منتدى شادية دلوعة الشاشة العربية
عزيزي الزائر أنت غير مسجل ويسعدنا انضمامك الى أسرتنا الجميلة المتحابة


والمترابطة وإذا رغبت فأهلاّ وسهلاّ بك ، قم بالتسجيل لنتشرف بوجودك معنا
[/center]



 
الرئيسيةالبوابة*س .و .جالتسجيلدخول
المواضيع الأخيرة
» الدّلّوعة الحزينة!
اليوم في 8:38 من طرف نعيم المامون

» نجمة «الكواكب» (العدد 486)!
اليوم في 8:31 من طرف نعيم المامون

» من ذكريات «الدّلّوعة»!
أمس في 23:57 من طرف نعيم المامون

» حوار.. مع عزيز فتحي!
أمس في 23:07 من طرف NONOS

» رسالة جميلة يوجهها النجم "أحمد حلمي" لمعبودة الجماهير "شادية" ❤
أمس في 22:37 من طرف NONOS

» صور يسرا وهى تقبل صورة شادية
أمس في 22:34 من طرف NONOS

»  تصميمات وهمسة قلم نور الحياة شاكر
أمس في 22:19 من طرف نور الحياة شاكر

» ادعو لشادية
أمس في 22:18 من طرف نور الحياة شاكر

» مقطع لقاء نادر للفنانة شادية على هامش مهرجان القاهرة للسينما
أمس في 21:53 من طرف عبدالمعطي

» برنامج نجوم الطرب
أمس في 19:48 من طرف عبدالمعطي

» اروع ما غنت فايزه احمد
أمس في 19:39 من طرف سميرمحمود

» مهرجان القاهرة السينمائي - إدارة المهرجان تهدي الحفل للنجمة الكبيرة "شادية"
أمس في 18:16 من طرف NONOS

» زمن الجميلة شادية نجمة مهرجان القاهرة السينمائي
أمس في 18:12 من طرف NONOS

» شادية والشاعرصلاح فايز
الأربعاء 22 نوفمبر 2017 - 20:48 من طرف نور الحياة شاكر

» شادية بالاهرام العربي
الأربعاء 22 نوفمبر 2017 - 20:35 من طرف نور الحياة شاكر

» سجل حضورك بالصلاة علي النبي صلى الله عليه وسلم
الأربعاء 22 نوفمبر 2017 - 20:26 من طرف نور الحياة شاكر

» نجوى فؤاد: "الملوحة" هى الأكلة المفضلة للفنانة شادية
الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 - 21:33 من طرف عبدالمعطي

» حبيبة مصر والعالم العربي شادية
الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 - 15:25 من طرف عبدالمعطي

» دقّات قلب الفنّ!
الأحد 19 نوفمبر 2017 - 21:34 من طرف نور الحياة شاكر

» ربنا يشفيك ويعافيك يا شادية
الأحد 19 نوفمبر 2017 - 21:29 من طرف نور الحياة شاكر

» سجل حضورك بكلمة حب لشادية
الأحد 19 نوفمبر 2017 - 21:17 من طرف انطوانيت

» بنحبك يا شادية
الأحد 19 نوفمبر 2017 - 15:01 من طرف نور الحياة شاكر

» تصميمات أرض الجنتين للحبيبه شاديه
السبت 18 نوفمبر 2017 - 0:29 من طرف Ater nada

» لقاء نادر للفنانه شاديه
الخميس 16 نوفمبر 2017 - 5:23 من طرف Ater nada

» مجلة المصور
الأربعاء 15 نوفمبر 2017 - 16:10 من طرف عبدالمعطي

» مجلة الأذاعه والتلفزيون
الأربعاء 15 نوفمبر 2017 - 15:51 من طرف عبدالمعطي

» نجمة «الكواكب»!
الأربعاء 15 نوفمبر 2017 - 15:40 من طرف عبدالمعطي

» زيارة الرئيس السيسي وزوجته لشادية
الأربعاء 15 نوفمبر 2017 - 15:33 من طرف عبدالمعطي

» صورة ناذرة لشاديه مع عائلتها
الأربعاء 15 نوفمبر 2017 - 15:29 من طرف عبدالمعطي

» شادية والرؤساء
الأربعاء 15 نوفمبر 2017 - 14:11 من طرف عبدالمعطي

مغارة كنوز صور القيثارة
هنــــا
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 36 عُضو متصل حالياً :: 1 أعضاء, 0 عُضو مُختفي و 35 زائر :: 2 عناكب الفهرسة في محركات البحث

عبدالمعطي

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 720 بتاريخ الجمعة 10 يوليو 2015 - 17:24
اذاعة المنتدى
إذاعة شادية صوت مصر
T.V.SHADIA
هنــــا
احصائية المنتدى
اشهر مائة فى الغناء العربى
هنــــا
من لا يحب شادية صاحبة المعاني النبيلة
هنــــا
ديوان نجمة القمتين شادية
هنــــا
شادية نغم في القلب
هنــــا
صور من تاريخ شادية
هنــــا
مركز لتحميل الصور
شاطر | 
 

 شادية قمرا ّ لن يغيب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
هدى
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 35667
تاريخ التسجيل : 06/12/2007
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: شادية قمرا ّ لن يغيب   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 21:40


شادية قمرا ّ لن يغيب


البراءة وخفة الظلّ أدخلاها قلوب الجماهير


عندما تقف مندهشاً أمام شخص ما، متأملاً في ما حباه الله به من ملكات خاصة، تجد نفسك تتساءل: ما السرّ وراء ذلك؟ وهل يمكن أن تجتمع هذه الملكات كافة في شخص واحد؟! مؤكّد، أن ثمة خلطة سرية من الصعب أن تصل إلى مكوناتها.

«فتوش» (اللفظ التركي لاسم «فاطمة») واحدة من هؤلاء البشر الذين وضع الله سبحانه وتعالى في داخلهم تلك «الخلطة السرية» التي لم تكمن في تفوّقها وتألقها وذكائها ومواهبها المتعددة فحسب، بل هي خلطة تشمل الجسد والروح والعقل والشكل معاً، فضلاً عن خفة الدم وسرعة البديهة والقبول، بالإضافة الى الإحساس وتفعيل كل الحواس، وقبل ذلك كله إرادة الله وتوفيقه.

لم تكن فاطمة أحمد كمال الدين شاكر، تدرك أن الله وضع في داخلها تلك الخلطة، عندما بدأت في سنوات طفولتها الأولى تلفت الأهل والأقارب، بل الأكثر دهشة أنها ربما لم تدرك هي نفسها سرّ هذه الخلطة في ما بعد، بل وربما حتى الآن، أمد الله في عمرها، ولا كيف تحقّقت نتائجها عليها بهذا الشكل المذهل!

وعلى رغم ذلك كله لم يكن ثمة شيء غير عادي ينبئ بطفلة غير عادية، إذ لم تكن المولود الأول لوالدها، ولم يكن الجمال مقتصراً عليها في العائلة، مع أن أصل أمها التركي كان واضحاً في ملامحها، وكذلك خفة الدم التي كانت متأصّلة في الأب أحمد كمال الدين شاكر، مهندس الزراعة في الخاصة الملكية آنذاك، وورثها أيضاً أخوتها طاهر ومحمد وسعاد وعفاف. لم تلحظ الأسرة أن الصغيرة «فتوش» آخر العنقود ستكون هي العلامة الفارقة في تاريخها وفي تاريخ الفن المصري والعربي أيضاً.

جواز المرور

عندما طرقت شادية أبواب الفن، سواء الغناء أو التمثيل، لم تعتمد على وجهها الجميل أو أنوثتها الطاغية، كأول ما قد يلفت نظر المتلقي إليها، بل اعتمدت على البراءة وخفة الظل وشقاوة الأطفال والتلقائية الهادئة. لم تكن هذه المؤهلات مجرد جواز مرور سرعان ما تخلّت عنه شاديا بعد امتلاك أدواتها كفنانة، بل لازمتها طوال رحلتها، إذ إن خبرتها جعلتها تدعم ذلك كلّه بدقة اختياراتها في ما بعد، سواء بكلمات أغانيها، أو بنوعية أدوارها على الشاشة، وما يتلاءم مع كل مرحلة من مراحل حياتها الفنية، الأمر الذي جعلها تبدو مختلفة عن كل زميلاتها اللاتي سبقنها أو عاصرنها، أو حتى من أتين بعدها، لذلك تميّزت وشكّلت لنفسها حضوراً خاصاً لا يشبه أحداً.

استطاعت شادية أن تصنع، ببساطتها وتلقائيتها ومن دون بهرجة أو افتعال، نجومية متوهّجة، وأن تكون نجمة محبوبة ومتوّجة على قلوب الجميع في مراحل حياتها الفنية كافة، فعلت ما لم يستطع غيرها فعله على رغم مساندة الكبار له، وسارت في مسيرتها الفنية ورحلتها الطويلة مع الفن من دون الاعتماد على أحد سوى عبقريتها الكامنة داخل هذا الجسد النحيل، ترعاها دعوات أمها التي كانت بارة بها حتى اللحظات الأخيرة، وعين الله الذي يعلم ما في داخل الإنسان ونواياه.

استطاعت شادية تقديم ألوان غنائية وأدوار سينمائية عدة لم تستطع تقديمها نجمة في وزن كوكب الشرق أم كلثوم لم ولن تقدر على مضاهاتها أية فنانة أخرى من جيلها أو الأجيال اللاحقة عليها، فقد قدمت «الدلوعة، المراهقة، الناضجة، الزوجة، الحبيبة، الطبيبة، التلميذة، الأستاذة، الخادمة، المتمردة.. والبرنسيسة»، وفي الغناء سمعناها في الأغنية الخفيفة التي تتراقص معها الطيور، وفي المونولوج والديالوج، وفي الغناء الوطني والعاطفي والديني، وفي الأغنية الطويلة والقصيرة بل إنها جازفت وخلقت مرحلة غنائية جديدة بغنائها أغاني «الفورم» بداية من «آه يا أسمراني اللون وغاب القمر يا ابن عمي، وقولوا لعين الشمس، وخدني معاك» وغيرها.

المطربة الممثّلة

تضافرت بداية شادية كمطربة مع بدايتها كممثلة لتصنع تلك الصورة التي لا تزال تعيش في أذهان الناس ووجدانهم حتى الآن، صورة الدلوعة الشقية، في الطريق اتيي رسمها لها في البداية الفنان محمد فوزي في فيلم «العقل في إجازة» عام 1947 وتابعها الفنان منير مراد بخفة دم ألحانه وشقاوتها، ثم أكملها ملحنون كثر عملت معهم شاديا لاحقاً عبر رحلتها الفنية الطويلة.

سعت شادية عبر تاريخها إلى كل ما هو جديد، والأهم أنها لم تتعامل مع الجديد باعتباره موضة، ولكن بإصرار على أن تسبق عصرها به، لدرجة أنها قدمت في العام 1968 فيلماً يابانياً بعنوان «جريمة على ضفاف النيل» تقاسمت بطولته مع الممثل الياباني المشهور آنذاك يوشيرو ايشيهارا، وأخرجه ناجاجا وايوشي.

شاديا الفنانة الوحيدة تقريباً التي عملت مع أكبر عدد من نجوم السينما المصرية والعربية ونجماتها، بل ومع أكبر عدد من المخرجين، على امتداد مشوارها، فضلاً عن النجوم الذين كوّنت معهم ثنائيات فنية، وأبرزهم الفنان كمال الشناوي الذي قدّمت معه ما يقرب من 30 فيلماً، وصلاح ذو الفقار في أفلام ربما أشهرها «عيون سهرانة» قبل زواجهما... وأثناءه قدّما معاً أربعة أفلام هي: «أغلى من حياتي، مراتي مدير عام، عفريت مراتي، وكرامة زوجتي»، وغيرها من الأفلام. كذلك، عملت مع محسن سرحان، عماد حمدي، شكري سرحان، رشدي أباظة، يحيى شاهين، محمود مرسي، فريد شوقي، حسن يوسف، عمر الشريف، أحمد مظهر، أنور وجدي، ومع إسماعيل ياسين وشكوكو اللذين شاركاها بطولة عدد كبير من الأفلام، ومع مطربين كثر مثل محمد فوزي الذي كان له فضل كبير في تقديمها سينمائياً وغنائياً، وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ الذي قدّمت معه ثلاثة أفلام هي «لحن الوفاء»، {دليلة»، و{معبودة الجماهير»، ومع كارم محمود «معلش يا زهر»، ومع النجوم العرب أمثال القدير الراحل نهاد قلعي والنجم الكبير دريد لحام في فيلم «خياط السيدات»، ومن النجمات عملت فاتن حمامة مع مريم فخر الدين، ماجدة، هند رستم، ليلى طاهر، مديحه يسري، ليلى فوزي، سعاد حسني، نادية الجندي، سهير رمزي، ميرفت أمين، يسرا، إلهام شاهين، حياة قنديل، زهرة العلا، شويكار، لبنى عبد العزيز، سميحة أيوب، سناء جميل، وسهير البابلي، ومع الفنانات الكبيرات زينات صدقي، أمينة رزق، وفردوس محمد، في أدوار الأم لها، وعبد الوارث عسر وحسين رياض وسراج منير وسليمان نجيب، في أدوار الأب لها.

هكذا، تكون شاديا قد شاركت أكبر عدد من فناني وفنانات مصر والعرب قديماً وحديثاً من دون شروط أو قيود، أو كلمات من تلك التي نسمع عنها مثل «البطولة المطلقة» أو ترتيب الأسماء، أو كبرياء وعظمة النجوم، على رغم أنها تستحق كل كلمة وكل لقب من هذه الألقاب وبجدارة.

كانت تكفيها نجومية واحدة، نجومية التمثيل، أو نجومية الغناء، أو النجومية الأكبر التي اكتسبتها بمرور الوقت، نجوميتها في قلوب أهلها والمحيطين بها كإنسانة، لكن الأخيرة ما كان لتأخذ حجمها من التأثير من دون واحدة من النجوميّتين الأوليين، ما يؤكد أنها جمعت النجومية من جميع أطرافها لتكون في النهاية شادية الفريدة في كل شيء، أو «فتوش» بكل شقاوتها ودلعها وخفة دمها.

ابنة الحلمية الجديدة

ولدت «فتوش» أو فاطمة أحمد شاكر في 8 فبراير (شباط) عام1934 في منطقة متاخمة لحي السيدة زينب، بالقرب من بركة الفيل ومحكمة نور الظلام، وبجوار أحياء مصرية قديمة عدة كانت بمثابة مصنع لتاريخ طويل، مثل أحياء السيدة زينب والقلعة والحسين والأزهر وعابدين وشارع محمد علي وباب الخلق.. ويتوسّطها حي الحلمية الجديدة الذي شهد مولد شاديا.

تعود تسمية هذا الحي باسم «الحلمية» إلى الخديوي عباس باشا حلمي الذي شيّد «سرايا الحلمية» في نفس مكان بيت «إبراهيم بك» وبيت ابنه مرزوق، المقتول في مذبحة القَلْعَة عام 1811، وبيوت أخرى لأمراء سابقين، وشملت «سراي الحلمية» هذه المساحة كلها، وفي العام 1850 صدر تكليف من عباس باشا إلى علي باشا مبارك بتصميم ميدان وإسطبل و{عربخانة»، خاصة بعربات الخيل، و{قراقول»، قسم بوليس، وسجن ملحقين بهذا القصر، فاشترى أماكن عدة حتى امتدت مباني السراي وملحقاتها إلى قُبّة المظفر.

كانت حدائق هذه السراي، كما حددتها خريطة «غراند بك» التي رُسمت لمدينة القاهرة في العام 1874، تمتد حتى شارع محمد علي شمالاً، وحدائق سراي «دَرْب الجمّاميز» التي كانت على الخليج المصري وغرباً. كانت تحيط مبنى القصر حدائق من جهاته الثلاث، الشمالية والجنوبية والغربية، بالإضافة الى حديقة أخرى في وسطه.

كان مبنى القصر يقع شمال غرب قصر علي باشا مبارك وشمال قصر الأمير أحمد باشا طلعت، وقد آلت هذه السراي بعد وفاة عباس باشا حلمي الأول إلى حفيدته أمنية هانم بنت إلهامي باشا بن عباس باشا حلمي، وهي زوجة الخديوي توفيق ووالدة الخديوي عباس حلمي الثاني والتي كانت تعرف
بـ «أم المحسنين».

نُسبت المنطقة إلى عباس باشا حلمي بعد أن بنى فيها قصره وجعل أِمامه ميداناً عُرف «بميدان الحلمية» امتدّ إلى قُبّة المظفر. وفي 30 يناير (كانون الثاني) عام 1851 صدر قرار بتسمية تلك المنطقة باسم «الحلمية»، وفي أوائل القرن العشرين هُدمت سراي الحلمية وخطّطت حدائقها إلى شوارع وقطع وبيعت، فعُرف هذا التخطيط باسم «الحلمية الجديدة»، وكانت الحاشية الخديوية والمقرّبون من سرايا الخديوي أول من بادر بشراء هذه الأراضي وبناء البيوت عليها، ما بين فلل وقصور صغيرة.

كان مهندسو الري والزراعة آنذاك من صفوة المجتمع، لما لهم من أهمية كبرى للإشراف على ري الأراضي الزراعية، خصوصاً أراضي الخاصة الخديوية، ثم أراضي الخاصة الملكية، التي كانت تمتد بطول البلاد وعرضها، وكان يعد مِن المحظوظين مَن يكلَّف بالإشراف على تلك الأراضي، غير أن أكثر ما كان يعيبهم هو عدم الاستقرار في مكان واحد طوال الوقت، فكان يتم تنقلهم من مديرية إلى أخرى، ومن قرية إلى أخرى، تارةً في الشمال، وطوراً في أقاصي الصعيد، وأحياناً أخرى في الغرب أو الشرق. ويعود ذلك إلى براعة المهندس وقدراته ومكانته.

«الباش مهندس»

كان والد شادية المهندس أحمد كمال الدين شاكر، أو كما كان يُطلق عليه «الباش مهندس» أحد هؤلاء المهمّين من مهندسي الزراعة والري، بل وإن جاز التعبير أحد «المحظوظين» بالإشراف على أراضي الخاصة الملكية، حيث كان عمله آنذاك، أي في بدايات القرن العشرين، يستدعي وجوده في قلب العاصمة المصرية القاهرة، وعلى بعد خطوات من قصر عابدين وفي بيت «الحلمية الجديدة» شعرت الأم بجنين يتحرّك في أحشائها، وعلى غير عادة ذلك الوقت تمنت أن يكون مولودها الجديد بنتاً وليس ذكراً، على رغم أنه كان للزوجين أولاد آخرون: بنتان هما سعاد وعفاف، وصبيان هما طاهر ومحمد:

- أنا عارفة إنك ما بتحبش البنات... بس لو ربنا إدانا بنت هتزعل؟

- إنت فاهمة غلط، مين قال إني ما بحبش البنات؟ وبعدين اللي أنا بعمله مع سعاد وعفاف مش كره. ده حزم وحب زيادة. لأن البنت لازم تتربى كويس... وكمان أنا معنديش فرق بين ولد وبنت... الكل لازم يتربى.

- بس تعرف يا باشمهندس أنا حاسة إنها هتكون بنت إن شاء الله.

- بنت ولد كل اللى يجيبه ربنا جميل. المهم إنهم يتربوا كويس وكمان تقومي إنت بالسلامة.

- طب لو ولد هتسميه إيه؟

يصمت المهندس كمال ثم ينظر إلى زوجته:

- كل سنة وإنت طيبة. كلها كام يوم ويهل المولد النبوى الشريف ومفيش أجمل من اسمه وسيرته.

- بس إنت عندك محمد، ربنا يخليه، يبقى نسميه أحمد على اسمك.

ثم يبتسم ويقول:

- ولو بنت نسميها فاطمة.

تبتسم الأم وتنظر إلى سقف الحجرة:

- الله... اسم جميل، فاطمة، يعني فتوش بالتركي.

يضحك الأب:

- فتوش فتوش... بس من غير عرق تركي!

من فتوش إلى ريا

تذكّرت الفنانة شادية اسم «فتوش» عندما نادتها به الفنانة سهير البابلي مداعبة إياها أثناء إلقائها عليها تحية المساء في حجرتها بمسرح الفنانين المتّحدين وقبل لحظات من رفع الستار عن المسرحية الأولى والأخيرة في حياتها الفنية «ريا وسكينة» التي كانت مغامرة محسوبة كمغامرات عدة خاضتها عبر رحلتها الفنية الطويلة والتي كلّلت جميعها بالنجاح.

كانت شادية كعادتها أول من يصل إلى المسرح، تدخل حجرتها، تختلي بعض الوقت بنفسها، تستحضر الشخصية التي كانت مفاجأة للجميع بمن فيهم هي نفسها، عندما اختارها المخرج حسين كمال لتجسّد شخصية «ريا» أمام سهير البابلي في دور «سكينة»، هاتان الشخصيتان اللتان كانتا ولا تزالان الأشهر في عالم الجريمة خلال القرن العشرين، وربما الحادي والعشرين.

لم يكن المشهد من فيلم «عفريت مراتي» لشادية وصلاح ذو الفقار، يستغرق سوى دقائق معدودة، غير أنه كان الخيط الذي التقطه المخرج المتميز حسين كمال، وكان دافعه الى ترشيح ملكة الرومنسية المتوّجة شادية، في شخصية كانت ولا تزال مثالاً للشر والجريمة: زوجة مصابة بمرض «الفصام» ما إن تشاهد فيلماً سينمائياً حتى يبدأ عقلها الباطن في تقمّص الشخصية التي شاهدتها، وكان أحد الأفلام التي شاهدتها على شاشة دار العرض المقابلة لمنزل الزوجية، «ريا وسكينة» للمخرج الكبير صلاح أبو سيف، وما إن خرجت حتى بدأ عقلها الباطن يعمل على دور «ريا» تحديداً، شقيقة «سكينة». جسّدت شاديا الشخصية بشكل كوميدي لافت، ربما في وقت لم يتعد الخمس دقائق على الشاشة.

لهذا السبب ولقوة حضورها وخفة ظلها، وشقاوتها التي تتناسب كثيراً مع المسرح، الذي حُرم من وقوفها على خشبته إلا مرة واحدة، ولتميزها كممثلة تخطف الأبصار ولأسباب أخرى عدة، اختار حسين كمال شاديا لتكون «ريا» أمام ملكة المسرح سهير البابلي في دور «سكينة»، مع القدير عبد المنعم مدبولي في دور «حسب الله» زوج «ريا» والفنان حمدي أحمد في دور «عبد العال» زوج «سكينة»، غير أنها كانت خائفة ومتردّدة:

- إيه... مسرح ودلوقتي... إنت بتقول إيه يا حسين وإزاي؟

- أنا المسؤول... ولا إنت خلاص مابقتيش توثقي في حسين كمال؟

- إنت عارف يا حسين أنا ثقتي فيك ملهاش حدود وعارفة قدراتك كمخرج... بس أنا عمري ما وقفت على المسرح طول تاريخي إلا للغنا... تيجي دلوقتي وتقول لي أمثل للمسرح... لأ وإيه ريا وسكينة كوميدي... إزاي بس؟

- ياحبيبتي مش هتخسري حاجة. هبعتلك الفصل الأول اللى خلصه بهجت قمر. إقرئيه ولو عجبك ملكيش دعوة بالباقي، أنا المسؤول.

- القراءة مش مشكلة، لكن مش معناها إني موافقة إلا لما أشوف بقية المسرحية بعدها أفكر.

- سيبي التفكير عليا. أنا براهن بتاريخي ومستقبلي كمخرج على المسرحية دي.

- خلينا نشوف ياحسين وربنا يعمل ما فيه الخير.
الموضوع الأصلى : شادية قمرا ّ لن يغيب  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: هدى


عدل سابقا من قبل هدى في الأربعاء 11 أبريل 2012 - 23:06 عدل 3 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com
هدى
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 35667
تاريخ التسجيل : 06/12/2007
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: شادية قمرا ّ لن يغيب   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 21:41


شادية... قمرٌ لا يغيب (2)


مرعوبة من المرض والوحدة وتفكّر في الاعتزال

لم تكن شادية تتصوّر أنها ستقف يوماً على خشبة المسرح، كممثلة وليس كمطربة، وأمام من؟ أمام عملاقَي المسرح عبد المنعم مدبولي وسهير البابلي. لم تستطع مقاومة النص الذي كتبه بهجت قمر، كذلك لم تستطع مواجهة إلحاح حسين كمال ووعده لها بنجاح غير مسبوق، فلم يكن أمامها سوى الموافقة أمام حصار كمال وقمر ومعهما المنتج سمير خفاجي والبابلي ومدبولي.

بهذه التوليفة غير المسبوقة نجحت مسرحية {ريا وسكينة} نجاحاً غير مسبوق، لكن شادية أصابها الرعب بعد الأيام الأولى من عرض المسرحية، بسبب ضعف الإقبال عليها، الأمر الذي أوقعها في حيرة شديدة لمعرفة السبب وراء ذلك، فضمانات النجاح كافة متوافرة: نص متماسك وجيد جداً يقدّم رؤية مختلفة لرواية {ريا وسكينة} لم تبتعد عن السيناريو الذي كتبه للسينما الكاتب الكبير نجيب محفوظ، وإن كان يقدّم وجهة نظر تلتمس عذراً لإقدام {ريا وسكينة} على جرائمهما، فضلاً عن مخرج متميّز جداً، قدم أنجح الأعمال الاستعراضية في تاريخ السينما المصرية، ونجوم رفعوا اسم المسرح الكوميدي في مصر عالياً، وإنتاج متميّز قدّم أفضل الأعمال المسرحية للقطاع الخاص. إذاً، المعادلة كلّها متكاملة باستثناء أمر واحد هو وجود شادية، ما جعلها تشكّ في نفسها باعتبارها الجديدة الوحيدة على المسرح:

• يبقى العيب فيّ أنا. أنا الوحيدة الجديدة في الفرقة على المسرح. أنا قولت لك يا حسين بلاش أنا في المسرح!

• يا حبيبتي الكلام ده مش صحيح. المسرحية متكاملة وإنت بنفسك بتشوفي كمية الضحك كل يوم من الجمهور.

• قصدك الكام واحد اللي بيحضروا كل يوم. دول بتسميهم جمهور؟

• أنا موافقك يا حبيبتي. بس أنا بحثت لحد ما عرفت السبب.

• قول لي عليه الله يخليك.

• من الآخر، الناس مش مصدقة إن شادية بتعمل مسرح.

• يعني إيه... مش فاهمة؟

• يا حبيبتي محدش يعرف إن النجمة الكبيرة شادية بتشتغل مسرح، والجمهور اللى بتشوفيه كل يوم ده من الناس اللي بييجوا وبيقولوا لبعض ومن معارفنا وأصدقائنا.

• على كده لازم نشتغل بقى خمس سنين علشان الجمهور يعرف إن شادية بتعمل مسرح!

• مش صحيح... يا حبيبتي كلها أسبوع واحد بس وهتشوفي النتيجة.

• أزاي يعني؟ هاتجيب ساحر يسحرلك جمهور ويملا الصالة؟

• لا يا حبيبتي... إحنا اللي هنروح للساحر... وأنا خلاص اتفقت مع سمير خفاجي وهيحصل من الأسبوع اللي جاي.

• إيه الكلام ده؟ وهو إيه اللي هيحصل من الأسبوع اللي جاي أنا مش فاهمة حاجة من الألغاز اللي إنت بتقولها؟

• بصي يا ستي، أنا من بكره هييجي التليفزيون يصور إعلاناً عن المسرحية وهيتعرض بعد أسبوع في التليفزيون.

• فكرة مدهشة. كانت غايبة عننا إزاي دي؟!

• ده بالعافية لما سمير خفاجي وافق.

• بس أنا عارفة إن سمير مش بخيل وبيصرف على شغله!

• ده مش بخل. بس هو بيقول إنه عمره ما عمل إعلان في التليفزيون عن أي مسرحية للفرقة... لكن أنا فهمته إن الوضع هنا مختلف لأن الناس مش عارفة إن حبيبتي شادية بتمثل مسرح.

بعد الإعلان الأول للمسرحية في التلفزيون، تهافت الجمهور على مسرح الفنانين المتّحدين لمشاهدة شادية للمرة الأولى على خشبة المسرح، فحقّقت المسرحية إيرادات لم تتحقّق لفرقة سابقاً، ربما منذ المسرحية الأشهر {مدرسة المشاغبين}. نجحت {ريا وسكينة}على رغم أن مسرحية {شاهد ماشفش حاجة} للنجم عادل إمام كانت لا تزال تُعرض على المسرح. فلم يستطع الجميع بمن فيهم البابلي ومدبولي، إنكار أن سبب نجاح المسرحية الأول يعود الى وجود شادية، التي جعلت من المسرحية حالة تمثيلية استعراضية غنائية، غير مسبوقة، لدرجة أن الفرقة لم تكن تريد غلق أبواب المسرح حتى في يوم الإجازة الأسبوعية، بل وكانت تعلّق آمالاً كبيرة على الاستمرار لسنوات مقبلة عدة، الأمر الذي جعل أجر شادية يرتفع للمرة الأولى إلى 80 ألف جنيه في الشهر، وهذا رقم لم يسبقها إليه أحد آنذاك، وقد تحقّق بسبب إيرادات المسرحية العالية، ما جعل وجود شادية على الساحة الفنية يأخذ شكلاً جديداً في رحلتها الفنية، في بداية الثمانينيات من القرن العشرين، ...نذاك بدأت نجومية جيل شادية من النجوم تتراجع أما الأجيال الجديدة من الممثلين،إلا أن نجم شادية كان في صعود متواصل، لدرجة أنها تقاضت أعلى أجر في مصر والوطن العربي عن الفيلم الذي عرضه عليها المخرج أشرف فهمي {لا تسألني من أنا}،
قدّمت شادية الفيلم وتصدّر اسمها الأفيش، وأتى في ترتيب الأسماء بعدها عدد كبير من النجوم الشباب: يسرا، إلهام شاهين، فاروق الفيشاوي، هشام سليم، وغيرهم، بالإضافة إلى نجمة الزمن الجميل الفنانة الكبيرة مديحة يسري، لتكون المرة الأولى التي تؤدي فيها شادية دور {الأم}، أمّ لكل هذا العدد من النجوم والنجمات الشباب، الذين راحوا جميعاً ينادونها أيضاً خلف الكاميرا وبعيداً عن التصوير: {ماما شوشو}.

أضاء اسم شادية وصورتها أفيشات الفيلم والمسرحية في الوقت نفسه، ما جعلها تعيش حالة من النشوة والانتصار. لكن بقدر ما أسعدها هذا النجاح الذي وضعها في مكانة ونجومية خاصّتين، بقدر ما أثار في داخلها أحاسيس لم تكن تشعر بها سابقاً. لم تكن تلك أحاسيس الأمومة التي حرمها منها القدر، إذ كانت تعوّضها من خلال أولاد أشقائها، بل كانت أحاسيس خاصة بالفنانة والنجمة، أحاسيس تشعر بها للمرة الأولى عندما وقفت أمام الكاميرا لتجسّد دور الأم على شاشة السينما، ليس أماً لطفل كما كانت تفعل في كثير من أفلامها السابقة، بل أم لفنانين كبار في سن الشباب، الأمر الذي راح يدق في داخلها ناقوس الخطر، فما إن كانت تختلي بنفسها حتى يقفز ما يدور في عقلها إلى لسانها:

• النهارده جالي دور الأم وأنا بحتمي بنجومية كبيرة. لكن ممكن، لا ده أكيد بكره هيتعرض عليا دور {الأم}بس ساعاتها ممكن أكون من غير نجومية!

ظلّ هذا الهاجس في داخلها ولم تبح به لأحد، ظل يدور في عقلها ويضيق به صدرها، تخفيه خلف ملامح السعادة المرسومة على وجهها وفرحة النجاح التي تعيشها، حتى جاءت لحظة صفاء شعرت فيها أن الكلمات لم تغادرها على رغم أنها خرجت من فمها إلى أذن إحدى صديقاتها المقرّبات، إذ باحت بهذه الهواجس في حوار جريء أجرته معها الكاتبة حُسن شاه التي سألتها سؤالاً تقليدياً عابراً، ربما اعتادت غالبية الصحافيين توجيهه الى النجوم والنجمات في اللقاءات التي يجرونها معهم. غير أن حُسن شاه بعد أن سمعت الإجابة من شادية تمنت لو أنها لم تسألها هذا السؤال:

• كيف تفكّر شادية للمرحلة المقبلة؟

صمتت شادية قليلاً ثم ابتسمت وهي تتوقع رد فعل ما ستقوله على الكاتبة حُسن شاه:

• بفكر إني ماكونش موجودة في المرحلة اللي جاية!

• مش فاهمة تقصدي إيه هتسافري؟

• مش هتصدقي لو قولت لك بفكر في الاعتزال!!

سألتها حُسن شاه وهي تتوجس خيفةً من التالي على لسانها:

• طبعاً ده هزار؟

فهزّت شادية رأسها بابتسامة أظهرت من خلالها حزناً دفيناً وعينين تلمعان، ما أكد التصريح الذي قالته لحسن شاه التي لم تخفِ دهشتها:

• مش ممكن. كلام إيه ده؟ اعتزال وأنت في عز المجد ده كله. مسرحية مكسرة الدنيا وناجحة نجاح محصلش قبل كده. وفيلم محقق أكبر إيرادات وتقولي لي أعتزل... إزاي الكلام ده؟!

• أنا بقولك بفكر مش بعلن اعتزالي دلوقت.

• طالما بتفكري تبقى الفكرة واردة. يبقى ليه وإنت في عز مجدك؟!

• علشان أنا في عز مجدي بفكر في الاعتزال. مش عايزه استنى لحد ما تهجرني الأضواء بعد ما تبعد عني شوية بشوية... مش عايزه أقوم بدور الأمهات العجائز في الأفلام الفترة اللي جاية بعد ما اتعود الناس يشوفوني في دور البطلة الشابة... محبّش الناس تشوف التجاعيد في وشي، ويقارنوا بين صورة الشابة اللي عرفوها والعجوز اللي هيشوفوها بعد كده، عايزه الناس يفضلوا محتفظين بأجمل صورة ليا عندهم، علشان كده مش عايزه استنى لحد الأضواء هي اللي تبعد عني... عايزه أنا اللي أبعد عنها وأهجرها في الوقت المناسب قبل ما تهتز صورتي فى خيال الناس.

• بس ياشوشو إنت لسه في عز شبابك وجميلة وقادرة على العطاء سنوات كتيرة جاية... ده أنت لسه بتقولي ياهادي في المسرح. وأكيد لسه فيه أعمال جاية كتير وكمان نجاحات كتير.

• صدقيني أنا خايفة من بكره... خايفة جدا من الوحدة... خايفة ألاقي نفسي في يوم وليلة من غير قلب يعطف عليّ. ألاقي نفسي ست وحيدة بلا ابن أو ابنة. صدقيني صورة الست العجوز الوحيدة اللي من غير حد دايما بتطاردني وبتملاني رعب!

• أنا مش هكتب الكلام ده في الحوار. هعتبره دردشة وفضفضة بين اتنين أصدقاء.

انتهى اللقاء ونسيت حُسن شاه ما قالته شادية، أو اعتبرته كما قالت {فضفضة بين اتنين من الأصدقاء}، غير أن شادية لم تنسه، لكنها لم تخرجه لأي من المحيطين بها. كانت تؤمن بأنها مصدر سعادة للآخرين ولكل من حولها، فلا بد أن تظل هكذا طوال الوقت، كي لا تكون ولو للحظة مصدر شقاء أو قلق لأحدهم، خصوصا أولاد أشقائها وقبلهم ست الحبايب.

نجاح وألم

تجاهلت شادية أو حاولت تجاهل تلك الهواجس التي تدور بداخلها، وراحت تعيش النجاح، بل نشوة الانتصار على خشبة المسرح. نعم، فقد انتصرت على هذا الشبح الذي يرعب كبار النجوم، بمن فيهم النجوم الذين يصفونهم بأنهم {ولدوا على خشبة المسرح}، فكانت تصول وتجول كأنها واحدة منهم. على رغم ذلك لم تشأ أن تُشعر كلّ من حولها بأنها نجمة العرض، بل اعترفت بفضلهم في وقوفها على خشبة المسرح، سواء الفنانة سهير البابلي، أو عبد المنعم مدبولي، أو الفنان حمدي أحمد، قبل أن يُستبدل بالفنان الشاب أحمد بدير، الذي ساندته بقوة ولم تشعره بالفارق في حجم النجوم، وكان مثله مثل بقية نجوم العرض، عندما أصرت شادية على أن يشاركها الجميع في الأغاني التي تقدّمها في المسرحية على رغم إصرار المنتج سمير خفاجي على أن تغنّي بمفردها، وموافقة حسين كمال على ذلك:

• أيوه بس الناس لما تيجي مسرحية بتقوم ببطولتها شادية هيبقوا عايزين كمان يسمعوا المطربة شادية.

• الناس ممكن تسمع شادية في أي مكان بره المسرح ده: في الإذاعة في شريط كاسيت أو حتى في حفلة. لكن هنا أنا ممثلة مسرح.

• والمسرحية فيها أغاني مش هانخترعها مخصوص.

• طالما الأغاني مكتوبة للمسرحية مش لشادية يبقى كل أبطال المسرحية يشاركوا فيها.

• كل أبطال المسرحية! طب مدبولي ممكن أهو بيأدي حلو وممكن. لكن الباقين... إزاي؟!

• إزاي دي بقى اللي يقولها بليغ حمدي مش أنا!

غنت شادية وسهير البابلي، ومعهما عبد المنعم مدبولي وأحمد بدير، ومثّلت كما لم تمثل سابقاً، وأضحكت الجمهور من قلبها. فنجحت المسرحية وحققت إيرادات لم تتحقق للفرقة سابقاً، حتى أن المنتج سمير خفاجي، وفريق المسرحية كلّه، كان يمني نفسه بسنوات نجاح مقبلة، ولكن تأتي الرياح غالباً بما لا تشتهي السفن، وحدث ما لم يتوقّعه الجميع، بمن فيهم شادية نفسها، عندما اشتدت عليها الآلام التي كانت تداهمها منذ فترة وكانت تحاول إقناع نفسها بعدم الخوف أو إدخال الشك إلى قلبها، لدرجة أنها في ذلك اليوم لم تعد تستطيع إخفاء هذه الآلام عن زملائها في المسرح، وتحديداً سهير البابلي التي لم تكن تدخل إلى حجرتها في المسرح قبل أن تمر على شادية، التي كانت أول من يصل إلى المسرح يومياً:

• شوشو حبيبة قلبي. الله الجميل ماله؟

• أهلا يا سهير... تعالي.

• سهير... من غير دلع؟ أنا أتعودت على كلمة {سوسكا}بتخرج من بقك كأنها أغنية.

• أنا تعبانة قوي يا سهير.

بقلق وخوف ظاهر قالت سهير:

• إيه يا شادية فيه إيه مالك؟

• حاسة أني هموت من الألم والرعب.

• بعد الشر حاسة بأيه؟

وقد أشارت إلى صدرها:

• فيه سكاكين بتقطع هنا!

• إيه... بتقولي فين؟!

حاولت سهير البابلي أن تأخذ تفكير شادية في اتجاه آخر بعيداً عن أوهام المرض اللعين، ويبدو أن شادية كانت مهيأة لذلك، أو لنقل إنها كانت تتمنى ذلك بينها وبين نفسها، ما جعلها تستسلم لنفي البابلي. وساعدها في ذلك النجاح الذي كانت تحققه يوماً بعد يوم على خشبة المسرح، وكمية التصفيق التي كانت تستقبلها في الدخول والخروج. فعلى رغم الألم الذي كان يعتصر صدرها يومياً، إلا أن شادية كانت صاحبة أطول فترة من تصفيق الجمهور على خشبة المسرح كل ليلة. تضحك فتضج صالة العرض بالضحك، تتحدث فينتبه الجمهور ليستمع إلى همساتها، تغني فينصت الجميع بمن فيهم الزملاء الممثلون ليستمتعوا بالصوت الشجي، بل وبالأداء الراقي الصافي غير المفتعل، حتى ولو كانت شخصية القاتلة {ريا} تستدعي ذلك. لكنه لم يحدث، لأن صاحبة الشخصية أبعد ما تكون عن الافتعال.

كان الإحساس بالخوف لدى شادية يغلب على إحساسها بالألم. لعبت الهواجس برأسها، لم تشأ في البداية أن تزعج من حولها، غير أن معرفة كل المحيطين بشخصيتها بعيداً عن الكاميرات أو مواجهة الجمهور على المسرح، للغناء أو التمثيل، تجعلهم يتساءلون عند ملاحظة أي تغير ولو بسيط فيها.

آنذاك، لم تكن شادية تستطيع السيطرة على الألم ولا على الرعب من المجهول الذي قد ينتظرها خلف هذا الصدر الذي لم يعرف يوماً حقداً أو غلاً أو سوءاً لأحد، وما إن شعرت بها سهير البابلي وقد تغيّرت ملامح وجهها البريئة وأصبح الحزن يكسوها حتى راحت تطمئنها وتهدّئ من روعها:

• يا حبيبتي ممكن يكون برد. ده مش ممكن ده أكيد برد.

• البرد مش كده يا سهير. دي مش أول مرة. وبعدين البرد مش ممكن يستمر الفترة دي كلها... أنا حاسة بيه من فترة طويلة وبكدب نفسي. وبيني وبينك خايفة. لا خايفة ده إيه أنا مرعوبة من فكرة إني أروح لدكتور ويقوللي عندك...

وضعت البابلي يدها على فم شادية لتسكتها:

• إخص عليكي. أوعي تنطقيها. إن شاء الله خير وربنا مش ممكن يتخلى عنك أبدا. بس علشان تطمني لازم دكتور يشوفك.

أدمعت عينا شادية فأخذتها البابلي في أحضانها. لم تشعر شادية بمثل هذا الإحساس سابقاً، لم تكن خائفة على نجومية أو مجد، لم تكن تخشى الموت، غير أنها كانت تشعر طوال الوقت أنها موجودة لأجل آخرين، هؤلاء الآخرون الذين تعيش من أجلهم ولهم، تنجح لهم، وتبحث عن السعادة لإسعادهم، وغيابها قد يكون له عظيم الأثر على حياتهم.

كانت تلك هواجسها، وكان ذلك خوفها بل وتردّدها في أن تعرض نفسها على أحد الأطباء خوفاً من أن يخرج لها {العفريت} الذي تخشى منه، أن يصارحها الطبيب بأن شكوكها صحيحة. وفي الوقت نفسه، كانت تخشى إذا ما تأخرت في ذلك أن يكون الوقت قد فات!

حيرة وقلق ودموع كانت تختلط يومياً بالنجاح والفرح والابتسامات. مزيج من المشاعر الإنسانية لم تمر بها شادية سابقاً، فترة من أصعب فترات حياتها، ربما كان اختباراً، اختبار صعب، بل هو الأصعب في حياتها كلّها وقد يكون علامة فارقة فيها... ما مضى... وما قد يأتي.
الموضوع الأصلى : شادية قمرا ّ لن يغيب  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: هدى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com
هدى
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 35667
تاريخ التسجيل : 06/12/2007
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: شادية قمرا ّ لن يغيب   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 21:47


3 - شادية... قمر لا يغيب


اعتبرت المرض إنذاراً وقرّرت التفرّغ للعبادة

لم تكن الآلام التي تشعر بها شادية هي ما ينغّص عليها حياتها فحسب، بل اعتصرت قلبها آلام أشد وأقوى، فقد استعادت الذكرى الأليمة لوفاة والدها الذي أحبته كثيراً ووفاة طاهر الشقيق الأكبر والصديق والسند... ففقدت عندما اختطفه القدر كل معنى جميل في حياتها، ولم يعوّضها غيابه عنها سوى ابنه خالد، الذي كان الأقرب إلى قلبها وعقلها... كان كل دنياها، ولم تكن تسمح له بمفارقتها إلا في لحظات المرض، لأنها لم ترد أن يراها تتألم.

كانت شادية تختفي وراء صورة البنت الشقية المرحة والمطربة الرقيقة وفتاة أحلام الجميع، ولم يرَ الحقيقة التي في داخلها سواها، إذ كانت تخفيها حتى عن أقرب المقربين إليها... وهي المرأة الصابرة والأم المعذبة والفنانة القلقة الخائفة دوماً على فنها وتألقها وحبّ الجمهور لها، غير أنها، على رغم ذلك كلّه، لم تدع الإنسانة في داخلها تتوه وسط هذا الزحام، ما دفع والدتها، التي لم تنسَ لحظة شادية الإنسانة، إلى أن تلحّ عليها في الزواج والإنجاب والاستقرار على غرار أي فتاة من الطبقة المتوسطة، التي لم تغفل شادية أبداً، على رغم الشهرة والمال، أنها تنتمي إليها، غير أنها كانت تؤمن بأن كل شيء بقضاء.

- كل دي أوهام وقلق... والحلّ الوحيد أنا وإنت عارفينه كويس... بس إنت اللي دماغك ناشف، جواكي عرق تركي... طالعة لباباكي الله يرحمه.

تضحك شادية:

• إنت ناسية يا ماما إن بابا مصري... والعرق التركي ده أنا ورثاه منك إنتي؟

- مفيش فايدة فيكي... اسمعي كلامي... أحسن حاجة لك الجواز.

• تااااااني يا ماما... كفاية كلام في الموضوع ده... أنا خلاص جربت حظي تلات مرات كفاية كده... وبعدين أنا خلاص ما بفكرش في الموضوع نهائي.

- إنت بتتكلمي وكإنك كبرتي... فيه بنات في سنك لسه متجوزوش...

ضاحكة:

• يا خديجة هانم..!! بنات وفي سني أنا؟

- أيوه... ولا أنت خلاص كبرتي يا فتوش.

• الله... فتوش... بقالي كتير مسمعتهاش منك... بحب قوي الاسم ده.

أدركت الأم أن اشتياق شادية الى اسم فتوش مجرد هروب لتغيير الموضوع، فلم تلتفت الى ما قالته وتابعت بإصرار:

• بصراحة أنا نفسي أشيل إبن ليكي قبل ما أموت.

- بعد الشر عنك يا ست الكل... وبعدين بقى إنت نسيتي إني عندي بدل الابن طابور ولاد... ولاد إخواتي أكتر من ولادي... وعمري ما كنت هاتمنى أولاد أجمل ولا أحسن من كده... ربنا يخليهم.

رحلة المرض

كان كلام سهير البابلي مع شادية مطمئناً إلى حدّ ما، غير أن ما لم يطمئنها هو الألم نفسه الذي كان يزداد يوماً بعد يوم، كذلك حجم الورم في صدرها، وعلى رغم حرصها على عدم إظهار ذلك للمقربين منها، تحديداً والدتها، إلا أنها لم تعد تستطيع إخفاءه، بعدما داهمتها الآلام في أوقات متقاربة، فضلاً عن المجهود الكبير الذي تبذله يوماً على خشبة المسرح، ما جعلها دائمة الشكوى من التعب والإرهاق. في أحد الأيام وبعد انتهاء عرض مسرحية «ريا وسكينة» عادت إلى المنزل وهي تتقطع من الألم في صدرها، فألقت بنفسها في أحضان أمها وبكت كما لم تبكِ سابقاً.

حاولت الأم تهدئتها وإزالة الهواجس التي لعبت برأسها:

- أعوذ بالله ليه يا بنتي بتقولي كده... أعوذ بالله... أعوذ بالله.

• مش أنا اللي بقول يا ماما... الألم اللي هيموتني.

- ألف مليون بعد الشر... أوعي تقولي كده... إحنا مش لازم نستنى... هاتي التلفون... لازم نحجز حالا عند أكبر دكتور في مصر... لا أكبر دكتور في العالم.

• إهدي بس يا ماما متنزعجيش كده.

- إزاي هو أنا عندي أغلى منك... وبعدين إنت اللي بتهديني.

• ما إحنا لازم ندرس الموضوع كويس ويكون في الكتمان... مش عايزة الصحافة تاخد خبر... وإلا هيعملوها حكاية وحدوتة... وإنت فاهمة كويس اللي ممكن يتقال... وده ممكن يؤثر على المسرحية.

- صحتك أهم من الدنيا كلها

في ذلك اليوم اتخذت شادية قرارها بالذهاب إلى الطبيب وإجراء فحص شامل يطمئنها على صحتها، غير أن الهواجس كبرت وانتابها خوف شديد وتردد بمجرد أن وطأت قدماها أحد المستشفيات المتخصصة في طبّ وجراحة الأورام لإجراء فحوص وتحاليل:

- لا... لا... أنا مش عايز نجمتنا الكبيرة تقلق خالص... الحمد لله دي حاجة بسيطة قوي.

• إزاي يا دكتور... ده الكلام اللي حضرتك قولته دلوقتي زود قلقي وخوفي... إنت عارف يعني إيه الكلام ده؟!

- عارف... وبالعكس بقى... دي إجراءات طبيعية بنتبعها مع كل المرضى... لكن كمان عارف إن العظيمة شادية مش أي مريضة.

- يا دكتور المرض مفهوش عظيم وفقير... المرض هو المرض.

• أنا موافق... بس الأشعة والفحوصات دي للاطمئنان مش أكتر.

بين الخوف والرجاء خضعت شادية للفحوص والأشعة والتحاليل في المستشفى حتى اكتشف الأطباء حقيقة الأمر... وجود «كيس دهني» في الصدر.

• خير يا دكتور... أنا خلاص هموت من القلق... مش من المرض.

- يا هانم عايزك تطمني خالص... الحمد لله ده مجرد «كيس دهني» وبجراحة بسيطه كل شيء هينتهي.

• جراحة!!

اقتنعت شادية بأنه لا مفرّ من هذه الجراحة، بعدما أجمع فريق من أطباء جراحة الأورام على ضرورة إجرائها وبشكل عاجل لاستئصال «الكيس الدهني»، خشية أن يكون ثمة شيء آخر، وفي هذه الحالة كل دقيقة تمرّ لها ثمنها، غير أنهم من ناحية أخرى طمأنوها بأنها جراحة بسيطة ولن تستغرق وقتاً طويلا وستتعافى بعدها تماماً وينتهي كل ألم.

كانت شادية حريصة على ألا تتحدث مع أحد من زملائها الفنانين أو من كبار الصحافيين، الذين لم تنقطع اتصالاتهم بها ليلا أو نهاراً منذ بداية رحلتها الفنية وربطتها بهم علاقة صداقة وليس علاقة فنان بصحافي، خشية أن يسرَّب خبر الجراحة إلى الصحافة وينتشر، ما قد يثير قلق جمهورها ويؤثر عليها نفسياً ومعنوياً، وإن كانت «الأنف الصحفية» بدأت تشتمّ رائحة خبر ما، لم تتبين كنهه بعد.

في يوم إجراء الجراحة، أدت شادية صلاة الفجر وتلاوة القرآن الكريم، ورفضت تلقّي الاتصالات الهاتفية حتى من المقربين منها، الذين لم يكفوا عن الدعاء لها طوال الوقت لتخرج من الجراحة بسلام وتعود إليهم وإلى جمهورها أفضل مما كانت.

خضعت شادية للجراحة التي مرت ساعاتها ثقيلة صعبة على الأم والمقربين، ولم تكن شادية بما يحدث لها، لكن السماء كانت معها وكانت الكلمة الأولى التي نطقت بها عقب إفاقتها من التخدير:

• الحمد لله... أنا لسه عايشة.

- ربنا كريم يا بنتي... كان رحيم بيكي وبينا.

• لو فضلت أشكر ربنا كل دقيقة لحدّ ما أموت مش كفاية.

أثناء وجودها في المستشفى لاحظت شادية أن زملاءها الذين زاروها للاطمئنان عليها لم يتمكنوا من كتم مشاعرهم تجاهها، فكانت الدموع هي القاسم المشترك في هذه الزيارات التي لم تنقطع ليل نهار، لدرجة أن الأطباء لاحظوا ذلك وقرروا منع الزيارة عنها حتى تتماثل إلى الشفاء:

• شادية هانم... مش هينفع... البكاء ده مش كويس.

• أنا بخير يا دكتور... أنا بس صعبان عليّا نفسي.

• والله إنتي زي الفلّ... ولو فيه أي مشكلة أنا أول واحد هيقولك.

على رغم طمأنة الطبيب لها، إلا أن دموع الأصدقاء والزملاء، وحتى المقربين، كانت باعثاً على القلق مجدداً، حتى بدأت حالتها تستقرّ، ثم أُخذت عينة من الورم، وأُرسلت إلى المختبر لفحصها وتحليلها، وخلال هذه الفترة لم تذق شادية طعماً للراحة أو النوم، حتى جاءت البشرى:

- إيه أخبار نجمتنا الجميلة النهارده؟

• الحمد لله... لكن مش عارفة ليه يا دكتور حاسة إن دي النهاية.

- دي هواجس ملهاش أي لازمة... وبعدين أنا عندي ليكي خبر هيخليكي تقومي دلوقتي تتنططي ويمكن تغني هنا كمان...

• خير يا دكتور؟

- خير يا ست الكل... الحمد لله نتيجة المختبر بتقول إن العينة ممتازة وإن الورم حميد مش خبيث.

• بجد يا دكتور... أنا مش مصدقة... الحمد لله الحمد لله... أشكرك يارب... مش عارفه أقولك إيه يا دكتور... أكافأك إزاي؟

- تكافئيني إنك تخفّي بسرعة وتسيبي السرير... ولو إننا هنتحرم من وجودك معانا... لكن المهم إنك تخرجي وتنوري الدنيا كلها زي ما كنتي طول عمرك.

على رغم نجاح الجراحة ونتيجة العيّنة الإيجابية، إلا أن نظرات المحيطين بشادية وزوارها كانت مصدر قلق دائم بالنسبة إليها، كانت تقرأ في أعينهم ما لم تنطق به ألسنتهم، ما جعلها تفاتح شقيقتها سعاد بالأمر:

• قولي لي ياسعاد أنتو مخبيين عني حاجة قالها لكم الدكتور؟

- أبداً يا شوشو والله... مفيش أي حاجة... الحمد لله العملية نجحت ونتيجة العينة إيجابية... ليه بتقولي كده.

• مش عارفة... حاسه إنكم مخبيين عني حاجة... نظراتكم... ونظرات كل واحد بييجي يزرني... الدموع اللي دايما شايفاها في عينيكم... لأ... فيه حاجة.

- والله العظيم أبداً... إنت بخير يا حبيبتي... عموماً ياستي إنت خلاص... كلها يومين وهتخرجي من المستشفى.

• مش هي دى المشكلة.

• أمال فين المشكلة... إيه بس اللي تاعبك؟

• المشكلة إني حاسة أن الدكاترة مخبيين عليا الحقيقة... مفيش حدّ بيظهر عنده الورم ده وبيكون حميد...

بعد الشر... ليه بتقولي كده... وبعدين هما مصلحتهم إيه يخبوا عليكي... عموماً يا ستي من بكرة نحجز على أول طيارة طالعة أميركا... هناك فيه أكبر مركز في العالم لتشخيص الحالات دي... نكلم عفاف تحجز لنا في المركز الأميركي ده... وأهو نشوف عفاف وكلنا نطمن.

أنا كنت بفكر في كده بس...

• بس إيه؟ فيه إيه؟

فيه حاجة مخوفاني...

- خير

• الصحافة مش هتسكت... لو شمت خبر الموضوع هتبقى حكاية.

- ومين بس هيبلغ الصحافة... كل الحكاية إنك حسيتي بشوية إرهاق من شغلك في المسرح... دخلتي مستشفى هنا في مصر عملتي شوية تحاليل... الحمد لله اطمنتي والدكاترة طلبوا منك إنك تريحي نفسك شوية... ففكرتي تسافري أميركا عند أختك عفاف تستجمي... بس خلاص...

ابتسمت شادية من تبسيط سعاد للموضوع وكأنها تعرف ما سيحدث:

• بالبساطة دي!!

خرجت شادية من المستشفى، وكانت قد أنهت ترتيبات سفرها إلى أميركا لعرض نفسها على المركز المتخصّص بالسرطان، وفي خضمّ استعدادها للسفر حدث ما كانت تخشاه... فقد تسرب الموضوع إلى الصحافة، وفوجئت بنشر أخبار تؤكد إصابتها بسرطان الثدي، وأنها أدخلت إلى غرفة العناية المركزة في مصر، وستسافر إلى أميركا لإجراء جراحة دقيقة هناك!!

أحزن هذا الكلام شادية، وبدلاً من أن تنفي الإشاعة امتنعت عن الرد على الهاتف، ما أكد الإشاعة... فكانت الأيام التي سبقت سفرها إلى أميركا عصيبة وقاسية عليها، سواء من ناحية الإشاعة وما يقال عن حقيقة مرضها، أو انتظارها المجهول، لا سيما أنها لا تعرف ماذا ستكون النتيجة، فازداد خوفها بشكل أكبر مما كان قبل الجراحة، وفيما حاول المحيطون بها تهدئة روعها وطمأنتها فوجئت بنفسها أنها أكثر تماسكاً وصبراً ولم تكن تعرف مصدر هذا الصبر وهذه الشجاعة، كل ما قالته لأفراد أسرتها وهي تودعهم:

• أنا حاسة إن ده إنذار من السماء... والرسالة وصلت.

رحلة أميركا

سافرت شادية إلى أميركا وهي بين الخوف والرجاء، تبتسم لكل من حولها والخوف يمزّق قلبها، ولم تشأ أن تذهب إلى أي مكان قبل أن تطمئن، فاتجهت من المطار إلى المركز الطبي مباشرة، حيث أجرت فحصين متتاليين بناء على رغبتها وزيادةً في الاطمئنان، وظهرت نتيجة الفحصين لتؤكد النتيجة السابقة في مصر:

•... لا يوجد خلايا سرطانية.

هنا التقطت شادية أنفاسها، استقرت حالتها النفسية والصحية وبدأت تعود إلى طبيعتها... شيء ما في داخلها يؤرقها، شيء ما ينقصها... حولها الأهل والمحبون، أمها وشقيقتاها سعاد وعفاف، ومن ليس معها في أميركا يتواصل معها عبر الهاتف، تحديداً ابن شقيقها خالد طاهر الذي لم يكن يفارقها، فماذا ينقصها؟

سؤال ظل يلحّ على شادية بينها وبين نفسها، فعلى رغم أنها عادت إلى سيرتها الأولى إلا أنها لم تعد تشعر بالاطمئنان... لم تعد السكينة تسيطر عليها... أحسّت بأن هذه الرحلة القصيرة، منذ دخولها المستشفى في القاهرة إلى أن وصلت إلى مركز الأورام في أميركا، هي نقطة تحوّل جذرية في حياتها، وأن أمراً ما يلحّ عليها، ثمة صوت في داخلها يريد أن يصطحبها إلى رحلة أخرى، لا تعرف شيئاً عنها، لكنها قريبة جداً منها وثمة يد حانية تمتد لتأخذها، وتنتابها راحة غير عادية في الاستسلام لهذه اليد.

فجأة وجدت شادية نفسها تفاتح شقيقتها برغبتها في تحقيق أمر يلحّ عليها... أمر يسيطر على كل تفكيرها ولم تستطع الوقوف في وجهه:

• فيه حاجة كنت عاوزة أفاتحك فيها علشان أعرف رأيك.

- خير يا شوشو ياحبيبتي... قولي.

صمتت شادية وشردت بعينها بعيداً... وطال صمتها وطال شرودها... حتى اضطرت عفاف إلى أن تنبهها:

• هووووه... شوشو رحتي فين... حاجة إيه اللي كنتي عاوزة تاخدي رأيي فيها؟

- إيه... هه... آه... كنت بفكر... بفكر يعني لو أنا... اعتزلت واتفرغت للعبادة في اللي فاضل من عمري!!

ظنّت شادية أنها ألقت قنبلة في وجه شقيقتها، لذا لم تلتفت إليها، ولما طال صمت عفاف ولم تحدث ردة الفعل التي كانت شادية تتوقعها، بدأت تستدير بوجهها شيئاً فشيئاً تجاه سعاد لترى ملامح وجهها. ألم تسمع جيداً ما قالته شادية أو تنتبه إليه؟ وهيأت نفسها لتعيد على مسامعها ما قالته ثانيةً، غير أنها قبل أن تنطق جاء الرد من عفاف:

- فكرتي كويس في القرار ده؟

• متهيألي...!

- يعني إيه متهيألك... إما فكرتي أو لسه بتفكري... مش ممكن شادية العقل والحكمة تكون بتتكلم عن قرار لسه مش عارفة مصيره جواها.

• مش كده بالظبط... أنا بس مش عارفة ممكن تكون ردة فعل القرار ده إيه على الكل؟

- مين الكل ده يا شوشو... المهم إنتي تكوني مقتنعة جواكي بالخطوة دي.

• بصراحة... أنا... أنا حاسة إني مش مخيّرة... حاسة إن فيه شيء جوايا بيدفعني للاتجاه ده... وإن اللي حصل معايا والمرض والعملية كانوا مجرد إنذار... رسالة ولازم أفهم الرسالة.

• يا حبيبتي أنتي خايفة من إيه؟ إنتي في عزّ مجدك ونجوميتك وقدامك الطريق مفتوح.

• كلام جميل قوي... بس كل ده ممكن ينتهي في لحظة... وساعتها هندم اني اتأخرت في القرار.

• بصراحة الكلام ده له علاقة بالمرض وخوفك من اللي حصل.

- ممكن يكون إنذار... لكن الغريب إني لما بفكر في الموضوع ده بحس براحة غريبة قوي وعمر الخوف ما جه على بالي.

صمتت عفاف ونظرت إلى شادية وهي تبتسم:

• إيه بتبتسمي ليه؟...

- تعرفي عاوزة أقولك على مفاجأة يمكن متصدقينيش فيها.

• سعاد... إنت أختي يعني أقرب الناس ليّا... يعني مش مضطرة تكدبي عليَّا.

- لا مش قصدي... أنا كنت هقول حاجة خاصة بيا أنا.

• قولي يا حبيبتي... قولي.

- تصدقي إني كنت بفكر في نفس الموضوع.

ضاحكة:

• تعتزلي إنت كمان ما إنت عملتيها من زمان وسبتي كل حاجة وبعدتي؟!!

- لا مش قصدي الاعتزال... لكن كنت بفكر إني ألبس بقى الحجاب وأتفرغ للعبادة أنا كمان!
الموضوع الأصلى : شادية قمرا ّ لن يغيب  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: هدى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com
هدى
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 35667
تاريخ التسجيل : 06/12/2007
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: شادية قمرا ّ لن يغيب   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 21:57

شادية... قمر لا يغيب (4)


دلوعة السينما العربيّة لن تتنازل عن القمّة

لم يكن حواراً عابرا ذاك الذي دار بين شادية وشقيقتها، خلال رحلة الاطمئنان والاستجمام، حول الاعتزال والتفرغ للعبادة، فإذا كانت عفاف تفكّر في الموضوع بشكل جدي، ظناً منها أن أمام شادية وقتاً طويلاً لتنفّذ هذا القرار الذي يعدّ الأهم لأي فنان عبر تاريخه، خصوصاً إذا كان هذا الفنان نجماً، فما بالنا إذا كان أحد النجوم أصحاب التاريخ الطويل، مثل شادية... فلا بد من أن يكون هو الأخطر بل الأصعب عليها.

هكذا كان ظنّ شقيقتها، لذا لم تشأ أن تتحدث ثانيةً مع شادية في هذا الموضوع، كذلك لم تتحدث به مع غيرها، خشية أن يكون ما قالته شادية ردة فعل طبيعية لها بعد الجراحة ومحنة المرض والخوف من المجهول، وقد تراجع شادية نفسها في الأمر فور عودتها من أميركا إلى حياة الأضواء والنجومية مرة أخرى.

لكن يبدو أن شادية حددت بداية طريق جديد لها، طريق يختلف عن كل ما فات، طريق قد يكون مرت عليه بشكل عابر في مراحل مختلفة من حياتها لكنها لم تتوقف عنده... حتى شعرت أنه يجذبها... لكن حتى الآن لم تتبين معالمه بعد.

فيما كانت شادية تجري فحوصات للاطمئنان على صحتها، وتستجمّ بعض الوقت في أميركا لاستعادة طبيعتها التي تبدلت بفعل المرض، كانت أصداء فيلمها الأخير {لا تسألني من أنا} تتردد بقوة، ويسأل الجمهور بإصرار متى تعاود المسرحية عروضها التي توقفت بسبب سفر شادية.

وقبل هذا وذاك كان الجمهور يريد الاطمئنان على صحة محبوبته، بعدما نشرت الصحف أخباراً متضاربة حول صحتها ومرضها، البعض يقول إنها تعاني من مرض خبيث في الصدر وآخر أنها استأصلت صدرها بالكامل في جراحة ناجحة، وفئة ثالثة تؤكد أن شيئاً من هذا لم يحدث وشادية بخير، كل ما هنالك إرهاق بسبب عملها في المسرح الذي لم تعتد عليه، فيما تجزم فئة رابعة أن شادية في بيتها في القاهرة ولم تغادره، وتقول فئة خامسة إنها موجودة في أحد مستشفيات القاهرة وتعاني مرضاً خطيراً.

في خضم هذه الإشاعات والأقوال المتضاربة، كانت إحدى الممثلات تخطط للحدّ من الصعود الذي لا ينتهي لشادية... علها تأخذ فرصتها في الصعود من دون منافس، وذلك بعدما أغاظها النجاح الكبير الذي حققته شادية في العامين الأخيرين، من خلال فيلم سجل نجاحاً ساحقاً ومسرحية قدمت للمرة الأولى المسرح الغنائي الاستعراضي بشكله الحقيقي الذي غاب طويلا، بل وحصول شادية على أعلى أجر سواء في المسرح أو السينما، فاتصلت بأحد الصحافيين المقرّبين منها وطلبت مقابلته في ستديو الأهرام بحجة حضور تصوير المشاهد الأخيرة في فيلمها الجديد:

• صباح الفلّ يا فنانة... أخبارك إيه... أنا في انتظارك من بدري على معادنا.

• أهلا صباح الخير... أرجوك سيبني شوية مش هقدر أتكلم في أي حاجة دلوقت!

• أيوه ده أنا هنا من بدري زي ما طلبتي علشان آخد منك كلاماً عن الفيلم الجديد ولا نسيتي.

قالت وهي تخلع نظاراتها الشمسية التي تغطي نصف وجهها تقريباً:

• إيه ده... إنتي باين عليكي معيّطة أو مش نايمة كويس... فيه حاجة ولا إيه؟!

• وأنا جاية في الطريق سمعت خبر وحش قوي صدمني وخلاني مش قادرة أتماسك ويمكن إلغي التصوير النهاردة.

• يا ساتر يارب... خبر إيه ده؟

• الفنانة الكبيرة شادية.

• مالها؟ تعبت تاني؟ دول بيقولوا إنها بقت كويسة وكان عندها شوية إرهاق وانتهى... حتى أنا سمعت إنها بتحضّر لفيلم جديد.

• يا ريت... أنا سمعت إنها... إنها... تعيش أنت!!

يهبّ الصحافي منتفضاً كمن قرصه عقرب:

• بتقولي إيه... يا نهار إسود ماتت؟!!

تجذبه من ذراعه لتعيده إلى الجلوس:

• بس... بس... أسكت... لو إنت مش صديقي وتعز عليَّا أنا ما كنتش قولتلك السبق الصحافي ده... أنا مش عاوزة شوشرة هنا في البلاتوه... وكمان ده مش في مصلحتك إنت... لأن لو حدّ عرف هنا في الأستديو ممكن يبلغوا أي صحافي تاني ويسبقك بالخبر في جريدته.

• أيوه بس دي كانت صحتها حلوة قوي في المسرح... وكمان كانت بتجهز لفيلم جديد... ماتت إزاي؟!

• ماتت زي الناس... زي ما كل الناس هتموت... الله يرحمها.

• إنتي متأكدة ولا حدّ ابن حرام مطلّع الإشاعة دي؟

• الموت ما فهوش هزار... وبعدين إنت عارف إنها حبيبتي إنت مش شايف وشي عامل إزاي من ساعة ما سمعت الخبر...

• لا حول ولا قوة إلا بالله... كانت فنانة عظيمة... وأخلصت لفنها لحد آخر يوم في حياتها.

• الله يرحمها المهمّ أنا ما قولتلكش حاجة... تخرج من هنا على الجريدة من غير ما تقول لحدّ... علشان تلحق تكتب الخبر.

• طب إنتي متعرفيش هي فين دلوقتي... قصدي ماتت فين... في بيتها ولا في المستشفى.

• اللي نقل لي الخبر قال إنها بعد العملية اللي شالت فيها صدرها حالتها ساءت ودخلوها العناية المركزة في مستشفى المقاولين العرب في مدينة نصر... وماتت وهي في العناية المركزة.

سرت الإشاعة سريان النار في الهشيم، انتشر الخبر وتناقلته الصحف المصرية والعربية، ووكالات الأنباء:

} بعد صراع مع المرض وجراحة فاشلة رحلت دلوعة السينما المصرية}

في ذلك الوقت كانت شادية تنعم بأيام من الراحة والاستجمام مع والدتها وشقيقتيها سعاد وعفاف في مدينة لوس أنجلوس في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وعلى رغم آلاف الكيلومترات التي تبعد بين شادية والإشاعة، إلا أنها شعرت بأمر غير طبيعي عندما كانت تتجول في المحلات في أميركا للتسوق وتقابل الأسر العربية التي أذهلها أن شادية ما زالت على قيد الحياة.

تضارب الأخبار

أحدثت الإشاعة ردة فعل قوية، وكانت بمثابة الخبر اليقين، لا سيما أن الأجواء مهدت لها بسبب تضارب الأخبار حول مرضها الذي سبق هذه الإشاعة بفترة قصيرة، لكن عندما تصل الإشاعة إلى حدّ الإعلان الرسمي في أجهزة الإعلام الرسمية للدولة، فلا بد من التأكد تماماً قبل بث خبر وفاتها، وهو ما فعله صفوت الشريف وزير الإعلام المصري عندما فاتحه رئيس التلفزيون المصري حسين عنان لمعرفة رأيه حول بث الخبر:

• يا فندم فيه خبر مهم.. مش عارفة نبثه ولاَّ ننتظر.

• خبر إيه.

• وكالات الأنباء بثت أن الفنانة شادية توفيت.

• إمتى الكلام ده؟

• من حوالى ساعة.

• طيب كلمتوا حدّ من أسرتها أو أي حدّ قريب منها؟

• معالي الوزير إحنا بنعمل اتصالات لحد دلوقتي وكل اللي بنكلمه يقول إنه سمع الخبر مننا ومش مصدق!!

• يبقى مش لازم تستعجلوا وتبثوا خبر زي ده ممكن يعمل بلبلة في الشارع ويطلع في الآخر إشاعة... لازم نتأكد من أسرتها مش من أي حدّ تاني.

• يا فندم إحنا بنتصل ببيتها محدش بيردّ... وعرفنا أنها كانت سافرت لأميركا.

• أيوه أختها عفاف في أميركا... كلموها أكيد تعرف حاجة.

في نفس اليوم 19 سبتمبر (ايلول) 1986، أجرى التلفزيون المصري لقاء مباشراً مع شادية عبر الهاتف من لوس انجلوس، وأمر وزير الإعلام صفوت الشريف بإذاعته على القناتين الأولى والثانية لتلفزيون مصر، وتكررت إذاعة هذا اللقاء مرات في نشرتي التاسعة على القناة الأولى وأحداث 24 ساعة على القناة الثانية، فصدرت الصحف المصرية والعربية في اليوم التالي تتصدر صورة شادية صفحاتها الأولى، مع نشر أجزاء من كلامها الذي أدلت به إلى التلفزيون المصري، لطمأنة جمهورها في مصر والدول العربية بأنها بخير، مؤكدة أنها لم تغضب من هذه الإشاعة لأنها تؤمن بأن الأعمار بيد الله، وليس من كبير على الموت، وقد عبرت عن هذا الإحساس أمام الأشخاص الذين استنكروا هذه الإشاعة السخيفة:

• الله يسامح اللي طلع الإشاعة... بس أنا مش زعلانة... بالعكس دي خلتني أحس قد إيه الناس بتحبني... والحمد لله دي نعمة كبيرة... لكن في النهاية ما فيش حدّ كبير على الموت، كلنا هنموت ومش هيفضل إلا العمل الطيب، والحكاية ملهاش علاقة بالمرض أو الصحة، لأن المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين، وبعدين هو فيه أفضل من إنو الواحد يقابل ربنا.. ثم أنا هكون أفضل من مين؟! كل الأنبياء ماتوا والرسول محمد عليه الصلاة والسلام مات، الملوك والرؤساء ماتوا وبيموتوا ولن يبقى إلا وجه ربك الكريم... هو بس الفراق اللي بيكون صعب... المهم الواحد يعمل علشان اليوم ده!!

نجومية جديدة

بعد هذه الواقعة بأسبوع تقريباً عادت شادية إلى القاهرة، لتقطع بعودتها كل ما تردّد أثناء غيابها، غير أنها فوجئت عند خروجها من مطار القاهرة بما لم تتوقعه، فقد نشرت الصحف خبر وصولها إلى مصر في ذلك اليوم، لتجد شادية في استقبالها جماهير غفيرة، تجمعت في تظاهرة حبّ لم ترَ لها مثيلا في كل النجاحات التي حققتها في حياتها سواء على مستوى التمثيل أو الغناء.

وصلت شادية إلى القاهرة في الأسبوع الأخير من سبتمبر، ودخلت في اليوم التالي الأستديو لعمل بروفات على مجموعة من الأغاني كانت تستعد لغنائها، تحديداً أغنيتي {ياحبيبتي يا مصر} و{مصر اليوم في عيد} وأغاني أخرى سبق أن غنتها في مثل هذه المناسبات، فلم يكن ثمة متسع من الوقت لاحتفالات ذكرى نصر أكتوبر في العام 1986.

غنت شادية في احتفالات أكتوبر، كما لم تغنِّ من قبل، أدهشت الجميع، كأنها كانت تريد أن ترسل رسالة إلى الجماهير والنقاد والفنانين، بأنها ستظل شادية، متألقة وفي القمة.

بدا للجميع كأن شادية تبدأ رحلة جديدة من النجومية والتألق، عكس ما توقع البعض، وأدركوا أنها ربما دخلت مرحلة جديدة مختلفة ومتألقة، اختفى الأسى والشجن من وجهها، عادت مشرقة تماماً وبدت كمن عثر أخيرا على السعادة بعد افتقادها، وعقب الحفلة كتبت الصحافة كأنها تكتشفها من جديد... وأشادت المقالات بأدائها.

كتبت نعم الباز في الأخبار:

• وعادت شادية إلى حلاوتها الأولى، وشقاوتها الأولى، وطعامتها الأولى.

كذلك كتب الموسيقار مدحت عاصم مقالا يوضح فيه كيف ولماذا ظهرت شادية هكذا مؤكدا:

• شادية تكتب شهادة ميلاد نجومية جديدة.. فقد أصبحت {صوت مصر}.

كان الناقد صلاح درويش، قد هاجمها بقسوة في جريدة {الجمهورية} بعد فيلمها {وادي الذكريات} الذي قدمته في العام 1981 مع المخرج هنري بركات، غير أنه في هذا اليوم كتب كأنه يبدي ندمه على سوء ظنه بها مؤكدا أن:

• هذه هي شادية التي نعرفها... لن تتنازل عن القمة.

كتب الجميع عما شاهدوه، وشهدوا لشادية في تلك الليلة، ولم يستطع البعيد قبل القريب، العدو ـ على شاكلة صاحبتنا مطلقة الإشاعة ـ قبل الصديق، إخفاء دهشتهم مما رأوه من تألق ونجومية في هذه الليلة.

خد بإيدي

عاشت شادية نشوة نجاح جديد، إلا أنه لم ينسها ما تفكر فيه ولم يجعلها تتجاهل الإحساس الذي تعيشه، ولم يغرها بالعودة إلى المسرح، كما لم تفكر في السينما على رغم أن ثمة مشروع فيلم كانت اتفقت عليه مسبقاً مع الكاتبة سكينة فؤاد مقتبساً من روايتها {ترويض الرجل}.

كانت شادية معجبة بالرواية وبطلتها {نورا} التي وصفتها بأنها {شهرزاد الجديدة}، التي تأسر الرجل بعقلها وقلبها وتنجح في ترويضه أو تحويل الأشواك أو الأفكار التي تملأ قلبه وعقله ضد المرأة إلى أرض خصبة تصلح لإقامة حياة جديدة... هكذا كانت شادية تفكر... وهذا ما كانت تتمنى تقديمه في هذه المرحلة.

غير أن شادية أرجأت الحديث في أي أعمال أو تعاقدات جديدة، إلا تعاقد واحد فحسب، هو الغناء في {الليلة المحمدية الثانية} التي ستقيمها الإذاعة المصرية يوم الجمعة 14 نوفمبر (تشرين الثاني) بقيادة الإذاعي فهمي عمر، في ذكرى المولد النبوي الشريف.

كان استعداد شادية لهذه الحفلة مختلفاً عن أي استعداد سابق، كأنها ستغني للمرة الأولى في حياتها، حرصت على أن تقرأ أكثر من كلمات أغنية جديدة، حتى وجدت ما يجذبها في كلمات شعرت بأنها مختلفة عن كل ما سبق أن قرأته أو سمعته، كلمات كتبتها الشاعرة {علية الجعار} تقول:

جه حبيبي وخد بإيدي.

قلت له أمرك يا سيدي... أمرك ياسيدي

جه وعرفني طريقي وسكتي

وف هداه وف نوره مشيت خطوتي

وف حماه هلت بشاير فرحتي

والأمان فرد الجناح على دنيتي

قلت يا شموع الأمل حواليه قيدي

جه حبيبي وخد بإيدي.

قلت له أمرك يا سيدي...أمرك يا سيدي

لما جه سلمتله عقلي وقلبي

من حنانه ورحمته وعطفه علّيه

هو نعمة من السما

أرسلها ربي بالهدى

بالخير لكل الإنسانية

يوم ماجه حسيت بإن اليوم ده عيدي

جه حبيبي وخد بإيدي

قلت له أمرك يا سيدي.. أمرك يا سيدي

وآدي حالي وحال جميع المؤمنين

اللي آمنوا بالنبي الهادي الأمين

اللي جه رحمة لكل العالمين

يا نبينا يا ختام المرسلين

خد بإيدي...خد بإيدي...خد بإيدي

ما إن قرأت شادية كلمات الأغنية حتى سالت دموعها على خديها... وبادرت الشاعرة علية الجعار:

• عليه الصلاة والسلام... الله... مش ممكن!! حاسة إن دي الكلمات اللي عايزة أقولها دلوقتي... حاسة كإنك دخلتي جوايا وكتبتي كلمات كانت تايهة جوايا... وإنتي قدرتي تخرجيها...

• دي شهادة جميلة أعتز بيها.

• أنا مش بجاملك... ولا ده إحساس مطربة معجبة بكلمات أغنية... لا... الموضوع بعيد عن شادية المطربة... أنا حاسة إن الكلام ده عايزة أصرخ بيه بأعلى صوتي لحدّ الدنيا كلها ما تسمعه منيّ.

• جميل جدا ًإن إحساسك بالكلام يكون بالشكل ده.

• علية... إنتي مش فاهماني... طبعاً أكيد الكلام كأغنية جميل... بس أنا مش قصدي إن الموضوع مجرد أغنية... الموضوع أكبر من كده خالص بالنسبة ليّ.

قالت هذه الكلمات وراحت الدموع تسيل مجدداً على خديها:

• مالك يا أستاذة خير... في الأول كنت فاكرة إنك متأثرة بكلمات الأغنية... لكن واضح إن فيه حاجة تانية.

• لا أبداً... مفيش حاجة... إلا قوليلي إحنا ليه ما بنشتغلش مع بعض.

• أبداً ما كانش فيه مناسبة... ولما جت المناسبة أهوه اشتغلنا...

• لا... أنا عاوزة نشتغل مع بعض كتير... يا ريت لو عندك كلام تاني في السكة دى أشوفه.

• فيه طبعاً.. بس ربنا يسهل وتطلع الأغنية دي ونشوف غيرها.

• أكيد يا علية... لأن إحساسك عالي قوي في الأغاني الدينية... والكلام خارج من قلب عمران مش مجرد حبر على ورق أو كلمات حلوة... لا ده شيء مختلف خالص.

شيء ما غريب شعرت به شادية منذ قرأت هذه الكلمات، فكلما قرأتها على الورقة، أو غنتها مع الملحن الشاب عبد المنعم البارودي خلال البروفات سالت دموعها... في كل مرة... كأنها تقرأها أو تسمعها للمرة الأولى، لدرجة أنها كانت تثير دهشة كل من حولها.

استمرت شادية على هذه الحال حتى ليلة ذكرى المولد النبوي الشريف، التي صادفت يوم الجمعة 14 نوفمبر 1986، بدأت الاستعداد مبكراً صباح يوم الجمعة، أدت الصلاة، ودعت أن تصادفها في هذا اليوم ساعة الإجابة التي قال عنها سيد المرسلين:

{إن في يوم الجمعة ساعة إجابة... ادعوا الله أن تصادفوها}.

كان مقرراً أن ترتدي شادية فستان سهرة مفتوحاً وله نصف كمّ، أحضرته معها من أميركا لأول حفلة ستظهر فيها بعد عودتها، وهيأت نفسها لذلك، غير أنها في هذا اليوم بدلته بفستان أبيض محتشم حتى الرقبة، وكمّ طويل، ارتدته كأنها تستعدّ لرحلة ستقترب فيها من أمر عظيم، فشعر كل من رآها في ذلك اليوم بأنها أقرب إلى الحالة {الملائكية}... بالتأكيد لم يرَ أحد منا الملائكة... غير أن الناس اعتادوا أن يطلقوا هذا التشبيه على من يشعّ النور من وجوههم، على من تطلّ الشفافية منهم... هكذا بدت شادية في ليلة عرسها وهي تستعدّ لمناجاة الحبيب.
الموضوع الأصلى : شادية قمرا ّ لن يغيب  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: هدى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com
هدى
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 35667
تاريخ التسجيل : 06/12/2007
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: شادية قمرا ّ لن يغيب   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 21:59


شادية... قمرٌ لا يغيب (5)


خد بإيدي... خد بإيدي... خد بإيدي

قبل الموعد وصلت شادية إلى مسرح الجمهورية وسط القاهرة، كانت رائحة البخور تنطلق في حجرتها ـ كما أوصت بذلك ـ فأضفت أجواء روحانية اقتربت بها مما تسعى إليه...

جلست شادية بمفردها، رفضت أن يدخل أحد حجرتها قبل أن تصعد إلى خشبة المسرح، حتى أقرب المقربين، ربما رفضت أن تتكلم بكلام البشر وأن تظل في هذه الحالة حتى تبدأ المناجاة، فراحت تقرأ آيات من الذكر الحكيم حتى سمعت طرقاً على باب غرفتها:

• المسرح جاهز يا أستاذة .

بدأت الحفلة، ونقلتها الإذاعة والتلفزيون على الهواء مباشرة. جلس الحضور في المسرح بانتباه شديد، وانتظر جمهور الراديو والتلفزيون أن تطلّ عليه شادية بصوتها وشكلها الجديد الذي مهدت له الصحف منذ بدأت البروفات والأغاني الجديدة التي ستغنيها الليلة. الجمهور ينتظر {الدلوعة} التي ستشدو أغاني دينية.

صعدت شادية إلى خشبة المسرح، قابلها تصفيق غير عادي، وفي لحظة خاطفة ألقت بنظرها على الحضور، شعرت بدفء يشع من أعينهم لم تعتده، شعرت بأنهم يحتضنونها بأعينهم، وغنت {خد بإيدي}، فأجادت كما لم تجد سابقاً، وطالبها الجمهور بأن تعيد مرة بعد مرة حتى وصلت إلى خمس مرات، ولا يكفّ التصفيق حتى تصل إلى مقطع الأغنية الذي يقول:

وادي حالي وحال جميع المؤمنين..

اللي آمنوا بالنبي الهادي الآمين..

اللي جه رحمة لكل العالمين..

خد بإيدي...خد بإيدي... خد بإيدي}.

خرجت الكلمات تشق صدرها، لم تكن مجرد كلمات أغنية تتغنى بها بل مناجاة صادقة تسعى إلى أن تصادفها ساعة إجابة في هذا اليوم الكريم.

يطلب منها الجمهور الإعادة فتتوهج وتنفرج أساريرها، تطلّ الدموع من عينيها، تبدو خاشعة مبتهلة، تغنّي بكل حواسها، تناجي الرسول (صلى الله عليه وسلم): {خد بإيدي يا نبينا يا محمد يا خِتّام المرسلين}.

تنعكس مناجاة شادية على جمهورها، تسيل الدموع من أعينهم، يشاركونها لحظة التجلي كأنهم يعينونها على الدعاء، يبتهلون إلى الله من أجلها.

يبدو أن شادية صادفت ساعة الإجابة في هذا اليوم، الجمعة 14 نوفمبر 1986 الموافق 11 ربيع الأول 1407، ليلة ذكرى مولد الرسول (صلى الله عليه وسلم).

توفيق من الله

لم تكفّ الأيدي عن التصفيق، وقف الجمهور وكلما انحنت شادية لتحيّته زاد التصفيق، لم تستطع أن تمسك دموعها، رأى الجمهور دموعها فزاد تصفيقه حتى رفعت يدها في إشارة للكف عن التصفيق، ففهم الجمهور أن ثمة شيئاً تريد أن تقوله، بالفعل كانت المرة الأولى التي تتحدث فيها شادية إلى جمهورها بشكل مباشر من دون غناء، شعرت بأنها تريد أن تشركه معها فرحتها وأن تزفّ إليه البشرى، فقد كانت تخشى التجربة. كيف للدلوعة، التي ملأت الشاشة والميكرفون شقاوة وحباً، أن تغني أغاني دينية ويستمتع بها الجمهور إلى هذا الحدّ، بل ويستعيدها ويطرب لسماع كل كلمة تؤديها؟ مؤكد أنه توفيق من الله، لذا كان لا بد من أن تزفّ إليه البشرى، وتمهد له خبر طريقها الجديد، أشارت إليه فتوقف عن التصفيق:

• كل سنة وإنتم طيبين... أشكركم... أشكركم من كل قلبي... ما تعرفوش قد إيه أنا سعيدة... سعيدة بيكم... سعيدة إن ربنا وفقني والحمد لله في تقديم أغنية من اللون ده... وتنجح معاكم النجاح ده... علشان كده أنا بوعدكم بإذن الله أننا هيكون لنا لقاءات تانية جاية مع النوع ده من الأغاني... ويارب يديم عليكم الصحة والسعادة... وكل سنة وإنتم طيبين.

أنهت شادية كلماتها لجمهورها ودوى التصفيق مجدداً، وأغلقت الستارة، غير أنه لم يدر بخلد الإثنين معاً ـ شادية والجمهور ـ أنها ربما كانت كلمات وداع... لا كلمات وعد بلقاء جديد!

أفضل مطربة

ربما طربت شادية لكلمات الإعجاب والإشادة والتقدير، التي كتبتها الصحافة المصرية والعربية منذ حفل {الليلة المحمدية}، كلمات ارتفعت بها إلى عنان السماء، لتتجاوز قمة الهرم ومن كان يجلس عليها في ذلك الوقت من مطربين ومطربات أو حتى ممثلين وممثلات، غير أن إعجابها بكل ما كتب لم يكن دافعاً قوياً لاستعجال الشاعرة علية الجعار لكتابة الأغنية التالية، فكلما أمسكت بسماعة الهاتف لتسأل عن أخبار الأغنية الجديدة، تركت السماعة من يدها وتراجعت، شيء ما كان يسكت هذا الصوت في داخلها.

في اليوم الأول من العام 1987، أعلنت الصحف المصرية فوز {خد بإيدي} بلقب أفضل أغنية للعام، وذلك في الاستفتاء الذي اعتادت إذاعة {الشرق الأوسط} من القاهرة أن تجريه سنوياً، غير أن هذا العام كان له طابع خاص ومميز، فلم يكن استفتاءً عادياً بين المستمعين للإذاعة، بل شمل نحو 700 شخصية عامة، بين سياسيين ومثقفين وفنانين ونجوم مجتمع وأساتذة جامعيين، أو من يقال عنهم الصفوة أو {كريمة المجتمع}...

أجمع كل هؤلاء على أن شادية هي الأفضل، وللمرة الأولى في استفتاء فني، يتم اختيار أغنية دينية لتكون هي الأجمل والأفضل بين ما قدم خلال العام المنقضي.

كذلك، أعلن عن فوز شادية بلقب أفضل مطربة لعام 1986 من خلال مسلسل {شيء من الحبّ} الذي قدمته في إذاعة الكويت، سيناريو بهجت قمر وإخراج وجدي الحكيم، وهو مأخوذ عن الفيلم العالمي {صوت الموسيقى}، ويتمحور حول إلهام التي تجد نفسها فجأة مسؤولة عن تربية خمسة أطفال والغناء لهم، وذلك نتيجة استفتاء أجرته إذاعة الكويت وقد فازت أغانيها في المسلسل أيضاً بأفضل أغان تربوية للأطفال. هكذا أضحت المطربة الأفضل، بشهادة الجمهور والنقاد والشخصيات العامة، عندما غنت أغاني عاطفية ورومنسية، وعندما غنت للطفل وعندما غنت أغاني دينية.

رحلة البداية

على رغم حالة الانتشاء التي يعيشها المقربون من شادية، ابن شقيقها وصديقها المقرب ومدير أعمالها خالد طاهر، الذي حلّ محل والده، وبقية الأخوة وأبناء أخوتها وقبلهم الأم، إلا أن قلب شادية وعقلها كانا مشغولين بأمر آخر، كان ردها الوحيد على كل ما يقال من كلمات ثناء أو مديح:

• الحمد لله... اللي حصل ده توفيق كبير من ربنا.

• فعلا... نجاح مش عادي.

• مكنتش متصورة أن الجمهور يتفاعل ويحب الأغاني الدينية بالشكل ده.

• بس إنت وعدتي الجمهور إنك هتقدمي النوع ده من الأغاني الفترة اللي جاية.

• إن شاء الله... وهو ده اللي ناويه أعمله.

• على كده هتغني في حفلة الربيع أغنية دينية برضه.

• إيه حفلة الربيع دي كمان؟

• حفلة الربيع شم النسيم... إحنا في مارس... يعني خلاص مفيش وقت.

• ياه... الأيام بتجري.

• فعلا... بقولك إيه أنا هشرب شاي تشربي معايا.

• لأ... أنا الحمد لله صايمة النهارده.

• صايمة... إيه ده إحنا فين ورمضان فين... لسه بدري... ده رمضان بعد شم النسيم بشهرين تقريباً.

• كل سنة وإنت طيب النهارده أول رجب.

كانت علية الجعار استعدت لأغنية دينية جديدة، وافقت عليها شادية وتحمست لها، وهو ما أدهش المقربين منها، باعتبار أن مناسبة شم النسيم تحتاج إلى أغنية عاطفية أو رومانسية، غير أن شادية اختارت الأغنية التي تناسب اتجاهها الجديد، كما وعدت جمهورها، وبدأت البروفات على اللحن الجديد بعدما اتفق خالد طاهر مع الإذاعة والتلفزيون على حفلة الربيع وعلى احتفال عيد تحرير سيناء بعد شم النسيم مباشرة.

كانت شادية هادئة أكثر من اللازم، على عكس عادتها في عملها حيث كانت تتفانى وتواصل الليل بالنهار وينتابها القلق إلى أن تخرج أي أغنية جديدة إلى النور. لأول مرة يغيب عنها القلق والاضطراب وتؤجل البروفة أكثر من مرة، وهو ما لم تفعله طيلة رحلتها الفنية، على رغم أن الكلمات كانت رائعة وتعبر عن معان دينية جميلة إلا أنها لم تتحمس لها كما تحمست للأغنية الأولى {خد بإيدي}.

ظلت كذلك حتى حدث ما لم يتوقعه الجميع، طلبت شادية المسؤولين في اتحاد الإذاعة والتلفزيون لتبلغهم اعتذارها الرسمي عن الغناء في الحفل!!

• مش ممكن يا أستاذة... إنت عارفه النهارده كام... ده فاضل أقل من 3 أسابيع على الحفلة.. إزاي بس دي هتبقى ورطة.

• طبعا أنا آسفة جداً وبعتذر لأني فعلا مش هقدر.

• طب يا فنانة لو المشكلة في الأجـ...

• أرجوك متكملش، إنت عارف إن الفلوس عمرها ما كانت مشكلة بالنسبة لي.

• طب إيه بس المشكلة يا أستاذة دي ورطة كبيرة وبعدين أقول إيه لسيادة الوزير؟ ده هو اللي مختار حضرتك بعد النجاح الكبير لك في الليلة المحمدية.

• ياسيدي متشلش هم، أنا ممكن أكلم سيادة الوزير الأستاذ صفوت الشريف وأعتذر له بنفسي وهو هيتفهم الموضوع.

• المشكلة مش في الاعتذار، المشكلة في الوقت... الوقت ضيق جدا.

• ولا مشكلة ولا حاجة، الساحة مليانة فنانين عظام وكلهم يتمنوا يغنوا في حفلة الربيع، لكن صدقني أنا عندي ظروف تمنعني من الحفل ده.

كانت شادية صادقة، ثمة دافع قوي حال دون الاستمرار في البروفات وحضور حفل الربيع، وقبل أن يسألها شاكر عن البديل الذي ستقدمه فاجأته وفاجأت الجميع بنيتها السفر إلى الأراضي المقدسة لأداء العمرة، كانت تريد أن تلحق بالأيام الأخيرة من شهر رجب لأداء العمرة.

على الرغم من دهشة الجميع من قرارها المفاجئ، إلا أن أحداً لم يعترض وباركوا رحلتها إلى الأراضي المقدسة.

ارتداء الحجاب

قبل السفر، وبينما كان أفراد الأسرة في انتظارها لاصطحابها إلى المطار، خرجت شادية من حجرتها وقد ارتدت الحجاب، ويكسو وجهها فرحة وبراءة الأطفال. ما أجملها بملابس الإحرام والحجاب، ظهرت كأنها ملكة متوّجة، يعلو الحجاب رأسها كأنه تاج يتلألأ.

سافرت شادية إلى الأراضي المقدسة لأداء العمرة... وما إن وقعت عيناها على بيت الله الحرام والكعبة المشرفة حتى شعرت بأنها انفصلت تماماً عن العالم، كأنها تقف بمفردها في هذا العالم، تنزل ضيفة على الله في بيته، فكان لا بد من أن تشعر بكرم المضيف، لم تعرف من أين تأتي كل هذه الدموع التي تسيل من عينيها، كأنها حرصت على أن يسيل منهما أكبر كمية من الدموع لتغتسل بها. نفضت عنها حمل السنين وراحت تناجي الله وتطلب الرحمة والمغفرة، تبكي وتدعو... ترجو وتبتهل.

كانت لحظات فاصلة في حياة شادية الإنسانة وفي بداية مشوارها الجديد في عالم الإيمان بعيداً عن بريق الشهرة الزائل وأضواء النجومية.

دعت وبكت ورجت، غير أنها لم تكن على يقين من أن الله استجاب، فكان لا بد من إشارة تطمئنها بأنها على الطريق الصحيح.

دعت الله أن يرسل إليها إشارة وما أسرع الإجابة، فقد رتب لها القدر لقاء بمحض الصدفة في أجواء نورانية. ما إن انتهت من مناسك العمرة، حتى اتجهت إلى الفندق الذي كانت تنزل فيه، وهو على بعد خطوات من الحرم المكي، دخلت غرفتها وارتاحت قليلا، غير أن الشوق غلبها، فاتجهت على الفور إلى الحرم، وقفت تنتظر وصول المصعد وعندما انفتح لم تصدق عينيها، كان في داخله فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي صودف وجوده في الأراضي المقدسة لأداء العمرة، وقت وجود شادية، وشاء القدر أن تلتقيه ليكتب أول سطر في حياتها الجديدة:

• عمي الشيخ الشعراوي.

• أهلا يا بنتي.

• أنا... أنا مش مصدقة نفسي... فضيلتك معايا هنا... قصدي أنا مع فضيلتك هنا في الحرم في العمرة.

• أهلا وسهلا... أهلا يا بنتي.

• يظهر إن حضرتك مش واخد بالك مني.

• إزيك يا شادية؟

• الله يسلمك ويبارك لنا فيك، أنا هنا بعمل عمرة، قصدي عملتها والحمد لله.

• عمرة مقبولة إن شاء الله.

• صحيح... يعني ممكن ربنا يقبل ويغفر لي.

• إن الله لا يغفر أن يشرك به... ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وربنا يحب التوابين وسمى نفسه تبارك وتعالى التواب، تواب على من يتوب.

• يا خسارة الأسانسير وصل... كنت أتمنى أنه يفضل مدة أطول... لأني كنت عاوزه أتكلم مع فضيلتك في حاجات كتير.

• كل شيء بأمر الله.

• ونعمى بالله... طب ممكن أشوف حضرتك تاني هنا؟

• أنا مسافر إن شاء الله بعد صلاة الفجر على مصر... مع صديقي أحمد أبو شقرة.

• بس أنا كنت محتاجة أتكلم مع حضرتك... في أمور تخصني كنت عاوزه آخد رأي فضيلتك فيها.

• نلتقي في مصر إن شاء الله.. السلام عليكم ورحمة الله.

• وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

ردت شادية السلام بلسانها، بينما عقلها وقلبها كانا يسبحان في عالم آخر... فقد وصلت الإشارة التي تمنتها من الله بقي أن تحسن استقبالها.

كان هذا اللقاء العابر الومضة التي أضاءت عقل شادية وثبتت قلبها على قرار كانت تنوي اتخاذه، الواضح أنها اقتنعت تماماً ولم يعد يربطها شيء بالماضي، وهو ما أكدته لدى استقبالها عاملين من التلفزيون السعودي قصدوها بهدف إجراء لقاء تلفزيوني معها:

• ست شادية الفنانة الكبيرة بنرحب فيك على أرض المملكة.

• أهلا وسهلا.. أهلا أهلا.

• ست شادية نحن بدنا نجري لقاء مع حضرتك للتلفزيون السعودي لو بتسمحيلنا.

• أنا بشكر مبادرتكم النبيلة دي... لكن اسمحولي اعتذر مش هينفع.

• ليش ست شادية.. هذا شرف كبير لنا.

• الشرف ليا أنا... لكن صدقوني مش هقدر.. وقبل ما تتكلموا في أي حاجة تانية... المسألة ملهاش علاقة بأي حاجة غير الأجواء اللي أنا فيها هنا.

• نحن بنقدر موقفك... لكن صدقينا جمهور المملكة يسعده أن يرى الفنانة العظيمة شادية على شاشته.

• وأنا كمان يسعدني ويشرفني ده... لكن أنا هنا مش شادية أنا هنا فاطمة أحمد شاكر... المواطنة المصرية المسلمة المعتمرة... وطول ما أنا هنا مش هقدر أكون غير كده... أهلا وسهلا بيكم.

بهذه الجملة البسيطة لخصت شادية الحالة التي باتت عليها، قررت أن تعود إلى فاطمة، أن تطوي الصفحات السابقة التي تمتلئ بالتمثيل والغناء والشقاوة والدلع... أن تلتزم بما يحافظ على طريقها الجديد، أن يكون صوتها حكراً على الكلمات الدينية... حب الله، ورسوله (صلى الله عليه وسلم).

وقبل أن يحدث ما يدفعها إلى التراجع، اتصلت من المملكة السعودية بالشاعرة علية الجعار وطلبت منها أن تكتب لها كلمات أغنية جديدة تحث المسلمين على الاتحاد ونبذ الفرقة، على أن تكون جاهزة فور عودتها إلى مصر.

قلق وطمأنينة

عادت شادية إلى مصر، وعلى رغم حالة الراحة والطمأنينة التي كانت عليها في الأراضي المقدسة، انتابتها حالة من القلق {اللذيذ} قلق ترتاح له، قلق غير مدمر، تعرف أنه يقودها إلى طريق مختلف تملؤه الراحة والطمأنينة، ينقصها اليقين فحسب، وخطر ببالها أن تقطع الشك باليقين، أن تفي بوعدها مع نفسها بلقاء فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي كما طلبت منه أثناء العمرة، فقررت أن تذهب للقائه.

سألت عن بيته وعرفت أنه يسكن في حي الحسين، بجوار مقام الحسين بن علي (رضي الله عنهما). بعد صلاة الظهر، وضعت الإيشارب على رأسها في شكل أقرب إلى الحجاب، واستقلّت سيارتها، واتجهت على الفور إلى بيت الشيخ الشعراوي، فوجدت حارساً يقف في مدخل بيته، لم يصدق الرجل وابتسم لها، غير أنه اعتذر بأدب شديد لعدم وجود موعد لمقابلة الشيخ:

• أنا أسف يا فندم... بس حضرتك ست العارفين... فضيلته منظم مواعيد مقابلاته.. ولو حصل خلل في ميعاد ممكن يأثر على بقية المواعيد... وأنا يعني... ممكن أخد لحضرتك ميعاد من الشيخ عبد الرحيم هو اللي بينظم مواعيده.

• أنا عارفة.. بس أنا ليّ طلب صغير عندك..

• تحت أمرك اتفضلي.

• أستأذنك بس إنك تديله خبر... تقوله شادية عاوزه تقابلك خمس دقايق... ومش هاخد من وقته أكتر من كده.

• حاضر... لحظة واحدة.

انتظرت شادية دقائق لمعرفة رد فضيلة الشيخ، غير أن هذه الدقائق كانت علامة فارقة في تاريخ حياة شادية... الفنانة والإنسانة.
الموضوع الأصلى : شادية قمرا ّ لن يغيب  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: هدى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com
هدى
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 35667
تاريخ التسجيل : 06/12/2007
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: شادية قمرا ّ لن يغيب   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 22:00


شادية... قمر لا يغيب (6)


أول درس موسيقى... تقليد زقزقة العصافير

شادية التي أسعدت الملايين بفنّها، لم تعد سعيدة بحياة الفن، باتت نفسها تهفو إلى الراحة، فقد حقّقت المجد والشهرة والثراء، لكنها كانت تبحث عن راحة القلب، عن الطمأنينة، عن لحظات تخلد فيها إلى نفسها تحاسبها قبل أن تتجه إلى الله، كانت تهفو الى أن تسير في الشارع بحرية، أن تتصرف مثلما يتصرف الناس العاديون في حياتهم، أن تكون المواطنة البسيطة العادية مثل بقية البشر.

دفع هذا كلّه شادية الى اختزال حياتها الفنية بكاملها بجملة بسيطة، لكنها تحمل كل ما تريد قوله:

• لم أجنِ طيلة حياتي سوى الشك والريبة... وآن الأوان لأن أبحث عن الحقيقة.

مجرّد دقائق كانت هي الفترة التي مرت بين طلبها لقاء الشيخ محمد متولي الشعراوي، وبين تلبيته، شعرت شادية بأن هذه الدقائق فاصلة في حياتها المقبلة، ماذا تحمل لها الأيام، ماذا يخبئ لها القدر، وكيف وصلت إلى هنا، إلى الشيخ الشعراوي.

رحلة طويلة بين البداية وصولاً إلى هذه المحطة... غير أن شادية أرادت، قبل أن تستقبل حياة جديدة كإنسانة وكفنانة، أن تستعرض أمام عينيها شريط الذكريات الطويل الذي مرّ بسرعة خاطفة، حتى وصل بها إلى هذا المكان الذي قد تحسم فيه شادية أموراً كثيرة في حياتها الجديدة...

طفولة كلاسيكية

كان اسم «فتوش» كنوع من التدليل الزائد لشادية، فهي كانت الطفلة الأخيرة بين خمسة أشقاء للمهندس الزراعي المصري أحمد كمال الدين شاكر، والسيدة خديجة ذي الأصول التركية، والتي تحمل بداخلها عادات وتقاليد شرقية مصرية مسلمة، في احترام الزوج وتربية الأولاد، ومعرفة العيب والحرام، وحب الخير وكراهية الشر، والحفاظ على الأصول والعادات والتقاليد.

وعلى بعد خطوات من قصر عابدين، شهد بيت «الحلمية الجديدة» مولد فاطمة أو «فتوش» التي بدأت في سنوات طفولتها الأولى تلفت إليها الأهل والأقارب، ببعض من ملكات خاصة تعبّر عن خفة الدم والمرح والشقاوة، وفوق ذلك كلّه ذهن حاضر ولباقة في الكلام لطفلة لم تتعدَّ الأربع سنوات من عمرها، ولأنها كانت «آخر العنقود»، فقد كانت محط اهتمام الصغير قبل الكبير، الأبوين، والخالات والعمات، بل وأخوتها، وتحديداً الأخ الأكبر طاهر الذي على رغم فارق السن الكبير بينهما، باعتباره هو الأكبر وهي الأصغر، إلا أنه كان الأقرب إليها، إذ كان يؤدي معها دور الأب الحنون والمتسامح والعطوف، ليس لأن الأب الأصلي لم يكن يتمتع بهذه الصفات، بل لأنه لا بد من أن يكون حازماً شديداً في تعامله، لضمان حسن التربية والانضباط والحفاظ على العادات والتقاليد.

نشأت «فتوش» في بيت يُطلق عليه «بيت العائلة»، إذ كان يلتقي فيه الكبير والصغير، القريب والبعيد، على رغم أنه كان كالعادة بيتاً مؤقتاً، كون الأسرة اعتادت على التنقّل مع الأب وفقاً للمكان الذي يباشر فيه عمله كمهندس زراعي في الخاصة الملكية. وكانت الأسرة تترقب اليوم الذي يخبرهم فيه رب الأسرة بالمكان الجديد الذي سينتقل إليه كل أفراد الأسرة، وهذا ما حدث في ذلك اليوم عندما عاد من عمله وعلى وجهه علامات الضيق، فهو لم يستمر طويلاً في الحلمية، كأن القدر كان قد اختار له محطة الحلمية لتكون مكان ميلاد «فتوش» فحسب.

وفي الموعد المحدّد قبيل الغداء، وصل الأب وجلس لتناول الغداء وسط العائلة، وقبل أن يضع لقمة في فمه قال:

- بعد الأكل تجهزوا نفسكم...

• خير إن شاء الله... معزومين بره النهارده ولا إيه؟

- لا... هتجهزوا الشنط علشان هنسافر بكره الشرقية.

• ليه هو فيه إيه... إيه اللي حصل؟

- مفيش حاجة حصلت... بس اتنقلت أنشاص.

• نقل تاني؟

- خديجة!! أنت نسيتي طبيعة شغلي ولا إيه؟

• أيوه بس مش دايماً حضرتك بتروح الأول تهيأ لنا المكان اللي هنعيش فيه وبعدها تبعت تاخدنا؟

- هننزل في الاستراحة هناك... لحد ما يجهزوا البيت اللي هنسكن فيه.

• هو إحنا لحقنا نقعد في الحلمية... حتى لسه فيه جيران معرفوناش.

- المصلحة فوق كل اعتبار...

وهنا تجرأت الصغيرة فتوش وقالت:

• هو أنا ممكن آخد عروستي معايا؟

ثم تجرأت عفاف وتكلمت بعدها:

• إزاي بس يابابا... هناك مفيش مسارح ولا أي؟

فقاطعها الوالد بحزم:

• بنت!! مش عاوز كلام، كملوا أكلكم..، وكل واحد يجهز حاجاته.

كانت كلمات الوالد حاسمة بحيث أغلق الباب على الجميع ورفض أن يفتح باباً للحوار حول هذا الموضوع.

فتوش بنت الريف

على رغم معارضة الجميع الذهاب إلى أنشاص، حتى ولو بينهم وبين أنفسهم من دون الإفصاح عن ذلك، إلا أنهم سرعان ما اندمجوا في الأجواء الجديدة، خصوصاً أنها كانت تشجّع على ذلك: العيش بين خضرة الريف والأجواء الصحية، والهواء النظيف والأماكن المفتوحة المتسعة والمساحات الخضراء بعيداً عن زحام المدينة وضجيجها، ويبدو أن الصغيرة فتوش قد اعتادت المكان بسرعة كبيرة، وكان أكثر ما يسعدها أن تستيقظ مع بزوغ أول ضوء على صوت العصافير ومرحها وهي تتنقل من غصن إلى غصن، فكانت تجري خلفها من شجرة الى أخرى محاولة تقليدها. كذلك، هوت إجادة الإنصات إلى الأصوات التي كانت تنبعث من «الفونوغراف» الذي تلتف حوله الأسرة بعد المغرب وهم يتناولون الشاي، فتسمع من خلاله السيدة أم كلثوم، وصالح عبد الحي، وزكريا أحمد، ومحمد عبد الوهاب، والمطربة الصاعدة ليلى مراد، وغيرهم من مطربي تلك الأيام، غير أنها لم تكن تجرؤ على المجاهرة بذلك أمام الأسرة خوفاً من أن تواجه الموقف الذي واجهته، أختها الأكبر عفاف التي كانت تسعى الى الغناء والتمثيل، بعدما لاحظت الأسرة صوتها الجميل، غير أن الأب على رغم حبّه للطرب والموسيقى، لم يكن ليسمح لها بأن تحترف الغناء مقابل أجر.

في عام 1936 كانت فتوش قد بلغت السن الذي يخوّلها الالتحاق بالروضة، تمهيداً لالتحاقها لاحقاً بالمدرسة، إذ كان الوالد مؤمناً بأهمية تعليم الجميع، ولا يكن لديه فرق بين ولد أو بنت في هذا الموضوع تحديداً، لذا كان لا بد من تأهيل فاطمة لدخول المدرسة بتعلّم القراءة والكتابة وحفظ ما تيسّر من القرآن الكريم، خصوصاً في ظل حرص الوالدين على مداومة كل أفراد الأسرة على الصلاة، فألحق الوالد فاطمة فوراً بروضة الأطفال.

اعتادت فتوش الذهاب إلى الروضة، غير أنها في الوقت نفسه كانت تداوم على المطالعة وحفظ القرآن الكريم، بل وبدأت تعتاد عادات وتقاليد ذلك المكان الذي كانت تطلق عليه «الجنة» من خلال تلك المواصفات التي سمعتها عن جنة الله من الشيخ «منصور» الذي كان يحفّظها القرآن:

• يعني إيه جنة يا سيدنا؟

- الجنة... المكان اللي كل المؤمنين هيعيشوا فيه في الدار الآخرة.

• يعني بيت حلو هنعيش فيه

- بيت!! الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت... ولا يخطر على قلب بشر.

• يعني إيه ياسيدنا... فيها إيه وشكلها إيه؟

- إنت يابنت إنت غلاباوية ليه... أنا هريّحك... إنت عارفه الجناين والبساتين اللي قدامك دي... أهي الجنة هتكون زي كده... وكمان هيكون فيها بيت جميل نعيش فيه وأكل وشرب وكل حاجة حلوة.

• الله... نفسي أروح الجنة وأعيش فيها على طول.

ومثلما رسخ في عقل فاطمة شكل الجنة لما تراه أمامها، امتلأ قلبها بصفاء الطبيعة وحبها، واكتسب صوتها نعومة خاصة من محاولة تقليد زقزقة العصافير، بل اكتسبت منها شقاوتها في التنقل من شجرة الى أخرى، لدرجة أنها في تلك السن المبكرة، اعتادت أن تتسلق أشجار حدائق أنشاص، محاولة تقليد حرية العصافير في التنقل والطيران، ولولا تدخّل القدر لسقطت صريعة من فوق إحداها قبل أن تنقذها الأسرة. بعد هذه الحادثة، كانت الأوامر قد صدرت بأن يعود الأب إلى القاهرة ثانيةً، وذلك وفقاً لمتطلّبات عمله.

الشبراوية

عادت العائلة الأب إلى القاهرة، لكن ليس إلى بيت الحلمية نفسه، إذ عثر الوالد بسهولة على مسكن جديد يقع بين أشهر أحياء القاهرة وأعرقها، وهو «شارع طوسون» الكائن بين حي روض الفرج من الجنوب، وحي شبرا من الشمال، وبجوار قصر وأراضي «طوسون باشا»، أحد أمراء الأسرة الحاكمة.

باستقرار الأسرة في ذلك الشارع، كانت فاطمة قد وصلت إلى سن القبول في المدرسة، فألحقها الأب فوراً بأقرب مدرسة للمسكن الجديد، ووقع الاختيار على «مدرسة شبرا للبنات».

لم يمضِ وقت طويل حتى أضحت فاطمة أحمد شاكر إحدى التلميذات المميزات في المدرسة، وأصبح لها عدد كبير من الزميلات، كلّهن يتنافسن في حب وصداقة هذه الصغيرة التي تتحدث بسرعة وخفة ظل، وتطل من عينيها شقاوة غير معتادة.

كانت عفاف، شقيقة فتوش، تمارس هوايتها في الغناء بصوتها الجميل، ولم يكن الوالد يمانع في ذلك، طالما لم يتعدّ حدود الأخلاق والآداب، وبعيداً عن الاحتراف، غير أنها استطاعت إقناع أحد المقربين إلى قلب والدها بأن يجعله يوافق على مضض أن تحترف ابنته عفاف الغناء والتمثيل، ولكن بشرط أن يلازمها ويرافقها في أوقات العمل، وإن لم يكن الأب فالأخ الأكبر طاهر.

وبالفعل التحقت عفاف وهي لم تكمل عامها الخامس عشر بفرقة رمسيس للفنان يوسف وهبي، ولم يكن يمر يوم من دون أن يثير هذا الأمر خلافاً كبيراً مع كل من في البيت، غير أن أكثرهم سعادة بما تفعله عفاف كانت الصغيرة فتوش، من دون أن تدري لماذا، إذ كانت تّطرب كثيراً لصوت عفاف وتلتقط منها كل كلمة تقولها، وترددها خلفها، غير أن ذلك كان يتم في الغرفة المغلقة بعيداً عن أعين الأب والأم، فيكفي ما تسبّبه عفاف من مشاكل بسبب الغناء.

المطربة الصغيرة

سرعان ما لفتت فاطمة أنظار زميلاتها في المدرسة، إذ كانت تدندن بين الحين والآخر جزء من إحدى أغنيات المطربة ليلى مراد، التي كانت تسمع عفاف تغني لها أحياناً بين الأهل والأقارب، أو في غرفتها، ما جعلهن يتحينّ الفرصة، ويطلبن منها الغناء، فتقدّمت فاطمة لتقف مكان «أبلة ليلى» في مقدّمة الفصل وفي مواجهة التلميذات، وقد تقمصت شخصية المطربة، كما تراها في شقيقتها عفاف وهي تسأل الأهل والأقارب عندما يطالبونها بالغناء:

• طيب تحبوا تسمعوا إيه؟

- قولي أي حاجة يا فطوم.

• اسمي فاطمة... أو فتوش.

- غني للمغنية ليلى مراد يا فتوش.

غنّت فاطمة أغنية «بتبصلي كده ليه» لليلى مراد، وهي تقف ثابتة لا تتحرك ولا تتمايل، ترفع يديها فحسب وتحرّكهما كعادة المطربين والمطربات.

في تلك اللحظة حضرت المدرّسة ليلى، وقبل أن تدخل الفصل سمعت صوتاً يرتفع بالغناء، وجميع التلميذات يجلسن في هدوء تام ينصتن باهتمام غير عادي. ثم فُتح الباب فجأة فقفزت فاطمة واندست بين صفوف التلميذات:

• مين اللي كان بيغني... أنا سمعت صوتها.

هتفت التلميذات في صوت واحد بنوع من الفخر والتباهي:

• فتوش يا أبلة... فتوش اللي كانت بتغني.

• فتوش!! تلميذة جديدة دي.

• لا يا أبلة... فاطمة أحمد شاكر اسمها فتوش.

• تعالي يا فاطمة... اخرجي هنا...

خرجت فاطمة من بين التلميذات وهي تكاد لا تظهر على الأرض، كأن الخوف قد حوّلها إلى قزم صغير.

• تعالي... إنت اسم الدلع بتاعك فتوش؟

هزت فاطمة رأسها من دون أن تنطق بكلمة واحدة.

• طب تقدري تقوللي يعني إيه فتوش؟

• فتوش هو فاطمة بس بالتركي.

• أنت تركية يا فاطمة.

• لا مصرية.

• طب تعرفي تقولي اللي كنت بتقوليه قبل ما أدخل الفصل؟

هزت فاطمة رأسها بالإيجاب فتركتها المدرسة مكانها وذهبت لتجلس بين صفوف التلميذات لتكون إحدى المستمعات. راحت فاطمة تعيد «بتبص لي كده ليه»، وما إن انتهت حتى صفّقت المدرّسة وأمسكت بيد فاطمة، ونظرت الى تلميذاتها قائلة:

• محدّش يتحرك من مكانه... أنا رايحة مع فاطمة مكتب الست الناظرة.

وهنا أسقط في يد فاطمة، تمنّت لو أنها لم تأتِ ذلك اليوم الى المدرسة، بل ولم تدخلها من الأساس، فهي الآن في طريقها إلى غرفة الرعب والخوف، تلك الغرفة التي تساق إليها التلميذات وكأنهن يسقن إلى غرفة الإعدام، ففي هذه الغرفة «عصى الطبلة»، العقاب الوحيد الذي لا تتمنى الفتيات الوصول إليه. فمؤكد أنه العقاب الذي ينتظر فاطمة في حجرة «الست الناظرة»، ما جعل قدميها تتسمران أمام الباب، فيما تحاول «أبلة ليلى» أن تدفعها لتدخل:

• أدخلي يا فاطمة... أدخلي متخافيش.

• مالها البنت دي عملت إيه؟

• دي اسمها فاطمة أحمد كمال الدين شاكر... وكنت عاوزه حضرتك تسمعي صوتها.

• صوتها؟! مش فاهمة.

نظرت «أبلة ليلى» إلى فاطمة التي كانت ترتعد خوفاً من الموقف وقالت:

• غني يا فاطمة... قولي اللي كنت بتقوليه في الفصل.

نظرت فاطمة بخوف واستعطاف إلى «الست الناظرة» لعلها ترحمها أو تعفو عنها، فابتسمت الناظرة وأومأت لها برأسها:

• غني يا فاطمة... سمّعيني صوتك.

مرت لحظات ثقيلة على قلب فاطمة ونفسها... وعلى رغم الإذن لها بالغناء بما يعني أنها لم تأتِ للعقاب، إلا أنها تمنت لو لم تقف هذا الموقف، الذي شعرت بأنه نوع آخر من الاختبارات التي تخضع لها في الفصل الدراسي... تلعثمت وارتبكت بين الخوف والخجل، ثم شدّت وانطلق صوتها لتنسى الموقف والحساب والعقاب، ولم تفق إلا على صوت تصفيق «أبلة ليلى» و{الست الناظرة»:

• برافو يا فاطمة... برافو.

• هايلة يا فتوش... صوتك رائع.

• من اليوم وطالع إنت اللي هتغني في كل حفلات المدرسة... إنت يا بنتي هيبقالك مستقبل كبير. ربنا يحميك ويحافظ عليك.

• إنت اكتشاف حقيقي يا فتوش.

• بس لازم تحافظي على نفسك وتكوني بنت شاطرة في الدراسة كمان.

هزت فاطمة رأسها بالإيجاب وهي تبتسم، وبدلاً من الضرب انهالت القبلات عليها. فكان هذا الامتحان أول شهادة لها بأنها مطربة ذات صوت بديع ورائع.

لكن بقي الأهم وهو أن تقتنع الأسرة بأن الصغيرة فتوش مغنية قادرة على الطرب، وهذا ما لا تعرف فاطمة كيف ستقوم به. فهي بحاجة إلى من يقوم بالدور الذي قامت به «أبلة ليلى» ولكن مع الأسرة.

القاهرة - ماهر زهدي
الموضوع الأصلى : شادية قمرا ّ لن يغيب  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: هدى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com
هدى
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 35667
تاريخ التسجيل : 06/12/2007
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: شادية قمرا ّ لن يغيب   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 22:10


شادية... قمر لا يغيب 7-


ببداية الطريق... الهروب من الجمهور

لم تعرف فاطمة في هذه السن المبكرة، لماذا أحبت الغناء، ولماذا فرحت بإعجاب زميلاتها في المدرسة أو إعجاب «أبلة ليلى» و«الست الناظرة»، لم تكن تفكّر في احتراف الغناء، إذ كانت تحب الدراسة والمدرسة، غير أنها كانت تشعر بسعادة لا تعرف سببها عندما يطلب منها المحيطون بها أن تغني شرط ألا تجهر بذلك، يكفي أن ترى القسوة التي يعامل بها والدها شقيقتها عفاف بسبب الغناء... على رغم ذلك، كان ثمة أمر يجذبها في هذا الاتجاه... لكن ما باليد حيلة!

كانت قسوة الوالد، على الفتيات تحديداً، هاجساً يثير رعب فاطمة طوال الوقت إذا اكتشف حبها للغناء، وكان يعتبر أن هذه القسوة من حُسن التربية، لذا كانت الرحمة المغلفة بالقسوة سمة الأسرة كلها تقريباً، للحفاظ على التقاليد والعادات وحسن التربية.

في إحدى المرات وبينما كانت فاطمة تروي لصديقتها واقعة عائلية حدثت قبل يوم بين والدتها وخالتها بأداء تمثيلي- بسبب حبها لتقليد كل ما تراه- دخلت عليها والدتها فجأة فغضبت من فاطمة لإفشائها أسراراً عائلية، وضربتها «علقة ساخنة» اختفت على أثرها فاطمة من البيت منذ الظهيرة حتى موعد العشاء، وطال البحث عنها إلى أن عثرت عليها شقيقتها سعاد تحت سرير غرفتها، فصالحتها والدتها بعدما لقنتها درساً مهماً في التربية:

• إنت عارفة أني بحبك قد إيه.

فبدا على وجه فاطمة الغضب، وهزت رأسها بالإيجاب من دون أن تنطق.

• لكن اللي عملته ده لمصلحتك... يمكن دلوقتي ماتفهمهوش... لكن بكره لما تكبري هتعرفي إن ما يصحش تخرجي أسرار بيتك لأي حد مهما كان قربه منك... ممكن تاخدي رأي الأصدقاء في مشكلة أو موضوع خاص بك... لكن أسرار الأسرة مش مسموح لك.

في هذا اليوم بالذات قرر الأب اصطحاب الأسرة، الأم والعمة والخالة والأولاد إلى أحد المنتزهات، حيث يغني المطرب التركي الشهير منير نور الدين، لتناول العشاء والاستماع إلى موسيقى وأغاني تركية تعشقها الأم وتربّت على سماعها.

كان نور الدين صديقاً مقرباً وحميماً للمهندس كمال شاكر والد فاطمة، فغنى وأمتع الجميع، وما أن انتهى حتى أغدق عليه الحضور كلمات الإعجاب والاستحسان، ومع أن الطفلة فاطمة كانت أكثر الحضور إعجاباً، إلا أنها لم تظهر ذلك لأن بالها كان مشغولا بأمر مُلحّ.

اقتربت فاطمة من عمتها من دون أن يلحظ الحضور ذلك وتحديداً الأب، همست في أذنها وعادت مسرعة إلى مكانها كأنها لم تفعل شيئا، غير أن العمة انفرجت أساريرها وضحكت وهي تحدث شقيقها كمال:

• عاوزين نسمع فتوش يا كمال.

- إيه!! مين؟ فتوش تسمعيها إزاي يعني...

• نسمع صوتها... تغني

- فتوش!! تغني... أهو ده اللي ناقص... مش كفاية الست عفاف

• هو أنا بقولك هتغني في تياترو... إحنا هنسمعها هنا بينا وبين بعض... ومفيش حد غريب.

رمق الأب فاطمة بنظرة فهمت معناها، غير أنها لم ترفع بصرها تجاهه كأنها مغلوبة على أمرها وكأن هذا الطلب هو للجمهور أو بالأصح العائلة، بعدما ضمّ الجميع صوتهم إلى صوت العمة، ليس عن اقتناع بجمال صوت «فتوش»، إنما اعتبروا ذلك فقرة مرح يضحكون خلالها على الطفلة وهي تحاول أن تغني... وتحت الإلحاح وافق مستنكراً:

• أنا معنديش مانع... بس هي بتعرف تغني؟

- إحنا مش هنخسر حاجة... خلينا نشوف.

بناء على طلب الجمهور الذي هو أفراد العائلة والضيوف وبعض الحضور، اتجهت فاطمة إلى المسرح بعدما تنحى المطرب التركي منير نور الدين جانباً ليفسح الطريق للمطربة، فاستقبلها الحضور بالضحكات وبعض التصفيق، لم يكن تصفيقاً بقدر ما هو ضرب الأكفّ ببعضها البعض دهشة وعجباً.

إنتصبت قامة فاطمة... و{تنحنحت» كعادة المطرب الكبير محمد عبد الوهاب، ثم غنت، وهي توجه بصرها تجاه والدها، أغنية للمطربة ليلى مراد:

• بتبصّ لي كده ليه... ما تقولي قصدك إيه... بتبص لي كده ليه... كده ليه.

لم يكتمل نصف «الكوبليه» الأول من الأغنية حتى ساد صمت مطبق في المكان كله، وتحولت نظرات السخرية والاستنكار إلى نظرت إعجاب ودهشة، أسر صوتها القلوب وسيطر على العقول... هذه الطفلة لها صوت ملائكي يملؤه الشجن، غير أنه معجون بشقاوة وبراءة.

ما أن انتهت من الغناء حتى دوّى المكان كله بتصفيق حار، وكان أول من اقترب منها المطرب التركي منير نور الدين، الذي لم يتمالك نفسه من فرط إعجابه وراح يقبلها وأمسك بيدها وتقدم بها نحو والدها الذي كان يصفق لها إعجاباً ودهشة:

• يا سيد كمال لا بد من أن تفخر بهذه الجوهرة الغالية... أنت تمتلك كنزا حقيقياً... أهنئك.

- أشكرك... بصراحة أنا ما كنتش متصور إن صوتها جميل بالشكل ده.

• ده مش صوت عادي... دي كروان... لا مش كروان ده صوت ملائكي... وبصراحة حرام!

ـ هو إيه اللي حرام؟

• حرام الجوهرة دي تدفن... ولا تلمع وتخرج للنور.

ـ مش فاهم قصدك يا سيد منير.

• أقصد إنها لازم تغني وتملا الدنيا غنا.

ـ ما تغني أنا مش مانعها... أهه.

• لا... لازم الناس كلها تسمعها... مش الأسرة والأقارب بس.

- فهمت قصدك... أهو ده اللي ناقص... مش كفاية أختها ومشاكلها بسبب الغنا والفن.

• بس فتوش حاجة تانية... دي مش بس لازم تغني... لا دي كمان لازم تمثل... إنت ماشفتش إزاي أداءها وهي بتغني... بتمثل الأغنية... دي ممثلة موهوبة ومطربة مش عادية.

- لا... كله إلا كده... مش ممكن!!

بداية الاحتراف

كانت سعادة فتوش لا توصف، ليس لإعجاب الجميع بصوتها، بل لأنها غنت أمام والدها، فضلا عن تصفيقه لها، ما يعني اعترافه الضمني بأن لها صوتاً جميلا.

لم يمر غناء فاطمة مرور الكرام على الأسرة، الأم والأب والعمة والأشقاء، فقد شعر هؤلاء بأن لديهم موهبة غير عادية، ولكن كيف يتعاملون معها، كيف يفيدونها؟ أي فائدة من دون رضا الأب ليس لها قيمة، حاولوا التلميح إلى الأب بأهمية رعاية موهبة فاطمة من دون تصريح مباشر، خوفاً من عدم رضاه عن تجربة عفاف، غير أن الأب لمس مدى موهبة ابنته بنفسه، وشعر بأن لها صوتاً عبقرياً، فكانت ردة الفعل الأولى منه لرعاية هذه الموهبة أن أحضر مدرس موسيقى ليعلّمها أصول الموسيقى والغناء في البيت، وكانت مفاجأة غير عادية استقبلتها فاطمة بسعادة بالغة:

• تعالي يا فاطمة... سلمي على الأستاذ.

سلمت فاطمة بحياء وظلت واقفة:

• تعالي هنا... أقعدي... الأستاذ محمد ناصر... هيعلمك من النهارده الموسيقى وأصول الغنا... عاوزك تنتبهي كويس وتتعلمي بسرعة.

لم تستطع فاطمة أن تخفي سعادتها، وبطريقة لا شعورية ركضت نحو والدها وقبلته.

• ياه... كده هه... طيب المهم نشوف نتيجة.

بدأ محمد ناصر تعليم فاطمة الموسيقى والغناء في البيت، وكم كانت دهشته عندما تستجيب وتتقدم بسرعة مذهلة يوماً بعد يوم، حتى اقتنع تماماً بأنها أصبحت على قدر عالٍ من الموهبة والدراسة يمكّنها من احتراف الغناء.

نالت فاطمة الشهادة الابتدائية بتفوق ما جعل والدها يهتم بها بشكل أكبر، ربما أكثر من شقيقتها عفاف التي شقت طريقها في الفن كمطربة وممثلة محترفة، غير أنه لم يخطر بباله أن يدفع بفاطمة إلى هذا الاتجاه، على الأقل في هذه السن المبكرة، حتى فاجأه مدرس الموسيقى محمد ناصر بسؤاله:

- تعرف الأستاذ أحمد بدرخان؟

• أيوه طبعاً أعرف أحمد بدرخان المخرج... لكن إيه علاقة ده بفاطمة؟

- أحمد بدرخان بيحضر دلوقتي لفيلم سينما جديد... ودي فرصة كويسة.

• برضه مش فاهم... إنت تقصد عفاف ولا فاطمة

- يا سيدى فاطمة... بفكر آخدها لأحمد يسمعها... يمكن يكون لها نصيب وتشتغل معاه في الفيلم الجديد.

• أيوه بس فاطمة لسه صغيرة... ده يا دوب أخدت الابتدائية.

- يا سيدي أنا عارف... إحنا مش هنخسر حاجة... وبعدين هتبقى إنت ملازمها طول الوقت وتحت عينيك... المهم إنها تحطّ رجلها على أول الطريق.

• طيب إديني فرصة أفكر... وكمان أعرض الأمر على البنت... ربما تكون مش عاوزة تـ.....

- اسمح لي أنا عارف فاطمة عاوزة إيه... وافق إنت وسيب الباقي عليّ.

لم يستمر تفكير المهندس شاكر طويلا، فلم يشأ أن يقف في طريق موهبة ابنته، وفي الوقت نفسه لم يشأ أن يكرر ما حدث مع عفاف، ويكون عقبة في طريق فاطمة.

حدد محمد ناصر موعداً مع المخرج أحمد بدرخان، وكان اللقاء في شركة «التاج» التي يفترض أن تنتج الفيلم الجديد، ووقفت فاطمة أمام لجنة مكونة من بدرخان، مدير شركة التاج، فضلا عن محمد ناصر والمهندس كمال شاكر، وسألها أحمد بدرخان:

• اسمك إيه يا أمورة؟

- فاطمة أحمد كمال الدين شاكر..

• جميل قوي... بس كفاية نقول فاطمة شاكر...

تنظر فاطمة إلى والدها فتجده مبتسماً، فتهز رأسها بالإيجاب:

• الأستاذ ناصر بيقول فيكي شعر... وكلام جميل قوي عن صوتك وأدائك... هه... هتسمعينا إيه بقى؟

- أنا حافظة حاجات كتير لليلى مراد... وكمان أسمهان.

• طب نسمع حاجة للست ليلى مراد الأول.

غنت فاطمة «بتبص لي كده ليه» للمطربة ليلى مراد، وبعدها «أيها النائم» للمطربة أسمهان، وما أن إنتهت حتى صفق الجميع بحرارة وأعجب بدرخان بصوتها بشكل كبير، ولم يخف مدير الشركة دهشته وإعجابه:

- ماشاء الله... إنت تمتلك كنزاً يا أستاذ شاكر

• صوتك رائع يا فاطمة... لكن لو جسمك كبير شوية... كنت بقيتي هايلة... لكن مش مهم... إحنا مش هنفرط فيكي على أي حال.

- شوف يا أستاذ شاكر إحنا هنوقع معاها دلوقتي عقد بموجبه هتكون الشركة مسؤولة عنها.

وقع معها مدير الشركة والمخرج أحمد بدرخان عقدَ شبه احتكار، تكون بموجبه الشركة مسؤولة عنها، مقابل مائتي جنيه مقدماً، ثم أجر شهري قدره عشرون جنيها طوال فترة التعاقد، فضلا عن أجر آخر لقاء أي عمل تقدمه من خلال الشركة.

أزهار وأشواك

مرّ وقت طويل على وجود فاطمة في الشركة، وكانت تواظب على الحضور إليها يومياً على طريقة الموظفين وتجلس من دون عمل وتقرأ المجلات وتشاهد صور النجوم والنجمات، وتشرب اليانسون ليكون صوتها جاهزاً تحسباً لأن يُطلب منها الغناء في أي لحظة، وفي أيام أخرى كانت تقصد الملحن فريد غصن بعد الظهر لتتلقى دروساً في «الصولفيج»، غير ذلك تمضي الأيام من دون أن تفعل شيئا، حتى بدأ الملل يتسرب إلى نفسها، إلى أن أدت الصدفة دورها من جديد لتغير مسارها، فقد التقت المخرج والمنتج حسين حلمي المهندس عند فريد غصن، وعندما سمع صوتها قرر على الفور التعاقد معها، فاستأذن والدها شركة التاج والمخرج أحمد بدرخان اللذين وافقا حرصاً منهما على عدم الوقوف في طريق مستقبلها، شرط أن تعود إلى الشركة إذا ما احتاجتها في أي عمل تقوم به مستقبلا.

اتفق والد فاطمة مع حسين حلمي المهندس على فيلمين جديدين، الأول بعنوان «دموع التماسيح»، غير أنه واجه مشاكل إنتاجية قبل بدء التصوير، فقررت شركة الإنتاج إرجاءه والبدء بالفيلم الثاني «أزهار واشواك» عن قصة صالح سعودي، حوار حسين حلمي المهندس، سيناريو وإخراج محمد عبد الجواد، كان جاهزا ووقع أبطاله العقد بالفعل.

هنا طلب والد فاطمة نسخة من السيناريو للاطمئنان على طبيعة دورها وشكل حضورها، غير أنه فوجئ بما لم يتوقعه:

• شوف يا أستاذ شاكر... أنا عارف إن فاطمة موهوبة... وكمان صوتها جميل ورقيق.. لكن إنت عارف شغل السينما... شيء مختلف وفلوس كتير بتنصرف.. يعني مش فن بس... لأ صناعة وتجارة.

- أعتقد إني فاهم الكلام ده كويس... لكن مش فاهم ده علاقته إيه بإني أشوف السيناريو... ما هو لازم أعرف دورها شكله إيه؟

• ماهو أنا بقولك الكلام ده علشان كده... يعنى مهما كانت الممثلة شكلها جميل وصوتها بديع... لازم نجربها الأول قدام الكاميرا ونشوف ردة فعل الناس عليها.

- تقصد إيه؟

• يعني هنجربها الأول في دور صغير... زي ما تقول كده اختبار كاميرا...

- أيوه بس ده مش اتفاقنا.

• يا سيدي أنا عارف بس دي حاجات لازم تتم في الأول... وبعدين اطمن هيكون جنبها نجوم كبار، عندك الفنانة مديحة يسري والفنان عماد حمدي والفنان يحيي شاهين والفنانة سناء سميح والفنان حسن فايق... كلها أسماء كبيرة ولامعة... وأكيد هتلمع جنبهم... وكمان فيه بنت في سنها كده تقريباً برضه هنعملها اختبار معاها اسمها هند رستم.

- تقصد كومبارس صامت

• لا يا سيدي... الحكاية إن فيه ممثلة لبنانية اسمها أمل شوقي كان يفترض أن تقدم أغنية في الفيلم لكنها سجلت الأغنية ودفعنا أجر التسجيل وأجر المطربة... للأسف سافرت لبنان لظروف خاصة بيها.. وفاطمة هتعمل دورها.

اقتصر دور فاطمة في فيلم «أزهار وأشواك» على أن تقف أمام الكاميرا وتفتح فمها لتغني أغنية بالعربية الفصحى تقول:

«أين من تسمو بها روحي... في أفق سمائي».

على رغم جو الحب الذي أحدثه المخرج محمد عبد الجواد خلال التصوير، إلا أن فاطمة لم تجد ألفة وصداقة إلا مع الوجه الجديد هند رستم فهي في مثل عمرها تقريباً:

• اسمك إيه؟

- هند رستم... وإنتي؟

• فاطمة شاكر

- بيقولوا إنك ممثلة كويسة وكمان صوتك حلو قوي...

• أيوه بس مش هيطلع في الفيلم... بيقولوا أنا بس هقول كلام الأغنية في سري وهيحطوا مكانه صوت واحدة تانية هي اللي هتغني.

• معلش إنت هتحركي شفايفك وتقولي جملة واحدة... لكن أنا مجرد كومبارس صامت... مش هنطق ولا كلمة.

كانت فاطمة نحيلة ووزنها خفيف، فيما صوت المطربة التي أدت الأغنية جهورياً أقرب إلى صوت مطربات الأوبرا.

إنتهى تصوير الفيلم ودعت شركة الإنتاج فاطمة ووالدها المهندس شاكر لحضور العرض الأول الذي سيشارك فيه نجوم الفيلم ومعهم الوجه الجديد هند رستم. أراد المخرج محمد عبد الجواد توزيع أبطال الفيلم بصورة تلفت نظر الجمهور إلى الجميع، لهذه الغاية أراد أن تجلس الممثلة سناء سميح بجوار الفتاتين فاطمة شاكر وهند رستم:

• يا سناء إنتي هتقعدي جنب فاطمة وهند... إنتي ممثلة معروفة ولما الجمهور يشوفهم جنبك هيتعرف عليهم.

- إنت بتتكلم إزاي يا أستاذ أنا النجمة سناء سميح أقعد جنب الكومبارس... هو ده اللي ناقص... أنا مكاني في بنوار النجوم يا أستاذ.

سمعت فاطمة وهند كلام سناء سميح، فلم تتمالك فاطمة نفسها وبكت بشدة، فأخذتها هند في حضنها وحاولت تهدئتها:

• ولا يهمك... بكرة تكبري وتبقي نجمة كبيرة واسمك يتكتب في الأول ويمكن قبلها كمان... وتقعدي لوحدك في بنوار النجوم.

أظلمت صالة العرض... وبدأ عرض الفيلم، وهمسات النجوم يسمعها الجمهور في الظلام:

• هايلة يا مديحة مشهد رائع.

- بص بص.. لا ده بصراحة شغل هايل برافو يا يحيى.

من حين إلى آخر كانت شاية تسمع همسات النجوم، علّ أحدهم يدلي برأيه في الفتاة الجديدة، حتى وصلت أحداث الفيلم إلى المشهد الذي تحرك فيه فاطمة شفتيها والصوت يأتي ضخما جهورياً.. كان يفترض وفقا لأحداث الفيلم أن تنطق فاطمة بجملة بعد نهاية الأغنية تقول:

• إيه يا بابا؟

وهنا ظهر صوتها الحقيقي الضعيف والبريء الذي يعبر عن شكلها وحجمها، فضجّ الجمهور بالضحك لعدم تناسب صوت الأغنية مع ما نطقت به فاطمة، فخجلت فاطمة وتمنت أن يبتلعها الكرسي الذي تجلس عليه، عندها نظر إليها والدها قائلا:

• يلا بينا نمشي... قبل ما الفيلم يخلص والنور ينور ويشوفك الجمهور... لأنه ممكن يضربنا.

في ظلام دار العرض غادرت فاطمة مع والدها باكية... فقد فشلت أول تجربة لها مع السينما.
الموضوع الأصلى : شادية قمرا ّ لن يغيب  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: هدى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com
هدى
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 35667
تاريخ التسجيل : 06/12/2007
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: شادية قمرا ّ لن يغيب   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 22:12

شادية... قمر لا يغيب (8)


أول حبّ وأول صدمة

منذ صغرها، حملت شادية عوامل القوة الداخلية وروح التحدي، ففي المرحلة المبكرة، وقبل أن تعرف الطريق إلى بطولات السينما، كانت شقيقتها عفاف شاكر سبقتها للظهور بنحو خمس سنوات، وكانت هناك منافسة غير ظاهرة بينهما، مجالها أغنيات ليلى مراد وأسمهان، وبعد فشل عفاف في زواجها الأول ـ قبل أن تكمل عامها العشرين ـ وجدت طريقها إلى السينما من خلال فيلم «أحمر شفايف» في عام 1946، لتظهر في دور ابنة الفنان نجيب الريحاني، وهنا انقلب التنافس إلى ما يشبه الغيرة، لكن حميدة لا تحمل ضغائن أو حقداً، بل غيرة للوصول إلى مكانة أفضل، فتولّدت الرغبة لدى شادية في أن تصبح نجمة سينمائية لا كأختها فحسب، بل متفوّقة عليها أيضاً.

في العام نفسه (1946)، خاضت شادية تجربة أخرى لم تستغرق منها وقتاً طويلاً، إذ شاركت بصوتها فحسب في فيلم «المتشرّدة» بأغنية مثّلتها الشابة سميحة أيوب، مقابل عشرة جنيهات، بعد أن تقاضت في «أزهار وأشواك» خمسة جنيهات. كانت تلك التجربة قاسية على شادية، وظنت أنها بداية فاشلة لها في السينما، غير أن الفيلم نفسه لم ينجح جماهيرياً، فخرجت شادية الوحيدة ناجحة من هذه التجربة، إذ لفتت أنظار المخرج حلمي رفلة الذي ساقته الصدفة إلى حضور مونتاج الفيلم، فبهرته براءتها ورقّة ملامحها.

كانت عفاف سبق واصطحبت شادية معها إلى استوديو مصر أثناء تصوير أحد مشاهد «أحمر شفايف»، وفي ذلك اليوم لفتت شاديا كلّ من كان في الأستوديو، من بينهم المنتج والمونتير والمخرج حلمي رفلة فسأل عفاف:

• مين الأمورة دي يا عفاف؟

- أختي فتوش.

• {فتوش!! يعني إيه؟

ضحكت عفاف:

- هي اسمها فاطمة... بس بندلعها ونقولها «فتوش».

منذ ذلك اليوم انحفرت صورة فاطمة في ذهن حلمي رفلة، وصوتها في وجدانه عندما استمع إليها من خلال القصيدة التي غنّتها في فيلم «أزهار وأشواك»، وما إن شاهدها في مونتاج الفيلم حتى هتف:

• البنت أخت عفاف شاكر دي هايله... وهيبقالها مستقبل أكبر من أختها كمان.

لم يمر أسبوع حتى فوجئ رفلة بالمطرب الشاب محمد فوزي يدخل مكتبه ويقفز ليجلس فوق حافة طاولة المكتب قائلاً:

- عندي لك موضوع رواية يجنن.

• أخيرا... فين يا حبيبي إلحقني بيه عاوزين نشتغل.

- شوف يا سيدي... الفيلم اسمه «العقل في أجازة»، رواية رومنسية كوميدية هايلة... بس فيه مشكلة واحدة.

• احنا لسه ابتدينا علشان يبقى فيه مشاكل.

- المشكلة إن البطلة اللي قدامي في الفيلم لازم تكون ممثلة وكمان مطربة، واللي تنفع في الدور ليلى مراد، لكن زي ما أنت عارف أنور وجدي قافل عليها، ومواصفات البطلة مش منطبقة على البطلات الموجودة على الساحة دلوقت.

خرج رفلة من خلف مكتبه وهو يبتسم ويمسك بذقنه وجلس على الحافة المقابلة من المكتب:

• ولا مشكلة ولا حاجة... البطلة موجودة وبالمواصفات اللي إنت عايزها كمان.

فقفز فوزي ليقف أمامه:

- إلحقني بيها... تبقى مين؟

• بنت جديدة كلها إحساس... وكمان صوتها كأنه من الجنة.

- بنت بالمواصفات دي وأنا معرفهاش؟

• دي ياسيدي تبقى الأخت الصغيرة للممثلة عفاف شاكر.

لم يضيّع حلمي رفلة وقته، فكانت شادية موجودة في اليوم التالي في مكتبه بصحبة والدها، وفي حضور محمد فوزي الذي لم يتحدث معها بل ظل ينظر إليها كأنه يتفحّصها، ولم تخرج من مكتب رفلة إلا بعد أن وقعت عقد البطولة في فيلم «العقل في أجازة» بأجر قيمته مائة جنيه، لتفتح السينما أوسع أبوابها وتدخل منه المطربة الصغيرة الصاعدة فاطمة شاكر، فقد توافرت لأول أفلامها سبل النجاح وعناصر القوة كافة، فهو أول فيلم يخرجه الماكيير البارع حلمي رفلة بعد دراسته في فرنسا، والذي اختارته سيدة الغناء العربي أم كلثوم دون سواه، ليضع لها لمسات الماكياج في كل أفلامها، ليكون أول ماكيير في العالم، وليس في مصر وحدها، ينتقل من مقعده أمام المرآة ليجلس خلف الكاميرا كمخرج. كذلك، الفيلم أول إنتاج للمطرب الشاب محمد فوزي، وكتبه السيناريست يوسف جوهر صاحب البصمات الواضحة في تاريخ السينما.

مولد شادية

كان محمد فوزي آنذاك يقدّم بعض ألحانه للمطربة ليلى مراد في فيلمها الجديد «شادية الوادي» أمام يوسف بك وهبي الذي كتبه وأخرجه أيضاً، وعرض فكرة فيلمه الجديد «العقل في أجازة» وبطلته شادية على يوسف بك، فأعجب بالموضوع والبطلة غير أنه اقترح عليه تغيير اسمها واختيار اسم سينمائي، خصوصاً عندما سمعها تغني أمام الفنان الراحل عبد الوارث عسر، فما أن انتهت حتى قال عبد الوارث:

- الله... صوتها جميل قوي البنت شادية الكلمات دي.

فقال حلمي رفلة:

• اسم جميل... شادية الكلمات.

فرد يوسف وهبي:

- وعندنا «شادية الوادي»... خلاص... ولا نادية ولا هدى... إيه رأيك يا فوزي يبقى اسم بطلتك «شادية»؟!

• «شادية»... اسم هايل... من بكره لازم ينتشر في الصحافة والإعلانات.

اقتنعت فاطمة باسمها الجديد وكانت هي قد اختارت لنفسها اسم «هدى»، الاسم الذي ظهرت به في فيلم «أزهار وأشواك»، لكن يبدو أن اسم شادية أعجبها لما فيه من تعبير عن جمال الصوت، ووافق عليه والدها، وكأنه كان ينتظر أو يتمنى أن يحدث ذلك.

وفي ذروة الإعداد لتصوير الفيلم، تغيبت فاطمة فجأة أسبوعاً كاملاً عن البروفات، الأمر الذي أقلق محمد فوزي، فقرر الذهاب ورفلة وعبد الوارث عسر إلى بيتها، ليكتشفوا أنها أضربت عن الطعام وهددت بالانتحار لأنها لم ترد الزواج من عريس وافق عليه والدها، فأقنع عبد الوارث عسر الأخير بما لديه من حكمة بأن يتركها للفن، وعندما يأتي لها العريس المناسب ستوافق هي عليه... فوافق الأب.

أمام ذلك تراجعت شادية عن قرارها، وقدمت الفيلم، وغنت فيه من ألحان محمد فوزي، بل وشاركت معه للمرة الأولى في دويتو غنائي بأغنية: «وقفوا الخطاب ع الباب يا أمه»

لتكون بداية رحلتها مع الأغاني الخفيفة التي تميزت بها في ما بعد، وأصبحت نجمتها الأولى، وقد عُرض «العقل في أجازة» في سينما رويال بالقاهرة في 12 مايو (أيار) 1947.

وجد محمد فوزي في الفنانة الصاعدة خامة فنية طيبة قابلة للتشكّل، فاختار لها شخصية الفتاة الرقيقة المدللة التي تحلم بالحب تحت ضغط أقسى الظروف، وراح يكمل الصورة السينمائية لها بلون غنائي يناسب سنّها وصوتها وشخصيتها الفنية التي طالعتها الجماهير على الشاشة، مثل «لقيته وهويته»، «أنا بنت حلوة»، و{متشكرة»، ثم اختارها بعد ذلك لقيام بطولة فيلمه التالي «حمامة السلام» بعد أن اقتنع بمواهبها في الغناء والتمثيل.

منذ ذلك الحين استمرت شادية على الشاشة تؤدي بتلقائية شديدة دور الفتاة المراهقة، المرحة، الشقية، الدلوعة التي تبحث عن الحب، حتى وجدته في الحقيقة بعيداً عن كاميرات السينما عندما لفتت أنظار شاب أسمر وسيم من صعيد مصر، كان أحد ضباط الجيش المصري، كانت التقته في أحد الأفراح التي غنت فيها، سمع صوتها وشاهد رقتها، وانطلقت شرارة الحب بينهما بمجرد المصافحة العابرة، فلم يتركها تغادر الفرح حتى اقتنص منها لقاء بشكل منفرد ليتعرف إليها عن قرب، وبعد إلحاح طويل وافقت فاطمة، التي أصرت أن تقول له اسمها الحقيقي.

فارس الأحلام

في تلك الليلة خرجت شادية بمساعدة شقيقتها عفاف للقاء الضابط الأسمر فتحي، غير أن اللقاء لم يستمر أكثر من خمس دقائق عاشتها بين الرعب والقلق، فهي المرة الأولى التي تعيش فيها تجربة الحب، والتي تلتقي فيها شاباً بعيداً عن أعين العائلة، وسرعان ما عادت إلى البيت لتجد مفاجأة في انتظارها، لم تكن تتخيلها، إذ وقعت على أذنيها كلمات قالها والدها، شعرت معها بأحاسيس مختلفة بين الخجل والخوف والسعادة:

• أخبار حضرة الضابط فتحي إيه؟!

نزل السؤال على مسامعها كطلقة الرصاص، لم تستطع أن تنطق بكلمة واحدة، خافت من والدها، حاولت الهرب، لكنه لحقها، حاول أن ينتزع منها كلمة، وبينما هي متجهة إلى حجرتها تبعها والدها قائلاً:

• حضرة الضابط بعتلي جواب عاوز يحدد ميعاد علشان يتقدم لك.

هنا تنفّست الصعداء، وعلت الابتسامة وجهها، ومن دون أن تنطق جرت إلى غرفتها، فاعتبر والدها السكوت والابتسامة التي لمعت في عينيها دليلاً على موافقتها، فرد بالموافقة على الضابط الذي كان ينتظر بلهفة الجواب.

بتفكير الفتاة في عمر المراهقة، نسيت شادية موضوع الفن الذي رفضت من أجله الزواج مرتين، واختزلت كل أحلامها في هذا الشاب الأسمر، الذي أصبح كل حياتها، لدرجة أنها وافقت بلا تردد على طلبه بأن تترك الفن، وتتفرّغ لحياتها الزوجية، إذ بذل فتحي جهداً كبيراً لإقناع أسرته بمبدأ الزواج من فنانة، بعد أن تعهد أمام الجميع بأن يجعلها تعتزل قبل أن تبدأ، وتترك الغناء نهائياً، ومن فرط حبها له لم تجادله في هذا الشرط، الذي لا يمكن أن تقبله فنانة ترسم ملامح بداية الطريق، وتخطط لجعل الفن هدفها الذي تسعى بكل طاقتها الى تحقيقه.

تركت شادية الغناء والتمثيل، وانطلقت زغاريد الفرح في منزل المهندس كمال الدين شاكر تعلن خطبة ابنته فاطمة للضابط فتحي، غير أن القدر كان قد ادخر لها مفاجأة أخرى.

كان فتحي من بين ضباط الجيش المصري الذين تم استدعاؤهم للمشاركة في حرب فلسطين عام 1948 ضد الصهاينة، وشعرت العروس الصغيرة بالانقباض الذي ترجمته إلى دموع استعطاف، لكن لم يكن أمامه إلا أن يرضخ للأمر العسكري، ويذهب إلى ساحة القتال.

ذهب فتحي إلى جبهة القتال، وأوصته شادية بأن يكتب لها دوماً، لكن مرت الأيام طويلة من دون أن تتلقى رسالة واحدة منه يحكي لها فيها عن أحواله، وما يحدث على جبهة القتال، ويخفف عنها وحدتها. حتى كان هذا اليوم الذي وصلت فيه الرسالة التي تنتظرها غير أنها لم تكن منه، لم يكتبها بنفسه وإنما كتبت عنه بمعرفة قيادة الجيش المصري في فلسطين، جاءت تحمل أسوأ نبأ قد تسمعه فتاة عن شخص تحبّه، وتربطها به علاقة، ففتح والدها الرسالة وقرأ عليها ما فيها:

«ننعي لكم الشهيد فتحي الذي راح ضحية الغدر والخيانة في ساحة القتال»!

لم تصدّق شادية ما سمعت، فأصيبت بحالة هستيريا، وظلت تصرخ حتى سكتت عن الكلام تماماً، ولم تعد تستطيع التحدث الى أحد، أغلقت على نفسها باب حجرتها، وانطوت على أحزانها. نصح الطبيب والدها بتغيير المسكن، فتركت الأسرة حي شبرا وانتقلت إلى حي الزمالك.

عودة الصوت

مرت الأيام، حاول والد شادية الاتصال بكل أصدقائها لكي يخرجوها من عزلتها، أو يعود إليها الغائب، فلم تفلح كل أدوية الأطباء في إعادته. حاولت تحية كاريوكا إعادة شادية إلى التمثيل والغناء ثانيةً، وذهبت إليها في بيتها، غير أنها وجدت ما لم تكن تتوقعه. فوجئ الجميع بغياب الصوت الجميل، فقرّر الوالد عدم الانتظار أكثر من ذلك، وسافر بها إلى لندن للعلاج.

هناك استعادت شادية نبرات صوتها الجميل، وعادت إلى مصر تحمل أحزانها التي حاولت أن تذيبها في إسعاد الناس، وأن تغرقها في العمل، فهو العلاج الوحيد، لتكتب شهادة ميلاد الفنانة شادية جدداً، فلولا صدمة فقدها لحبها الأول، ما أصبحت فاطمة شاكر يوماً من الأيام تلك النجمة التي ملأت الدنيا فناً، وغناء وتمثيلاً، ولو لم تفقد حبيبها الضابط فتحي، لكان تم زواجها، بل واعتزلت الغناء والتمثيل كما اشترط عليها، ولأصبحت فاطمة شاكر ربة المنزل، وما كانت «شادية» قد ظهرت!

انطلقت شادية في الفن تعمل بكل طاقتها كي تنسى أحزانها، إذ كانت تملك روح التحدي التي مكّنتها من أن تغالب أحزانها على وفاة خطيبها لإسعاد الناس الذين بدأوا يألفون وجهها وصوتها... ومنذ ذلك الوقت بدأت شادية تنطلق بشكل جديد، وبمجرد عودتها انهالت عليها عقود الأفلام، وارتبطت بأعمال فنية كثيرة، وكأنها جاءت لتنقذ السينما المصرية في هذا التوقيت، أو كأن المخرجين كانوا في انتظار هذا الوجه البريء، هذا التعبير الراقي عن الرومنسية، فتسابق الجميع لعرض أفلامهم عليها، ودارت الأدوار كافة في فلك الفتاة البريئة الساذجة، أو المراهقة المشاغبة، أو المرحة خفيفة الظل، ما أدى إلى تشابهها في تلك الفترة التي بدأت من العام نفسه 1948، ومع المخرج نفسه حلمي رفلة الذي اكتشفها وقدمها من خلال فيلم «العقل في أجازة» ليقدّمها في نهاية العام في فيلم آخر بعنوان «الروح والجسد» ومع كاتب السيناريو والحوار نفسه، الذي شاركها أيضاً البطولة وهو الفنان محمد فوزي، غير أنه أضيف الى هذا الفيلم عدد آخر من نجوم تلك الفترة، من بينهم الفنانة كاميليا، والكوميديان إسماعيل ياسين، فضلاً عن شاب كان يتحسّس خطى البطولة المطلقة والنجومية، وعيناه على لقب «فتى الشاشة الأول»، ليس فحسب لما يتمتع به من وسامة ومواصفات شكلية وجسمانية تؤهله لذلك، بل أيضاً لقوة حضوره على الشاشة، وتعلّق الجمهور به منذ طلته الأولى على شاشة السينما، فجاء «الروح والجسد» ليكتب تاريخ اللقاء الأول بين النجمة الصاعدة بقوة نحو النجومية شادية، والفنان الذي يغازل موقع فتى الشاشة الأول كمال الشناوي.

كان الشناوي يعيش مرحلة الشباب والعنفوان، مثل عصفور طليق يتنقل من شجرة الى أخرى، ومن غصن الى غصن، لم يكن يفكّر سوى في نجوميته التي يحفر من أجل بنائها، لدرجة أنه تمرد على بيت جده الذي يعيش فيه معه، وانتقل للعيش بمفرده في شقة مفروشة في منطقة «باب اللوق» وسط القاهرة، كي لا تقف أمامه أية معوقات في طريق مستقبله أو انطلاقته.

في ذلك الوقت من منتصف العام 1948، رشّحه المخرج حلمي رفلة للقيام ببطولة فيلم «حمامة السلام»، قصة وسيناريو وحوار يوسف جوهر، على أن تشاركه البطولة نجمته شادية التي اكتشفها، والراقصة الشهيرة هاجر حمدي.

خلال تصوير الفيلم لفتت شادية أنظار كمال الشناوي، غير أنها كانت لا تزال تعاني من جرح استشهاد خطيبها، ولم تكن تفكر في الحب والزواج، وكانت الأجواء ممهدة بين الشناوي وهاجر حمدي، فقد اكتشف فيها شخصية مختلفة تماماً عن تلك الشخصية التي تظهر عليها الراقصة في السينما، وعما يقال عن الراقصات، فقد استطاعت ببراعتها أن تكسر أصناماً كثيرة في حياته، حطمت فكرة أن الراقصة مجرد جسد ولا بد من أن تكون إما ***ة أزواج أو «خرابة بيوت» أو شريكة لزعيم العصابة كما كرست صورتها الأفلام المصرية، فقد كانت هاجر عقلاً كبيراً ومثقفة على درجة كبيرة من الوعي، وكانت فترة عملهما معاً في «حمامة السلام» فرصة لأن يقتربا من بعضهما، حتى اكتشف الشناوي بعد لقاءات عدة أنها صاحبة خلفية أدبية كبيرة قرأت لغالبية الكتاب الكبار معظم إنتاجهم، وأنها أيضاً متحدثة بارعة تجيد إبراز ما قرأت واستوعبت، فضلاً عن كرمها وإنسانيتها، وكانت اللحظة الحاسمة التي اتخذ فيها الشناوي قراره بالزواج منها عندما دخلت عليه في البلاتوه خلال فترة الاستراحة من التصوير وهي تحمل في يدها لفافة سندويتشات:

• كويس إني لقيتك هنا يا كمال.

- أهلا هاجر تعالي... اتفضّلي.

• شوف يا سيدي...

- إيه ده؟

• البنت الخدامة محضرة لي سندويتشات تكفي البلاتوه كله.

- أيوه بس دول مش كتير للدرجة دي.

• كتير عليا أنا... ممكن أستأذنك تخفف عني الحمل ده وتاكل معايا؟

بهذه الطريقة الدبلوماسية استطاعت هاجر أن تشعر الشناوي بدفء الأسرة، فقرر أن يتزوجها، غير أنه أرجأ ذلك لما بعد الانتهاء من الفيلم.

انتهى الفيلم وباعدت الأيام بينهما، وانشغل كل منهما في حياته وعمله، حتى ذهب الشناوي يوماً إلى «بيت الفن»، ذلك المكان الذي أنشأه الريجيسير قاسم وجدي، وكان يشبه نادياً يلتقي فيه الفنانون مساء كل ليلة إذا لم تكن لديهم ارتباطات فنية أو تصوير.

شاءت الأقدار أن تكون شادية وشقيقتها عفاف في «بيت الفن» تلك الليلة، وما إن التقت عينا الشناوي وعفاف حتى حدثت شرارة الحب بينهما، ولم تمر أيام إلا وكان قد تقدم رسمياً لطلب يدها من والدها وتزوجا بسرعة كبيرة.

ما أن انقضى شهر العسل حتى دبت بينهما خلافات أساسها الغيرة، وقبل أن يكتمل الشهر الثاني من زواجهما، وقع الطلاق بالسرعة نفسها التي حدث بها الزواج... لتكون صدمة شادية في فشل زواج شقيقتها أشدّ وأقوى.
الموضوع الأصلى : شادية قمرا ّ لن يغيب  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: هدى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com
هدى
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 35667
تاريخ التسجيل : 06/12/2007
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: شادية قمرا ّ لن يغيب   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 22:13

شادية... قمر لا يغيب (9)


عماد حمدي أنقذها فوقعت في حبّه

لم تكن شادية قد أكملت تعليمها، غير أن عملها السينمائي والإذاعي كمطربة، ساعدها في تكوين ملكة أدبية وفنية تتذوق من خلالها أدوارها وألحانها، لا سيما أنها بدأت تتلمذ على يد كبار المخرجين ومشاهير الشعراء والملحنين، فضلاً عن «فلتر» خاص لم يكن ليترك دوراً أو أغنية لشادية من دون أن تمرّ من خلاله ويبدي رأيه، وهو والدها المهندس شاكر.

من المؤكد أن ثمة عوامل ساعدت شادية في الانطلاق نحو النجومية إلى أن أصبحت إحدى أبرز نجمات ذلك الوقت، بل أكثرهن تنوعاً سواء في الغناء أو في التمثيل الذي امتاز نشاطها فيه بتنوع كبير بين الكوميديا والأفلام الخفيفة والتراجيدية والاجتماعية وحتى الميلودراما، وهذا ما ظهر في الأفلام الثلاثة التي ختمت بها العام 1949، عندما رشّحها السيناريست يوسف جوهر للمرة الثالثة لتشارك في بطولة فيلمه «نادية» مع المخرج فطين عبد الوهاب، فوقفت للمرة الأولى أمام إحدى رائدات السينما عزيزة أمير، منتجة الفيلم وبطلته، معهما الفنان محمود ذو الفقار والوجه الجديد شكري سرحان.

نجحت شادية بشكل غير عادي في تلك التوليفة الميلودرامية، ولفتت المخرج الكبير عز الدين ذو الفقار الذي تعاون مع الكاتب يوسف جوهر والفنان محمد فوزي، في تجربة من إنتاجه بعنوان «صاحبة الملاليم»، فازدادت من خلاله مساحة حضور شادية كممثلة ومطربة أمام محمد فوزي، الذي امتلك مفاتيح صوتها مثلما امتلك أدواتها كممثلة.

وقبل نهاية 1949 عادت من جديد إلى مكتشفها حلمي رفلة وقدمت معه الكوميديا الاستعراضية «ليلة العيد» كتابة أنور وجدي، مع إسماعيل ياسين ومحمود شكوكو، وصلت إلى مرتبة النجوم في السينما.

الدونجوان ونجمة المستقبل

أكثر ما أحزن شادية آنذاك فشل زواج شقيقتها عفاف الثاني، غير أن هذا الطلاق لم يؤثر على العلاقة بينها وبين كمال الشناوي، بل على العكس استمرت العلاقة الإنسانية والفنية بينهما، وما أن انتهى المخرج حلمي رفلة من تصوير فيلم «البطل» (بداية 1950) سيناريو وحوار أبو السعود الإبياري، شريك النجم إسماعيل ياسين الفني، وشارك في بطولته كمال الشناوي أمام شادية، حتى التقطها المخرج حسن الإمام ليجمع بين شادية وكمال الشناوي في فيلم «ساعة لقلبك» عن قصة للمخرج هنري بركات، حوار أبو السعود الإبياري، فكان أول لقاء ضمهما معاً كثنائي رومنسي على الشاشة، على رغم مشاركة الفنانة منى ابنة منتجة الفيلم آسيا، إلا أن شادية كانت البطلة الأولى وسبق اسمها الجميع.

أثناء التصوير تعددت لقاءات شادية وكمال الشناوي، سواء في البلاتوه أو خارجه، أو في «بيت الفن» مساء عندما لم يكن هناك تصوير، وكانت أحاديثهما تنحصر في مناقشات حول شؤون السينما وشجونها وحول دورها في الفيلم، بل غالبية هذه اللقاءات سواء في الأستوديو أو حتى في «بيت الفن»، كانت بحضور أحد اثنين، إما المهندس شاكر والد شادية، أو شقيقها طاهر شاكر، الذي أصبح ملازماً لها في كل مكان، ومع ذلك لم يسلما من الإشاعات، وانتشرت الأقاويل التي تؤكد وجود علاقة حب جديدة بين «دونجوان» السينما وبين نجمة المستقبل، غير أنهما كانا آخر من يعلم بها، على رغم التلميحات والهمسات والغمز في الوسط الفني والصحافي لدى رؤيتهما معاً.

فتاة أحلام الشباب

لم يكن كمال الشناوي في هذه المرحلة أو غيرها، يفكّر بشادية كحبيبة أو زوجة، لأنه كان يراها النصف الناجح المكمّل له على الشاشة، فقد كان لها حضور قوي ومؤثر على الشاشة وأصبحت، عبر الأفلام التي قدمتها، فتاة أحلام الشباب، وكان كمال من الذكاء بحيث يستغلّ مشاركته لهذه الموهبة لتكتمل نجوميته. هذا ما كان يدور في ذهنه من ناحية شادية.

عزز هذ الأمر اللقاء بين كمال الشناوي والراقصة هاجر حمدي في «بيت الفن» بعد فراق استمرّ عاماً ونصف العام فأعاد وصل ما انقطع، وكأنه لم يمرّ يوم على حبهما القديم قبل زواجه من عفاف شاكر، وتعددت اللقاءات، وبعد أيام فاتح هاجر حمدي برغبته في الزواج منها:

• إيه رأيك يا هاجر... تتجوزيني؟

- ياااه... أخيراً قلتها بعد سنة ونص.

• معلش معلش... أنت عارفه الظروف اللي حصلت والجواز والطلاق.

- ماهو ده اللي أنا بستغرب له... أنا كنت حاسة إني أنا اللي...

• مش مهم... اللي حصل حصل... بس لو موافقة نتجوز فوراً.

- طبعاً مفيش كلام... موافقة.

• بس أنا ليّ شرط صغير.

- شرط... شرط إيه؟!

• تعتزلي الرقص نهائي...

نظرت إليه هاجر بدهشة ورجعت برأسها إلى الخلف وصمتت لحظات، وهو ينظر إليها في ترقب، حتى ابتسمت وقالت:

- موافقة... أعتزل الرقص... بس التمثيل لا!

• ممثلة على عيني وراسي... لكن رقص لا.

كان خبر زواج كمال الشناوي مفاجأة للجميع إلا شادية، لأنها كانت تعلم بأمر حبه لهاجر بعدما فاتحها بذلك أثناء عملهما معاً في الفيلم، والأهم أن الخبر أخرس الألسنة والإشاعات التي أكدت قرب زواج كمال من شادية وليس من هاجر.

نار الإشاعات

على رغم الحراسة العائلية التي كانت تحيط بشادية سواء داخل البلاتوهات أو حتى في اجتماعاتها أو مقابلاتها الفنية، أو عندما تخرج للتنزه، إلا إنها اكتوت بنار إشاعات الوسط الفني التي استمرّت تطاولها وكمال حتى بعد زواجه من هاجر، مؤكدة أن ثمة قصة حب بينهما، وكلما التقت شادية وكمال في عمل فني جديد، زادت الإشاعات وتوقعت قرب انفصاله عن زوجته هاجر وزواجه من نصفه الفني شادية، خصوصاً بعد نجاح فيلميهما «ساعة لقلبك» و{في الهوا سوا» (1951)، للمخرج يوسف معلوف، شارك في البطولة إسماعيل ياسين الذي أصبح الشريك الثالث لهما في تلك المرحلة، مع أن شادية، قبل هذا الفيلم وبين إبريل (نيسان) 1950 وإبريل 1951، قدمت ستة أفلام كان نصيب كمال الشناوي منها فيلماً واحداً هو «ظلموني الناس»، الذي شاركت فيه للمرة الأولى مع النجمة الكبيرة فاتن حمامة وأخرجه حسن الإمام، بينما كان نصيب عماد حمدي فيلمين: «مشغول بغيري» و»سماعة التلفون»، مع ذلك لم تتحدث الإشاعات عن علاقة بين شادية وعماد، إنما عن شادية وكمال الشناوي، ربما لأن الجمهور اقتنع بصدق مشاعر الثنائي على الشاشة.

نموذج للفتيات

منذ بداية الخمسينيات استطاعت شادية وضع اسمها في المقدمة سواء بين المطربات أم الممثلات، فمنحها الجمهور كل الحب، وباتت نموذجاً لكل شابة مصرية، تقلد البنات تسريحة شعرها وحركاتها وطريقة كلامها بل وملابسها، لكن شادية لم تكن ذلك فحسب، كل شيء عندها كان محسوباً بدقة، في الفن خصوصاً، أما حياتها الشخصية فكانت صفحات متعاقبة من الحبّ والألم.

مع أنها كانت تمثل أدوار الحب والغرام على الشاشة، إلا أنها كانت تعيش بكيانها كله لعملها وأسرتها، ولا تعرف شيئاً في الدنيا سوى البيت والأستوديو، تتنقل بينهما في حراسة والديها أو شقيقها الأكبر طاهر ولم ينشغل قلبها بأمر خارج نجاحها أو سعادة أسرتها.

فمنذ اللقاء الأول الذي تم بين شادية وعماد حمدي في فيلم «أزهار وأشواك» (1946)، مرت ستة أعوام كاملة سارت فيها شادية بموهبتها في طريق النجاح، من دون أن تستند على أحد سوى صوتها وموهبتها في التمثيل، إلى أن عاودت اللقاء به خلال العام 1951 في ثلاثة أفلام: {مشغول بغيري}، «سماعة التلفون»، «أشكي لمين»، وكان حمدي آنذاك فتى الشاشة الأول،

ثورة يوليو

حققت شادية رواجاً فنياً وتجارياً لافتاً منذ مطلع الخمسينيات، ما أثار تساؤلات حول صعودها بسرعة وبهذه القوة، لعل الإجابة جاءت مع ثورة 23 يوليو 1952 التي أحدثت تغييرات جذرية في المجتمع المصري، كان أبرزها تطلع أبناء الطبقة الكادحة والمتوسطة إلى حياة أفضل، بعدما أتيحت لهم فرصة التعليم والمشاركة في الحياة العامة، وكانت أدوار شادية آنذاك قادرة على إشباع رغبات بنات جيلها من هذه الطبقة المتطلعات إلى حياة أفضل، كذلك كانت شادية ـ على مشارف العشرين من عمرها ـ بجمالها وصوتها الرقيق وخفة روحها نموذجاً لفتاة أحلام شباب الخمسينيات بأكمله، ما يفسر لماذا كان المنتجون والمخرجون يصرّون على تقديمها في أدوار الفتاة الشقية الدلوعة التي تستحوذ على اهتمام الجميع، أو البسيطة المنكسرة التي ظلمتها الأيام وجار عليها أقرب الأقربين، وإن فرض عليها ذلك أداء نمطياً لا يختلف من دور إلى آخر، غير أنها استطاعت التفاعل مع الأحداث. بعد أقل من خمسة أشهر على قيام الثورة، وفي ديسمبر 1952 قدمت مع الفنان حسين صدقي فيلم «يسقط الاستعمار»، تعبيراً عن مساندة الثورة ورفض الاستعمار.

بين 1952 و1953 عاودت تقديم نوعية الأدوار التي اشتهرت بها، وشاركت في عشرة أفلام تدور كلها في فلك الفتاة الشقية الدلوعة الرومنسية، المغلوبة على أمرها، حتى كان اللقاء الحاسم قبيل نهاية 1953 مع الفنان عماد حمدي في فيلم «أقوى من الحب»، للمخرج يوسف معلوف، الذي غيّر كثيراً في شادية الفنانة والإنسانة.

شرارة الحب

ثمة عوامل جمعت بين شادية وعماد حمدي، ورشحتهما لارتباط قوي أهمها: التوافق في شخصية كل منهما، التي تميزت بغربتها عن الوسط السينمائي، إذ كانت أخلاق حمدي كأخلاق الفرسان، يندر وجودها بين الممثلين ونجوم السينما: هادئ، وديع، يتميز بالرزانة والوقار، جاد لا يعرف التهريج، لا يحب الصخب ويبتعد عنه، إذا كان في مكان لا يشعر الحاضرون بوجوده وينسحب بسرعة، يتمتع بالرجولة والشهامة.

كذلك، كانت شادية تعيش حياتها بين أسرتها، مستقرة هادئة، لا ترى منها إلا صفات الفتاة المهذبة، تحافظ على سمعتها في الوسط الفني ولا تسير إلا ومعها حارس من أسرتها.

بدأت شادية العمل مع عماد حمدي في فيلم «اشكي لمين »، وكان يتضمن مشهداً يفترض أن تجلس فيه شادية على حافة ترعة وتغني أغنية «كسفتيني يا سنارة» بينما تصطاد السمك، وأثناء اندماجها في الغناء والتصوير، انزلقت قدمها في الحقيقة ـ وليس ضمن مشاهد الفيلم ـ وسقطت في الترعة، فأسرع حمدي وقفز في الترعة بملابسه، وأخرجها إلى الشاطئ، ووضع الجاكيت التي كان يرتديها على جسمها المرتعش من شدة البرد، وأسرع إلى أحد المقاهي القريبة وأحضر لها كوب «يانسون» ساخناً.

تركت هذه اللمحة الإنسانية أثراً في نفس شادية، ولفتها هذا الاندفاع من حمدي، وشعرت به يتسلل إلى قلبها وعقلها، وفي مساء اليوم نفسه اتصل بها هاتفياً ليطمئن عليها:

• مساء الخير... مدموازيل شادية؟

- أيوه أنا شادية... أهلاً وسهلاً.

• أنا عماد حمدي.

- طبعا عارفه... إنت صوتك ماركة مسجلة يا أستاذ.

• أحنا مش قولنا خلاص هنبطل حكاية أستاذ دي...

- ماهو إنت كمان لسه بتقول مدموازيل.

• أبداً... أنا بس كنت عامل حسابي أن حد تاني هو اللي هيرد.

- خلاص... نبقى خالصين.

• أنا كنت عاوز أطمئن عليك... عاملة إيه دلوقت؟

- الحمد لله... أحسن كتير... البركة في الجاكيت واليانسون.. لولاهما كان زماني دلوقت ميتة.

• ألف بعد الشر عنك... أنا عايزك ترتاحي على الآخر لحد ما تبقي تمام...

- أيوه بس التصوير هيتعطل كده.

• يا ستي يتعطل علشان خاطرك... عموماً عايزك تطمني... أنا اتفقت مع الأستاذ يوسف معلوف أني هصور في الفترة دي كل المشاهد الخاصة بيا لوحدي اللي إنت مش فيها... مع أنها هتبقى مشاهد وحشة قوي من غيرك.

ضحكت شادية ثم صمتت لحظة وقالت:

- الكلام ده مجاملة... ولا؟...

• ولا.

بعد المكالمة أحست شادية بشعور غريب نحو حمدي، وبأنه يبادلها الشعور نفسه.

قطار الرحمة والحب

لدى قيام الثورة كان الضابط وجيه أباظة يشغل منصب مدير الشؤون المعنوية في القوات المسلحة‏، وكانت له أفكار ورؤى في ترسيخ كل ما من شأنه جمع المواطنين والالتفاف حول الحدث الذي غيّر موازين التاريخ والجغرافيا في المنطقة،‏‏ ألا وهو ثورة 23 يوليو سنة‏ 1952، ما جعله يقترح ما يطلق عليه «قطار الرحمة»، يخرج من القاهرة حاملاً نجوم السينما والغناء ليطوف أرجاء مصر شمالا وجنوباً وشرقاً وغرباً، للتعريف بالثورة وأهدافها، حتى يلتف الشعب حولها ويساندها.

انطلق القطار وضم ممثلين ومطربين وكتاباً ومخرجين، فالتقت شادية بحمدي في القطار المتجه من القاهرة إلى الصعيد، وأمضيا معاً سبعة عشر يوماً ذهاباً وإياباً بين القاهرة وأسوان، وكانت فرصة سانحة، لا سيما مع جو الصفاء الذي ساد الرحلة، ليفاتح كل منهما الآخر بحقيقة شعوره نحوه، حتى إذا انتهت رحلة القطار، كان الحب قد أصبح عقداً رسمياً بينهما.

انتهت الرحلة واحتفالات الثورة وحفلات التحرير، ولم يعد ثمة سبب للقائهما معاً مجدداً، في ظل الحراسة التي تتحرك وسطها شادية في كل مكان، بالإضافة إلى أن الفيلم الجديد “آثار على الرمال” الذي سيصوره حمدي لا تشاركه فيه شادية، بل فاتن حمامة ويستلزم فترة تصوير طويلة في مدينة الإسكندرية، فاضطر للسفر إلى الإسكندرية لتصوير المشاهد الخارجية. وأمضى فيها 23 يوماً، مرت عليه طويلة ثقيلة، فعمد إلى كتابة رسائل يومية إلى شادية ليطمئن عليها ويعرف أخبارها ويحكي لها جديد أخباره.

للمرة الأولى في حياتها كتبت شادية رسالة احتوت كل ما يعتمر في قلبها من مشاعر حبّ نحو حمدي الذي انتظر رسالتها بلهفة، وراح ـ مثل التلامذة ـ يخفي الرسالة في مكان أمين بعيداً عن نظر زوجته الممثلة فتحية شريف، التي بدأ يترامى إلى سمعها أن زوجها يعيش قصة حب جديدة، فحارت بين الشك واليقين، خصوصاً بعدما نشرت مجلة “الفن” خبراً تكهنت فيه بقرب زواج شادية من حمدي، فما كان من هذا الأخير إلا أن سارع إلى تكذيب الخبر فور عودته إلى القاهرة، بل ورصد مبلغ ألف جنيه سيدفعه للمجلة إذا تحقق ذلك الخبر، في محاولة منه لصرف نظر زوجته عن التفكير في الأمر.

غير أن الهمسات كانت تتردد بقوة في الوسط الفني الذي كانت فتحية شريف جزءاً منه، حول علاقة الحب بين شادية وحمدي، حتى وقع خلاف بين الزوجين ترك على إثره حمدي بيت الزوجية.

زواج شادية وعماد حمدي

في تلك الأثناء سافرت شادية إلى الإسكندرية للاستجمام والراحة من عناء العمل وهرباً من الإشاعات أيضاً، وفضلت أن تقيم في أحد الفنادق ولم تنزل في شقة شقيقتها الكبرى سعاد شاكر التي كانت تمضي إجازة الصيف مع زوجها هناك، وكانت على علم بعلاقة الحبّ بين شقيقتها وبين الفنان عماد حمدي، مع أنها عارضتها لسبب وحيد هو أن الأخير متزوج وله ولد من زوجته فتحية شريف يدعى نادر وكان في عامه الثالث.

لم يعد حمدي يستطيع الابتعاد عن شادية أو يقاوم حبها المتدفق في قلبه، وما إن عرف أنها سافرت إلى الإسكندرية حتى لحق بها فوراً، وكان زوج سعاد، أحد أشد المعجبين بفن حمدي وبشخصه أيضاً، وعندما علم بوجوده في الإسكندرية استدعاه وشادية إلى شقته وأحضر المأذون وأتم زواجهما وأمضيا شهر العسل في الإسكندرية على شاطئ جليم الذي كان شاهداً على حب أسعد زوجين في العالم.
الموضوع الأصلى : شادية قمرا ّ لن يغيب  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: هدى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com
هدى
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 35667
تاريخ التسجيل : 06/12/2007
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: شادية قمرا ّ لن يغيب   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 22:15



شادية... قمر لا يغيب (10)


يوم من عمري

منذ مطلع الخمسينيات أكمل منير مراد ما بدأه محمد فوزي من امتلاك مفاتيح صوت شادية، ليجعله أحد الأصوات المميزة على الخريطة الغنائية، لدرجة أنه ما إن تستمع إلى المقدمة الموسيقية وهي تتراقص حتى تعرف فوراً أن المقبل عليك هو صوت شادية، ومثلما قدّم لها فوزي أغنيات كثيرة منذ تعاونهما الأول في فيلم «العقل في إجازة»، قدم لها مراد أغنيات استطاعت عبرها إثبات أنها تتقن هذا النوع من الغناء مثل: «واحد اتنين»، «يا *** من عيني النوم»، «يا دبلة الخطوبة»، «مكسوفة»، «إن راح منك يا عين»، وغيرها من الأغاني، التي أصبحت من علامات سينما تلك المرحلة، غير أن تفكير شادية كان يسبق دائماً العصر الذي تعيشه، ويرتسم أمامها سؤال واحد: ماذا ستقدِّم غداً؟

هذا السؤال طرحته على نفسها فور عودتها من شهر العسل مع زوجها الفنان عماد حمدي، فقد عاش الزوجان أسعد أيام حياتهما وشعرت شادية بأنها تريد أن تبدأ من جديد:

• تعرف يا عماد أنا حاسة إني اتولدت من جديد... لكن خايفه.

- خايفه!! من إيه؟

• خايفه إن السعادة تخلص بسرعة.

- عمرها ما هتخلص طول ما إحنا مع بعض.

• حاسة إني عايزه أعمل حاجات كتير وشغل كتير.

- إحساس جميل... بس أنا من رأيي إن سمحت لي يعني ...

• سمحت لك... برضه ده كلام... إنت تقول اللي إنت عايزه.

- قصدي يعني إنك وصلت لمرحلة من النجومية لازم تقفي عندها شويه... وتفكري في اللي جاي بشكل مختلف.

• هو ده فعلا اللي بفكر فيه وناويه عليه.

- وأنا واثق بذكائك وخياراتك.

أرادت شادية أن تكون تلك المرحلة نقطة فاصلة في حياتها الفنية كما كانت في حياتها الخاصة، غير أن ارتباطها بعقود وأفلام فرض عليها الشروع في تصويرها، فكان عليها الوفاء بالتزاماتها، من ثم التفكير في ما يمكن أن تقدمه في المرحلة المقبلة.

ففي العام الذي تزوجت فيه عماد حمدي، كانت شادية قد تعاقدت على أكثر من عشرة أفلام، بدأتها
مثل «مغامرات إسماعيل ياسين» (1954) مع المخرج هنري بركات، ثم «أنا الحب» مع المخرج نيازي مصطفى أمام محسن سرحان ويحيى شاهين، «بنات حواء» مع الفنان محمد فوزي والمخرج محمود ذو الفقار، أدت فيه دور فتاة شقية دلوعة تبحث عن الحب، وغيرهم

قصة حب ملتهبة

فكر المخرج حسن الصيفي أن ينقل قصة الحب الملتهبة بين الزوجين من الواقع إلى شاشة السينما، فجمع بينهما في فيلم «الظلم حرام»، وعلى الرغم من أن عماد حمدي كان فتى الشاشة الأول يتقدم اسمه بطلات عصره، باستثناء فاتن حمامة التي سبقت نجوميتها نجوميته لكن في افلام شادية ايضا اصبح اسمه يكتب بعدها بعد ان قفزت للقمة بسرعة

في تلك الفترة أيضاً أحيا المخرج محمد عبد الجواد الثنائي الشهير شادية وكمال الشناوي من جديد في فيلم «ألحقوني بالمأذون»، ثم في «الستات ما يعرفوش يكدبوا» وقد منح فيه فرصة البطولة المطلقة للممثل الشاب شكري سرحان، بمشاركة إسماعيل ياسين.

بثم جمع المخرج إبراهيم عمارة الزوجين من جديد في فيلم «ليلة من عمري»، لم تتردد شادية لحظة في قبوله فتفرّغت له تماماً ليس لأنه يجمعها مع الزوج والحبيب، إنما لأنها أخيرا وجدت ضالتها:

• أنا سعيدة... سعيدة جداً يا عماد.

- صدقيني أنا أسعد... مش بس لأنك زوجتي وحبيبتي... لا... لأنك فعلا ممثلة عظيمة وموهبة نادرة.

• أخيرا لقيت الفيلم اللى هيخرجني من الشرنقة اللي حطوني فيها المخرجون من ساعة ما بدأت... دور جديد وشكل جديد، وكمان فيه تمثيل بجد، مش بس بنت خفيفة بتدوّر على الحب ومكسورة ومغلوبة على أمرها... لا بنت قوية وبتتمسك بحقها في الحب والحياة، بتتحدى الظروف علشان تعيش.

- طبعا يا ست... مين قدك الفيلم كله لحسابك... أنا يا دوب دور صغير قد كده... شوية في أول الفيلم وشوية في آخره... لكن إنت من الجلدة للجلدة...

• ده تواضع ولا إيه من فتى الشاشة الأول؟

- لا أبداً... صدقيني أنا فرحان أكتر منك... الدور صعب ومحتاج تمثيل... بس أنا واثق إنك هتعمليه بجداره... وهيكون علامة في تاريخ السينما، قبل ما يكون في تاريخ شادية.

• لو سمحت... شادية وعماد حمدي.

وحيدة على الساحة

مثلما جمعت في أفلامها بين نجوم السينما والغناء وكبار المخرجين على مختلف مدارسهم واتجاهاتهم، استطاعت شادية بذكاء فطري أن تجمع بين كبار المؤلفين والملحنين الذين كتبوا لها أغنياتها، مثل فتحي قورة، مأمون الشناوي، مرسي جميل عزيز، محمد علي أحمد، حسين السيد، على اختلاف اتجاهاتهم في كتابة الشعر الغنائي، وربما تكون هذه إحدى أهم مميزات شادية أنها حققت نجومية جماعية.

ولشدة نجاح شادية كمطربة في تقديم الأغنية السينمائية، شعر الجمهور عقب احتجاب ليلى مراد في النصف الأول من خمسينيات القرن العشرين، أنها الوحيدة القادرة على ملء الفراغ الذي تركته ليلى مراد بابتعادها المبكر وهي في القمة وقادرة على العطاء سنوات طويلة.

بابتعاد ليلى مراد، فقدت الأغنية السينمائية ثلاثة من أهم المطربات هن: رجاء عبده، نور الهدى، ليلى مراد. فقد ابتعدت رجاء عبده أولا ثم غادرت نور الهدى مصر نهائياً عائدة إلى وطنها لبنان، هكذا اقتصرت الأفلام الغنائية على شادية وصباح التي بدأت تلمع في مطلع الخمسينيات، غير أن رصيد شادية كان يفوق رصيد صباح بأضعاف، لأنها حققت رقماً قياسياً لم تحققه مطربة أخرى، فضلا عن تميزها في ما يطلق عليه «الدويتو الغنائي»، حيث نجحت في الغناء مع أي مطرب كانت الضرورة السينمائية تفرضه.

غنت مع المطرب محمد الكحلاوي في فيلم «الصبر الجميل » (1952)، ونجحت بشكل لافت، مع العلم أن صوت الكحلاوي كان أقرب إلى الغناء الشعبي ووظفه في ما بعد في الأغاني الدينية، كذلك شاركت المغني عزيز عثمان، صاحب الصوت الأجش الخفيف الظل، دويتو في فيلم «ساعة لقلبك» (1952)، ما جعله محبوباً ومقبولا لدى الجمهور، فضلا عن مشاركتها إسماعيل ياسين وشكوكو الغناء في أفلام عدة، كذلك المطرب جلال حرب.

لم تكن شادية تخشى على نفسها من هذه المشاركات، لأنها كانت تدخلها بثقة بنفسها ورغبة في التنوع وإثراء الشاشة قبل أن تثري تاريخها.

نضج فني

كان فيلم «ليلة من عمري» (1954- مطلع 1955)، مقدمة لمرحلة مختلفة في حياة شادية الممثلة استطاعت بعدها اختيار الأدوار، فقدمت في تلك الفترة مجموعة أفلام درامية واجتماعية مختلفة عكست نضجها كممثلة، وأعطت مؤشراً قوياً على الذكاء الفطري الذي تتمتع به.

كذلك استغل المنتجون والمخرجون الزواج السعيد بينها وبين عماد حمدي، لتقديم أفلام مميزة في الشكل والمضمون، ليس من جانب شادية فحسب إنما من جانب عماد حمدي، الذي تخطى الخامسة والأربعين من عمره، ولم يعد يهمه لقب «فتى الشاشة الأول» بقدر ما يهمه «استعراض عضلاته» كممثل من العيار الثقيل، بلغ مرحلة من النضج أهلته إلى إتقان التمثيل بمجرد «نظرة عين»، وظهر ذلك واضحاً في دوره في «شاطئ الذكريات» الذي تقاسم بطولته مع زوجته شادية وشكري سرحان، إخراج عز الدين ذو الفقار.

أدت شادية دور فتاة يتزوجها الأخ الأكبر (عماد حمدي) إنقاذاً لسمعتها بعدما غرر بها شقيقه الأصغر وفرّ، وتثمر جريمته عن طفل يصبح كل حياتها، وعندما يعود الأخ الأصغر ويطالب بحقه في الطفل، تتمنى لو أن هذا الأخير من الأخ الأكبر.

• تعرف لما كنت بقولك في الفيلم «كان نفسي الطفل ده يكون ابنك إنت» كنت بقولها من قلبي بجد بعيد عن التمثيل.

- علشان كده كان إحساسك صادق جداً... وظهر ده للجمهور اللي ما بطلش تصفيق لك.

• الجمهور كان بيصفق للممثلة... لكن اللي ميعرفوهوش الجمهور إحساسي من جوه... ورغبتي فعلا أن يكون لي ابن منك.

- يا ستي ما تستعجليش... بكره ياما هتشبعي أولاد... وبعدين هو إحنا مش متفقين؟!

كانت شادية تتمنى أن يحدث ذلك في الواقع بينهما كزوجين سعيدين لا ينقصهما سوى أن يملأ حياتهما طفل طالما تمنته، فقد كان كيانها مفعماً بحلم الأمومة، نظراً إلى حبها الشديد للأطفال، غير أنها، عندما تزوجت من عماد، كان ثمة اتفاق بينهما على تأخير الإنجاب أعواماً من دون أن تفهم سبب إصرار زوجها على ذلك، إلا أن رغبتها الجارفة في تحقيق هذا الحلم دفعتها إلى مخالفة الاتفاق، وحملت بالفعل، على رغم نصائح الأطباء لها بخطورة الحمل على صحتها، لكن الله لم يحقق لها رغبتها وأسقط الجنين رغماً عنها نتيجة ضعف صحتها.

مع عبد الحليم حافظ


ومثلما مدّت شادية يدها لعبدالحليم حافظ في بداية عمله في السينما في فيلم لحن الوفاء ، ظهر على الساحة مطرب جديد اسمه كمال حسني، قريب إلى حدّ كبير من عبد الحليم حافظ، في الملامح والصوت، فأحدث ظهوره ضجة، لدرجة أن البعض توقّع أن يحلّ مكان عبد الحليم حافظ على عرش الغناء الجديد.

ولأن شادية تميزت برقة المشاعر وبروح إيجابية في التعامل مع الفنانين الجدد، لبّت طلب المنتجة ماري كويني (شاركت شادية في أفلام عدة من إنتاجها)، وظهرت في فيلم «ربيع الحب» مساندة للمطرب كمال حسني. نجح الفيلم وأقبل عليه الجمهور بسبب وجود شادية التي غنت مع كمال حسني دويتو «لو سلمتك قلبي واديتك مفتاحه».

بداية النهاية

في تلك المرحلة اتسعت علاقات شادية وتنوعت، فبدأت الغيرة تتآكل قلب عماد حمدي بسبب فارق السن بينهما، وسرعان ما تحولت إلى قضبان تخنق شادية وحبها له، بخاصة بعد ظهورها في أفلام مع نجم الرومنسية عبد الحليم حافظ، والشاب الجديد كمال حسني، وقبلهما فريد الأطرش.

كانت شادية تصوّر فيلم «ودعت حبك» في مدينة السويس أمام الفنان فريد الأطرش، تؤدي فيه دور ممرضة في معسكر للجيش، بينما يؤدي فريد الأطرش دور أحد الضباط المصابين في الحرب ويقصد المعسكر للعلاج، وكان من الطبيعي أن ينزل فريق عمل الفيلم في أحد الفنادق إلى حين الانتهاء من التصوير، فهاتفها عماد حمدي وأبلغها بأنه سيوافيها في السويس وطلب منها أن تنتظره في محطة القطار. قصدت شادية المحطة وانتظرت طويلا ولم يصل القطار، عندها عادت إلى الفندق وانتظرته فيه بخاصة أن عماد يعرف طريقه، لكنه كان يريد أن تنتظره في المحطة كنوع من خضوع الزوجة لزوجها.

وصل القطار متأخرا، وعندما نزل عماد ولم يجد شادية، استشاط غضباً، فتوجه إلى الفندق وكانت عيناه تتقدان شرراً، دخل إلى الكافتيريا حيث تجمع فريق العمل كالعادة بعد نهاية يوم تصوير شاق، وكانت شادية تجلس بجوار فريد الأطرش يضحكان على قفشات ونكات السيد بدير وعبد السلام النابلسي، ويتابعهم المخرج يوسف شاهين، نظر إليه الجميع وهموا أن يرحبوا به، لم يلتفت إلى أي منهم وتوجه مباشرة إلى حيث تجلس شادية مع فريد، همت واقفة:

• حمد لله على السلامة... اتأخرت قوي كده ليه.

- أنا مش قلت لك تستنيني على المحطة؟

• حبيبي استنيتك كتير القطر اتأخر قوي.

- ولو... أنا كلامي لازم يتنفذ بالحرف.

ورفع عماد يده في الهواء لينزل بها على وجه شادية، فما أن لمحت شادية هذا التصرف حتى بادرته:

• لو إيدك اتمدت عليا تطلقني.

يبدو أنها لم تكن المرة الأولى التي تمتد فيها يد عماد حمدي على شادية، وإلا لما كانت أطلقت هذا التهديد، مع ذلك لم يعبأ عماد بتهديدها، وهوت يده على وجهها بصفعة قوية أمام فريق العمل ونزلاء الفندق... عندها أسرعت إلى غرفتها في الفندق وساد صمت بين الحضور مصحوب بنظرات دهشة وعلامات تعجب!

كان هذا الموقف فاصلا في حياة شادية وفي تاريخ العلاقة الزوجية، وأصرّت أمام هذا التصرف على تنفيذ تهديدها والتمسك بحقّها، لتنتهي أجمل قصة حب عرفها الوسط الفني في الخمسينيات بالطلاق الذي تمّ فجأة وبسرعة تماماً كما تمّ الزواج، فانتهى عام 1956 وانتهت معه أشهر قصة حبّ وأسعد زوجين.

واجهت شادية بعد ذلك سيلا من الإشاعات ربطت بينها وبين النجوم سواء في الوسط السينمائي أو الغنائي أو الصحافي... فبعدما ماتت إشاعة زواجها من كمال الشناوي بزواجها من عماد حمدي، انطلقت إشاعة أخرى بعد طلاقها منه حول قرب زواجها من الموسيقار فريد الأطرش، لا سيما بعد اشتراكها معه في فيلم «ودعت حبك» (1957) إخراج يوسف شاهين الذي شهد نهاية العلاقة بينها وبين عماد حمدي.

هكذا أصبح الألم عنواناً عريضاً من عناوين حياة شادية الإنسانة، فقد أسهم في تكوين شخصيتها، وأضفى عليها مسحة من الحزن توارت خلف مرورها الخفيف أمام كاميرات السينما، وجو البهجة الذي كانت تنشره بأغنياتها المرحة.

ألم الفقد... ألم الفراق... ألم الحرمان من أعز حلم لها وهو «الأمومة»، مع ذلك كانت تطوي نفسها على آلامها راضية بما قسم الله لها وتمضي في مسيرتها تسعد الناس وتفيض حباً وحنانا ًعلى المحيطين بها كشجرة غزيرة الثمر.
الموضوع الأصلى : شادية قمرا ّ لن يغيب  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: هدى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com
هدى
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 35667
تاريخ التسجيل : 06/12/2007
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: شادية قمرا ّ لن يغيب   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 22:16



شادية... قمر لا يغيب (11)


زواج وطلاق وإشاعات

عقب طلاق شادية وعماد حمدي انتشرت أقاويل حول علاقتها بفريد الأطرش وقرب زواجهما، لا سيما بعد الخلافات التي شهدتها تلك الفترة بين الأطرش وسامية جمال وظهور شادية بعد الطلاق في حفلات وسهرات هذا الأخير، وعمّق هذه الأقاويل فيلمهما الثاني معاً «أنت حبيبي» (1957)، الذي ظهر فيه الأطرش مختلفاً عن أفلامه السابقة، الأمر نفسه بالنسبة إلى شادية، فتوطدت علاقة صداقة بينهما ونمت مشاعر بريئة صادقة، غير أن فريد كان يسمع، كلما قاربت قصة حب يعيشها من نهايتها السعيدة، هاتفاً يتردد في داخله: «الزواج يقضي على الحب».

بينما كانت شادية تنتظر أن تسمع كلمة «زواج» من فريد، فاجأها بالسفر إلى باريس لإجراء فحوصات طبية للاطمئنان على صحته، ومن باريس جاءها الهاتف الذي تنتظره:

• وحشتيني ياشوشو

- وإنت كمان يافريد وحشتني قوي... هتيجي إمتى؟

• كلها كام يوم... هاخد المركب من مارسيليا لإسكندرية...

- توصل بالسلامة.

• عاوزك تستنيني في إسكندرية... بس لوحدك من غير حدّ ما يعرف... أول ما هارجع هنتجوز في إسكندرية ونقضي شهر العسل في بيروت.

- إيه بتقول إيه؟ الصوت بعيد.

• بقولك أول ما أرجع هنتجوز في إسكندرية.

تأخر فريد في عودته، وعاد إلى القاهرة بدلا من الإسكندرية... وبدا كعادته متردداً، غير أن الصحافة حسمت موقفه في الزواج من شادية، بعدما انتشرت أخبار تؤكد فشل العلاقة بينهما وإحجام شادية عن التفكير في الزواج أو الحب~ وتفرغت لعملها، كأنه كان ينتظر شيئاً يحسم به موقفه، فابتعد من دون كلام... وأبت كرامة شادية أن تسأله لماذا لم يفِ بوعده.

فجأة حدث ما لم تتوقعه شادية أو تنتظره، ففي إحدى السهرات التي كانت تقضيها مع أهل الفن، التقت مهندساً إذاعياً في الإذاعة المصرية برفقة خالتيه ميمي وزوز شكيب:

• اسمي عزيز فتحي... مهندس في الإذاعة المصرية.

- أهلا وسهلا... وأنا...

مقاطعا لها برقة:

• إنت!! إنت إيه... أنا ممكن ما أستغربش لو القمر نزل وعرفني بنفسه... لكن النجمة الكبيرة شادية محتاجة إنها تعرف نفسها؟!

- إنت باين عليك مجامل قوي.

• صدقيني محدش يقدر يجاملك... لأنه مهما قال ووصفك هيكون مقصر في حقك.

كان المهندس عزيز فتحي يصغر شادية بعامين تقريباً، والده المهندس المعماري محمد فتحي، وبعد التعارف، عملت ميمي شكيب على التقريب بينهما، ونمت علاقة بينهما لم تتعدَّ عند شادية حدود الإعجاب فيما وقع فتحي في الحب من النظرة الأولى، بعد فترة تعارف قصيرة جداً قررا الزواج.

للمرة الثانية يتمّ الزواج في طقوس توحي بأنه مفاجئ أيضاً، للمرة الثانية يتم الزواج في شقة سعاد الشقيقة الكبرى لكن هذه المرة في القاهرة على كورنيش نيل العجوزة وبحضور اقتصر على الأشقاء: طاهر ومحمد وسعاد وعفاف ووالديها، بعد عقد القران قرر العروسان السفر إلى الإسكندرية لمفاجأة باقي أفراد الأسرتين الذين لم يحضروا عقد القران، إلا أنهما يفاجآن بوفاة الفنان سراج منير، زوج الفنانة ميمي شكيب خالة العريس، فقررا كتمان خبر الزواج، وعلى رغم السرية فوجئ العروسان بنشر الخبر في الصحف، في اليوم التالي، ما أحرج شادية أمام ميمي شكيب التي أدت الدور الأكبر في إتمام هذا الزواج.

خيانة

تزوجت شادية للمرة الثانية في 20 يناير 1958 بشكل سريع ومفاجئ حتى على شادية نفسها، لم تعرف كيف تم الزواج بهذه السرعة وهذه الطريقة التي لم تمنحها وقتاً كافياً للتفكير، أو حتى دراسة العريس بشكل كافٍ والتعرف إلى شخصيته عن قرب، فلم يكن بينهما علاقة حبّ تطورت إلى زواج، بل مجرد إعجاب متبادل استطاع المهندس عزيز أن يطوره بسرعة شديدة إلى زواج وليس إلى حبّ، ولأن شادية كانت تعاني آثار تجربة الزواج الأولى التي فشلت، لم يكن لديها مشاعر راسخة يمكن أن تحكم من خلالها على الأمور بشكل صحيح، مع ذلك ارتضت بالأمر الواقع، حتى اكتشفت الخديعة التي وقعت ضحية لها، فلم يكد يمرّ شهر على الزواج حتى اكتشفت أنها الزوجة الثانية للمهندس عزيز فتحي، ولم يكن زواجه الأول مشكلة في حد ذاتها، باعتبار أنه لم يكن الزوج الأول لها، غير أنها اكتشفت أنها الزوجة الثانية في ظل وجود الزوجة الأولى في حياته وعلى ذمته!

قلبت شادية الدنيا رأسا على عقب، واعتبرت أنه خدعها حين أوهمها بأنه طلق زوجته الأولى قبل أن يرتبط بها، من هنا بدأت المشاكل بين شادية وزوجها عزيز فتحي، ليس لوجود زوجة أولى في حياته فحسب، فقد ارتضت شادية الأمر الواقع، لكن لسبب آخر أهم وأخطر، وهو ضيق زوجها الشديد من شهرتها ونجوميتها وإقبال المعجبين عليها في كل مكان يذهبان إليه، لم يكن أحد يعرفه أو يلتفت إليه.

لاحظت شادية ذلك، وبذكاء الفنانة والإنسانة حاولت أن تلفت الأنظار إليه وسط الجمهور العادي وليس الوسط الفني فحسب، فقد حرصت على المحافظة على هذا الزواج وإبعاده عن حافة الانهيار، خشية فشل التجربة الثانية بسرعة ولم يكد يمضي على زواجهما سوى بضعة اشهر، لدرجة أنها حاولت فتح المجال لزوجها المهندس الشاب للعمل في السينما بعدما عرض عليه بعض المخرجين ذلك، وأقنعته على أساس أن يعوّض الفارق بين دخله من عمله ودخلها الكبير من فنها، حتى لا تكون ثمة حساسية بينهما، وأجري له اختباران أمام الكاميرا غير أنه فشل فيهما، ما أدى إلى ردة فعل سيئة عنده، وأصبح يتدخل في عملها ويتبعها في الأستوديوهات التي تصور فيها ويقيّد من حريتها، ليس من خلال رأي يتذوق الفن إنما من خلال سلطته كزوج!

استطاعت شادية أن تمرر المشاكل بينهما حتى لا يصطدم زواجهما على صخرة الطلاق وتجد نفسها مطلقة للمرة الثانية، غير أنها لم تعد تستطيع التحمل، بخاصة بعدما زادت غيرته وتدخلاته بداع ومن دون داع، بل وصل الأمر إلى أكثر من ذلك، فقد امتدت يد عزيز على شادية أكثر من مرة، وأمام تكرار ذلك لم تجد شادية حلا سوى طلب الطلاق الذي ماطل فيه، فأقامت دعوى قضائية استمرت في المحاكم فترة ليست طويلة، ولم تنته إلا بعد اتفاق ودّي بين والد الزوج المهندس محمد فتحي ووالد شادية المهندس كمال شاكر وبعض المقربين من الطرفين، دفعت شادية بموجبه ألف جنيه مصري مقابل الطلاق، وتم الطلاق في ديسمبر من العام 1958، قبل أن يحتفلا بعيد زواجهما الأول في يناير من العام الجديد.

ممثلة.. من دون غناء

بعد طلاقها، تفرغت شادية لممارسة حياتها بشكل طبيعي، فلم تترك هذه التجربة آثارا سيئة بقدر ما أضافت إليها خبرات جديدة ومهمة كإنسانة، حيث توطدت علاقتها بأسرتها من جديد، فاقترب منها والدها بشكل أكبر وأصبح شقيقها طاهر في حكم مدير أعمالها لا يفارقها لحظة أثناء التصوير أو بعيداً عنه ويلازمها في الحفلات والسهرات، بحيث لم تكن تقدم على خطوة من دون مشورته والأخذ برأيه.

قررت شادية أن يكون وجودها على الساحة الفنية مختلفاً، فقد حققت خلال هذه السنوات نقلة ظاهرة من أفلام الدلع والخفة إلى الأفلام التي ظهرت في معظمها ممثلة فحسب، وارتأت ألا تغني فيها إلا إذا كانت ثمة ضرورة ملحة لذلك، فكانت تلك المرحلة بحق «مرحلة شادية الممثلة».

ترددت شادية قبل اتخاذ هذا القرار لكنها في النهاية أعلنته وبررت ذلك بأن الغناء في الأفلام أصبح مواقف مفتعلة تقطع سياق الدراما، وأن نضجها الفني اكتمل وتجاوزت السن التي كانت تغني فيها الأغاني الخفيفة وأغاني الرحلات والشقاوة، وقد ناقشت هذا الأمر مع شقيقها طاهر، الذي يمثل الكثير في حياتها، كإنسانة وفنانة:

• يعني إيه عايزه تبقي ممثلة بس... مش فاهم؟

- يعني عايزه أثبت لنفسي قبل الجمهور والنقاد... إن أفلامي بتنجح لأني ممثلة كويسة... مش لأني شادية المطربة.

• وهو التمثيل جديد عليك... القصة دي انتهت من زمان.. شادية مش هتبدأ النهارده... إنت دلوقتي لك اسم وتاريخ وأعمال كتيرة مشرفة... كممثلة قبل ما تكوني مطربة.

- ماهو علشان كده... علشان التاريخ والأعمال دي... شادية النهارده لازم تبقى مختلفة عن إمبارح.

• عموما ده اختيارك... ومفيش مانع تجربي.

يبدو أن ذلك المبرر لم يكن مقنعاً لطاهر ولم يعجب الجمهور ولا النقاد، وانطلقت الإشاعات تؤكد أن شادية فقدت صوتها ولم تعد قادرة على الغناء لذلك لن تغني في أفلامها أو ربما فقدت أهم مزايا صوتها، ولشدة حبّ الناس لها قبلوا هذه الإشاعة وتعاطفوا معها، فيما اعتبرت هي هذا القرار اختباراً حقيقياً لقدراتها كممثلة أو فنانة تستطيع أن تجذب الناس بتمثيلها من دون غناء.

عوضت شادية عدم الغناء في الأفلام بإحياء المزيد من الحفلات والأغاني في الإذاعة بعدما ابتعدت عنهما في الفترة السابقة، في محاولة منها لتثبيت ذاتها ونجوميتها في كل مجال بعيداً عن الآخر، ليظل رصيدها في القمة.

عماد حمدي مجدداً

في تلك الفترة كانت شادية تظهر بمفردها في المجتمعات التي ترتادها، بخاصة المجتمع الصحافي الذي أدخلها إليه الصحافي مصطفى أمين، وقد بدأ يؤدي دوراً بارزاً من وراء الستار في توجيه شادية نحو اختيار ما يناسب هذه المرحلة والابتعاد عن أفلام الدلع والأفلام الخفيفة والتركيز على تقديم الأفلام الدرامية والاجتماعية وحتى الميلودرامية. فبعدما قدمت أفلاما مثل: «قلوب العذارى»، «ارحم حبي»، «عش الغرام»، وهي من النوعية التي دأبت شادية على تقديمها في المرحلة السابقة، ظهر عماد حمدي وشادية معاً من جديد، ما شجع المخرج محمود ذو الفقار على أن يسند إليهما بطولة فيلم يجمعهما إضافة إلى الفنان كمال الشناوي ليكون الثلاثة معاً وجها لوجه من جديد، غير أن شادية لم تكن تعبأ بذلك، كل ما فكرت فيه أن فيلم «المرأة المجهولة» سيكون علامة فارقة في تاريخها، ظهرت فيه بدور الأم لأول مرة على الشاشة، ليس أماً لطفل طالما تمنته، لكن أماً لممثل ونجم مثل شكري سرحان الذي سبق أن ظهرت معه في دور حبيبته، وهو ما لم يقتنع به المقربون منها، بمن فيهم شقيقها طاهر:

• إزاي تبقي طالعة في فيلم «الستات ميعرفوش يكدبوا» مرات شكري سرحان، وتيجي النهارده تعملي أمه... الجمهور مش هيقتنع... دي مخاطرة كبيرة يا شادية.

- هي مخاطرة بس محسوبة... وبعدين هند رستم كانت موافقة على الدور وهتعمله... لولا إن حسن الإمام اختلف مع المنتج ومشي، فمشيت هند رستم كمان مع حسن... ولا إنت شايف إن هند ممثلة تقدر على الدور وأنا لا؟!

• مش قصدي يا حبيبتي إنت ممثلة عظيمة... لكن أنا خايف من تأثير الدور ده على جمهورك، وأنه يتعود منك الأدوار دي بعد كده ومتعرفيش ترجعي منها تاني

- يا طاهر الجمهور أذكي من كده بكتير... وأنا واثقة أن الجمهور هيصفق لي كتير في الدور ده بس ادعو لي ربنا يوفقني فيه.

كما توقعت شادية، جاء أداؤها في هذا الفيلم قوياً بل مرعباً لنجمات عصرها من هذه الموهبة الجبارة والجرأة غير العادية التي تتمتع بها، فعرفت شادية طريقها إلى الجوائز بعد هذا التاريخ 1959، ما دفعها إلى التأني في اختيار أدوارها.

مع بداية حقبة الستينيات اختارها المخرج صلاح أبو سيف لتشارك النجم الصاعد بقوة عمر الشريف ومعهما الفارس النبيل أحمد مظهر لبطولة فيلم «لوعة الحب»، أدت فيه دور الفتاة الناضجة التي تبحث عن الحبّ الحقيقي وليس الفتاة الخاضعة لجبروت الرجل وتحكمه.

زوج ثالث

بعد زواجين وحبّ فاشل لم يكلل بالزواج، شعرت شادية بأنها تريد أن تتفرغ لفنها وأسرتها فحسب، أن تعيش في هدوء بعيداً عن التوتر والزواج والغيرة والعناد، مع ذلك لم ترحمها الإشاعات، ففي تلك الفترة توطدت علاقتها بالوسط الصحافي بقوة وترددت على سهرات تجمع كبار الصحافيين والأدباء والمثقفين والفنانين، لذا كان طبيعياً أن تمتد جسور التعارف بينها وبين نجوم هذه السهرات الفكرية التي دخلت عالمها من خلال الكاتب مصطفى أمين.

غير أن ذلك التداخل كان له ثمنه أيضاً، إذ فوجئ الكاتب الصحافي أحمد رجب بشائعات تطلق عليه لقب «الزوج الثالث لشادية»، وأن ثمة إعجاباً متبادلا بينهما، كالعادة تنفي شادية:

• شرف ليّ إني أرتبط بصحافي لامع زي الأستاذ أحمد رجب... لكن ده محصلش... كل الحكاية أنه صديق مقرب وبعتز بصداقته زيه زي كل القريبين منيّ اللي بتجمعني بيهم صداقة بريئة وجميلة.

- يعني مش ممكن يحصل في المستقبل؟

• المستقبل بيد الله... ومحدش يعرف إيه اللي ممكن يحصل بكره.

كانت ردود شادية من الذكاء بحيث تنفي أي علاقات غير حقيقية، وفي الوقت نفسه لا تجرح الآخرين، أو تحديدا ممن يتم ترشيحهم للزواج منها من الأصدقاء سواء الفنانين أو الصحافيين، وهو ما جعل أحمد رجب يكتب هذه القصة بشكل ساخر في مجلة «الجيل» التي تصدرها دار «أخبار اليوم»، في شكل خيالي تحت عنوان «أنا جوز شادية»:

«فجأة كدت أصبح جوز شادية وفجأة أيضا كدت أتحول إلى «طبق فتة» لزملائي الصحافيين وخصوصا زميلي المهذب المتربي المؤدب ابن الناس «جليل البنداري» الشهير باسم «جليل الأدب»!!

فإذا شاهدني زملائي أراقص شادية في أيام الخطوبة والغرام الحامي، وضعوا اسمي «ملفوفاً» في باب «أخبار الناس» قائلين مطربة سينمائية معروفة كانت ترقص مع صحافي شاب في «بلفدير هيلتون» طوال الليل واليد باليد والخد على الخد والزواج في الغد، فإذا تزوجتها نقلوا اسمي من باب أخبار الناس إلى الصفحة الأولى مع صورتي طبعاً، فإذا قضينا شهر العسل نقلوا اسمي بعد تسعة أشهر من الصفحة الأولى إلى باب «مواليد الأمس» مسبوقا باسم النبي حارسه أنبته الله نباتاً حسناً، فإذا أثارت شادية غيرتي وضربتها قلمين نقلوا اسمي من «مواليد الأمس» إلى حوادث أمس، فإذا أصرت شادية على الطلاق وطلبت أنا ألف جنيه لأطلقها نقلوا اسمي إلى صفحة الجرائم، وهكذا ظل اسمي يتجول ويتنزه في طول الجريدة وعرضها لأنني جوز شادية، كدت هذا الأسبوع أن أصبح ذلك الجوز والحكاية في منتهى البساطة يمكن أن تحدث لك فجأة كما حدثت لي».

هذا المقال الطريف الساخر الذي كتبه أحمد رجب نفى فيه زواجه من شادية ولخص فيه ما تعرضت له في زواجها الثاني تحديداً، مع ذلك شعرت شادية بأنها أمام دنيا جديدة، أخذ بيدها فيها الكاتب الصحافي مصطفى أمين وجعلها جزءاً منها، وعرفت فيها المعنى الحقيقي للحياة.
الموضوع الأصلى : شادية قمرا ّ لن يغيب  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: هدى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com
هدى
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 35667
تاريخ التسجيل : 06/12/2007
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: شادية قمرا ّ لن يغيب   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 22:18

شادية... قمر لا يغيب (12)


تحقيق أمام المخابرات

في هذا العالم الجديد، عالم الصحافة، خرجت شادية من دائرة حياتها التقليدية المحصورة في التمثيل والغناء، وانتقلت إلى حياة جديدة قابلت فيها شخصيات مرموقة تتحدث في الصحافة والأدب والسياسة والفن وشتى أمور الدنيا، وفي هذا العالم أيضاً ولدت صداقة جميلة بين شادية ومصطفى أمين، الصحافي اللامع الذي تسرّب إلى عقلها وشعرت تجاهه بنوع من الحبّ.

انجذبت شادية نحو هذا العالم الساحر، وليلة بعد ليلة كانت تسهر مع صفوة المجتمع في ضيافة مصطفى أمين من بينهم: الموسيقار كمال الطويل، الشاعر كامل الشناوي، الكتّاب: أحمد رجب، موسى صبري، جليل البنداري، أنيس منصور، كمال الملاخ، قبلهم الموسيقار محمد عبد الوهاب والفنان عبد الحليم حافظ، وقد اقتربت شادية منهما خلال العام 1959، وشاركت حليم ونجاة الصغيرة ووردة الجزائرية وفايزة أحمد أوبريت «الوطن الأكبر» في أعقاب الوحدة بين مصر وسورية، من ألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب.

نشّط تردد شادية إلى هذا العالم برفقة مصطفى أمين الإشاعات من جديد حول نوعية العلاقة بينهما، كالعادة أطلق الصحافيون العنان لخيالهم ونسجوا قصصاً حول قرب زواج مصطفى أمين وشادية!

لم تتوقف شادية عند الإشاعات لانشغالها بأمر آخر أكثر أهمية، بخاصة بعدما تبدلت نظرتها إلى الأمور بفعل تلك الجلسات، فعزمت في تلك المرحلة الناضجة على أن تبني تاريخاً لممثلة سينمائية لا تختلف عن ممثلات عالميات بارزات صنعن نجوميتهن عبر التمثيل وليس التمثيل مع الغناء، لتثبت أنها موهبة فريدة وأن كنز مواهبها لا ينفد، غير أن مصطفى أمين استطاع أن يقنعها بالعدول عن هذا القرار:

• صدقيني دي نظرة غلط... وبعدين الجمهور عرف شادية الممثلة قبل ما يعرف شادية المطربة.

- أيوه يا مصطفى بس المخرجين حاصروني في منطقة، الجمهور ما شفش منها غير البنت الدلوعة اللي بتمثل شوية وبتقول أغاني خفيفة.

• تقدري تخرجي منها بإرادتك... وإنت شفتي بنفسك لما اشتغلتي مع محمود ذو الفقار ومع صلاح أبو سيف وكمان لما اشتغلتي مع المخرج المجنون ده اللي اسمه يوسف شاهين... عملتي حاجات ما تقدرش عليها ممثلاث عالميات... عارفه لو في تاريخ شادية مفيش غير فيلم «المرأة المجهولة»... كفاية لحد دلوقتي.

- نفسي يا مصطفى أصنع تاريخاً كبيراً في السينما.

• إنت فعلا عملتي كده... وبعدين كمان مش عاوز الكلام ده يخليكي تاخدي موقف من الأفلام الكوميدية... إنت بطبيعتك ممثلة دمها خفيف على الشاشة... متحرميش الجمهور من ده... صدقيني... ده لو كنت بتثقي فيّ.

شكل كلام مصطفى أمين دافعاً قوياً لأن تعيد شادية التفكير في قرارها، بالفعل عادت إلى الغناء والكوميديا في «الزوجة رقم 13»، أول فيلم عرضه عليها المخرج فطين عبد الوهاب، ونجح نجاحاً غير عادي لتعود البسمة والفرحة إليها من جديد، غير أن السعادة الحقيقية التي بلغت معها حدّ الرعب، كانت عندما عرض عليها المخرج كمال الشيخ رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب».

• أيوه طبعا عارفاها... دي رواية خطيرة... ده أنا تقريباً قرأت كل روايات نجيب ومعجبة جداً بيها وبأسلوبه.

- طب هايل ده هيختصر علينا الوقت... إيه رأيك في دور «نور».

• نور؟! أنا أعمل دور نور؟ إنت عارف هي بتشتغل إيه في الرواية؟

- طبعا عارف

• والجمهور ممكن يقبل؟

- الجمهور يعرف شادية أكتر من نور... وإنت طول عمرك بتقولي إن الجمهور أذكى من إننا نضحك عليه.

• أيوه... بس ده دور صعب قوي ومخيف...

- أنا واثق إنه مش صعب على شادية... لأنها تقدر على أكتر منه.

قدمت شادية الدور الذي كان نقلة نوعية مختلفة تماماً في حياتها، كذلك في حياة بطله شكري سرحان، وأحدث الفيلم دوياً غير عادي ونال إعجاب وتقدير صاحب الرواية الذي نادراً ما يعجب بأفلام مأخوذة عن رواياته، فلم يصدّق نجيب محفوظ أن شادية قادرة على تجسيد نور بهذه البراعة، كتب يقول:

«كنت أظن أن شادية لا علاقة بينها وبين أبطال رواياتي فهي تلك «الدلوعة» التي يحلم بها أي شاب، بينما أعمالي تدور في إطار مختلف... لكنها بهرتني بأدائها لدور نور».

أوسكار نجيب محفوظ

أصبحت شادية بعد دور «نور»، الممثلة التي تحلم بها لنفسها، لدرجة أن الصحف وصفتها بأنها سرقت الكاميرا من النجوم السينما عندما رشحها بقوة لتكون هي البطلة الوحيدة بلا منافس القادرة على تجسيد شخصية «حميدة».

إذا كانت شادية قد تمردت على طبيعتها الخاصة وأدت دوراً من أهم أدوارها على الإطلاق مع شخصية «نور» في فيلم «اللص والكلاب» (1962)، فقد استطاعت أن تتفوق على نفسها وعلى ممثلات جيلها، عندما اختارها المخرج حسن الإمام لتجسد شخصية «حميدة» في فيلم «زقاق المدق»، لكن هذه المرة كان ترشيحها للدور بإيعاز من صاحب الرواية نجيب محفوظ، بعدما شهد لها في «اللص والكلاب»، لتدهشه من جديد في واحد من أهم أدوارها، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، بل من أهم أفلام السينما المصرية، ما جعل نجيب محفوظ يميل برأسه على المخرج حسن الإمام في دار العرض قائلا:

• هي دي حميدة بالضبط... زي ما تصورتها وأنا بكتب.

- مش هتصدق لو قلت لك إنها كانت مفاجأة ليّ أنا شخصياً... دي ممثلة مفيش أختها...

• حاسس وهي بتمثل إن كل حتة في جسمها وكل خلجة بتنطق وتقول أنا حميدة... طاقة جبارة، فعلا كان عندها حق لما رفضت تحشر أغاني من دون داعي في الفيلم.

- بصراحة أنا لحد دلوقتي مش عارف إزاي قدرت ترفض الأغنية اللي لحنها لها محمد عبد الوهاب وقالت له: «ملهاش مكان هنا». وإنت عارف عبد الوهاب وقمصته!

عكست أدوار شادية في تلك المرحلة حالة من النضج تزامنت مع تحوّلها إلى الأداء الميلودرامي منذ مطلع الستينيات، وكان الكاتب مصطفى أمين أكثر الناس سعادة بها، فقد صدقت نبوءته فيها وفي إمكاناتها كممثلة ومطربة، وإن كانت تفضل النوعية التي تظهر قدراتها كممثلة من دون غناء كما في فيلم «الطريق» أمام رشدي أباظة عن قصة نجيب محفوظ أيضاً مع المخرج حسام الدين مصطفى، وزاد من سعادتها وثقتها في خياراتها ما أدلى به نجيب محفوظ للصحافة بعد النجاح الذي حققته في أفلامه قائلا:

«شادية ممثلة عالية القدرة استطاعت أن تعطي سطوري في رواياتي لحماً ودماً وشكلا مميزاً، لا أجد ما يفوقه في نقل الصورة من البنيان الأدبي إلى الشكل السينمائي، وكانت «حميدة» في «زقاق المدق» صورة لتلك القدرة الفائقة التي لا أتصور غير شادية قادراً على الإتيان بها، وهي كذلك في غير أعمالي، فقد رأيتها في بداياتها في دور الأم المطحونة المضحية في فيلم «المرأة المجهولة» وتصورت أن بمقدورها أن تحصل على جائزة «الأوسكار» العالمية في التمثيل لو تقدمت إليها».

بهذه الكلمات اعتبرت شادية أنها حصلت على جائزة «الأوسكار» بالفعل، فقد وضعتها هذه الأدوار في مكانة خاصة وقربتها من عالم مصطفى أمين بكل فخر واعتزاز بنفسها، وشعرت بأنها موجودة في العالم كبطلة أولى لا «كومبارس».

هكذا أصبحت ثقتها بنفسها وبخياراتها بلا حدود، سواء كإنسانة أو كممثلة ومطربة، بخاصة بعدما فصلت الغناء عن التمثيل في الأفلام، لتعوضه من خلال الحفلات الإذاعية أو تلك التي أصبح التلفزيون ـ بعد إنشائه في 21 يوليو 1960ـ ينقلها إلى جمهوره، وقدمت فيها شادية أغنيات تناسب مرحلة خياراتها في التمثيل، بأداء تميز بالرقي أقنع الجمهور الذي تقبّلها كممثلة لا تغني بقدر تقبله لها كمطربة تمثل، بل جعل ذلك صناع السينما أنفسهم يعترفون بأنها ليست كسائر المطربات اللواتي دخلن مجال التمثيل، وأنها تختلف تماماً عن أي مطربة عرفت طريقها إلى كاميرات السينما، فكانت مكافأتها شهادة من سيدة بمثابة الهرم بالنسبة إليها... فقد استخدم مصطفى أمين ذكاءه لتقديم هدية لشادية، إذ استغل قربه من سيدة الغناء العربي أم كلثوم وسألها رأيها فيها وما وصلت إليه فقالت:

«شادية صاحبة صوت جميل، سليم، متسق النسب والأبعاد، مشرق، لطيف الأداء، يتميز بشحنة عالية من الأحاسيس، بصوتها فيض سخي من الحنان، شادية واحدة من أحب الأصوات إلى نفسي، وأيضا ممثلة رائعة تعرف كيف تطور موهبتها».

لم تصدق شادية ما قالته عنها «كوكب الشرق»، وفطنت إلى هدية مصطفى أمين، الذي تحولت صداقته بها إلى عاطفة جميلة نبيلة، فلم يعد يستطيع أن يفارقها يوماً وعادت الإشاعات تدور حولهما من جديد. لأول مرة تشعر أسرتها، الأم والأب والأشقاء، بقلق من علاقة تدخلها شادية، وعلى الرغم من عاطفتها تجاه مصطفى أمين، التي تسربت إلى داخلها، إلا أنها راحت تؤكد لهم عكس ما يتصورونه ويتصوره الجميع:

• مصطفى أمين بالنسبة إلي أستاذ وصديق مهم جداً.. مقدرش استغني عنه لمجرد كلام فاضي بيتقال هناك ولا هناك.

- لو عايز يتقدم لك رسمي معندناش مشكلة... بس ده يبقى معلن وفي النور.

• هو مكلمنيش في حاجة زي كده لحد دلوقتي... بس صدقوني أنا عمري ما هعمل حاجة ضد قناعتي... ولا هعمل شيء في الضلمه.

ربما كانت شادية تتوقع أن يفاتحها مصطفى أمين في أمر الزواج في اللقاءات التي كانت تتم بينهما، غير أنه فاتحها في أمر آخر:

• عندي لك مفاجأة هتعجبك قوي.

- خير.. قول بسرعة.. إيه هي؟

• طب تبقى مفاجأة إزاي؟ عاوزه تعرفيها أنا مسافر بكره إسكندرية أنا وعبد الحليم حافظ... لو جيتي معانا هتعرفي المفاجأة.

معبودة الجماهير

في الطريق من القاهرة إلى الإسكندرية ولدت قصة فيلم «معبودة الجماهير» بينما كان مصطفى أمين يصطحب شادية وعبد الحليم حافظ في سيارته، تحدث الثلاثة في فكرة الفيلم واتفقوا على تنفيذه وإسناد إخراجه إلى حلمي رفلة:

• إيه رأيك يا حليم؟

- مفيش كلام فكرة هايلة وبصراحة هموت لو معملتش الفيلم ده.

• من ساعة ما خلصت كلامي مسمعتش رأيك يا شادية... الفكرة مش عجباكي ولا إيه؟

- هه... آه.

لا... يظهر أن شوشو مش معانا خالص.

لا أبدا... معاكم.

• كنت بسألك عن رأيك في فكرة الفيلم... مش عجباكي ولا إيه؟

- بالعكس... فكرة جميلة جدا وهيبقى فيلم رائع... بس...

بس إيه.. دور سهير في الرواية متفصل عليكي... وكمان أنا حاسس أن شخصية «إبراهيم» مرسومة عليّ.

• أنا مش قصدي... لكن الفكرة وعلاقة سهير بإبراهيم يعني تشبه علاقة الست أم كلثوم بـ......

ينتفض مصطفى أمين قائلا:

- مش صحيح... ملهاش علاقة بيها خالص...

هو إيه اللي مش صحيح وملهاش علاقة بيها... متفهموني

• شادية تقصد إن قصة الفيلم استوحتها من علاقة أم كلثوم بالملحن محمود الشريف.

- بالظبط.. قصدي كده!

بس أنا مش ملاحظ ده خالص.

• طبعا لأنه مش صحيح بالمرة... وبعدين مش أنا اللي استغل علاقتي بأم كلثوم وأعمل كده!

- مش عاوزاك تزعل... أنا بس كنت عاوزه اطمن... لأن الست دي بالنسبة لي هرم محبش حد يلمسه.

اقتنعت شادية بما قاله مصطفى أمين الذي انتهى بالفعل من كتابة الرواية، وعهد بها إلى حلمي حليم ومحمد أبو يوسف لكتابة السيناريو والحوار، من جانبه انشغل المخرج حلمي رفلة في اختيار بقية أبطال الفيلم، فيما رفضت شادية العروض التي انهالت عليها لتقديم أفلام سينمائية وقررت التفرغ تماماً لظهور هذا العمل إلى النور، باستثناء فيلم واحد كانت ارتبطت به ولم تستطع تأجيله، وهو «أغلى من حياتي» مع الفنان صلاح ذو الفقار، الذي تناول قصة حب ملتهبة بين شاب حالت الظروف دون زواجه من الفتاة التي أحبها، ويجمعهما القدر في ما بعد ويتزوجان سراً.

تحدي القدر

انتهى تصوير «أغلى من حياتي» وبينما كان الجميع يستعدّ للبدء بتصوير «معبودة الجماهير، وقع على رأسهم خبر كالصاعقة، فقد ألقت المخابرات المصرية القبض على الكاتب مصطفى أمين في 21 يوليو 1965 في حديقة منزله وبرفقته رجل المخابرات الأميركية «بورس تايلور أوديل» بتهمة التجسس لصالح أميركا.

لم يكن الموضوع مجرد اشتباه في تورط، فقد كانت التسجيلات التي أجرتها المخابرات العامة المصرية دليلا دامغاً على تورط مصطفى أمين في قضية تخابر مكتملة الأركان مع جهة أجنبية.

بدأت التحقيقات معه ومواجهته بالتسجيلات بصوته، كان لا بد من سؤال كل المحيطين به، ليس للتأكد من ثبوت الاتهام إنما للإلمام بالموضوع من جوانبه كافة، فكانت شادية من أوائل من تم سؤالهم، لا لشيء، لكن لأن ثمة معلومات أكدت وجودهما معاً بشكل دائم، بل ثمة شكوك دارت حول ارتباطهما بعقد زواج عرفي، الأمر الذي نفته شادية تماماً، عندما سئلت:

• إيه علاقتك بالكاتب مصطفى أمين؟

- علاقة صداقة وود... وكمان أخيراً علاقة عمل... لأني هعمل فيلم من تأليفه اسمه «معبودة الجماهير».

• هل تربطك به علاقة زواج رسمي... أو غير رسمي؟

- إطلاقا... صحيح فيه إشاعات كتير قالت الكلام ده... لكن ده ماحصلش... مصطفى أمين أستاذ كبير علمني إزاي أفكر بعقلي قبل قلبي، وكان بيدفعني دايماً للأحسن في شغلي وإني أقدم أدواراً جيدة، وكمان هو اللي أقنعني بأن أرجع أغني تاني بعدما كنت ابتعدت عن الغنا لفترة واكتفيت بالتمثيل.

• هل لاحظت عليه أي شيء مش عادي... أو علاقات مش عادية؟

- أستاذ مصطفى بحكم شغله كصحافي وكاتب كبير له علاقات مع ناس كتير قوي... وأنا كل اللي كان بيجمعني به إنه كان بيوجهني... فهو صاحب الفضل في النضج العقلي في تصرفاتي واختياراتي وعملي وأفلامي، وكمان في علاقاتي بالناس، أستاذ مصطفى خلاني أحب الحياة بعد ما كنت كرهتها.

انتهت التحقيقات، وانتهت القضية، وحُكم على مصطفى أمين بالسجن المؤبد، حزنت شادية لذلك، كما حزن عبد الحليم حافظ الصديق المقرب منه، وبعدما هدأت الدنيا تماماً، فاجأ عبد الحليم حافظ شادية:

• شوشو... إحنا خلاص هنبدأ تصوير «معبودة الجماهير» أول الشهر الجاي

- بجد... ده خبر جميل... بس إزاي.. قصدي يعني مفيش مشاكل من....

• مفيش أي حاجة... ودي أقل حاجة نقدمها لمصطفى في محنته... وعلشان تطمني أنا استأذنت الريس جمال عبد الناصر... الراجل ده زعيم كبير فعلا... تتصوري إنه قال لي مفيش ما يمنع... وإن ده شغلنا وإحنا أدرى به.

من السينما إلى الواقع

خلال تصوير الفيلم، لم تنقطع لقاءات شادية وصلاح ذو الفقار، بل كان يلازمها في كل مكان تذهب إليه، لدرجة أن المحيطين بهما أكدوا أن أحداث «أغلى من حياتي» ما زالت مستمرة، وأن ثمة قصة حب شديدة الرومانسية نمت بين النجمين الكبيرين، وقبل أن تتجه الأقاويل إلى قصص من الخيال، قررا قطع كل الألسنة فتزوجا قبل أن ينتهي تصوير «معبودة الجماهير» بأيام.

وما أن انتهى التصوير حتى طار الزوجان إلى الإسكندرية لقضاء شهر العسل، منتصف العام 1965، وقصدا المكان الذي صورا فيه أجزاء من فيلم «أغلى من حياتي»، ولولا ارتباطهما بعمل واحد مع المخرج فطين عبد الوهاب في فيلم «مراتي مدير عام» لما اضطرا إلى قطع شهر العسل، فعادا إلى القاهرة وصورا معا الفيلم.

خلال التصوير شعرت شادية بإرهاق شديد وصل إلى درجة الإعياء، فأصرّ صلاح على أن تعرض نفسها فوراً على الطبيب الذي زف إليها الخبر الذي حلمت به ليالي طويلة، وانتظرت أن يكافئها الله به:

• مبروك أستاذ صلاح... مدام شادية حامل.

لم تصدق شادية نفسها ولا الطبيب... أجرت فحوصات وتحاليل عدة أثبتت كلها صدق كلام الطبيب... أخيرا ستصبح أماً.
الموضوع الأصلى : شادية قمرا ّ لن يغيب  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: هدى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com
هدى
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 35667
تاريخ التسجيل : 06/12/2007
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: شادية قمرا ّ لن يغيب   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 22:19

شادية... قمر لا يغيب (13)



شيء من الخوف والحزن

عاشت شادية أياماً خافت فيها على نفسها من فرط السعادة، فقد تزوّجت رجلاً رومانسياً يعرف قدرها كفنانة وإنسانة، وقبل ذلك كلّه فإن الحلم الذي عاشت من أجله، حلم الأمومة، في طريقه للتحقّق، الأمر الذي جعلها تقبل على الحياة والفن بشكل جديد ومختلف.

ولأن شادية في تلك المرحلة كانت حريصة على أن تستشير شخصاً واحداً في كل ما يُعرض عليها، ليس زوجها الفنان صلاح ذو الفقار، ولا شقيقها طاهر ولا حتى والدها، بل طبيبها الخاص، فهي تريد أن تضمن كل سبل السلامة لمولودها القادم، فأكد لها أهمية بل وحتمية ألا تغادر الفراش على الأقل خلال الأشهر الستة الأولى، لأن حملها ضعيف، فضلاً عن ضعف صحتها عموماً.

خرجت شادية من عيادة الطبيب وقد عزمت على الاعتذار عن الفيلم،"«القاهرة 30 "
ربما كان الدور رائعاً، وإذا قدمته سيكون علامة مهمة في تاريخها إلى جانب العلامات السابقة، ولكن على رغم ذلك كلّه يمكنها تعويض هذه الفرصة، ولكن حلمها بالأمومة لا يعوَّض ثانية، فاعتذرت عن الفيلم الذي كان المخرج صلاح أبو سيف قد انتهى من التجهيز له، ولم يبقَ أمامه سوى أيام ويشرع في تصويره، فلم يجد أمامه حلاً سوى الاستعانة بممثلة أخرى،واسند الدور عاد حسني التي قدمت الدور على أفضل وجه، وهذا ما شهدت به شادية.
عاشت شادية أسعد أربعة أشهر في حياتها مع زوجها صلاح ذو الفقار، وإن لم تغادر فيها الفراش الذي لازمته طيلة هذه الفترة لا تتحرك حتى يثبت حملها، كما نصحها الأطباء، وعلى رغم عدم لامبالاة صلاح ذو الفقار بالإنجاب من عدمه، إلا أن اهتمامه كلّه كان لأجل شادية، لتحقيق حلمها، فتحمَّل وضعها، حتى شاءت قدرة الله أن يسقط الحمل في بداية الشهر الخامس، ليسقط معه حلم شادية الذي عاشت من أجله.

أغلقت شادية بابها عليها حزناً على حلمها الذي ضاع، واضطربت العلاقة بينها وبين زوجها بسبب الحزن الذي بات مسيطراً عليها، غير أنه استطاع أن يعبر بها هذه الأزمة:

• أنا عارف يعني إيه الحلم اللي إنت انتظرتيه طول عمرك ينتهي في لحظة.

- متعرفش قد إيه كنت أتمنى أشوفه حتى لو أموت بعدها.

• ليه بتقولي كده؟ بُعد الشر عنك فقدان جنين مش نهاية العالم وتقدري تعوّضيه إن شاء الله.

- متعرفش أنا بحب الأطفال قد إيه... يمكن لإني اتحرمت منهم.

• ولا حرمان ولا حاجة... وبعدين ياستي اعتبريني ابنك ولا ما ينفعش يبقى لك ابن بشنب.

ضحكت شادية، فانفرجت أسارير ذو الفقار:

• يااااه... تعرفي إن ضحكتك وحشتني قوي... أنا مقدر إحساسك لكن إن شاء الله ربنا هيعوضك.

- تعرف ياصلاح ساعات بحس إني طفلة كبيرة، مش عارفه ده شيء حلو، ولا وحش... ممكن أغضب بسرعة من أي حاجة وبعد خمس دقائق تلاقيني نسيت.

• ودي أجمل حاجة فيكي... طفولتك وبراءتك.

- بالمناسبة يا صلاح كنت عاوزة أطلب منك حاجة كده.

• تحت أمرك يا حبيبتي... أي حاجة أنفّذها فوراً.

- كنت عاوزة أجيب خالد ابن أخويا طاهر يقعد معانا في البيت... أهو منه ونس، ومنه يعني.

• يعني إيه؟

- يعوضني عن ابني اللي اتحرمت منه.

• أنا ماعنديش مانع أعمل أي حاجة ترضيك... والولد خالد ده بالذات أنا بحبه جدا وباعتبره زي ابني بالظبط... أهلا بيه طبعاً ده بيتك وبيته.

منذ ذلك الحين لم يغادر خالد حضن عمّته شادية، وارتضى والده طاهر أن يتركه يعيش بعيداً عنه من أجل إرضاء شقيقته، فعاش خالد بين شادية وصلاح كابنهما الذي لم ينجباه، لدرجة أن صلاح كان حريصاً على أن يطمئن على أنه ذاكر دروسه، وعلى مائدة الطعام كان يسابق شادية في إطعامه في فمه بيده.

ملأ خالد عليهما البيت، والأهم أنه ملأ حياة شادية، فعشقها للأطفال كان يسري في دمها ويملأ عليها كيانها لدرجة أن حقيبة يدها لم تخلُ يوماً من قطع الشوكولا لتوزّعها على الأطفال الذين يقابلونها. استطاع خالد تعويضها بعض حرمانها، وإن كان الحزن

ما زال يملأ قلبها، ولم يخرجها من حزنها الخاص، إلا حزن آخر عام، أكبر وأشمل، نكسة 1967، فكان الانكسار الكبير، ليسيطر الحزن على الجميع. شعرت شادية بأن ثمة ما هو أهم من حزنها الخاص، وبأن مصر بحاجة إليها، فقررت فوراً أن تخرج من أحزانها، لتبحث عما قد تقدّمه، وفضلاً عن مشاركتها في المجهود الحربي والهلال الأحمر، بحثت عن كلمات تناسب تلك الظروف، حتى وجدت ضالتها في قصيدة الشاعر نزار قباني «القدس» فعهدت بها إلى الموسيقار رياض السنباطي، وعلى رغم تخوّفها من التجربة، على اعتبار أنها ابتعدت فترة عن الغناء، وستعود من خلال قصيدة، إلا أنها كانت من أجمل ما غنت:

صليت حتى ملني الركوع

وبكيت حتى ملت الدموع

في الوقت الذي لم يثمر فيه زواج شادية وصلاح ذو الفقار، أطفالاً، إلا أنه أثمر عدداً من الأفلام الناجحة التي قاما ببطولتها، منها: «كرامة زوجتي»، و{مراتي مدير عام» في العام 1967، العام نفسه الذي شهد أيضاً عرض فيلم شادية وعبد الحليم حافظ «معبودة الجماهير» الذي أوقفته الرقابة عقب تصويره، بسبب قضية الكاتب مصطفى أمين، وظل حبيس أدراج الرقابة ما يقرب من عامين، ولم يُفرج عنه ويُسمح بعرضه، إلا بعد محاولات من شادية وعبد الحليم حافظ، إذ استطاعا الاتصال بالرئيس جمال عبد الناصر وإطلاعه على الأمر، فما كان منه إلا أن أعطى أوامره بالإفراج فوراً عن الفيلم، والتصريح بعرضه.

تقلّص عدد الأفلام السينمائية التي كانت تنتجها السينما المصرية خلال الفترة التي أعقبت نكسة 67، وأبت شادية أن تترك مصر هرباً إلى بيروت ـ كما فعل كثرـ للعمل هناك بعيداً عن أجواء النكسة،

«شيء من الخوف»:
انتهى التصوير واستعد الجميع لعرض الفيلم، وحدث ما لم يتوقّعه أحد، فقد أوقفت الرقابة عرضه بحجة أنه يهاجم الزعيم جمال عبد الناصر، وأسقط في يد الجميع، لا يعرفون ماذا سيفعلون، فالتهمة كافية لإيداعهم جميعاً السجن، وخصوصاً الأبنودي، كاتب السيناريو والحوار، والذي خرج قبل كتابتهما بقليل من السجن.

غير أن جرأة شادية وحماسها للفكرة التي تؤمن بها دفعاها الى القيام بمعركة كبيرة مع الرقابة على صفحات الصحف، بعد اعتراض الأخيرة على بعض المشاهد والمواقف في الفيلم الذي جسّدت فيه شادية دور «فؤادة» أمام الفنان محمود مرسي الذي قدّم شخصية «عتريس»، ولم تقتنع بإلحاح الكاتب ثروت أباظة ـ صاحب الرواية ـ بأن يرتضي فريق العمل في الفيلم الأمر الواقع، وألا يثيروا مشاكل مع الدولة، خوفاً من أن يتم البطش بهم، غير أن شادية لم تكن مقتنعة بذلك، ليس خوفاً على أموال زوجها المنتج، ولكن لأنها كانت ترى في جمال عبد الناصر غير ذلك، وقد ظلت تدير معركتها مع الرقابة حتى وصل صوتها إلى عبد الناصر، الذي قرر مشاهدة الفيلم في عرض خاص، فسارع حسين كمال بدعوة فريق الفيلم لمشاهدته قبل عرضه على الرئيس... وأسقط في يد ثروت أباظة:

• لا... إحنا كدا بنسهل مأموريتهم. فرصة نتلم كلنا في مكان واحد علشان يبقى سهل يقبضوا علينا كلنا مرة واحدة.

ـ يا أستاذ ثروت أنا عايزاك تهدى شوية مش كده..الكلام ده مش صحيح. وبعدين همّا لو عاوزين يقبضوا علينا مش هيستنوا نتلم في مكان واحد علشان يقبضوا علينا!

• برضه أنا مش مطمن. هو

عبد الرحمن الأبنودي السبب منه لله. الرواية ما كنتش بالشكل ده خالص. لكن خلاص مافيش فايدة من الكلام الفيلم اتحسب عليّا والأحداث اللي فيه هتبين إني أنا اللي كاتبها.

أقيم عرض خاص للفيلم بحضور شادية ومحمود مرسي وحسين كمال والمنتج صلاح ذو الفقار، بينما جلس ثروت أباظة بجوار

عبد الرحمن الأبنودي.

بدأ عرض الفيلم، وكلما مرّ مشهد أو جملة حوار، وجد الأبنودى أصابع أباظة تغوص في ذراعه ممسكاً عليه بشدة، حتى شعر الأبنودي بألم شديد في ذراعه، ولم يجد بداً من أن يلتفت إلى أباظة هامساً:

• في إيه يا عم ثروت دراعي اتخدل حرام عليك.

- حرام عليك إنت. منك لله هتوديني في داهية.

• ليه بس ما الفيلم زي الفل أهه؟

- ما أنا قلت كده برضه. همّا علشان اعتقلوك جاي تنتقم منهم في شخصي وتفش غلك في فيلمي وأروح أنا في داهية؟!

• إهدى شوية ياعم ثروت الله يخليك خلينا نسمع الأغنية:

يا عيني يا عيني... يا عيني ع الولد

الواد كما أي عيل

في عيال ناس البلد

جسمه برضك قليل

زي ولاد البلد

يغوى صوت السواقي

لمت تملا البلد

زي ولاد البلد

والقلب أخضر مزهر

لا مكر ولا حسد

زي ولاد البلد

سموه على اسم جده

ساعتين لما اتولد

شاهد عبد الناصر الفيلم، وبصحبته بعض رجال الدولة، وما إن انتهى العرض حتى خرج قائلاً:

• لو إحنا زي العصابة اللي في الفيلم ده... وأنا زي عتريس... يبقى نستاهل الحرق فعلاً زيهم. فيلم رائع. مفيش أي مشكلة تمنع عرضه.

عُرض الفيلم جماهيرياً وحقق نجاحاً لم يتوقعه أحد، غير أن النجاح انعكس بشكل آخر على شادية، فقد كان دافعاً قوياً الى تقديمها تجربة جديدة قبل أن ينتهي العام 1969، في عودة جديدة لأعمال الأديب نجيب محفوظ، من خلال فيلم «ميرامار» الذي وجّه أيضاً انتقادات كثيرة ومباشرة الى أجهزة الدولة والاتحاد الاشتراكي، غير أنه جاء فيما كان عبد الناصر يخوض معركة ضخمة للتطهير والتغيير في النظام بأكمله، وكانت الرقابة قد استوعبت الدرس من «شيء من الخوف» فسمحت بعرضه فوراً من دون الاعتراض على أي مشهد.

لم تكن عودة شادية إلى روايات محفوظ في «ميرامار» مصادفة، فقد حرصت على أن تكون اختياراتها في هذه المرحلة من خلال الأعمال الأدبية إذا كانت متوافرة، وقدمت مع المخرج حسين كمال أيضاً،فيلم مأخوذ عن رواية الأديب يوسف السباعي بعنوان «نحن لا نزرع الشوك» التي سبق وقدّمتها للإذاعة المصرية بالإسم ودور «سيدة» نفسيهما، غير أن المخرج حسين كمال رشّح لدور البطولة أمامها أحد الممثلين الثانويين الذين ظهروا معه في «شيء من الخوف» في ثلاثة مشاهد تقريباً، وهو الشاب محمود ياسين، إذ دفع به الى دور البطولة وهو يتوجّس خيفة من اعتراض شادية، غير أنه فوجئ بمساندتها الكبيرة له، لدرجة أنها كادت أن تخسر حسين كمال نفسه كمخرج أثناء التصوير بسبب دفاعها عن حق الوجه الجديد في مساحة دوره وشكل وجوده على الشاشة، لتكمل مسيرتها في هذا الاتجاه بالدفع بالوجوه الجديدة والوقوف خلفها، إذ كانت شادية مفتاح الحظ لفنانين ومخرجين ومنتجين كثر في السينما، مثلما كانت أيضاً تميمة الحظ واليد التي امتدت الى مؤلفي أغنياتها الذين حصلوا على فرصتهم الأولى معها مثل عبدالرحمن الأبنودي، ومجدي نجيب، وعبد الرحيم منصور، ومن الملحّنين أيضاً من بينهم: خالد الأمير، وإبراهيم رأفت، وجمال سلامة، وعمار الشريعي، ومحمد علي سليمان.

منذ اليوم الأول لدخولها الحقل الفني وضعت شادية لنفسها أسساً تسير عليها، وهي عدم تسجيل أية أغنية قبل إجراء بروفات موسيقية عدة على اللحن، ولم يحدث استثناء لهذه القاعدة إلا مرة فقط عندما سمعت فجأة في الإذاعة المصرية خبر رحيل عبد الناصر، في 28 سبتمبر 1970، فلم تصدّق نفسها، لقد رحل الأب والزعيم والسند والحماية، رحل جمال عبد الناصر، وبرحيله

لا بد من أن تكسر أي قواعد، فقررت غناء لحن أسمعها إياه الموسيقار الراحل بليغ حمدي وتمسّكت به وأصرت أن تغنيه في اليوم نفسه في الإذاعة، غير أنها لم تجد أفراد الفرقة الموسيقية لأن الجميع كانوا في حال حزن عميق، لكن اقتناعها باللحن وإصرارها على التعبير عن حبها لعبد الناصر جعلاها تتصل بالعازفين واحداً تلو الآخر لتحدّد معهم موعداً في الاستديو لتسجيل اللحن.

وفي الموعد المحدد ذهبت شادية الى الاستديو وأجرت بروفة واحدة مع الموسيقيين ثم سجّلت اللحن ودفعت التكاليف بالكامل من مالها الخاص.

لم تغنِّ شادية يوماً لحاكم إلا لعبد الناصر الذي كانت ترى فيه الزعيم والأب لها ولكل المصريين ولكل العرب، ورمزاً للأمة كلّها لا قائداً لبلده مصر فحسب... غنّت شادية وهي تبكي بحرقة:

متقولوش الشمعة غابت

متقولوش ده غاب الضي

مهما يغيب اللي بنى

مهما يغيب... في قلوبنا حي.

- ماهر زهدي
الموضوع الأصلى : شادية قمرا ّ لن يغيب  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: هدى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com
هدى
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 35667
تاريخ التسجيل : 06/12/2007
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: شادية قمرا ّ لن يغيب   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 22:21

شادية... قمر لا يغيب (الأخيرة)


حجاب وصمت وعبادة

ترك رحيل الزعيم جمال عبد الناصر جرحاً غائراً في نفس شادية، فانطوت على أحزانها وتأثرت بشكل كبير. حاول زوجها الفنان صلاح ذو الفقار إخراجها من هذه الحالة، فاتفق مع مكتشفها المخرج حلمي رفلة أن يعرض عليها بطولة فيلم «لمسة حنان» على أن يصوّر خارج القاهرة، لكي تترك مصر في تلك الفترة العصيبة، وبالفعل صُوّر في بيروت في وقت كانت شادية تحتاج فيه إلى «لمسة حنان»، وشاركها زوجها البطولة.

لم تكن هذه حال شادية، بل حال السينما المصرية كلها، فالبلد في غليان، الكل يطالب بالحرب والثأر، لم تشفِ حرب الاستنزاف الغليل، لذا كان لا بد من أن تعود شادية إلى الغناء، فوجدت في حفلات «أضواء المدينة» متنفسا لها، فضلا عن التفات الإذاعة إلى هذا الكنز «شادية» فانهالت عليها العروض لتقديم مسلسلات إذاعية من بينها: «نحن لانزرع الشوك» الذي تحوّل في ما بعد إلى فيلم سينمائي، «جفت الدموع» في إذاعة صوت العرب، قدمته المطربة نجاة الصغيرة في ما بعد للسينما بالاسم نفسه، «وسقطت في بحر العسل» في إذاعة مونت كارلو، قدمته النجمة نبيلة عبيد في السينما أيضاً.وغيرهم


شعرت شادية بأن العمر يجري والسنين تمر، وباتت على عتبة الأربعين من عمرها، فعاودها الحنين إلى حلم الأمومة، وحاولت تحقيقه، لكن للمرة الثالثة يضيع الحلم وتصبح علاقتها بزوجها صلاح ذو الفقار شبه مستحيلة، فيقع الطلاق بينهما للمرة الثانية والأخيرة بينما كانت تصوّر فيلم «ذات الوجهين» مع المخرج حسام الدين مصطفى، ليشهد مطلع 1973 نهاية أجمل قصة حب، ليس في الوسط الفني فحسب، بل بين الجمهور أيضاً الذي أطلق عليهما «منى وأحمد» منذ فيلم «أغلى من حياتي» الذي شهد ميلاد قصة حبهما.

بعد الطلاق الثاني والأخير، قررت شادية طيّ هذه الصفحة من حياتها وعدم تكرار تجربة الزواج، فانصرفت إلى تربية أبناء إخوتها، الذين ملأوا عليها حياتها، وكانت ترى فيهم التعويض المناسب عن حلمها المفقود في أن تصبح أماً.

ربت شادية «خالد» وشقيقته «ناهد» ابني شقيقها طاهر، الذي كان أقرب أشقائها إليها ويرعى شؤونها، وكانت سعادتها تكبر في كل مرة تجلس معهما وباقي أطفال العائلة، لا سيما عندما يلتفون حول المائدة التي كانت تزخر بأصناف من الطعام من صنع يديها وتغدق عليهم من حنانها المتدفق.

اختيار دقيق

تميزت تلك الفترة بحرص شادية على الاختيار الدقيق للسيناريوهات التي تعرض عليها، وعادت بقوة إلى الغناء فتعاونت مع شعراء تميزوا بغزارة الإنتاج وتنوعه من بينهم: عبد الرحمن الأبنودي، مجدي نجيب، محمد حمزة، وملحنين من بينهم: محمد الموجي وبليغ حمدي وغيرهما... فتنوّع إنتاجها بين العاطفي والشعبي والريفي، فضلا عن الأغاني الوطنية التي لقب من خلال بصوت مصر لا سيما «يا حبيبتي يا مصر» التي كانت غنتها خلال حرب الاستنزاف (1968)، «يا أم الصابرين، رايحة فين يا عروسة» وغيرهما، فاستعادت تفوقها الغنائي مرة أخرى، وأكد كل شيء في حياتها نجاحها وذكاءها وتنوعها، وقد تعزز موقعها عبر استفادتها من كوكبة من المحيطين بها من ألمع نجوم الفن والصحافة والأدب وأصبح شقيقها طاهر مستشارها الأول.

في تلك الفترة ايضاً تغيرت نظرة شادية إلى السينما ولم يعد يهمها كم الأفلام التي تصوّرها إنما نوعيتها، فاكتفت بتصوير فيلم واحد في السنة حرصاً منها على التميّز والتجديد، وهما بالذات اللذان حمساها للشخصية التي عرضها عليها المخرج الشاب أشرف فهمي في فيلم «امرأة عاشقة» (1974)، وقدمت معه في ما بعد «أمواج بلا شاطئ»، فرأى الجمهور شادية مختلفة عن تلك التي عرفها في الخمسينيات والستينيات، انتهت الدلوعة الشقية ـ وإن بقيت روحها ـ وحلّت محلها الأنثى الناضجة التي لها نظرتها الخاصة للحياة ومنطقها في الحكم على الأمور، الأنثى التي تبحث عن الحبّ الذي حرمت منه وعن أحلامها التي ضاعت، وكانت تزن خياراتها بميزان حياتها الشخصية وتبحث فيها عن جراحها.

أكد «الشك يا حبيبي» مع المخرج هنري بركات هذا الواقع وأعاد إليها ذكرى الجرح القديم بضياع حلم الأمومة الذي لم تنسه أبداً، فودعت به سبعينيات القرن العشرين ودخلت الثمانينيات.. المرحلة الفاصلة في حياتها كفنانة وإنسانة.

مسيرة حافلة

شعرت شادية بأنها قدمت كل ما يمكن أن تقدمه فنانة في تاريخها، أدت بطولة ما يقارب من 115 فيلماً بين التراجيديا والكوميديا والميلودراما، وتنوعت أدوارها بين الفتاة الضعيفة المنكسرة المغلوبة على أمرها، الدلوعة الشقية، الحبيبة، الزوجة، الأم، العشيقة.

أما المطربة فغنت أكثر من 700 أغنية، من تأليف ما لا يقل عن 60 شاعراً أبدعوا معها في تقديم فلسفة غنائية خاصة بها، فتميزت وتميزوا معها، كذلك غنت من ألحان أكثر من 40 ملحناً ينتمون إلى أجيال مختلفة وتألقت معهم في ألوان وأنماط الموسيقى الشرقية الأصيلة. وكانت في كل ما قدمت متفردة لا تشبه أحداً ولا تقلد أحداً.

لكن ماذا تبقّى من الإنسانة؟ هل أبقت الفنانة على شيء لشادية الإنسانة؟ نعم بقي الكثير، بل والكثير جداً، وقد بدأت تشعر به يتحرك في داخلها في العرض الأخير من مسرحية «ريا وسكينة»، فقبل أن تتوجه إلى المسرح صلّت ركعتين لشكر الله على خوضها تجربة المسرح للمرة الأولى في مسيرتها الفنية التي تعدت الـ 36 عاماً وعلى هذا التوفيق الكبير.

الوداع الأخير

أحست شادية بالألم بعد عودتها من المسرح في تلك الليلة، فاستيقظت والدتها على صوت أنينها واستمرت على هذه الحال حتى آذان الفجر، فقامت إلى الصلاة، وبعدها سرت سكينة في جسمها وهدأت واستراحت، وفي اليوم التالي أخبرت منتجي المسرحية بأنها ستتوقف لكنهم طلبوا منها أن تمهلهم أياماً... بالفعل بعد أيام أغلقت أبواب المسرح على أشهر مسرحية استعراضية في القرن العشرين.

كان استقبال الجمهور لها حافلا وحققت نجاحاً لم يشهده المسرح المصري منذ سنوات لدرجة أنه في العرض الأخير خرجت أكثر من ثلاث مرات لتحيّي الجمهور، كأنها تلتقيه لتودعه الوداع الأخير ليس في المسرحية لكن لشادية الفنانة.

قبيل تلك الفترة شاءت إرادة الله ان يرحل شقيقها فنصحها أصدقاؤها والمقربون منها بإغراق نفسها في العمل حتى تنسى، وكان ذلك فعلا، لكنها عندما تعود الى بيتها كانت تغرق في الدموع، ثم تقرأ القرآن بانتظار الموعد الجميل، «صلاة الفجر» والبكاء.. من دون أن تعرف سبباً محدداً لبكائها، فاندهشت والدتها من تكرار ذلك المشهد وأصرت على أن تسألها وتعرف السبب:

• خير يا بنتي فيه إيه...

- أبدا ياماما سلامتك مفيش حاجة.

• إنت هتخبي على ماما يا فتوش.

- الله يا ماما بقالي زمان مسمعتش منك اسم فتوش.

• متغيريش الكلام...

- قولتلك يا ماما مفيش حاجة.

• والله العظيم لتقولي مالك .

انفجرت بالبكاء وهي تجيبها بجملة واحدة:

- عايزة أحج يا ماما.

ضمتها أمها إلى صدرها بينما بكت شادية بحرقة:

- يا رب أحج وأزور بيتك يارب.

تحققت لها الأمنية بعد إجراء جراحة في صدرها لاستئصال «الكيس الدهني»، وعادت من أميركا لتذهب لأداء العمرة وتلتقي هناك بفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي.

عودة إلى فاطمة

هذه الأسئلة... وهذه الذكريات والرحلة الطويلة، بحلوها ومرها، دارت في عقل شادية، بسرعة خاطفة وهي تقف على باب منزل فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي في منطقة مولانا الحسين في حي الأزهر الشريف، تنتظر أن يأتي حارس فضيلة الشيخ ليأذن لها بالدخول... أو تنصرف.

أفاقت شادية من ذكرياتها على صوت الحارس وهو ينبهها:

- اتفضلي يا أستاذة... فضيلة الشيخ في انتظارك.

• متشكرة قوي.

شعرت شادية بثقل خطواتها وهي تتجه إلى غرفة فضيلة الشيخ الشعراوي، ليس تردداً، لكن خوفاً.

لماذا الخوف؟ وماذا يمكن أن يقول لها؟ هل تأخرت في الوصول إليه؟

لكن من المؤكد أن لديه رؤية أوضح عن بداية الطريق ليدلني عليه... نعم هو البداية ومؤكد سيكون الدليل.

دارت هذه الأسئلة في رأس شادية وهي تقترب من باب الشيخ الشعراوي، وما أن دخلت حتى شعرت بأن كل شيء اختفى من رأسها، لم تعد تتذكر شيئاً، حتى اسم شادية لم يعد شيء يذكرها به عندما ناداها الشيخ الشعراوي:

- أهلا يا ست فاطمة... اتفضلي.

• السلام عليكم ورحمة الله.

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... اتفضلي أقعدي.

جلست شادية... تفكر بماذا تبدأ ومن أين؟ وقبل أن تنطق بادرها:

- عمرة مقبولة إن شاء الله.

ردت بلا تردد:

• وناوية إن شاء الله أحج كمان.

- الحمد لله... هذا من فضل ربي... وفضل الله عليك.

• أنا تعبانة يا عم الشيخ... مش عارفة أعمل إيه... ما بقتش قادرة أمشى في نفس الطريق... حاسة إنه مبقاش بتاعي.

- إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء...

• مش عارفة أحفظ أغاني زي الأول ولا أنطق بكلمة واحدة منها... حتى لما قلت هغني أغاني دينية بس... برضه مش عارفة... أعمل إيه؟

- قبل كل شيء عاوز أسألك سؤال.

• اتفضل

- إنت إيه اللي جابك هنا؟

• مش هاخبي عليك... من ساعة ما شفت فضيلتك في العمرة وأسئلة كتير بتدور في راسي... وشيء بيلح عليّا إن الإجابة هلاقيها هنا عند فضيلتك.

- ولو جاوبتك هتلتزمي باللي هقولك عليه؟

• طبعا... وأنا هنا علشان كده واللي هتقول عليه هنفذه بالحرف.

- يبقى لازم قبل أي حاجة إنك تنسي خالص إنك كنت شادية المغنية، إنت الآن السيدة الفاضلة فاطمة... اللي عرفت طريق الحق تبارك وتعالى... ولازم تلتزمي بكلامك مع الله... المسألة بسيطة مش محتاجة واسطة مع الله... وإن شاء الله ربنا يقبل منا ومنك.

كانت هذه الكلمات هي بداية التحول الجذري في حياة شادية الفنانة، خرجت من منزل الشيخ الشعراوي وهي تشعر براحة وسكينة غير عادية، وجدت نفسها تبكي وتردد:

• الحمد لله... حاسة إني اتولدت من جديد.

كلمات قصيرة لخصت بها شادية حالتها بعدما استقرت على قرار الاعتزال وارتداء الحجاب، شعرت، وهي تهبط درج السلم في منزل الشيخ الشعراوي، بأنها لا تهبط بل ترتقي وتصعد إلى عنان السماء، كان عليها أن تنسى لحظات حياتها، حلوها ومرها، نجاحاتها ومحطاتها، مراحل صعودها وتألقها، ولا تتذكر إلا لحظة الاهتداء إلى الطريق الذي كانت تبحث عنه دوماً... لكنه كان يتوه في داخلها.

ولادة جديدة

اتجهت إلى بيتها... أغلقت باب غرفتها عليها، وعندما خرجت كانت كأنها ولدت من جديد بالفعل لكل من شاهدها وهي ترتدي الحجاب، شعرت أسرتها بمقدمات هذه الخطوة، غير أنها لم تتصوّر أن تكون بهذه السرعة، ربما لم يساورها الشك، مثلما ساور آخرين، حول وجود شخص ما وراء هذه الخطوة، وقبل أن تسألها، كانت الإجابة على لسان شادية:

• اللي حصل ده... حصل بإرادتي الكاملة... أنا من نفسي رحت لفضيلة الشيخ الشعراوي، واتخذت القرار بالاعتزال والحجاب، مش معنى كده إني كرهت حياتي اللي قبل كده، أبداً... أنا احترمت فني، وبحب ذكرياتي وأفلامي وكل ذكرياتي الحلوة... وإذا كنت عملت شيء غلط، فلا يوجد إنسان معصوم من الغلط... ربنا يسامحني ويغفر لي... ويسامحنا كلنا.

كان أول أمر فعلته شادية بعد ذلك أن اتصلت بعلية الجعار:

• علية أنا مش هغني الكلمات اللي إنت كتبتيها.

- ليه هي مش عاجباكي؟

• لا... لإني لا هغنيها ولا هغني غيرها... علية أنا عاوزة أقولك على حاجة... بس مش عاوزة أي كلام أو تعليق منك أو من أي حد...

- اتفضلي قولي... خير في إيه؟

• أنا اعتزلت الفن... وكمان لبست الحجاب.

تخلصت شادية من كل ما كان يربطها بالماضي، حتى ملابسها وأفلامها وشرائط أغنياتها استبدلتها بمكتبة قرآنية بناء على نصيحة فضيلة الشيخ الشعراوي، الذي رسم صورة حقيقية لما كانت تشعر به شادية، وللحال التي كانت عليها عندما حضرت للقائه مفسراً ما حدث لها، سأله البعض عن سرّ هذا التحول وماذا فعل معها:

• لم أفعل شيئا... لكن الله يهدي من يشاء، من نفسها شعرت بما تريد، وبحثت عنه... هذه السيدة التي ظلت، طيلة عمرها، تغني وتطرب الناس تحولت، وجاءت لتطرب طرباً آخر، لكن ليس من صوت رقيق، إنما من صوت خشن أجش، وهذا له معان كثيرة، المشكلة تنتهي عندما يرى الإنسان نور الله وتهتك الأستار والحجب التي يضعها الشيطان بين الإنسان وربه، وأعتقد أن السيدة شادية لو عرفت هذا الطريق من قبل لاتخذته عملا يمسح ما كان في الماضي، إذا ما كان في هذا الماضي شيء، شادية الآن سعيدة بإيمانها، وترى أنه جعلها تشعر بالاطمئنان والاستسلام لقضاء الله وبصبر على الشدائد.

باتت شادية لا تقدم على خطوة أو عمل قبل الرجوع الى فضيلة الشيخ الشعراوي، فإذا لم يرضَ عن أمر من الأمور التي تنوي القيام بها، كأن تتم دعوتها إلى مهرجان أو جهة ما تكرمها، يأتي رده حاسما غير ملزم:

• بيني وبينك رسول الله.

من هذه العبارة القصيرة تفهم شادية أنه غير راض فتحجم عن الخطوة التي كانت تنوي القيام بها، شادية التي أسعدت الملايين بفنها كانت نفسها تهفو إلى الراحة، حققت المجد والشهرة والثراء، لكنها كانت تبحث عن ابتسامة طفل، أو لحظات تخلد فيها إلى نفسها، أن تسير في الشارع بحرية وأن تتصرف مثلما يتصرف الناس العاديون في حياتهم، لقد اختزلت شادية رحلتها مع الفن بكلمات بسيطة قالتها وهي تنظر إلى نفسها في المرآة بعدما ارتدت الحجاب:

«مررت في عمري بالكثير من الآلام، ومساحة الدموع أكبر بكثير من مساحة الابتسامات، والحمد لله، لقد تلقيت كل ما أصابني الله سبحانه وتعالى بصبر ورضى بقضائه وقدره، ولا أستطيع أن أنكر أن استرجاعي لكل هذه الذكريات المؤلمة كان له دور كبير في اختيار حياتي الجديدة، فحياة الفن لم تعد هي الحياة التي أحلم بها رغم العمر الطويل الذي قضيته فيها، السعادة الحقيقية التي كنت أحلم بها لم أجدها في الفن، ولكن وجدتها في القرب من الله سبحانه وتعالى وطاعته.. مؤكد أننا كلنا مؤمنون والحمد لله، إنما أنا في فترة ما وجدت طريقي بالشكل الذي اخترته، جسمي كان يحتاج إلى هذا وعقلي وإحساسي ونفسي.. أنا مرتاحة في الطريق الذي اختاره الله لي.. والحمد لله.

تعرضت شادية لضغوط كثيرة، وطاولتها إشاعات شرسة في محاولة لثنيها عن قرار الاعتزال والحجاب، وتلقت عروضاً مغرية منها عرض بمليون جنيه للعودة إلى المسرح، كذلك أشيع أنها تقاضت مليون دولار مقابل الاعتزال والحجاب، لكن شادية تحولت برضاها من «معبودة الجماهير» إلى الإنسانة المسلمة الطامعة في مغفرة الله عز وجل.

شادية اليوم

بعد مرور ما يقرب من ربع قرن على اعتزالها، لم يعد أحد يعرف شيئاً عن أخبار شادية سوى بعض المقربين منها، من أولاد أشقائها أو أحفادهم ـ أولادهم ـ يطمئنون جمهورها الباقي على حبه لها، بعدما اختارت طريقها. حتى المقربون منها لم تعد تلتقيهم على الدوام، بل جلّ وقتها تقضيه مع الله


ماهر زهدي


ألف شكر للحبيبة نور الحياة شاكر لتحميل المقالة الرائعة لمنتدى قيثارة الغناء العربي
الموضوع الأصلى : شادية قمرا ّ لن يغيب  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: هدى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com
هدى
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى
avatar

الدولة :
انثى
عدد الرسائل : 35667
تاريخ التسجيل : 06/12/2007
المزاج :
احترام القوانين :
بطاقة عضوية :

مُساهمةموضوع: رد: شادية قمرا ّ لن يغيب   الثلاثاء 14 سبتمبر 2010 - 23:43

نور الحياة شاكر كتبت :

من خلال تتبعي لهذه السطور التي كتبها ماهر زهدي فيه كثير من الخيال لكن الذي شدني اسلوبه الجميل في سرد هذه القصة ثانيا لا يوجد كلام يقلل من قيمة شادية كفنانة وكانسانة لهذا قدمت لكم النص كما هو دون حذف او تغيير في كلام الكاتب...ومن الصفات التي تنفرد بها العزيزة شادية انه لا يوجد اي قلم ناقد لها بل كل الاقلام تكتب لها بحب واحترام ...
الموضوع الأصلى : شادية قمرا ّ لن يغيب  المصدر : قيثارة الغناء العربى
توقيع العضو: هدى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.shadialovely.com
 

شادية قمرا ّ لن يغيب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى شادية دلوعة الشاشة العربية :: المنتدى الاعلامى لدلوعة الشاشة العربية :: شادية فى شارع الصحافة والأعلام والنت-
انتقل الى: