخاصما وافترقا.
ببا عز الدين
استقدمت بديعة إلى فرقتها فتاة فقيرة تدعى ببا عز الدين للعمل في صالتها، ثم أرسلت بطلب أنطوان كي يصالح جولييت ويأتي بها إلى مصر. لاحظت بديعة تغييراً في حالة جولييت المزاجية، فراحت تضغط عليها حتى انفجرت جولييت وأخبرتها بأن أنطوان يخونها مع تلك الفتاة التي صنعت منها بديعة راقصة معروفة.
صارحت بديعة أنطوان بالأمر فاعترف بصحة ما تقوله جولييت، وأبدى رغبته في الطلاق منها، وفي وجود أحد نواب الصعيد فاتحت بديعة ببا في الأمر في منزلها متهمة إياها بنكران الجميل، فما كان من النائب إلا أن انهال بالصفعات على وجه ببا، وخرجت بديعة وهي تقول بأعلى صوتها: «الله يخرب بيتك وينتقم منك با ببا كما خربتي بيتي .. إياك أن تريني وجهك في صالتي مرة أخرى يا مجرمة ... يا خاينة... يا سافلة... يا ناكرة الجميل».
لقاء في باريس
في عام 1931 ماتت نظلة شقيقة بديعة، فتأثرت هذه الأخيرة بشدة، وعاد أنطوان إلى لقاءاته غير المشروعة مع ببا، وتصاعدت الخلافات بينه وبين جولييت ما دفع بديعة إلى مساعدتهما على الطلاق، حتى تم لهما ذلك بالفعل. بعدها تعرفت جولييت إلى أحد الصحافيين الشبان في صالة بديعة وهربت معه، فقررت بديعة السفر إلى اليونان للترفيه عن نفسها، واصطحبت معها أنطوان.
خلال سفرهما لاحظت بديعة ارتباك أنطوان، وحين سألته أخبرها أن ببا أرسلت بطلبه، وأنها اشترت كازينو في الشاطبي في مدينة الإسكندرية، فخيّرته بديعة ما بين البقاء معها والذهاب إلى ببا، فاختار ببا ووعدها بأنه سيتخلص منها في القريب العاجل، وكانت بديعة قررت الانتقال إلى فرنسا. وعدت بديعة أنطوان بأنه إذا تخلّص من ببا بالفعل فستترك له صالتها في الإسكندرية.
في باريس التقت بديعة الريحاني الذي طلب منها مرافقته الى تونس، فوافقت بعد أن تم الصلح بينهما. هناك، لقيا ترحيباً شديداً، والتقيا مع الرئيس التونسي آنذاك الحبيب بورقيبة، وعرض بعض القيّمين على شؤون الجمعيات الخيرية على الريحاني إحياء حفلة يعود ريعها إلى صندوق تلك الجمعيات، فرفض ولم تنجح بديعة في إقناعه بالموافقة، ما دفع الجماهير التونسية إلى مقاطعة فرقته، فغادر إلى الجزائر.
لم تتحمل بديعة الاستمرار في رحلتها الفنية مع الريحاني، فانتهزت أول فرصة للفرار، وكانت قد أنفقت كل ما لديها من مال في باريس، حتى أنها اضطرت إلى رهن ساعتها الذهبية لتوفير مصاريف السفر من فرنسا إلى تونس، فأبرقت إلى أنطوان كي يرسل لها ثمن تذكرة الطائرة لتعود إلى مصر، وكانت أول سيدة تصل القاهرة بالطائرة مع بدايات استخدام الطيران كوسيلة نقل في مصر.
ملكة المسارح
بعد ذلك قامت بديعة برحلة فنية مع المطربة نادرة بين تونس وطرابلس، فكانت من أنجح رحلاتها، إذ جمعت خلالها كثيراً من المال، وعند عودتها إلى مصر التقت بكلير التي أقنعتها بدخول مجال الإنتاج السينمائي، وبالفعل أقبلت بديعة على إنتاج فيلم استعراضي باسم «ملكة المسارح».
كاد الفيلم أن يقضي على بديعة تماماً، حتى أنها فكرت بالانتحار بسببه، فقد خدعها المخرج أحمد سالم، وراح يعطّل تصوير الفيلم، وحين كانت بديعة تجتمع بالممثلين والكومبارس حتى يختفي سالم، فاضطرت للاقتراض من كلير، ورهنت بيتها مقابل 2500 جنيه، وعندما نفد ما اقترضته اضطرت إلى بيع مصاغها، ذلك كله ولم ينته الفيلم، فرهنت بديعة الفيلا وقطعة الأرض لدى فتحية أحمد لتدبير باقي النفقات.
انتهى تجهيز الفيلم بعد طول عناء، وجاء موعد عرضه فشكّل صدمة لبديعة وللصحافيين، إذ كان المونتاج رديئاً، فظهرت القصة مفككة والصوت منخفضاً وغير واضح، وكان الفيلم كلف بديعة ما يزيد على العشرين ألف جنيه مصري.
قرر الدائنون إعلان إفلاس بديعة، إلا أن القاضي قرر منحها مهلة على أساس أنها امرأة معروفة، وأنه على يقين من مقدرتها على تسديد تلك الديون، فاقتنع الجميع برأي المحكمة، لكن اليأس كان قد تملّك بديعة فاتنة المسرح ومعجزة الرقص الشرقي، فحاولت الانتحار عن طريق تعاطي كمية كبيرة من أقراص الأسبيرين، إلا أن محاولتها فشلت.
ببا تشتري صالة بديعة دون علمها
كانت بديعة قد أمنت أنطوان، ابن شقيقتها، على صالتها فطلب منها ألا تشغل بالها وتترك الاهتمام بالصالة له، إلى أن جاءها شخص يخبرها بأن أنطوان باع صالتها لببا عز الدين، ليس هذا فحسب، بل تآمر مع الأخيرة على طرد الفنانات من الصالة، ومن بينهن الراقصة تحية كاريوكا. خرجت بديعة كالمجنونة إلى صالتها في شارع عماد الدين، وهناك وجدت ببا وأحد العمال الذي قال لها: «ما الذي أتى بك إلى هنا؟ إن الصالة لم تعد ملكك، بل ملك الست» مشيراً إلى ببا، ثم أقبل وصفع بديعة على خدّها، فما كان منها سوى أن ألقته بأحد المقاعد، التي لم تنجو منها ببا، ثم خرجت والحسرة تعتصر قلبها والندم يتآكلها لأنها أمّنت أنطوان على كل شيء.
الدولة: عدد الرسائل: 25691تاريخ التسجيل: 08/12/2007المزاج: الأوسمة .:
موضوع: رد: صانعة النجوم عاشت في أحضان الأُنس والألم. الثلاثاء 7 سبتمبر 2010 - 2:33
بديعة مصابني... إني راحلة
في خريف 1939 اندلعت الحرب العالمية الثانية فتغيرت معها الخريطة الفنية في مصر وتوافدت الجيوش البريطانية على الملاهي والكازينوهات، وكانت صالة بديعة تحتفل كل مساء بالضباط وبالعائلات المصرية الكبيرة، بينما جمعت ببا في صالتها المنحرفين من الجنود ومحترفي الشغب، الذين، ما إن ينغمسوا في الشراب، حتى يكسّروا كل الأشياء من حولهم، ما اضطرها إلى إغلاق صالتها والعودة إلى الإسكندرية بصحبة أنطوان المتيّم بحبها والذي أشهر إسلامه ليتزوّج بها، لكن ثمة من قال إنه فعل ذلك لرغبته في الزواج من الراقصة الجديدة تحية كاريوكا.
آنذاك، تحوّل شارع عماد الدين في القاهرة وصالاته الفنية، بفعل الحرب، إلى فوضى كبيرة وغوغائية لافتة، فتحمست بديعة لفكرة بناء سينما ومسرح في ميدان الأوبرا، أشهر ميادين القاهرة، على أن يتحمل بنك مصر التكاليف كلها، بالفعل تحقق الحلم وحضّرت «اسكتش» يتمحور حول هتلر وموسوليني وستالين لتقدّمه ليلة الافتتاح، لكن لسوء حظها اغتيل في الليلة نفسها علي ماهر باشا، رئيس الوزراء المصري آنذاك، فأعادت بديعة ثمن التذاكر إلى أصحابها وتأجل العرض الى أن تنتهي مراسم الجنازة، وبعد ذلك أقبل الجمهور على المسرح بأعداد غفيرة.
لم يكن ثمة حديث في القاهرة سوى عن كازينو بديعة مصابني، لكن هذا النجاح لم يستمر طويلاً بسبب الفوضى التي خلفتها ظروف الحرب وإعلان الحكومة المصرية عزمها على تحصيل ضرائب دخل لم تكن موجودة قبل الحرب، وكانت غالبيتها جزافاً ومن دون وجه حق، ما دفع كثراً إلى الفرار من مصر ورفع آخرون دعاوى ضد تعنت الحكومة، وكانت بديعة من بين الذين فرضت عليهم ضرائب تعسفية، فدفعت 39 ألف جنيه بطيب خاطر، إذ كان العمل أثناء الحرب يدرّ على الملاهي والصالات الفنية مبالغ طائلة، وأدت بديعة في تلك الفترة بطولة أفلام سينمائية، أشهرها «أم السعد».
ماري ابنة شقيقها
كانت أخبار المعارك على الجبهات تأتي مشوّهة، إلى أن راجت إشاعة مفادها أن الألمان، فور دخولهم القاهرة، سيشنقون عشرة أشخاص في ميدان الأوبرا من بينهم بديعة مصابني، فجمعت بديعة ملابسها ومجوهراتها وقطعت تذكرة بالقطار إلى «حيفا» ومنها سافرت إلى لبنان، فأقامت فيه إلى أن هدأت الأحوال في مصر، فعادت إليها ثم رجعت ثانية إلى بيروت لتستعيد ملابسها ومجوهراتها، وفي تلك الأثناء صدر قرار بمنع خروج المال والمجوهرات من مصر.
بعد عودتها إلى مصر، جاءها شقيقها توفيق برفقة ولديه فؤاد وماري، فأخذ منها نفقات سفره إلى أميركا، ثم ذهب إلى دمشق وظلت ماري في مصر بعدما استطابت مناخها وأحبته، ولم تطل إقامتها مع بديعة إذ تزوجت وانتقلت إلى منزل زوجها في حي مصر الجديدة.
بعدما رُزقت بطفلين عرضت بديعة على ماري الإقامة معها، فطارت من الفرحة وأقبلت على بديعة تعانقها، فاشترت هذه الأخيرة فيلا أنيقة دفعت ثمنها 12ألف و500 جنيه وانتقلت إليها مع ماري وزوجها وأطفالها، وعاشت حياة هادئة لم تكن تتصورها أو تحلم بها.
استنفد شراء الفيلا وتجهيزها رصيد بديعة، فاضطرت الى بيع قرط من الماس الثمين لتسدّد إيجار الكازينو، إلا أنها فوجئت بردة فعل ماري الساخرة وغير المصدقة عندما أخبرتها بما فعلت، فوقع خلاف بينهما.
بعد ذلك سافرت ماري إلى دمشق لرؤية أمها، وسافرت بديعة مع أحد أصدقائها المقربين إلى بيروت، وعندما علم أنطوان بموضوع الخلاف، طلب من ذلك الصديق العمل على إعادة المياه إلى مجاريها بين خالته وماري، وفي أثناء وجودها في لبنان علمت بديعة بوفاة والد زوجة شقيقها وعندما قصدت منزل أخيها لتعزيتها قابلتها ماري مقابلة جافة للغاية، فخرجت بديعة غاضبة وعادت إلى مصر.
أنطوان وثريا حلمي
كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت بانتصار الحلفاء، وأصبح بإمكان أي كان السفر إلى الخارج وباتت تغذية المسارح بعناصر جديدة ضرورة ملحة، ففكرت بديعة بالسفر لتتعاقد مع فرق تليق بمكانة كازينو بديعة مصابني، إلا أنها احتارت بين الذهاب إلى فرنسا أو تشيكوسلوفاكيا أو إيطاليا، وفي تلك الفترة أعاد الجيش البريطاني إليها العمارة في حي «غاردن سيتي» التي كان قد صادرها، فعرضت فيلتها للبيع، وعاد أنطوان للإقامة معها، وسامحته على رغم الإساءات التي افتعلها بحقها.
بعدما حصلت بديعة على تذاكر السفر، أقلقها مصير أنطوان في غيابها، فهو لا يحقّ له أن يرثها إذا حدث لها مكروه، ما دفعها إلى أن تسجل الكازينو باسمه، كذلك سجلت له العمارة مع الاحتفاظ لنفسها بحقّ الرقابة عليها وتحصيل إيراداتها طيلة حياتها، من ثم سافرت مرتاحة البال وكانت على اتصال مستمر به، واشترت له الهدايا إلا أنها لم تخبره بموعد عودتها لكي تفاجئه ظناً منها أنها ستسعده.
ما إن دخلت بديعة إلى البيت حتى وجدته فارغاً فصدمت وهرعت إلى الكازينو من دون وعي بعدما اكتشفت أن ملابس أنطوان لم تكن في المنزل، فلم تجد سوى العمال الذين كانوا يشرفون على تنظيف المحل، سألت عن أنطوان، فأجابها العمال أنه يأتي متأخراً وتأتي بعده الست ثريا، فسألت بديعة من ثريا هذه؟ أجابها العامل: «ثريا حلمي»، أضاف: «يا خسارة يا ست من يوم سفرك والمحل خرب، والشغل واقف، والناس بتسأل عليك، ولما نسأل الخواجة أنطوان عنك يقول لا أعرف متى ستعود، أصبحت البرامج فوضى ومفيش احترام للعمل وللمواعيد زي زمان».
في تلك اللحظة دخل أنطوان فارتبك لرؤية خالته، واقترب منها ليقبل يديها، فحضنته ولم تفاتحه في شيء إلا على انفراد، وسألته عن سبب تركه البيت، فأجابها أنه أصبح موحشاً في غيابها ولم يعد يحتمل الوحدة، فسألته مجدداً عن سبب إهماله العمل علماً أنها جهزت له كل شيء قبل سفرها، فردّ عليها: «أثرت الحرب في الناس فلم يعودوا يقبلون على الملاهي كما السابق»، وسألته أيضاً: «ماذا ستفعل الآن؟» أجابها بكل وقاحة: «لا مانع لدي من أن أتنازل لك عن البيت والمحل إذا ما تعهدت بدفع الديون»، فوافقت بديعة لكنها لم تكن تعرف أن ديون أنطوان وصلت إلى 8 آلاف و200 جنيه مصري. لم يكتف بذلك، بل أصرّ على أن يأخذ منها ألفي جنيه ليترك لها المحل والبيت، فوافقت بديعة واستعادت الكازينو والبيت، وراحت ترتب كل شيء وتعيده إلى ما كان عليه قبل سفرها.
عودة الريحاني
بكثير من المكر والخبث، عادت ببا تستعطف بديعة مصابني كي تسامحها، وبالفعل نسيت ما صدر عن ببا من إساءات وألحقتها بالعمل معها، لكنها استاءت من معاملة ببا للجمهور فأبعدتها، عندها لجأت هذه الأخيرة إلى التآمر على بديعة واتفقت مع أحد المحامين على أن يقنعها ببيع الكازينو، ولما فشل نشرت ببا إشاعة أن بديعة ستبيع الكازينو الذي تملكه.
في أحد الأيام، بينما كانت بديعة في الكازينو تلعب «الدومينو» دخل عليها نجيب الريحاني وقابلها بالأحضان الحارة، ثم طلب منها أن يتفقد الكازينو، سارا معاً وتفقدا أجزاءه، ثم جلسا لتناول القهوة سوياً، فقالت له بديعة: «أخشى أن تكون قد جئت بسبب الإشاعة الرخيصة التي تقول إنني سأبيع الكازينو، فهل جئت تشتري الكازينو يا نجيب؟»، فرد فوراًعليها: «بل جئت لشرائك أنت، أرجوك أن تأتي غداً لتشاهدي الفيلا الجديدة التي أبنيها».
وفي صباح اليوم التالي رافقت بديعة الريحاني إلى الفيلا، وكان عامل الموزاييك منهمكاً في رصف الحجارة، فاستعجله الريحاني بإنهاء عمله قائلاً له: «أنت بقالك مدة طويلة بتصف الحجارة ويظهر إني هاموت قبل ما تنتهي»، وقبل أن تنصرف بديعة طلب منها أن تزوره في منزله الذي يعيش فيه، إلا أنها رفضت وقالت له: «لن أزورك في منزلك لأنني سمعت أنك تعيش مع سيدة يهودية»، فقاطعها الريحاني قائلاً: «أنتِ الأصل، وأول ما أرجع من الإسكندرية حيث سأحيي خمس حفلات يبقى ربنا يفرجها بإذن الله»، وعاد الأمل إلى بديعة بأن تستكمل حياتها في كنف الريحاني، وراحت تترقب أخباره بشوق.
رحيل الريحاني
ذات ليلة صعد الريحاني إلى المسرح وهو يترنح من التعب، إلا أنه تمالك نفسه وأبدع في أدائه بشكل غير مسبوق، ولم يضحك جمهوره مثلما ضحك في تلك الليلة، وما إن أسدل الستار وهو يحيي الجمهور حتى سقط مغشياً عليه فنقل إلى المستشفى الإيطالي. انتشر الخبر بسرعة البرق ووصل إلى بديعة فهرعت إلى المستشفى، إلا أنها فوجئت بسائق الريحاني واقفاً على الباب يلطم خديه، وعندما سألته بديعة عما به، قال لها والدموع تسبقه: «مات الأستاذ يا ست بديعة ... مات الأستاذ».
سقط الخبر على بديعة كالصاعقة، ولم تجد من يسندها سوى بديع خيري، الذي اقتادها حيث سجّي جثمان الريحاني، وكان هناك يوسف الريحاني شقيقه وبرفقته السيدة اليهودية. مع تدفّق الحشود لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على الريحاني كان لا بد من أن تقيم بديعة سرادق تتسع لهذا الكمّ من المعزين. حزن الجميع على الريحاني، وكانت جنازته مهيبة وكتبت الصحافة عن دوره في ابتكار مدرسة جديدة في المسرح.
بعد موت الريحاني بدأت المشاكل تظهر، كان يوسف الريحاني يرى في دموع بديعة وحزنها مجرد تمثيلية من أجل الميراث، فصرّح بأن نجيب طلقها قبل موته ولم يعد لها الحق في لقب أرملة نجيب الريحاني. ساء بديعة هذا التشهير فقصدت مطرانية السريان الكاثوليك، وجاءت بإعلام رسمي يثبت أن نجيب الريحاني لم يطلقها، لسبب بسيط هو أن طائفته لا تعترف بالطلاق، على هذا الأساس رفعت بديعة دعوى على شقيق الريحاني للحجز على ممتلكاته، وفُتح باب جديد من المشاكل.
بديعة والضرائب
يبدو أن بديعة لم تتعلم من تجاربها الكثيرة مع الرجال، فسافرت، بعد وفاة الريحاني، إلى بيروت حيث التقت شاباً راح يقنعها بأنه يريد الزواج بها، وأمام حلم الاستقرار الوهمي صدقت بديعة وعوده، فقال لها إنه يريد ترك وظيفته ويؤسس عملاً له، فسألته بديعة عن نوعية العمل، فقال لها: «مكتبة كبيرة»، على أن تدفع بديعة ثمنها كونه موظفاً بسيطاً لا يملك شيئاً. وافقت في الحال شرط ألا يجرحها أو يعيّرها بماضيها أو بأنها عاقر لا تنجب، وأخذ النقود وبدأت بديعة تتحين الفرص لتتخلص من الكازينو كي تعيش في بلدها، وقررت بيع المحل والأثاث، فاجتمعت بالمحامي وبأحد أصدقائها القدامى، وطلبت 30 ألف جنيه ثمن الكازينو، إلا أنها اقتنعت بـ 20 ألفاً من دون أن تعلم من هو المشتري، ثم علمت بعد ذلك أن ببا عز الدين اشترت الكازينو، فلم توقف بديعة البيع بل تساهلت معها، إلا أنها رفضت أن تلغي ببا اسم بديعة من على الكازينو واحتفظت هذه الأخيرة بالأوراق وطالت المفاوضات وتشعبت، إلى أن أرسلت مصلحة الضرائب مندوبيها للكشف على الدفاتر لتحديد المبالغ المستحقّة.
كانت بديعة تدفع الضرائب بانتظام معتمدة في ذلك على أنطوان سيدهم، أحد موظفي المحل، وكان يطمئنها على أن الأمور تسير في مجراها الطبيعي. باعت بديعة الكازينو إلى ببا من دون أن تخبر مصلحة الضرائب قبل تاريخ البيع بشهرين لجهلها بذلك، كذلك تجاهل كل من أنطوان سيدهم والمحامي لفت انتباهها إلى ذلك، فدفعت تعويضات الموظفين التي بلغت 7 آلاف جنيه، بعدها قصدت أحد المحامين لتطلعه على ما وصلت إليه، فأخبرها أن مصلحة الضرائب ستعتبر البيع تهرباً وستفرض الأرقام التي تريدها.
أمام هذا الواقع الأليم، سألت بديعة محامياً آخر، فأكد لها ما قاله الأول، ونصحها بالإسراع في بيع ما تستطيع بيعه، عندها قررت العمل بنصيحة المحامي، إلى أن ذهبت إلى الكازينو فاستدعتها ببا عز الدين وأطلعتها على إخطار وصلها من مصلحة الضرائب، بألا تدفع لبديعة أي مبلغ من المال قبل أن تدفع هذه الأخيرة 74 ألف جنيه للمصلحة.
كانت بديعة قد أعلنت عن بيع أثاث منزلها في المزاد العلني، وما إن نشرت الصحف الخبر حتى تراكض الشامتون والفضوليون، فباعت ما لديها من تحف ثمينة بمبلغ ألف وثمانمائة جنيه، وكانت قد اشترتها بثمانية آلاف، ثم أرسلت إلى فتاها صاحب المكتبة ليقف معها في محنتها، فاعتذر عن المجيء إلى مصر بحجة أنه عاد إلى وظيفته، فدهشت بديعة لذلك، وباعت عماراتها الثلاث، هكذا ضاع تعب السنين.
احتفظت بديعة بما معها من مال وجمعت مجوهراتها وقررت السفر إلى لبنان، وفي المطار اكتشفت أنها ممنوعة من مغادرة مصر حتى تسدد ما عليها لمصلحة الضرائب، ولدى عودتها استدعتها النيابة وحققت معها واحتجزتها في إحدى الغرف، ولم تخرج إلا بعدما دفعت ألف جنيه كضمانة، عندها لم يكن أمام بديعة سوى التفكير في الهرب.
وسط هذه الظروف التقت بديعة شاباً أجنبياً، عرض عليها أن يساعدها في الهرب، لقاء مبلغ ألفي جنيه تدفعه للشخص الذي سيهربها من مصر فوافقت، بالفعل جهزت أغراضها وهربت بطائرة خاصة هبطت بالقرب من حي مصر الجديدة، هكذا تركت بديعة أرض مصر الحبيبة ودموعها كشلال أعقبته جداول من البكاء المر، وظلت مصر بسحرها ومرارتها وحزنها وبهائها محفورة في ذاكرتها.
العودة إلى لبنان
في لبنان، كان أول عمل قامت به استرجاعها الجنسية اللبنانية، وتم لها ذلك بمرسوم رقم 3038 بتاريخ 29 سبتمبر (ايلول) عام 1950، إلا أنها ما لبثت أن وقعت في خطأ جديد إذ تزوجت شاباً يصغرها بـ22 عاماً، بينما كانت في الخامسة والخمسين من عمرها، كان مقامراً من الطراز الأول وله صديقة يهودية اتفق معها على ابتزاز أموال بديعة، لم يكد يمرّ على زواجهما شهران حتى طلبت منه الطلاق، فطالبها الشاب بمبلغ 50 ألف ليرة ليطلقها، ثم اقتنع في النهاية بخمسمائة ليرة.
تتابعت أحداث سنوات بديعة الأخيرة وهي في خريف عمرها، فكانت تقضيها بين أوروبا ولبنان، ثم استقرت في منطقة شتورا حيث افتتحت مطعماً، وأقامت في إحدى المزارع سنوات شيخوختها، حتى رحلت عن دنيانا عام 1974.